ومن طال وقوفه في الصلاة ليلًا ونهارًا، وقام للدين، وتحمل لأجله المشاق وبذل في سبيل ذلك وقته وماله ونفسه، خف عليه الوقوف في ذلك اليوم، وسهل عليه.
ومن آثر الراحة، ولزم البطالة، طال عليه الوقوف هناك، واشتد عليه.
وثقل ميزان العبد يوم القيامة، بحسب إيمانه وأعماله الصالحة، وإتباعه للحق، والصبر عليه، ومجاهدته من أجله.
والمشي علي الصراط يوم القيامة يكون في السرعة والبطء، حسب سرعة السير علي الصراط المستقيم في الدنيا، امتثالاً للأوامر، واجتنابا للنواهي، وأسرع الناس سيرًا هنا أسرعهم سيرًا هناك، وأثبتهم هنا أثبتهم هناك كما قال سبحانه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة: ١٠].
والخلق في الآخرة متفاوتون بحسب أعمالهم.
فأهل الجنة والثواب، وإن اشتركوا في الربح والفلاح ودخول الجنة، فإن بينهم من التفاوت ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد رضوا بما أتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم به.
وأهل النار والعقاب متفاوتون بحسب أعمالهم، فلا يُجعل لقليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرؤوس كالرئيس، والله يجازي كلاً بحسب عمله، وبما يعلمه من مقصده: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢].
стр. 7142
والناس في الآخرة متفاوتون في النعيم والعذاب كما تفاوتوا في الدنيا في العمل، فالروح الطيبة السفلية في الأرض، تكون في الجنة مجاورة للروح الطيبة العلوية، وفوق ذلك مجاورة ملك الملوك في داره، وتمتعهم برؤية وجهه الكريم، وسماع كلامه ورضوانه، ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب الخلق وأزكاهم وأشرفهم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
أما الأرواح الخبيثة السفلية، فلا يمكن أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة العلوية، في مقام الصدق بين الملأ الأعلى، فلا يليق بذلك الرفيق الأعلى، والمحل الأسمى، والدرجات العلا، روح سفلية أرضية خبيثة، قد أخلدت إلى الأرض، وعكفت على ما تشتهيه طبائعها مما تشارك فيه الحيوان البهيم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
стр. 7143
بل قد تزيد علي الحيوان البهيم، فلا فرق بينها وبين البهائم والحمير والكلاب والبقر إلا بانتصاب القامة، ونطق اللسان، والأكل باليد، وإلا فالقلب والطبع علي شاكلة قلوب هذه الحيوانات وطباعها: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
بل طباع هذه الحيوانات خير من طباع هؤلاء، وأسلم وأقبل للخير، ولهذا جعلهم الله شر الدواب كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال: ٢٢].
فلا يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية، وأزكى الخلق، وبين شر البرية، وشر الدواب، في دار واحدة يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم/ ٣٥ - ٣٦].
وقال الله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
فالنفوس الشريفة، لا ترضى من الأشياء والأعمال إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة.
والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على القاذورات: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢].
стр. 7144
فالنفس الشريفة العلية، لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة، ولا بالخيانة، لأنها أكبر من ذلك وأجلّ، والنفس الخبيثة بضد ذلك، فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها من الأرواح والأعمال.
قال النبي ﷺ : «الأرْوَاح جُنود مُجَنَّدة فما تعارف مِنها ائتَلَف وما تناكر منها اخْتَلف». متفق عليه (١).
• أقسام الناس يوم القيامة:
الناس يوم القيامة صنفان:
سعداء .. وأشقياء.
والسعداء قسمان:
السابقون المقربون .. وأصحاب اليمين.
فهذه درجات الناس في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ [الواقعة: ١ - ١٢].
والسابقون في الدنيا إلى الإيمان والأعمال الصالحة، هم السابقون يوم القيامة إلى الجنان، والسابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات.
стр. 7145
فالناس في الآخرة ثلاثة أقسام كما هم عند الموت كذلك ثلاثة أقسام:
كما قال سبحانه عن الإنسان بعد خروج روحه: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦].
فهذه مراتب الناس عند القيامة الصغرى، حال القدوم على الله.
مُقرب، له الروح، والريحان، وجنة النعيم، ومُقتصد من أصحاب اليمين له السلامة، فهو سالم غانم، وظالم بتكذيبه وضلاله فله: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٩٣ - ٩٦].
ودرجة النبوة، والصديقية، والربانية، ووراثة النبوة، وخلافة الرسالة، تلك هي أفضل درجات الأمة في الدنيا والآخرة، ولو لم يكن لفضلها وشرفها إلا كل من علم بتعليمهم وإرشادهم، أو علم غيره شيئًا من ذلك، كان له مثل أجره، مادام ذلك جاريًا في الأمة على آباد الدهور والأزمان.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
стр. 7146
وقال النبي ﷺ : «مَنْ دعا إلى هدًى كان له مِنْ الأجرِ مثلُ أجورِ مَنْ تبِعه لا ينقُصُ مِنْ أجورِهم شيءٌ ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه مِنْ الإثمِ مثلُ آثامِ مَنْ تبِعه لا ينقُصُ ذلك مِنْ آثامِهم شيئًا». أخرجه مسلم (١).
فكم ينزل بعمل هؤلاء من البركات والهدايات، وكم يكتب لهم من الأجور والحسنات، تلك والله المكارم والمغانم: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
ودخول كفار الإنس والجن النار بعدل الله، ودخول مؤمني الإنس والجن الجنة بفضل الله ورحمته، فرحمته سبحانه سبقت غضبه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والفضل أغلبه من العدل، ولذلك لا يدخل النار إلا من عمل أعمال أهل النار.
وأما الجنة فيدخلها من آمن وعمل صالحًا، ولن يدخلها من لم يعمل خيرًا قط، بل يُنشئ الله لها أقوامًا يُسكنهم إياها من غير عمل عملوه، ويرفع بها درجات العبد من غير سعي منه، بل بما يصل إليه من دعاء المؤمنين وصلاتهم وصدقتهم، وأعمال البر التي يهدونها إليه، بخلاف أهل النار فإن الله لا يعذب فيها أحدًا بغير عمل أصلًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
стр. 7147
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١].
ومُسيئوا الجن والإنس في النار بعدل الله، وبما كانوا يكسبون، ومُحسنهم في الجنة بفضل الله، وبما كانوا يعملون.
والجميع متفاوتون في الدرجات، والكرامات، والعقوبات، بحسب أعمالهم: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ١ - ٦]
стр. 7148
١٠ - الخزانة العاشرة
٩ - طبقات الخلق في الآخرة
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧].
الدنيا دار الإيمان والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب، والدنيا دار الفناء والآخرة دار البقاء، والإنس والجن يوم القيامة طبقات، ومنازلهم في الجنة درجات، ومنازلهم في النار دركات، فالفرق كبير جدًا، والمقام كبير جدًا بين من آمن بالله وأطاعه، وبين من كفر بالله وعصاه: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ [الحج: ٥٦ - ٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾: [المائدة: ٩ - ١٠].
стр. 7149
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ [يونس: ٧ - ٨].
والقادمون على الله يوم القيامة: إما رابحون، وإما خاسرون: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]
و طبقات المكلفين يوم القيامة ثماني عشرة طبقة:
الطبقة الأولى: وهي أعلى الطبقات، طبقة أولي العزم من الرسل.
وهذه الطبقة هي العليا على الإطلاق، فأكرم الخلق على الله، وأخصهم بالزلفى لديه رسله، وهم المصطفون من عباده الذين سلم عليهم في العالمين كما قال سبحانه: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨١].
والله اختص رسله بوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته، فمنهم من اتخذه الله خليلًا كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
ومنهم من كلمه تكليما كما قال سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٦ - ٥٧].
ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
стр. 7150
وهؤلاء الرسل أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه، وأكرمهم عليه، وخير الدنيا والآخرة، إنما ناله العباد بفضل الله على أيديهم، ولم يجعل الله للعباد وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخول إلى جنته إلا من خلفهم، ولم يقيم أحدًا من خلقه بكرامة إلا على أيديهم، وبالرسل عُرف الله، وبهم عُبد وأُطيع، وبهم حصلت محبة الله في الأرض لعباده من الإيمان والتقوى، والعبادات والطاعات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة الى الله، والجهاد في سبيل الله.
والأنبياء والرسل درجات، وأعلاهم منزلة أولو العزم من الرسل وهم المذكورون في قوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
فأولوا العزم هم على الترتيب؛ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسي، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا.
وأفضل أولي العزم سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ .
فهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلق، وعليهم تدور الشفاعة العظمى، حتى يردوها إلى أفضلهم وخاتمهم محمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨].
الطبقة الثانية: طبقة من عدا أولي العزم من الرسل، على مراتبهم ودرجاتهم عند ربهم، وقد ذكر الله منهم في القرآن من الأنبياء والرسل خمسة
стр. 7151
وعشرين، ومنهم من لم يقص الله علينا أخبارهم، ولا نعلم أسماءهم، فنؤمن بهم إجمالاً كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ [غافر: ٧٨].
الطبقة الثالثة: طبقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والنبي هو من أوحى الله إليه بشرع سابق، ليُعلم من حوله من أصحاب ذلك الشرع ويجدده، وهم درجات كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥].
والرسول من أوحى الله إليه بشرع، وأمره بإبلاغه إلى من لا يعلمه أو يعلمه ولكنه خالفه.
فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، وكل الأنبياء المذكورون في القرآن أنبياء ورسل، ولم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، ونبي يوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢].
стр. 7152
الطبقة الرابعة: طبقة ورثة الرسل.
وهؤلاء هم خلفاء الرسل في أممهم، وهم القائمون بما بُعثوا به علمًا وعملًا وتعليماً ودعوةً للخلق إلى الله على طريقتهم ومنهجهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسل والأنبياء، وهي مرتبة الصديقية، وهؤلاء قد أنعم الله في كتابه بعمل الأنبياء فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وهؤلاء هم الربانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول وأمته، فهم حلفاؤه وأولياؤه، وهم حملة دينه إلى الناس، وهم مضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
وهؤلاء أفضل درجات الأمة بعد الأنبياء والمرسلين، ولو لم يكن من فضلهم وشرفهم إلا أن كل من علَّم وعمل بتعليمهم وإرشادهم، وعلَّم غيره ذلك، كان له مثل أجره على آباد الدهور، فمن دل على خير فله مثل أجر فاعله.
стр. 7153
قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ مبينًا فضل الدعوة إلى الله: «انفُذْ على رِسْلِك حتَّى تنزِلَ بساحتِهم ثمَّ ادعُهم إلى الإسلامِ وأخبِرْهم بما يجِبُ عليهم مِنْ حقِّ اللهِ فيه فواللهِ لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِنْ أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ». متفق عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ؛ صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولدٍ صالح يدعو له». أخرجه مسلم (٢).
وقال ﷺ : «من سنَّ سنة حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». أخرجه مسلم (٣).
فيا لها من مرتبة ما أعلاها، ومنقبة ما أجلها، وحلة ما أجملها، أن يكون المرء في حياته مشغولًا ببعض أشغاله، أو في قبره صار أشلاء ممزقة، وأوصال متفرقة، وصحف حسناته متزايدة، تملأ بالحسنات كل وقت، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
стр. 7154
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
فكم اهتدى بسبب هؤلاء الدعاة المؤمنين، وكم زال من البدع بسبب تعليمهم السنن، وكم تعلم من الناس بسبب تعليمهم، وكم زال من ظلمات الجهل بسبب توجيههم وإرشادهم، وكم حصل من الخير على أيديهم، وكم رُفع عن الأمة من البلاء والعقوبات بسبب نصحهم، ولهذا رفع الله مقامهم بين العالمين فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته.
وهؤلاء هم الذين تؤمن بهم السبل، ويستقيم بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويردع بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتقام بهم الحدود، ويُدفع بهم الفساد، ويقام بهم حكم الكتاب والسنة، ويُدفع بهم شر الأعداء، الذين يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله، وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 7155
وهؤلاء الذين تنصب لهم منابر من نور، على يمين الرحمن يوم القيامة كما قال النبي ﷺ : «إن المقسطينَ عند اللِه، على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمنِ وكلتَا يديهِ يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا». أخرجه مسلم (١).
وهم أحد الأصناف السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله قال النبي ﷺ : «سبعةٌ يُظلِّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: الإمامُ العادلُ، وشابٌّ نشأ في عبادة اللهِ، ورجلٌ قلبُه مُعلَّقٌ في المساجدِ، ورجلان تحابّا في اللهِ، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دعَتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف اللهَ، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم يمينُه ما تنفق شمالُه، ورجلٌ ذكر اللهَ خاليًا، ففاضت عيناه». متفق عليه (٢).
فلما كان الناس في ظل عدلهم في الدنيا، كانوا في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، ظلًا بظل جزاءً وفاقًا.
فيا لها من مرتبة ما أشرفها، ومنزلة ما أعلاها، أن يكون الوالي أو الإمام على فراشه، والناس يعملون بالخير، ويتلون القرآن، وتقوم سوق البر والأعمال الصالحة في كل مكان، وكل زمان، وفي كل مدينة، وكل قرية وكل بيت، وكل مسجد، وكل سوق، وكل ذلك يُكتب في صحائف حسناته وتزداد كل وقت مادام يُعمل بعدله، ومادام ناصحًا لرعيته.
وأين هذا من الإمام الغاش لرعيته، الظالم لهم، الذي قد حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار.
стр. 7156
الطبقة السادسة: المجاهدون في سبيل الله.
وهؤلاء هم جند الله الذين يقيم بهم دينه، ويدفع بهم بأس أعدائه ويحفظ بهم دينه، وهم الغزاة الذين يقاتلون أعداء الله، ليكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، قد بذلوا أنفسهم في محبة الله، ونصر دينه، وهم شركاء لكل من يحمونه لأعمالهم التي يعملونها، وإن باتوا في ديارهم، ولهم مثل أجور من عبد الله، بسبب جهادهم وفتوحهم، لأنهم كانوا هم السبب فيه.
وقد حث الله عباده المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، ورغبهم فيه وأجزل لهم الأجر عليه فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠ - ١١].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].
وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقد أثنى الله على عمار المساجد بالصلاة والطاعات في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
وأخبر سبحانه أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام بالطواف والاعتكاف والصلاة وسقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل
стр. 7157
الله بقوله سبحانه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢].
فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق:
درجة العلم والدعوة .. ودرجة العدل .. ودرجة الجهاد.
وبها سبق الصحابة ﵃، وأدركوا من قبلهم، وسبقوا من بعدهم.
فهم السبب في وصول الإسلام إلينا، وهم السبب في تعليم كل خير وهدى تنال به السعادة والنجاة، وهم أعدل الأمة في ما ولوه، وهم أعظمهم جهادًا في سبيل الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والأمة تنعم في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة.
فلا ينال أحدٌ مسألة علم نافع إلا على أيديهم، ولا يسكن بقعة من الأرض آمنًا إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمامٌ بعدل وهدى إلا كانوا هم السبب في وصوله إليهم، فلهم من الأجور بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة مضافًا إلى أجر أعمالهم.
فسبحان من يختص برحمته وفضله من يشاء: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
стр. 7158
الطبقة السابعة: هي طبقة أهل الإيثار والصدقة والإحسان.
وهم أهل الإحسان إلى الناس بأموالهم، على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم، من تفريج كرباتهم، ودفع ضروراتهم، وكفايتهم في مهماتهم، فهم أحد الصنفين في قوله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتيْنِ: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فسلَّطَه على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلًا آتاه اللهُ حكمةً، فهو يَقضي بها ويُعلِّمُها». متفق عليه (١).
ومعناه لا ينبغي لأحد أن يغبط أحداً على نعمة، ويتمنى مثلها إلا أحد هذين، وذلك لما فيهما من منافع، النفع العام، والإحسان المتعدي إلى الخلق، فهذا ينفعهم بعلمه، وهذا ينفعهم بماله، والخلق كلهم عباد الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعباده: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وهذان الصنفان أنفع الناس لعباد الله، ولا يقوم أمر الناس ولا يعمر العالم إلا بهما.
وقد مدح الله أهل الإنفاق في سبيل الله، وأثنى عليهم وبين عظمة جودهم وإحسانهم فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
стр. 7159
وقال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
فهذه الطبقات الأربع من طبقات الأمة، هم أهل الإحسان والنفع المتعدي وهم:
١ - العلماء والدعاة إلى الله.
٢ - وأئمة العدل.
٣ - وأهل الجهاد.
٤ - وأهل الصدقة وبذل الأموال في مرضاة الله.
فهؤلاء ملوك الآخرة، وصحائف حسناتهم متزايدة تملى بها الحسنات، وهم ببطون الأرض، مادامت آثارهم في الدنيا باقية، فيا لها من نعمة ما أجلها، وكرامة ما أعظمها، فالله يختص برحمته من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته والله عليم حكيم: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
стр. 7160
الطبقة الثامنة: من فتح الله له بابًا من أبواب الخير القاصر على نفسه، كالصلاة، والحج، والعمرة، وقراءة القرآن، والصيام، والاعتكاف، والذكر وغير ذلك من نوافل العبادات، مع القيام بفرائض الله .
فهذا قد جاهد في تكثيف حسناته، وملء صحيفته، وإذا عمل خطيئة تاب منها إلى الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
هذا على خير عظيم، وله ثواب أمثاله من أعمال الآخرة، ولكن ليس له إلا عمله، فإذا مات طُويت صحيفته.
فهذه طبقة أهل الربح والحظوة عند الله ﵎.
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة.
وهي طبقة من يؤدي فرائض الله، ويجتنب محارم الله، مُقتصرًا على ذلك، لا يزيد عليه، ولا ينقص، فلا يتعدى ما حرم الله عليه، ولا يزيد على ما فرض الله عليه.
فهذا من المفلحين إن صدق بضمان رسول الله ﷺ .
وقد ضمن الله لهؤلاء تكفير سيئاتهم، إذا أدوا فرائضه، واجتنبوا الكبائر، فإن فعلوها وتابوا منها لم يخرجوا عن طبقتهم: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
قال النبي ﷺ : «الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ كفاراتٌ لما بينَها ما اجتُنِبَت الكبائرُ». أخرجه مسلم (١).
стр. 7161
الطبقة العاشرة: طبقة من أسرف على نفسه ثم تاب.
وهؤلاء قوم أسرفوا على أنفسهم، وغشوا كبائر ما نهى الله عنه، ولكن الله رزقهم التوب النصوح قبل الموت، فهؤلاء الناجون من عذاب الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧].
وقال : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
الطبقة الحادية عشرة: طبقة أقوام خلطوا عملًا صالحًا، وآخر سيئًا، فعملوا حسنات وسيئات، ولقوا الله مصرين عليها، غير تائبين منها، لكن حسناتهم أكثر من سيئاتهم، فهؤلاء أيضًا ناجون كما قال سبحانه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].
الطبقة الثانية عشرة: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم.
فهؤلاء منعتهم حسناتهم من دخول النار، ومنعتهم سيئاتهم من دخول الجنة، وهم أهل الأعراف كما قال سبحانه: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ [الأعراف: ٤٦].
فهؤلاء قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيوقفهم الله على سور عال بين الجنة والنار، ويقفون هناك حتى يقضي الله فيهم بما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضله ورحمته.
وما تقدم من الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار.
стр. 7162
الطبقة الثالثة عشر: طبقة أهل المحنة والبلية.
وهؤلاء قوم مسلمون خفت موازينهم، ورجحت سيئاتهم على حسناتهم، فغلبتها السيئات.
فهؤلاء يدخلون النار، ويكونون فيها على مقدار أعمالهم السيئة.
فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ساقيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه وهكذا. فيبقى هؤلاء في النار على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها، فينبتون على أنهار الجنة، فيفيض عليهم أهل الجنة من الماء، حتى تنبت أجسادهم، ثم يدخلون الجنة، إذا هُذبوا ونُقوا وطُهروا من الذنوب، وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأمر الله سيد الأنبياء مرارًا أن يخرجهم من النار، بما معهم من الإيمان.
الطبقة الرابعة عشرة: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان. وهؤلاء أصناف؛ منهم من لم تبلغه الدعوة بحال، ولا سمع بها بخبر، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئًا ولا يميز، ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئًا، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا، وأما أطفال المسلمين فهم في الجنة.
وأهل هذه الطبقة يمتحنون في عرصات يوم القيامة، ويُرسل إليهم رسل، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وبناءً على هذا يكون بعضهم في الجنة، وبعضهم في النار.
قال النبي ﷺ : «أربعَةٌ يومَ القيامةِ: رجلٌ أَصَمُّ لا يسمعُ شيئًا، ورجلٌ أحمقٌ، ورجلٌ هرمٌ، ورجلٌ ماتَ في فترةٍ، فأَمَّا الأَصَمُّ، فيقولُ: رَبِّ قد جاء الإسلامُ وما أَسْمَعُ شيئًا، وأَمَّا الأحمقٌ فيقولُ: رَبِّ جاء الإسلامُ
стр. 7163
والصِّبْيانُ يَحْذِفُونني بالبَعرِ، وأمَّا الهرمُ فيقولُ: ربِّ لقد جالسناهم وما أَعقِلُ شيئًا، وأمَّا الذي مات في الفترةِ فيقولُ: ربِّ ما أتاني لك رسولٍ فيأخذُ مَواثيقَهُمْ لَيُطيعُنَّهُ، فيرسلُ عليهِمْ ليدخلوا النارَ قال: فوالذي نَفسي بيدِهِ لو دخلوها لكانَتْ عليهم بردًا وسَلامًا ومن لم يدخلها يسحب إليها». أخرجه أحمد بسند صحيح (١).
الطبقة الخامسة عشرة: طبقة أهل النفاق.
وهؤلاء قوم أظهروا الإسلام، ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسوله.
وهؤلاء المنافقون في الدرك الأسفل من النار، لغلظ كفرهم، وعظيم خطرهم، وعظيم جرمهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
ومكان أهل هذه الطبقة، وهم المنافقون في الدرك الأسفل من النار، لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، ووصل إليهم من معرفة الدين وصفته ما لم يصل إلى المنابذين في العداوة، فكفروا مع هذه المعرفة والعلم، وكانوا أغلظ كفرًا، وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله ورسوله والمؤمنين من غيرهم، ولهذا قال الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ [المنافقون: ٣ - ٤].
الطبقة السادسة عشرة: طبقة رؤساء الكفر ودعاته.
стр. 7164
وهؤلاء هم أئمة الكفر، الذين كفروا، وصدوا عن سبيل الله، يصدون عباد الله عن الدخول في دين الله بالترغيب والترهيب: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨].
فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان:
عذاب بالكفر .. وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإسلام.
فكما أن للداعي للهدى مثل أجور من تبعه، فكذلك للداعي إلى الضلال مثل آثام من تبعه، واستجاب له، ولا ريب أن هذا يتضاعف ويتزايد مثل من اتبعه وضل به، ولهذا كان فرعون وقومه في أشد العذاب، لعظيم جرمهم وفسادهم كما قال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦].
فهؤلاء رؤساء الكفار، استحقوا أشد العذاب، لغلظ كفرهم، وصدهم عن سبيل الله، وعقوبتهم لمن آمن بالله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥].
فليس عذاب الرؤساء في النار كعذاب أتباعهم، ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار عذابًا، لأنه إمام كل كفر وشرك، وشر وفساد، وإمام كل كافر ومشرك، وصاحب شر، وصاحب فساد، فما عُصي الله إلا على يديه وبسببه، ثم الأخبث فالأخبث من نوابه في الأرض ودعاته.
والكفر يتفاوت، فكفر أغلظ من كفر، وظلم أعظم من ظلم، ومعصية أغلظ من معصية، وكما أن الجنة درجات، فكذلك النار دركات، ولكل عامل
стр. 7165
جزاؤه، ولا ظلم لأحد حين يحكم الله يوم القيامة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ [الحج: ٥٦ - ٥٧]
ويغلظ الكفر من حيث العقيدة كمن جحد رب العالمين، وكفر به، ولم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
ويغلظ كذلك من حيث عناد الإنسان وضلاله وكفره على بصيرة بعد معرفة الحق، كقوم ثمود وقوم فرعون وكفر أبي جهل وكفر اليهود بالنبي ﷺ ، ويغلظ كذلك من جهة السعي في إطفاء نور الله، وصد عباد الله عن دينه بما تصل إليه قدرته.
فهؤلاء أشد الكفار جُرمًا، وأشدهم عذابًا، وليس عذاب من دونهم ممن جهل الحق، ولم يؤذ المؤمنين، ولم يصد عن سبيل الله كهؤلاء، فمن الكفار من تجتمع في حقه الجهات الثلاث، ومنهم اثنتان، ومنهم واحدة، وعلى حسب غلظ الكفر يكون العذاب: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان: ٢٣ - ٢٤].
الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين، وجهال الكفرة.
стр. 7166
فهؤلاء بمنزلة الدواب يعبدون ما يعبد آباؤهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
فهم لا يحاربون المسلمين، ولا يؤذونهم، لكن لا يتبعونهم، فهؤلاء الكفار والجاهلون ومن قبلهم كفار معاندون، والمقلد الذي تمكن من العلم، ومعرفة الحق، وأعرض عنه، يختلف عن المقلد الذي لم يتمكن من ذلك بوجه. والقسمان واقعان في الوجود.
فالمتمكن المعرض المفرط التارك للواجب عليه، لا عذر له عند الله.
أما العاجز عن السؤال، والعلم، الذي لم يتمكن من العلم، فهم قسمان أيضًا:
أحدهم: مريد للهدى مؤثر له، ومحب له، وغير قادر عليه، ولا على طلبه، لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.
والثاني: معرض، لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، ففرق بين عجز الطالب، وعجز المعرض.
فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا، فهم في النار جميعًا، الذين اتبعوا والذين اتُبعوا كما قال سبحانه عن الإتباع: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف: ٣٨].
стр. 7167
الطبقة الثامنة عشرة والأخيرة: طبقة الجن.
والجن منهم المؤمن والكافر، والبار والفاجر كما قال سبحانه إخبارًا عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٤ - ١٥].
وكفار الجن في النار كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣].
فالجن مكلفون بشرائع الأنبياء، فيجب عليهم طاعتهم، كما يجب على الإنس، ومؤمنهم في الجنة، وكافرهم في النار، وهم مكلفون بالشريعة الإسلامية، مأمورون منهيون، مثابون ومعاقبون: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فالمحسن من الجن في الجنة كالإنس، والمسيء من الجن في النار كالإنس كما حكى الله عن مؤمنيهم أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٣ - ١٥].
فهذه طبقات المكلفين من الثقلين الإنس والجن في الدار الآخرة، وكل طبقة منها لها أعلى، وأدنى، ووسط، وهم درجات عند الله ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩].
стр. 7168
وقال النبي ﷺ في قصة الإسراء: «ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك». متفق عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «إن أحدَكم إذا مات، عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداةِ والعشيِّ، إن كان من أهلِ الجنةِ فمن أهلِ الجنةِ، وإن كان من أهلِ النارِ فمن أهلِ النارِ، فَيُقالُ: هذا مقعدُك حتى يبعثَك اللهُ يومَ القيامةِ». متفق عليه (٢).
اللهم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنا نسألك الجنة ما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الدرجات العلا من الجنة.
اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
стр. 7169
٤٩ - خزائن الطاعات والمعاصي
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 7170
٣٠ - خزائن الطاعات والمعاصي
١ - الخزانة الأولى
• أقسام المخلوقات:
خلق الله المخلوقات على ثلاثة أقسام:
الأول: مخلوقات لها عقول بلا شهوات، وهم الملائكة الذي يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
الثاني: مخلوقات لها شهوات بلا عقول، وهم عالم الحيوان: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
الثالث: مخلوقات لها عقول، ولها شهوات، وهم عالم الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
فمن غلب عقله منهم على شهواته صار أفضل من الملائكة، ومن غلبت شهواته على عقله صار أقل من رتبة البهائم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقد أسكن الله آدم وزوجه جنة؛ ليربيه على امتثال الأمر، واجتناب النهي، وحذره من الشيطان، وإذا أخطأ قوَّم خطأه، فأخطأ آدم، وأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، فتاب إلى ربه فتاب الله عليه كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
стр. 7171
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٧].
ولما أخرج الله آدم ﷺ من تلك الجنة، وأسكنه الأرض، حاسبه وعاقبه وذريته على مخالفة أمره، ففي الجنة أسكنه ليقومه، ويربيه، وفي الأرض أسكنه ليثيبه على فعل الأمر، ويعاقبه على فعل النهي، كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
ففي الجنة يصوب المخطئ ولا يُؤدب، وفي الأرض بعد التربية والتدريب يؤدب ولا يُصوب: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
فآدم ﷺ في الجنة غير معصوم، ولما أرسله الله إلى ذريته كان معصومًا، لأنه رسولٌ من ربه إلى ذريته.
وقد خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠].
والخليفة من يخلف غيره، وآدم وذريته خلفوا الجن في عمارة الأرض، وذريته يخلف بعضهم بعضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥].
стр. 7172
والله استخلف آدم وذريته في إبلاغ دينه والعمل به.
وقد خلق الله الإنسان مختارًا يطيع مرة، ويعصي مرة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
والطاعات يحبها الله ويأمر بها، والمعاصي يبغضها الله وينهى عنها، فقد أمر الله بالطاعات، ونهى عن المعاصي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقد طلب الله من العباد الشكر على الطاعة، والتوبة من المعصية، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
وربما أورثت الطاعة عند بعض الناس العُجب، والمنة، وخلق الله المعصية التي ربما أورثت بعدها الذلة والانكسار بين يدي الرب: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ». أخرجه مسلم (١).
стр. 7173
فالله سبحانه حكيم عليم خلق الطاعات والمعاصي، وخلق كل شيءٍ في هذا الكون؛ لأنه الخالق الذي خلق كل مخلوق لحكمة: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فخلق الله الطاعات لحكمة، وخلق المعاصي لحكمة: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٢].
وقد وعد الله أهل الطاعات، وأهل المعاصي بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وللطاعات ثمرات، وللمعاصي عقوبات.
والطاعة: كل أمرٍ أمر الله ورسوله به، والمعصية كل نهيٍ نهى الله ورسوله عنه، وكل معصية فهي من خطوات الشيطان، سواء كانت فعلًا محظور كالزنا وأكل الربا ونحوهما، أو ترك مأمور كترك الصلاة والزكاة ونحوهما، فالشيطان عدوٌ مبينٌ للإنسان يأمره بالفحشاء والمنكر، ويصده عن ذكر الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
стр. 7174
ولهذا نهانا الله عن إتباع خطواته كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩].
• أقسام المعاصي:
المعاصي التي يفعلها الإنسان تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: معاصٍ يوحي بها الشيطان.
الثاني: معاصٍ تصر عليها النفس.
فمن حدثته نفسه بمعصية، ولم تتراجع عنها، بل أصرت عليها، فهذه معصيةٌ من النفس كما يصر الإنسان على شرب الخمر أو الزنا ونحوهما من المعاصي؛ لأن النفس تريد المعصية من هذا اللون فقط ونحوهما مما يحقق لها الشهوة، والنفس أمارة بالسوء دائماً: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
أما الشيطان فهو يريد من الإنسان أن يكون عاصيًا لربه بأي شكل، وبأي وجه، عاص بأقواله، أو بأفعاله، أو بأخلاقه، فإن عز عليه في باب من أبواب المعصية طرق عليه بابًا آخر يصيده به ويجره به إلى النار: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
стр. 7175
والله قد ابتلى كل إنسان بثلاث:
بالشهوات الحيوانية
وبالأوامر الإلهية
وبالمصائب القدرية.
والشهوات هي: ما تميل إليه النفس من غير تعقل ولا تبصر ولا مراعاة لدين، ولا مراعاة لمروءة، والنار محفوفة بالشهوات المحرمة، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب فزنى أو شرب الخمر أو أكل الربا دخل النار؛ لأنه هتك الحجاب الذي بينه وبين النار بفعله، فالنفس مجبولة على حب الشهوات، فالشهوات المباحة تعين على طاعة الله ، أما الشهوات المحرمة فهي تجر الإنسان من الأوامر الإلهية، ومن طاعة ربه، إلى إتباع هواه وشهوات نفسه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥].
وقال الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والنفس الأمارة بالسوء تدعو صاحبها دائمًا إلى هتك هذا الحجاب بفعل المحرمات، وترك الطاعات، ولكن إذا أُكرهت النفس على فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، صار ذلك سببًا لدخول الجنة؛ لأن الجنة حُفت بالمكاره، والنار حُفت بالشهوات.
стр. 7176
عن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذلكَ». أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة أن الرسول الله ﷺ قال: «حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ». متفقٌ عليه (٢).
والله قد أمر بطاعته وطاعة رسوله فقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
ونهى الله عن معصيته ومعصية رسوله فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
فالمعاصي تنقسم إلى قسمين:
الكبائر: وهي كل ذنب رتب عليه الشرع عقوبة خاصة، وكل ذنب لعن النبي ﷺ فاعله فهو من كبائر الذنوب، وكل ذنب فيه حدٌ في الدنيا كالزنا فهو من كبائر الذنوب، وكل ذنب فيه وعيد في الدنيا كأكل الربا فهو من كبائر الذنوب، وكل أمرٍ فيه نفي إيمان فهو من كبائر الذنوب كما قال النبي ﷺ «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه (٣).
وكل ذنبٍ تبرأ رسول الله ﷺ من فاعله فهو من كبائر الذنوب مثل: «مَنْ غَشَّ فليسَ مِنِّي». أخرجه مسلم (٤).
стр. 7177
وكل ذنبٍ توعد الله فاعله بالنار أو الغضب أو اللعن فهو من الكبائر كالقتل بغير حق: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
ونحو ذلك من كبائر الذنوب، وما سوى ذلك فهو من الصغائر، ومن أجتنب الكبائر كفر الله عنه الصغائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
فما أرحم الله بعباده، وما أعظم عنايته بهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
• فقه الطاعة والمعصية
الطاعة: هي موافقة الأمر الشرعي، سواء كان ذلك في فعل المأمور، أو في ترك المحذور.
والمعصية هي: مخالفة الأمر الشرعي، سواء كان ذلك في ترك المأمور أو في فعل المحذور فإذا قيل طاعة ومعصية فالطاعة فعل المأمور، والمعصية فعل المحذور.
فالطاعة فعل المأمور، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١].
والمعصية: فعل المحذور كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وإذا قيل طاعة على سبيل الإطلاق شملت فعل الأوامر، واجتناب النواهي كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
стр. 7178
وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
ويجب على كل مسلم فعل الأمر حسب الاستطاعة، ويجب عليه ترك المنهي عنه مطلقًا إلا حال الضرورة، فإن الطاعات نافعة بمنزلة الغذاء، والمعاصي ضارة بمنزلة السم، فإذا اضطر الإنسان إلى شيء محرم، وكان لا يجد سواه، وتندفع به ضرورته، فإنه حلال له كما قال سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وكل ما أمر الله ورسوله به نأتي منه ما استطعنا، وما لا نستطيعه يسقط عنا؛ لأن الأمر شاق على النفس، بخلاف النهي، فإنه ترك، والترك أسهل من الفعل، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». أخرجه البخاري (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». متفقٌ عليه (٢).
ومن الطاعات التي أمر الله بها: الإحسان إلى كل مخلوق: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].
стр. 7179
وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
ومن المعاصي التي نهى الله عنها أذى الإنسان لغيره، وكلما كان الإنسان أحق بالإكرام كانت أذيته أعظم وأكبر إثمًا، وأشد عقوبة كما قال النبي ﷺ : «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». متفقٌ عليه (١).
والذنب يعظم بحسب الأذى والمؤذى، فالأذى سواء كان بالقول أو الفعل يختلف بحسب الأذى والمؤذى، فأذى الله ورسوله، وأذى ولي الأمر، والعالم، أو العابد الزاهد، ليست كأذية عامة الناس، لما تسببه من الشر والفساد، وأذية القريب ليست كأذية البعيد، وأذية الجار أشد من أذية غير الجار كما قال النبي ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثَنَّهُ». متفق عليه (٢).
وأذية من له حقٌ عليك ليس كأذية من لا حق له عليك، فالأذى درجات، ومن يُؤذى درجات: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٦ - ٥٨].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ [المجادلة: ٢٠].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 7180
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». متفقٌ عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ». متفق عليه (٢).