← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

ورسوله ودينه، وتنشر الفضيلة والحق في العالم. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم فقهنا في الدين واهدنا الصراط المستقيم، واجعلنا من عبادك المخلصين، ودعاتك الصادقين، وحزبك المفلحين. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].

стр. 7107

٦ - الخزانة السادسة فقه العبودية: الهدف والغاية من حياة الإنسان في هذه الدنيا ثلاثة أمور، وهي: ١ - عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. ٢ - والدعوة إلى الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. ٣ - والخلافة في الأرض، ليقيم أمر الله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. يشتغل العبد بذلك في كل وقته، ويجعل جزءًا يسيرًا لكسب المعاش بعد معرفة أحكام العمل كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠]. وقال : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. والشهوات مطلقة غير محدودة، وطلب الإنسان من الشهوات مطلق أيضًا غير محدود، فما يكاد يفرغ من شهوته إلا وتشتاق نفسه إلى شهوة أخرى، ولو اجتمع الإنس والجن، لتكميل شهوة إنسان واحد ما قدروا، وإنما

стр. 7108

تكميل الشهوات بيد الله ، فالإنسان تصوره ضعيف، فلا يستطيع أن يكمل شهواته حسب معرفته، إنما يكملها ربه الذي خلقه، وعلم ما ينفعه وما يضره، فأعطاه في الدنيا منها القليل الذي يصلحه، وفي الآخرة يكملها الله لأوليائه في الجنة، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]. فالإنسان في هذه الحياة بسبب جهله، وقصور معرفته، يريد تكميل شهواته، والاستمتاع بها الآن، فيرى الآن أن يأكل أحسن شيء، ويريد أن يشرب أحسن شيء، ويريد أن يسكن أحسن شيء، ويريد أن يلبس أحسن شيء، ويريد أن يركب أحسن شيء حسب معرفته، ولكن الله الذي خلقه أعلم منه، وحكمة الله أن يأخذ من الشهوات بقدر حاجته، ويصوم عن تكميل الشهوات إلى غروب شمس حياته، وبعد ذلك له في الجنة النعيم المقيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. فالله في الدنيا أمرنا بتكميل محبوباته من الإيمان والتقوى، والنفس تريد تكميل محبوباتها من الأموال والشهوات والحرب سجال.

стр. 7109

وأوامر الله ليس لها حد، وشهوات الإنسان ليس لها حد، فمن قدم أوامر الله وأكملها، وضحى بشهواته من أجلها، أكرمه الله بالجنة، وأكمل شهواته فيها، ومن أكمل محبوبات الله في الدنيا من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، أكمل الله له محبوباته في الآخرة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. فأين من ينافس في أعمال الآخرة؟ وأين من يسابق في الخيرات، ليحصل على أعلى الدرجات في الجنات؟. إننا نرى جهد الدنيا مهم جدًا، ولذلك وظائف الدنيا عليها إقبال، مع أن أجورها قليلة وفانية، ولا تحقق إلا متعة قليلة وهمية. أما وظائف الدين فلا إقبال عليها، بسبب ضعف الإيمان، مع أن أجورها عظيمة، وتحقق متعة وسعادة في الدنيا والآخرة. وعادة الملك أن يعطي الجائزة الكبيرة، والهدية الكبيرة، بنفسه، أما الجائزة الصغيرة، والهدية الصغيرة، فيأمر أحد الخدم أن يعطيها من يريد. وهكذا أسباب الدنيا من الأموال والأشياء والمناصب، كلها صغيرة، فيعطيها الله عن طريق الأسباب.

стр. 7110

أما الدين والجنة، وما فيها من النعيم فهو كسب عظيم وكبير، يعطيه الله من علم أنه يستحق ذلك بنفسه. فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا لمن يحب، والله ابتلى كل إنسان بطريقين: طريق الإيمان والأعمال الصالحة، وطريق الأموال والشهوات. والإنسان الفائز من يقضي حياته بطريق الإيمان والأعمال الصالحة، ويأخذ من الأموال والشهوات بقدر الحاجة، والخاسر بضد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. واليهود والمشركون أحرص الناس على الحياة كما قال سبحانه عنهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦]. ولماذا يحرصون على الحياة؟ لأنهم يعلمون أن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة، وعندئذٍ يكونون قد خسروا الدنيا بالموت الذي فروا منه، وخسروا الآخرة بالعمل السيئ الذي قدموه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. فهم لا يحبون الموت، ويحرصون على الحياة أيًا كانت، ولا يهم أن تكون حياة كريمة، ولا حياة مميزة على الإطلاق، إنهم يريدون أي حياة، حياة

стр. 7111

حشرات، أو حياة بهائم، أو حياة سباع، أو حياة عقارب، أو حياة شياطين. وأعلى أنواع الحياة حياة الأنبياء والمرسلين، ثم من سار على هديهم من الصديقين والشهداء والصالحين، الذين حياتهم خالصة، لامتثال أوامر الله وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. والله سبحانه إذا رقى عبده بالتدريج نوَّر باطنه وعقله بالعلم، فرأى أنه لا خالق سواه، ولا يملك الضر والنفع، والعطاء والمنع غيره، وأنه لا يستحق أن يعبد سواه، وكل معبود سواه فباطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]. ثم إذا رقَّاه الحق سبحانه درجة أخرى فوق هذه، أشهده عود المفعولات إلى أفعاله سبحانه، وعود أفعاله إلى أسمائه وصفاته، وقيام صفاته بذاته، فيضمحل شهود غيره من قلبه الكلية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. ثم إذا رقاه درجة أخرى، أشهده قيام العوالم به وحده بإقامته لها، وإمساكه لها، فإنه سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ويمسك البحار أن تغيض أو تفيض على العالم، ويمسك الطير في الهواء صافات ويقبضن، ويمسك القلوب

стр. 7112

الموقنة أن تزيغ عن الإيمان، ويمسك أرواح الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود، ويمسك على الموجودات وجودها، ولولا ذلك لاضمحلت وتلاشت، والكل قائم بأفعاله وصفاته، التي هي من لوازم ذاته، فهو سبحانه مستعنٍ عن كل ما سواه، وما سواه فقيرٌ إليه بالذات: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. فهذا العبد يشهد ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، منفردًا بالقيومية والتدبير، والخلق والرزق، والعطاء والمنع، والنفع والضر، ويرى جميع المخلوقات محل جريان أحكام الرب عليها، لا يملك شيئ منها لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. ومع هذا فهو ساعٍ في طلب الوصول إليه بالواجبات والنوافل، حسب أمره وشرعه، ويشهد ألوهية الله، فيتعلق به وحده دون سواه، ويحبه وينيب إليه، ويتوكل عليه، ويفرده بالمحبة، والخوف والرجاء، والتعظيم والإجلال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].

стр. 7113

فهذه أعلى مقامات المؤمنين، وأحسن درجات المحسنين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ولهؤلاء السابقين في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة: ١٠ - ٢٦]. هذا السابق بالخيرات والمسارع إلى الخيرات، ما سبق إليها إلا بتوفيق الله تعالى ومعونته، فينبغي له أن يشكر الله في جميع أوقاته على ما أنعم عليه به، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. فالظالم لنفسه، والسابق بالخيرات، والمقتصد، هؤلاء الذين ورثوا الكتاب، وهم الذين اصطفاهم الله لوراثة الكتاب، وبعرض متاجر الأقسام

стр. 7114

الثلاثة يتبين للعبد من أي التجار هو، أما جزاء الذين أورثهم الله كتابه فهو: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٣]. وهم متفاوتون في هذا النعيم، حسب أعمالهم ودرجاتهم، وحسب قوة إيمانهم، وحسن أعمالهم، وتنوعها، فإذا تم نعيمهم، وكملت لذاتهم وسرورهم، حمدوا الله على كمال النعيم: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤] فلا حزن يعرض لهم بسبب نقص في جمالهم، ولا في طعامهم، ولا في شرابهم، ولا في لذاتهم، ولا في أجسادهم، ولا في دوام لبثهم، فهم في نعيم ما يرون عليه مزيدًا. فلله الحمد حيث غفر لنا الزلات، وقبل منا الحسنات، وضاعفها لنا، وأعطانا من فضله ما لم تبلغه أعمالنا ولا أمانينا، وأوصلنا إلى دار المقامة، التي يرغب الإنسان في الإقامة فيها، لدوامها، وكثرة خيراتها، وتوالي مسراتها، وزوال منغصاتها، وذلك كله بفضله وكرمه وحده، لا بأعمالنا، فلولا فضله لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من كمال النعيم، حيث لا نصب ولا تعب: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٥]. إن عظيم الهمة يستخف بالمرتبة السفلى من معاني الأمور، ولا تهدأ نفسه إلا حين يضع نفسه في أسمى منزلة، وأقصى غاية، في كل عمل محمود. والناس أصناف.

стр. 7115

فمنهم من يشعر بأن فيه الكفاية لعظائم الأمور، ويجعل هذه العظائم همته، فهذا يسمى عظيم الهمة. ومنهم من فيه الكفاية لعظائم الأمور، ولكنه يبخس نفسه، فيضع همه في أدنى الأمور وصغيرها، فهذا يسمى صغير الهمة. ومنهم المتواضع الذي لا يكفي لعظائم الأمور، ويشعر أنه لا يستطيعها، وأنه لم يخلق لمثلها، فيجعل همته وسعيه على قدر استعداده. ومنهم من لا يكفي للعظائم، ولكنه يتظاهر بأنه قوي عليها، وهذا يسمى فخورًا: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٣]. والقرآن الكريم يملأ النفوس بعظم الهمة، والمسابقة إلى الخيرات، والمنافسة فيها، وهذا العِظم هو الذي قذف بأولياء الله ذات اليمين، وذات الشمال، فأتوا على قلوب مملوءة بالكفر والظلم، وجاهدوها حتى امتلأت بالإيمان والعدل والإحسان. وأتوا على عروش كانت ظالمة، فنسفوها ورفعوا فيها لواء العدل والأمن. وأتوا على عقول كانت ضالة، ففجروا فيها أنهار العلوم تفجيرًا، فلله ما أعظم هذه الهمم! وما أشرف هذه النفوس الأبية!: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].

стр. 7116

٧ - الخزانة السابعة • أقسام علو الهمة: أقسام علو الهمة كثيرة، يجمعها ست صفات هي: ١ - طلب العلم. ٢ - وحسن العبادة. ٣ - وحسن الاستقامة. ٤ - والبحث عن الحق. ٥ - والدعة إلى الله. ٦ - والجهاد في سبيل الله. فعلو الهمة في طلب العلم، يتمثل في الغيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة، وحرص لا يشفي غليله إلا بأكواب طافحة من كل علم، وغوص في البحث عن نفائس العلوم، وألسنة مهذبة لا تقع في لغو ولا مهاترة، لأنها مشغولة بالحق الذي شغلها عن الباطل. إن معاني الأمور، وعزة المسالك، محفوفة بالمكاره، والعلم أرفع مقام تطمح إليه الهمم، وأشرف غاية تتسابق إليها الهمم، وأعلى العلم، هو معرفة الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه، ومعرفة وعده ووعيده، ومعرفة دينه وشرعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. أما علو الهمة في العبادة والاستقامة فلها أقوام فقهوا عن الله أمره، وعرفوا حقيقة الدنيا، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعتها،

стр. 7117

وارتفعت همتهم عن سفاسفها، وعرفوا الآخرة، فتعلقت قلوبهم بها، فلا تراهم إلا قوامين صوامين، ذاكرين شاكرين، مسبحين مستغفرين: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. فما أعلى همتهم في التوبة والاستقامة! وما أقوى عزيمتهم في العبادة والإخبات، والذكر والدعاء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وأما البحث عن الحق، فما أكثر المهتدين الذين ارتفعت هممهم في البحث عن الدين الحق، وما فيه من أحكام، فمن الله عليهم وأعطاهم ما سألوا وحقق لهم ما أرادوا، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وأما علو الهمة في الدعوة إلى الله، فمن أعظم ما يهتم به الداعية هداية قومه، وبلوغ الجهد في النصح لهم، والصبر على مشاق الدعوة حتى تبلغ الغاية التي يريد الله أن تبلغها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].

стр. 7118

وقد كان الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام على رأس قائمة عالي الهمة في هذا المجال، وكان أولو العزم منهم في الذُؤابة بذلًا وصبرًا وتضحية، وكان سيدنا محمد ﷺ في ذلك الغاية العظمى، والمثل الأعلى، الذي ينبغي أن يحذو حذوه كل داعية إلى الله ، إذ لم يكن همه هداية قومه، أو العرب فحسب، بل العالم كافة، وخاطب ملوك العالم ورؤساءه، ليدخلوا في دين الإسلام: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. والجهاد في سبيل الله يحتاج إلى رجال لهم علو الهمة، وقد ضرب الرسول ﷺ المثل الأعلى في هذا المجال، فلم يكن أحد في وقت الاقتتال أقرب إلى العدو منه، وكان أصحابه ﵃ مثلًا في الشجاعة والإقدام، اقتداءً به. فما أحوج المسلمين اليوم إلى هذه الروح الوثابة، والهمة العالية، لتجاهد ضد أعداء الله، وأعداء الدين الحق، وتطهر الأرض من دنس أعداء الله ورسوله ودينه، وتنشر الفضيلة والحق في العالم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فما أعظم جهدهم وجهادهم، وما أعظم ثوابهم: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥].

стр. 7119

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم فقهنا في الدين، واهدنا إلى الصراط المستقيم، واجعلنا من عبادك المخلصين، ودعاتك الصادقين، وحزبك المفلحين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 7120

٦ - فقه الغُربة: الغربة ثلاثة أنواع: الأول: غربة أهل الله، وأهل سنة رسول الله ﷺ ، بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله ﷺ أهلها، وهي الغربة التي تكون في مكان، دون مكان وزمان دون زمان، وبين قوم دون قوم. وأهل هذه الغربة هم أهل الله حقًا، إنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسول الله ﷺ ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به. فهذه الغربة لا وحشة على أهلها، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فوليهم الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداهم أكثر الناس وجفوهم، ومن هؤلاء الغرباء من ذكرهم النبي ﷺ بقوله: «رُبَّ أشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ علَى الله لأبرَّه». أخرجه مسلم (١). والمؤمن حقًا في الدنيا كالغريب، لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال. ومن صفات هؤلاء، التمسك بالسُنة إذا رغب عنها الناس، وتجديد التوحيد، وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب لأحد غير الله تعالى ورسوله ﷺ . وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم هم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم، وهم النزَّاع من القبائل، تغربوا عن قبائلهم وعن بلادهم؛ فرارًا

стр. 7121

بدينهم، وإعلاءً لكلمة ربهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. وقال النبي ﷺ : «إنَّ الإسلامَ بدأَ غريبًا، وسيعودُ غريبًا كما بدأ، وَهوَ يأرِزُ بينَ المسجدينِ، كما تأرِزُ الحيَّةُ في جُحرِها». أخرجه مسلم (١). فطوبى لهؤلاء الغرباء الذين يَصلحون إذا فسد الناس، ويُصلحون ما أفسد الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. والإسلام الحق اليوم هو أشد غربة منه في أول الإسلام، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة. فالإسلام الحقيقي غريبٌ جدًا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس، فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوتون. فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًا، فمن أراد أن يسلك هذا الصراط المستقيم،

стр. 7122

فليوطن نفسه على قدح الجهَّال، وأهل البدع فيه، وطعنهم في سيرته، وإزرائهم به، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه، كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع نبيه ورسوله ﷺ : ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]. فما أشد حال أهل هذه الغربة، وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غير غريبة بين إثنتين وسبعين فرقة، ذات أتباع ورئاسات، وولايات ومناصب، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول ﷺ . فالواحد من هؤلاء الغرباء غريب في أمور دنياه وآخرته، لا يجد من الناس مساعدًا ولا معينًا، فهو عالم بين جهَّال، وصاحب سُنة بين أهل بدعة، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاة أهل الأهواء والبدع، وآمر بالمعروف، وناهٍ عن المنكر، بين قوم المعروف لديهم منكر، والمنكر لديهم معروف، والهدى ضلالة، والضلالة هدى. الثانية: غربة مذمومة، وهي غربة أهل الباطل، وأهل الفجور، بين أهل الحق، فهي غربة بين حزب الله المفلحين. فهؤلاء وإن كثروا فهم غرباء على كثرة أصحابهم، أهل وحشة على كثرة مؤنسيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ

стр. 7123

فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان: ٢١ - ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. الثالثة: غربة مشتركة، فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء، فإنها ليست لهم بدار مُقام، ولا هي الدار التي خلقوا لها، كما بيَّن ذلك النبي ﷺ في قوله: «كنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». أخرجه البخاري (١). والاغتراب أمر يُشار به إلى الانفراد عن الأكفاء، فكل من انفرد بوصفٍ شريف دون أبناء جنسه، فإنه غريب بينهم، لعدم مشاركته، أو لقلته. ولما كانت الغربة هي الانفراد، والانفراد إما بالجسم، وإما بالقصد والحال، وإما بهما، كان الغريب غريب الجسم، أو غريب قلب وإرادة، أو غريب بالاعتبارين. فالغربة على ثلاث درجات: ١ - غربة عن الأوطان. ٢ - وغربة الحال. ٣ - وغربة الهمة. فالغربة الأولى غربة بالأبدان. والثانية غربة بالأفعال والأحوال، والمراد به العالم بالحق، العامل به، الداعي إليه، وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم، فهو صاحب صدق

стр. 7124

وإخلاص بين أهل الكذب والنفاق: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والثالثة: غربة بالهمة، وهي غربة طلب الحق سبحانه، فإن همة العارف حائمة حول من يعرف، فهو غريب بين أبناء الآخرة فضلًا عن أبناء الدنيا، لا يشغله عن مطلوبه ومحبوبه شاغل، إلا ما ارتضاه محبوبه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].

стр. 7125

٨ - الخزانة الثامنة ٧ - فقه الحياة والموت: الناس في هذه الدنيا ثلاثة: إما منهمك في الدنيا .. وإما تائب مبتدئ .. وإما عارف مُنتهي. فالغافل المنهمك في الدنيا، لا يذكر الموت، وإن ذكره فيذكره للتأسف على الدنيا، ويشتغل بمذمته، وإن ذُكر به كرهه، ونفر منه. فهذا يزيده ذكر الموت من الله بُعدًا لجهله، وسوء عمله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨]. وأما التائب، فإنه يُكثر من ذكر الموت، لينبعث من قبله الخوف والخشية لله ، فيفي بتمام التوبة، وربما يكره الموت، خوفًا من الموت قبل التوبة، وإصلاح الذات. فهذا معذور في كراهته للموت، لأنه ليس يكره الموت ولقاء الله، وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره، كالذي يتأخر على لقاء الحبيب مُشتغلًا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يُعد كارهًا للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له، لا شغل له سواه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. وأما العارف، فإنه يذكر الموت دائمًا، لأنه موعد لقائه بحبيبه، والحبيب لا ينسى قط موعد لقاء حبيبه، فهو مستعد كل وقت في كمال زينته بإيمانه وطاعته للقاء محبوبه.

стр. 7126

وهذا غالبًا إما أن يكره الموت، ليكمل استعداده وزينته للقاء ربه، وإما أن يستبطئ مجيء الموت، ويحب مجيئه، ليتخلص من دار العاصين، وينتقل لدار السلام في جوار رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. والموت هادم اللذات، وخطره عظيم، وما بعده أفظع منه، وغفلة الناس عنه بسبب قلة ذكرهم له، وقلة فكرهم فيه، ومن يذكره من الناس لا يذكره بقلب فارغ، بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا، فلا ينجع ذكر الموت في قلبه. والطريق النافع أن يُفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه، وأقرب من شراك نعله إليه، فإذا باشر ذكر الموت قلبه، فيوشك أن يؤثر فيه، وعند ذلك يقل فرحه وسروره في الدنيا، وينكسر قلبه لجلال ربه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وأنجع طريق فيه أن يُكثر من ذكر أقرانه الذين ماتوا قبله، فيتذكر صورهم في مناصبهم وقصورهم وأحوالهم، ثم يتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب وكيف محا التراب الآن حُسن صورهم؟! وكيف تقطعت أوصالهم في قبورهم! وكيف خرست ألسنتهم، وصُمت آذانهم، وعميت أبصارهم؟! وكيف أرملوا نساءهم، وأيتموا أطفالهم، وقُسمت أموالهم؟! وكيف خلت منهم دورهم ومساجدهم ومجالسهم! وماذا قالوا وماذا قيل لهم؟! وماذا عملوا وماذا وجدوا؟.

стр. 7127

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. فما أعظم الخطب، وما أشد الكرب هناك، حيث ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وكل نفس حية فإنها ستموت، وبعد الموت حساب، وبعد الحساب يكون الثواب أو العقاب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وطول الأمل في الدنيا داء وبلاء وشقاء، وسببه أمران: أحدهما: الجهل. الثاني: حب الدنيا. فأما الجهل، فهو أن الإنسان قد يعول على شبابه، فيستبعد قرب الموت مع الشباب، وليس يعلم أن الموت في الشباب أكثر. وقد يستبعد الموت لصحته، ويستبعد الموت فجأة، ولا يدري أن ذلك غير بعيد، وإن كان بعيدًا فالمرض فجأة غير بعيد، فالموت يطلب الإنسان كما يطلبه رزقه كما قال النبي ﷺ : «يا أيُّها النَّاسُ اتَّقوا اللهَ وأجمِلوا في الطَّلبِ

стр. 7128

فإنَّ نفسًا لن تموتَ حتَّى تستوفيَ رزقَها وإن أبطأ عنها فاتَّقوا اللهَ وأجمِلوا في الطَّلبِ خذوا ما حلَّ ودَعوا ما حرُم». أخرجه ابن ماجة وابن حبان (١). وأما حب الدنيا، فهو أنه إذا أنس بها، وبشهواتها، ولذاتها، وعلائقها، وضيعاتها، وأرباحها، ومكاسبها، ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، ومكدر أنسها ونعيمها، وكل من كره شيئًا دفعه عن نفسه: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١١]. والإنسان مشغوف بحب الدنيا، والآمال الباطلة، فلا يزال يلهو ويلعب، ويبني ويهدم، ويجمع ويفرق، ويسعى لتكميل الشهوات واللذات، ويسوف ويؤخر التوبة، ويظل عاكفًا على عمارة ما أُمر بالإعراض عنه، وعلى تخريب ما أُمر بتعميره والاستكثار منه، وما يلزم له من الإيمان والطاعات. ولا يزال كذلك حتى تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك حسراته، وتتحقق خسارته، فما أعظم خسارة هؤلاء: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ

стр. 7129

أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦]. فأما الجهل، فيُدفع بالفكر، والتأمل، وبسماع الحكمة من القلوب الزاكية الطاهرة، وبذلك يعلم العبد أن عمله الصالح في الدنيا، لابد له من جزاء وثواب في الآخرة، ولا يتم ذلك إلا بعد الموت، فالموت باب النعيم للمتقين، وباب الشقاء للمجرمين: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وأما حب الدنيا، فهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه، فإخراجه من القلب شديد، ولا علاج له إلا بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وما فيه من عظيم العقاب لمن عصى الله، وجزيل الثواب لمن أطاعه، ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦]. إذا رأى العبد حقارة الدنيا، ونفاسة الآخرة، استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها، ولو أُعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب، فإن حب العظيم هو الذي يمحو من القلب حب الحقير: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. فما أعظم الموت، وما أعظم الغفلة عنه. فكم من الخلق جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوه، أما من كان مستعدًا فقد فاز: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].

стр. 7130

وأما من كان مغرورًا بطول الأمل ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. فما أعظم الموت! وما أشد سكراته!، وما أعظم هول ما بعده! ولو لم يكن بين يدي العبد كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت لكان جديرًا بأن ينغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره. والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، وأكبر مجالس اللهو، فانتظر أن يدخل عليه جندي فيضربه بخمسة أسواط، لتكدرت عليه لذته، وفسد عليه عيشه، وهو في كل نفس يدخل عليه ملك الموت، وهو عنه غافل، فما لهذا سبب إلا الجهل والغرور. والمشروع عند الموت من صورة المُحتضر، هو الهدوء والسكينة، ومن لسانه أن يكون ناطقًا بالشهادة، ومن قلبه أن يكون حسن الظن بالله تعالى. ويُستحب أن يُذكر للمحتضر محاسن أعماله عند موته، لكي يحسن ظنه بربه، ثم يُغسل الميت، ويُصلى عليه، ثم يُدفن، ويبقى في قبره مُنتظرًا يوم البعث، ويظل في قبره منعمًا أو معذبًا، حسب عمله، ثم يُبعث وينتقل إلى دار القرار الجنة أو النار كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].

стр. 7131

وليس معنى الموت انتهاء الحياة، وانتهاء المشاكل، بل معناه انتقال الإنسان من حياة صغيرة قصيرة حقيرة فانية، إلى حياة أبدية طويلة، إما في سعادة أو في شقاء، ومعناه نهاية الحياة والأحوال الفانية، وبداية الحياة والأحوال الأبدية. فالله كتب على جميع الكائنات الموت والفناء، ولكن الإنسان خُلق للبقاء، ولكنه ينتقل من دار إلى دار، ومن مرحلة إلى مرحلة، حتى يستقر في دار المقام في الجنة أو النار. والإنسان إذا مات وفارق الحياة لا يستطيع أن يأخذ معه من الأموال شيئًا، ولو أخذ كل ذهب الدنيا معه لكان كالتراب بالنسبة لنعيم الجنة، فكل ما في الدنيا لا يساوي ثواب حسنة واحدة يوم القيامة، والإنسان إذا مات يذهب بالأعمال إلى الآخرة، وبعد الموت إما أن تنتهي المشكلة ويدخل الجنة، أو تبدأ المشكلة ويدخل النار: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. فالناس لابد لهم من السجن، فمن دخل السجن في الدنيا، وامتثل أوامر الله، واجتنب نواهيه، إلى أن تنتهي مدة سجنه بالموت، أدخله الله الجنة، وأطلق شهواته فيها. فالدنيا بصغرها وضيقها كالسجن للمؤمن الذي ينتظر الخروج منها إلى الجنة.

стр. 7132

وهي كالجنة بالنسبة للكافر الذي سينتقل منها إلى السجن المؤبد في نار جهنم كما قال النبي ﷺ : «الدنيا سجنُ المؤمن وجنةُ الكافر». أخرجه مسلم (١). ومن أطلق شهواته في الدنيا، ولم يمتثل أمر الله، عاقبه الله في السجن يوم القيامة، وقيد شهواته وجوارحه، وعذبه في نار جهنم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. فالناس إثنان: إما خارج من السجن .. وإما ذاهب إلى السجن. وحياة الإنسان في الدنيا قصيرة، ولها بداية، ولها نهاية، وحياة الناس في الآخرة مؤبدة، لها بداية، ولا نهاية لها، وقد فرغ الله إلى كل عبد من خمس؛ من عمله، ومن أجله، ورزقه، وأثره، وموته. ومهما عاش الإنسان فإنه سيموت، ومهما أحب من الأشياء فإنه سيفارقها، ومهما عمل من الأعمال فإنه سيلاقيها، ويحاسب عليها: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وقد خلق الله الإنسان، وجعله محدود العمر، محدود المعرفة، محدود الرؤية، محدود القدرة، وكل يوم، وكل ليلة، وكل لحظة، تمر بالإنسان فإنه يزداد من الدنيا بعدًا، ومن الآخرة قربًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ

стр. 7133

يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]. فوا عجبًا لهذا الإنسان، إن على أثره طالبًا لا يفوته، قد نُصب له علم لا يجوزه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨]. فما أسرع ما يبلغ العلم، وما أوشك أن يلحقه الطالب. وقد أخفى الله علم الساعة، ومعرفة الأجل، رحمة بالعباد، فلو عرف الإنسان مقدار عمره، فإن كان قصير العمر لم يهنأ بالعيش، وإن كان طويل العمر، فهو واثق بالبقاء فلا يبالي بأن يمارس الشهوات والمعاصي ويقول: إذا قارب الوقت أحدثت وتبت إلى ربي، وهذا مذهب لا يرتضيه المخلوق، فكيف يرتضيه الخالق؟. فلو أن عبدًا من عبيدك عمل على أن يسخطك أعوامًا، ثم يرضيك ساعة واحدة إذا تيقن أنه صائر إليك، لم تقبل منه، ولم يفز لديك بمن يفوز به من همه رضاك بكل أوقاته، وكذا سنة الله أن العبد إذا علم الانتقال إلى الله تعالى لم تنفعه التوبة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].

стр. 7134

وأوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن: ١ - يوم يولد الإنسان، فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه فيصرخ. ٢ - ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم من قبل. ٣ - ويوم يُبعث فيرى نفسه في محشر عظيم لا يدري أين مصيره. والأجل أجلان: أحدهما: أجل مطلق لا يعلمه إلا الله، فهذا لا يتبدل ولا يتغير. الثاني: أجل مقيد، وهو ما في صحف الملائكة، فالله أمر الملك أن يكتب للعبد أجله، قال إن وصل رحمه زدته كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، وإذا جاء الأجل لا يتقدم ولا يتأخر كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١١]. وقال النبي ﷺ : «من سره أن يُبْسُطَ اللّه في رِزقه ويَنسأ في أثَرِه فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». متفق عليه (١).

стр. 7135

٩ - الخزانة التاسعة ٨ - فقه درجات الآخرة قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥]. ويوم القيامة لا يدخل أحد الجنة بعمله، ولكن برحمه الله وفضله كما قال النبي ﷺ : «لن يُدخِلَ أحدًا عملُهُ الجنَّةَ قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا، ولا أنا، إلَّا أن يتغمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضلٍ ورَحمةٍ، فسدِّدوا وقارِبوا، ولا يَتمَنَّيَنَّ أحدُكمُ الموتَ: إمَّا مُحسِنًا فلعلَّهُ أن يزدادَ خَيرًا، وإمَّا مُسيئًا فلعلَّهُ أن يَستَعتِبَ». متفق عليه (١). وتوزع الدرجات في الآخرة علي حسب الحسنات والسيئات التي يعملها الإنسان في الدنيا، وتتفاوت درجات الناس في الآخرة كما يتفاوتون في الدنيا: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].

стр. 7136

والناس في الآخرة علي أربع درجات: الفائزون .. والناجون .. والمعذبون .. والهالكون. ومثال ذلك كأن يستولي ملك من الملوك علي إقليم من الأقاليم، ليقيم فيه العدل بين أهله، فهذا الملك العادل له مع أهل هذا الإقليم أربعة أحوال: فهو لا يقتل منهم إلا الجاحد المعاند في أصل الولاية. ولا يعذب إلا من قصر في خدمته مع الاعتراف له بالملك. ولا يخليه إلا معترفا له بالملك ولم يقصر. ولا يخلع إلا علي من أبلى عمره في الخدمة والنصرة والطاعة. وكل واحد من هؤلاء الأقسام متفاوت في النعيم، والعذاب، وعبور الصراط، حسب أعمالهم وأحوالهم كما قال النبي ﷺ : «ثم يُضْرَبُ الجِسْرُ على جهنمَ وتَحِلُّ الشفاعةُ ويقولون: اللهم! سَلِّمْ سَلِّمْ. قيل: يا رسولَ اللهِ! وما الجِسْرُ؟ قال دَحْضٌ مَزِلَّةٍ فيه خطاطيفُ وكلاليبُ وحَسَكٌ تكونُ بِنَجْدٍ فيها شُوَيْكَةٌ يُقالُ لها: السَّعْدانُ فَيَمُرُّ المؤمنونَ كَطَرْفِ العَيْنِ وكالبَرْقِ وكالريحِ وكالطَّيْرِ وكأجاوِدِ الخيلِ والرِّكابِ فناجٍ مُسَلَّمٌ ومَخدوشٌ مُرْسَلٌ ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهنمَ». متفق عليه (١). وأما اختلاف العذاب بالشدة، فلا نهاية لأعلاه، وأدناه التعذيب بالمناقشة في الحساب كما أن الملك قد يعذب بعض المقصرين في الأعمال بالمناقشة في الحساب، ثم يعفو، وقد يضرب بالسياط، أو يعذب بغيرها من أنواع العذاب.

стр. 7137

وأهل السعادة متفاوتون في النعيم كذلك، علي حسب أعمالهم في الدنيا، فالمؤمن الذي يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر، ولم يكن منه إلا صغائر متفرقة لا يصر عليها، فهذا يوشك أن يعفو الله عنه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وهذا إما أن يلحق بالمقربين، أو أصحاب اليمين، وذلك بحسب إيمانه ويقينه، فإن قل أو ضعف دنت منزلته، وإن زاد أو قوي علت منزلته. والمقربون يتفاوتون بحسب تفاوت معرفتهم بالله تعالى، ودرجات العارفين في معرفة الله، ومعرفة عظمته، ومعرفة آلائه، ومعرفة دينه، لا تحصر، بل هي متفاوتة، لأن بحر المعرفة لا ساحل له، وإنما يغوص فيه الغواصون بقدر قواهم. فأعلى درجات أصحاب اليمين، أدنى درجات المقربين، فهذا حال من أدى الفرائض، واجتنب الكبائر. أما من ارتكب كبيرة أو كبائر، فإن تاب توبة نصوحة قبل موته، التحق بمن لم يرتكب تلك الكبيرة لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وإن مات قبل التوبة، فأمره خطير، فربما يكون إصراره علي الذنب سببًا لسوء خاتمته.

стр. 7138

وعذاب العاصي من غير توبة، يكون بحسب قبح الكبائر، ومدة الإصرار، وتنوع الكبائر: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨]. وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. ثم ينزل البُله المقلدون الجنة، وينزل العارفون المستبصرون أعلى عليين. والله قد يعفو عن العاصي، وإن كثرت سيئاته الظاهرة، وقد يغضب على المطيع، وإن كثرت طاعاته الظاهرة، لأن الاعتماد على التقوى، والتقوى في القلب، وأحوال القلب قد تخفى على صاحبه، فكيف على غيره. و في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء و الأرض كما قال النبي ﷺ : «من آمن باللهِ وبرسولِه، وأقام الصَّلاةَ، وصام رمضانَ، كان حقًّا على اللهِ أن يُدخِلَه الجنَّةَ، جاهِدْ في سبيلِ اللهِ، أو جلس في أرضِه الَّتي وُلِد فيها. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أفلا نُبشِّرُ النَّاسَ؟ قال: إنَّ في الجنَّةِ مائةَ درجةٍ، أعدَّها اللهُ للمجاهدين في سبيلِ اللهِ، ما بين الدَّرجتَيْن كما بين السَّماءِ والأرضِ، فإذا سألتم اللهَ فاسألوه الفردوسَ، فإنَّه أوسَطُ الجنَّةِ، وأعلَى الجنَّةِ أراه فوقه عرشُ الرَّحمنِ ومنه تفجر أنهار الجنة». أخرجه البخاري (١). والله بمنه وكرمه يرفع المؤمنين من ذرية العبد إلى درجته، وإن كانوا دونه في العمل إكراما له كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ

стр. 7139

بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]. وأما الناجون، ونعني بالنجاة السلامة، وهم قوم لم يخدموا فيخلع عليهم، ولم يقصروا فيعذبون، ويشبه أن يكون هذا حال المجانين، وأولاد الكفار، والذين لم تبلغهم الدعوة ونحوهم، فلم يكن لهم معرفة ولا جحود، ولا طاعة ولا معصية، ويصح أن يكونوا أهل الأعراف. وأما الفائزون، فهم العارفون، وهم المقربون السابقون، وهؤلاء الذين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧]. وقال الله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]. فسبحان الله ماذا ينتظر هؤلاء من المساكن الواسعة، والقصور الفاخرة وألوان الطعام والشراب، والنعيم المقيم، ورؤية وجه رب العالمين كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. وهم متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم، حسب معرفتهم بالله، وحسب أعمالهم الصالحة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 7140

والناس متفاوتون يوم القيامة في الدرجات، والأحوال، وفي الثواب والعقاب، بحسب الأعمال، وبحسب الإيمان والكفر، وبحسب الطاعات والمعاصي. فإن خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره، فإنه بحسب خفة وزره وثقله، إن خف خف، وإن ثُقل ثُقل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة/ ٦ - ١١]. واستظلال العبد بظل العرش يوم القيامة، وبروزه للحر والشمس، بحسب أعماله فمن استظل في هذه الدار بالإيمان والأعمال الصالحة، استظل يوم القيامة في ظل عرش الرحمن، ومن كان ضاحيًا هنا للشرك والمعاصي، ضحى هناك، وبرز للحر الشديد، والعذاب الأليم في نار السعير كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. وقال النبي ﷺ : «سبعةٌ يُظلِّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: الإمامُ العادلُ، وشابٌّ نشأ في عبادة اللهِ، ورجلٌ قلبُه مُعلَّقٌ في المساجدِ، ورجلان تحابّا في اللهِ، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دعَتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف اللهَ، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم يمينُه ما تنفق شمالُه، ورجلٌ ذكر اللهَ خاليًا، ففاضت عيناه». متفق عليه (١).

стр. 7141

ومن طال وقوفه في الصلاة ليلًا ونهارًا، وقام للدين، وتحمل لأجله المشاق وبذل في سبيل ذلك وقته وماله ونفسه، خف عليه الوقوف في ذلك اليوم، وسهل عليه. ومن آثر الراحة، ولزم البطالة، طال عليه الوقوف هناك، واشتد عليه. وثقل ميزان العبد يوم القيامة، بحسب إيمانه وأعماله الصالحة، وإتباعه للحق، والصبر عليه، ومجاهدته من أجله. والمشي علي الصراط يوم القيامة يكون في السرعة والبطء، حسب سرعة السير علي الصراط المستقيم في الدنيا، امتثالاً للأوامر، واجتنابا للنواهي، وأسرع الناس سيرًا هنا أسرعهم سيرًا هناك، وأثبتهم هنا أثبتهم هناك كما قال سبحانه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة: ١٠]. والخلق في الآخرة متفاوتون بحسب أعمالهم. فأهل الجنة والثواب، وإن اشتركوا في الربح والفلاح ودخول الجنة، فإن بينهم من التفاوت ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد رضوا بما أتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم به. وأهل النار والعقاب متفاوتون بحسب أعمالهم، فلا يُجعل لقليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرؤوس كالرئيس، والله يجازي كلاً بحسب عمله، وبما يعلمه من مقصده: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢].

стр. 7142

والناس في الآخرة متفاوتون في النعيم والعذاب كما تفاوتوا في الدنيا في العمل، فالروح الطيبة السفلية في الأرض، تكون في الجنة مجاورة للروح الطيبة العلوية، وفوق ذلك مجاورة ملك الملوك في داره، وتمتعهم برؤية وجهه الكريم، وسماع كلامه ورضوانه، ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب الخلق وأزكاهم وأشرفهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. أما الأرواح الخبيثة السفلية، فلا يمكن أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة العلوية، في مقام الصدق بين الملأ الأعلى، فلا يليق بذلك الرفيق الأعلى، والمحل الأسمى، والدرجات العلا، روح سفلية أرضية خبيثة، قد أخلدت إلى الأرض، وعكفت على ما تشتهيه طبائعها مما تشارك فيه الحيوان البهيم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].

стр. 7143

بل قد تزيد علي الحيوان البهيم، فلا فرق بينها وبين البهائم والحمير والكلاب والبقر إلا بانتصاب القامة، ونطق اللسان، والأكل باليد، وإلا فالقلب والطبع علي شاكلة قلوب هذه الحيوانات وطباعها: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. بل طباع هذه الحيوانات خير من طباع هؤلاء، وأسلم وأقبل للخير، ولهذا جعلهم الله شر الدواب كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال: ٢٢]. فلا يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية، وأزكى الخلق، وبين شر البرية، وشر الدواب، في دار واحدة يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم/ ٣٥ - ٣٦]. وقال الله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠]. فالنفوس الشريفة، لا ترضى من الأشياء والأعمال إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة. والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على القاذورات: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢].

стр. 7144

فالنفس الشريفة العلية، لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة، ولا بالخيانة، لأنها أكبر من ذلك وأجلّ، والنفس الخبيثة بضد ذلك، فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها من الأرواح والأعمال. قال النبي ﷺ : «الأرْوَاح جُنود مُجَنَّدة فما تعارف مِنها ائتَلَف وما تناكر منها اخْتَلف». متفق عليه (١). • أقسام الناس يوم القيامة: الناس يوم القيامة صنفان: سعداء .. وأشقياء. والسعداء قسمان: السابقون المقربون .. وأصحاب اليمين. فهذه درجات الناس في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ [الواقعة: ١ - ١٢]. والسابقون في الدنيا إلى الإيمان والأعمال الصالحة، هم السابقون يوم القيامة إلى الجنان، والسابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات.

стр. 7145

فالناس في الآخرة ثلاثة أقسام كما هم عند الموت كذلك ثلاثة أقسام: كما قال سبحانه عن الإنسان بعد خروج روحه: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦]. فهذه مراتب الناس عند القيامة الصغرى، حال القدوم على الله. مُقرب، له الروح، والريحان، وجنة النعيم، ومُقتصد من أصحاب اليمين له السلامة، فهو سالم غانم، وظالم بتكذيبه وضلاله فله: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٩٣ - ٩٦]. ودرجة النبوة، والصديقية، والربانية، ووراثة النبوة، وخلافة الرسالة، تلك هي أفضل درجات الأمة في الدنيا والآخرة، ولو لم يكن لفضلها وشرفها إلا كل من علم بتعليمهم وإرشادهم، أو علم غيره شيئًا من ذلك، كان له مثل أجره، مادام ذلك جاريًا في الأمة على آباد الدهور والأزمان. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
следующие страницы →