٥ - الخزانة الخامسة
• من مشاهد الناس في الطاعات والمعاصي:
المشهد التاسع: مشهد زيادة الإيمان:
فالله سبحانه أرسل رسله، ليأمروا الناس بما فيه صلاح الظاهر والباطن، وينهونهم عما فيه فساد ظواهرهم وبواطنهم، وأخبروهم بما يحبه الله ويرضاه، وبما يثيبهم عليه من الجنة والرضوان، وأنه يبغض الشرك والمعاصي، ويجازي عليها بالسخط والنار: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وأخبر سبحانه أنه إذا أطاعه العباد فيما أمر به شكر عليه بالإمداد والزيادة، وأنه إذا عصاه العباد، وخالفوا أمره، أصابهم النقص والفساد، والذل والهوان، وضيق العيش، وسوء الأحوال، فالذنوب مضرة بالقلوب مثل السموم مضرةٌ بالأبدان: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وهذا المشهد من ألطف المشاهد، فإن العبد إذا شهد نقص حاله إذا عصى ربه، وتغير القلوب عليه، وجفونها منه، وانسداد الأبواب في وجهه، وتوعر المسالك عليه، وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه،
стр. 7212
وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أُتي، ووقع هذا السبب الموجب لذلك مما يقوي إيمانه، ليباشر تغيير حاله، فإذا أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال، رأى العزة بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والسرور بعد الحزن، والأمن بعد الخوف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
فكل ما نراه في الوجود من شرٍ وفساد، وألم وعقوبة، وجذب ونقص في أنفسنا وأموالنا، فهو من قيام الرب تعالى بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد الظالم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فكل نقصٍ وبلاء وشرٍ في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شرٌ إلا الذنوب وموجباتها.
وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال، أمر مشهودٌ في العالم، يعرفه المؤمن والكافر، والبار والفاجر كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وشهود العبد هذا مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل من التوحيد والإيمان، والأوامر والنواهي، والثواب والعقاب: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ
стр. 7213
الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
العاشر: مشهد الرحمة.
فإذا وقع العبد في المعصية، خرجت من قلبه تلك الغلظة والقسوة والغضب الذي كان عنده لما صدر منه الذنب، حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعى عليه غضبًا لله، وحرصًا منه على أن لا يعصى ربه فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين، فإذا جرت عليه المقادير استغاث بالله، والتجأ إليه، ودعا للمذنبين بالمغفرة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
الحادي عشر: مشهد العجز والضعف.
فالإنسان أعجز شيءٍ عن حفظ نفسه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
ولا حول له ولا قوة له إلا بربه، تجري عليه أحكام القدر وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم، فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله، كشاةٍ ملقاةٍ بين الذئاب والسباع لا يردهم عنها إلا الراعي، فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء.
وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن، فإن حماه منهم، وكفهم عنه، لم يجدوا إليه سبيلًا، وإن تخلى عنه وكله إلى نفسه ولو طرفة عين اغتاله، وظفر به أحدهم، فاحفظ الله يحفظك.
وفي هذا المشهد يعرف العبد نفسه حقًا، ويعرف فضل ربه حقًا، فمن عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرفها بالعجز عرف ربه
стр. 7214
بالقدرة، ومن عرف صفاته الممدوحة فيه كالقوة والحياة والصدق، عرف أن الذي أعطاه ذلك أولى به منه، فمعطى الكمال أولى بالكمال، فمن لم يعرف نفسه لم يعرف ربه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وإذا عرف العبد ذلك عرف أنه ليس بيده شيء، ولا بيد غيره شيء، وأن الأمر كله لله العلي الكبير كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثاني عشر: مشهد الذل والانكسار، والخضوع والافتقار، للرب ﷻ :
فيشهد العبد في كل ذرة من الذرات الظاهرة والباطنة، ضرورة تامة، وافتقاراً تامًا، إلى ربه ووليه، ومن بيده صلاحه وفلاحه، وهداه وسعادته: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فإذا انكسر قلب العبد، وخضع لربه ومولاه، علم أنه لا يستحق قليلًا ولا كثيرًا، وأن كل خير ناله من الله، استكثره على نفسه، وعلم أن قدره دونه، وأن رحمة ربه هي التي ذكرته به، وساقته إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
واستقل العبد طاعاته لربه، ورأها ولو كثرت أقل ما ينبغي لربه العظيم عليه، وأستكثر القليل من المعاصي وذنوبه، وسوء أدبه مع ربه الذي أكرمه بوافر نعمه.
стр. 7215
والانكسار والافتقار الذي حصل لقلبه، أوجب هذا كله وقليل من هذا، ونفس منه، أحب إلى الله من طاعات كالجبال، من المدلين المعجبين بعلومهم وأعمالهم وأحوالهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
وأحب القلوب إلى الله قلب تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، ينظر إلى ربه نظر الذليل للعزيز الرحيم، ونظر الفقير العاجز إلى الغني القادر، فلا يرى في جميع أحواله إلا متعلقًا بربه، خاضعًا له، يسأله عطفه ورحمته، باكيًا بين يديه، يقول: يارب، يارب ارحم من لا راحم له سواك ولا ناصر له سواك ولا مغيث له سواك، ولا مؤوي له سواك.
الثالث عشر: مشهد العبودية والمحبة، والشوق إلى لقاء الله، والابتهاج بذكره، والفرح والسرور به:
فيأنس العبد بربه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئن إليه جوارحه، ويستولي ذكره على لسانه، فتصير حركات اللسان والقلب والجوارح بالطاعات مكان حركاته بالمعاصي، قد امتلأ قلبه من محبة ربه، ولهج لسانه بذكره، وانقادت جوارحه لطاعته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والدخول على الله من أبواب الطاعات كلها زحام، لكن الدخول عليه من باب الذل والافتقار أقرب باب إليه، وأوسعه، ولا مزاحم عليه، فلا طريق أقرب إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الكبر والعجب، ولا ينفع مع العجب والكبر عمل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا
стр. 7216
وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والله سبحانه لا يأخذ أحدًا ولا يعاقبه إلا بذنبه، وإذا شهد العبد القدر السابق بالذنب، علم أن الله سبحانه قدره، سببًا مقتضيًا لأثره من العقوبة، كما قدر الطاعة سببًا مقتضيًا للثواب، وكلما إطلع العبد منه ربه عليه قبل الذنب، وفي حال مواقعته، وبعد مواقعته، ولاحظ بره به، وإحسانه إليه، وحلمه عنه، هاجت من قلبه لواعج محبة ربه، والشوق إلى لقائه، وشدة الحياء منه، فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وتستحي من معصية أمره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأهل المعاصي حينما تنظر إليهم بعين القدر، نرق لهم، ونعطف عليهم، ونسأل الله لهم السلامة والعافية، ونشفق عليهم ونرحمهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وإذا نظرنا إلى العصاة بعين الشرع، فإننا يجب أن ننصحهم، ونأمرهم بالمعروف، وننهاهم عن المنكر، حتى يعودوا إلى الصراط المستقيم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ولابد لورثة الأنبياء والرسل أن ينظروا لهذا، أن ينظروا بهذا وهذا، وبذلك يقبل الله دعاءهم، ويبارك في جهدهم وعملهم، وينزل الهداية ببركة
стр. 7217
جهدهم، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، واهدنا لما اختلف فيه من الحق إلا بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
كل إنسان خلقه الله إما متحرك بطاعة أو معصية، أو بهما معًا ولابد، والطاعات كلها محبوبة لله، مرضية له، وإن لم يشاءها ممن لم يطعه، ومن وجدت منه، فقد تعلقت بها مشيئة الله ومحبته.
والمعاصي كلها مبغوضة لله، مكروهة له، وإن وقعت بمشيئة الله، فما لم يوجد من الطاعات المقدرة، تعلقت بها محبة الله دون مشيئته، وما وجد منها تعلقت بها محبته ومشيئته: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وما لم يوجد من أنواع المعاصي، فلم تتعلق بها مشيئته ولا محبته، وما وجد منها تعلقت بها مشيئته دون محبته، وطاعات العباد كلها، لا تكون مقابلة لنعم الله عليهم، ولا مساوية لها، بل ولا لواحدة منها، فكيف يستحقون بها النجاة؟
قال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وطاعة المطيع لا نسبة لها إلى نعمة من نعم الله عليه، فتبقى النعم تتقاضاه شكرًا، والعبد لا يقوم بمقدوره الذي يجب لله عليه، فجميع عباده تحت
стр. 7218
عفوه ورحمته، وفضله وإحسانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فما نجا من الخلق أحد إلا بعفوه ومغفرته، ولا فاز بالجنة إلا بفضله ورحمته وما أطاع الله من أطاعه إلا بإذنه وعونه وفضله، وما عصى من عصاه إلا بعلمه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال النبي ﷺ : «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا». متفق عليه (١).
فأمور الخلائق كلها بيد الله وحده، والهداية بيد الله وحده، ولكن الله جعل لها أسبابًا كما جعل للنور أسبابًا، وللحياة أسبابًا، وللكسب أسبابًا.
وحتى تحصل الهداية لمن ندعوه لابد من العلم بأمور:
الأول: أن نتيقن أن القلوب بيد الله وحده، فندعو الله له ولنا بالهداية.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٦].
الثاني: أن يكون في قلوبنا الحزن على العاصي ورحمته، والسعي لإصلاحه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
стр. 7219
الثالث: أن نولف قلبه، ونتقرب إليه بما يحب من هدية وكلام لطيف ونحو ذلك، حتى يقبل كلامنا.
الرابع: أن تعرف مرض هذا العاصي، وما دواء هذا المرض.
الخامس: ثم ننظر ماذا نعطيه منه، وما هو الوقت المناسب لذلك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
السادس: أن نعتقد ونجزم أن علاجه مسئوليتنا، وإن تركناه فأين يذهب؟ وبذلك يتأثر الناس، وتنزل الهداية على من شاء الله هدايته، ويجعلنا الله سببًا لهداية العالم.
стр. 7220
٦ - الخزانة السادسة
• فقه الطاعات والمعاصي:
المسلم إذا أطاع الله، وامتثل أوامره، جاءت عليه مشقة في البداية، ولكنها صغيرة، والسعادة التي تعقبها كالبحر بالنسبة للقطرة، والعاقل لا يترك البحر العظيم من أجل من أجل القطرة الصغيرة، والنفس تجد اللذة في المعاصي ولكن هذه اللذة كالقطرة بالنسبة لعذاب يوم القيامة، والعاقل لا يتلذذ بلذة صغيرة عاجلة، ويترك بحر السعادة في الآخرة.
لقد خلق الله الإنسان، واستخلفه في هذه الحياة، وهو سائر إلى الله في نهاية المطاف: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وسيرى كل إنسان عمله، ثم يحاسب عليه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وبعد الحساب يكون الثواب أو العقاب: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
وعقد الاستخلاف لهذا الإنسان الذي كرمه الله قائم على تلقي الهدى من الله، والتقيد بمنهج الله في الحياة، والإنسان سامع مطيع، فإما أن يسمع الإنسان ويطيع لما يتلقاه من الله فيسعد في الدنيا والآخرة، وهؤلاء هم المؤمنون: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
стр. 7221
وإما أن يسمع ويطيع لما يمليه عليه الشيطان والهوى، فيشقى في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وليس هناك طريق ثالث، فالعبد إما أن يطيع الله، أو يطيع الشيطان، وإما أن يتبع الحق، أو يتبع الباطل، وإما أن يسير إلى الجنة، وإما أن يسير إلى النار، وبناء على ذلك إما أن يكون من المفلحين، وإما أن يكون من الخاسرين، كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
والله هو الملك الحق الذي له الخلق كله، والأمر كله، والملك كله، وإليه يرجع الأمر كله، وبيده الخير كله، يأمر الكائنات أن تطيع من أطاعه، وتهلك من عصاه، كما قال سبحانه: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨].
فلما جاء الامتثال والطاعة، قال سبحانه للكائنات: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ [هود: ٤٤].
فأنجى الله المؤمنين، وأهلك الظالمين.
قال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
ومن عصى الله تكون المخلوقات ضده، فتسوء حاله، وتكثر مشاكله، ولو كان بين القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والمساكن الواسعة، والمراكب الفاخرة، والأولاد: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال سبحانه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].
وبحسب كثرة المعاصي تكثر المصائب، فإذا أخذ الإنسان الشيء بالكذب أو السرقة أو الغصب، زادت المصائب عليه بشكل جديد، طلبات متكررة، وخسائر متوالية، وحاجات غير لازمة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
الطاعات شعبة من شعب الإيمان، والمعاصي شعبة من شعب الكفر، وبالدعوة إلى الله، يأتي الإيمان، وثمرة الإيمان عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعة الله ورسوله، وثمرة العبادة والطاعة رضا لله ، ودخول الجنة والنجاة من النار: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
стр. 7224
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
• فقه الطاعات والمعاصي:
الطاعات نوعان:
الأول: طاعة تتعلق بالعبد نفسه:
وتكون بالاستقامة على أوامر الله، بفعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات وكلاهما مطلوب من العبد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
الثاني: طاعات تتعلق بالخلق:
وتكون بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الناس، والجهاد في سبيل الله، وكلاهما مطلوب من العبد: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وكل الطاعات مشروعة ومطلوبة، لكن الطاعة المتعلقة بالنفس بالنسبة للطاعة المتعلقة بالخلق كالذرة بالنسبة للجبل في الأجر والثواب، كما قال
стр. 7225
النبي ﷺ : «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثامهم شيئًا». أخرجه مسلم (١).
فالمسلم إذا وضع جهده وماله ووقته تحت شجرة الطاعة، تكبر، وتزيد، ويزيد الخير في الأمة، وإذا وضعه تحت شجرة المعصية، تكبر، وتزيد، ويزيد الشر في العالم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقد جعل الله الحصول على الأرزاق بطريقين:
الأول: طريق الأموال والأسباب.
الثاني: طريق الإيمان والأعمال الصالحة.
الأول عام لكل البشرية، والثاني خاص بالمؤمنين بالله، والإنسان في هذه الحياة إما أن يمشي على طريق الشهوات، أو على طريق الأوامر الشرعية، فالأول خاسر، والثاني رابح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
أما الخاسر، فكما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله عزوجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
стр. 7226
والله يؤيد من يمشي على طريق الأوامر الشرعية بالعطاء الغيبي كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وبالمشي على طريق الشهوات البدن يقوى، والمشي على طريق الأحكام، الروح تقوى، وصلاح البدن بصلاح القلب كما قال النبي ﷺ : «أَلا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلَّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (١).
ومن مشي على طريق الشهوات، لا يزول قلقه ولا همه حتى يسير على أحكام الله رحمة من الله، ولو كان عنده الملك والمال وسائر الشهوات والملذات، فمع هذه يزداد شقاؤه وهمه واضطرابه كما قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
والذي يمشي في طريق الطاعات، تفتح له أبواب السعادة والطمأنينة في الدنيا، ثم تزداد سعادته وسروره كلما أحدث طاعة، ثم تزداد سعادته عند الموت حين تبشره الملائكة بالجنة، ثم تزداد سعادته في القبر، وقبر المؤمن روضة من رياض الجنة، ثم تزداد سعادته عند البعث والحشر، حيث يبعث آمنًا من غضب الله وعقابه، ثم تزداد سعادته وتبلغ كمالها إذا دخل الجنة، ورأى ربه، وفاز برضاه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يكرم
стр. 7227
بذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
أما الذي يمشي في طريق المعاصي، فتفتح له أبواب الشقاء في الدنيا، ويزداد شقاؤه وعذابه عند الموت، حين تبشره الملائكة بالنار، ثم يزداد عذابه وشقاؤه في القبر، وقبر الكافر حفرة من حفر النار، ثم يزداد شقاؤه عند البعث والحشر، حيث يبعث خائفاً من غضب الله وعقابه، ثم يزداد شقاؤه وعذابه ويبلغ كماله إذا دخل النار، وأعرض عنه ربه، وباء بسخطه وغضبه، نسأل الله السلامة والعافية لنا ولكافة المسلمين والمسلمات: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].
مذمومًا: لا حامد لك، مخذولًا: لا ناصر لك.
وقال : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
خاصية النفس البشرية أنها تريد المعاصي والشهوات، فهى أمارة بالسوء وخاصية الروح البشرية أنها تريد طاعة الله، فالنفس تحب الشهوات، والروح تحب طاعة الله، وإذا قويت النفس، إنقاد الإنسان لها، فأوقعته في
стр. 7228
حب الشهوات والمعاصي والمحرمات: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
وإذا قويت الروح إنقاد الإنسان لها، وحركت جوارحه بطاعة الله ورسوله كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وكل من مشى مستقيمًا على طاعة الله، فتحت له أبواب الرحمة والبركة، ووجد اللذة والراحة في كل شيء أمره الله به، حتى يجد الراحة الكاملة في الجنة، وكل من مشى على طريق الشهوات، فاز بالظاهر كالحلوى المسمومة، وفي الحقيقة هو عين السم، فتفتح له أبواب الشقاء والمصائب، ولا يزال في البلاء يلاحقه، حتى ينال كمال العذاب الأليم في جنهم: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].
والذي يستعمل جوارحه وأمواله وأوقاته حسب أوامر الله، فلا يأكل إلا ما أمر الله بأكله، ولا يلبس إلا ما أمر الله بلبسه، ولا يعبد الله إلا بما شرع، ويؤدي الواجبات، ويجتنب المحرمات، ويقيد نفسه بأوامر الله، هذا إذا جاء يوم القيامة، أطلق الله جوارحه في الشهوات والملذات الدائمة، وملكه جوارحه، وخلده في النعيم المقيم في الجنة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
ومن استعمل جوارحه وأمواله وأوقاته كيف شاء، فالله يمهله ويتركه يتمتع ويأكل ويلعب، فإذا جاء يوم القيامة، قيده الله، وأذله، وأهانه، وخلده في نار جنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
стр. 7229
٧ - الخزانة السابعة
• فقه الطاعات والمعاصي:
الله سبحانه إنما يخلي بين العبد والذنب لأمرين:
أحدهما: أن يعرف العبد عزة ربه في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول العذر منه، وفضله في مغفرته: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
وهو سبحانه العزيز الذي يقضي بما يشاء، وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه بما يشاء، وقلب قلبه، وصرف إرادته، على ما يشاء مما يصلحه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وبذلك يعرف العبد أنه مدبر مخير، ناصيته بيد غيره، لا عصمة إلا بعصمته ولا توفيق إلا بمعونته: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
فيشهد العبد بذلك أن الكمال والحمد، والغنى والعزة، والقوة والقدرة، كلها لله وحده، ويعرف بره سبحانه في ستره عليه، حين ارتكاب المعصية، مع كمال رويته له، وقدرته عليه، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحقروه ومقتوه، وهذا من كمال بره سبحانه بعبده، مع كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
стр. 7230
فإذا اشتغل العبد بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم من ربه، أقبل على طاعة ربه، وأقلع عن معصيته، وشهد حلم الله في إمهال راكب الخطيئة، ولو شاء لعجل له العقوبة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١].
ويعرف كذلك كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر عليه، ويقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ويشهد كرمه في مغفرة ذنوبه، فإن المغفرة كرم من الله وعفو بفضله، لا باستحقاق العبد له، فيوجب ذلك له شكرًا لله، ومحبة له، وإنابة إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفة له باسمه الغفار، وبذلك يكمل لعبده مراتب العبودية من التعظيم لمولاه، والذل له، والحب له، والخضوع والانكسار بين يديه، وكمال الافتقار إليه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والثاني: أن يقيم الله على عبده حجة عذره، فيعاقبه على ذنبه بحجته، وكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به، ونهى عنه، فصد عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، فإذا عاقبه على ذنبه، عاقبه بحجته على ظلمه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك، وقد عرف أنه سبب الهلاك فهلك، فالحجة مركبة عليه، والمؤاخذة لازمة له: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
стр. 7231
فإذا شاهد العبد القدر السابق بالذنب، علم أن الله سبحانه قدره سببًا مقتضيًا لأثره من العقوبة، كما قدر الطاعة سببًا مقتضيًا للثواب، وأن الله علم أن هذا العبد لا يصلح إلا للوقود كالشوك الذي لا يصلح إلا للنار، فأراد الله سبحانه أن يسوق هذا العبد إلى ما يصلح إلا له، وأن يقيم عليه حجة عذره بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، بأن قدر عليه الذنب فوقع، فاستحق ما خلق له كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠].
وقد أمر الله بطاعته، وطاعة رسوله، وطاعة أولي الأمر من المؤمنين، مالم يأمروا بمعصية، فلا طاعة لهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقد أرسل الله رسله ليطاعوا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].
فالرسول ﷺ هو الداعية إلى الله، ليس مجرد واعظ يلقي كلمته وينصرف فرسالته سلطان يحقق منهج الله في الأرض، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ في مجالات الحياة كلها، ولم يرسل الله الرسل لمجرد التأثر الوجداني، وأداء الشعائر التعبدية فقط، فهذا وهم في الدين لا يستقيم مع حكمة الله في إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتصريف الحياة وفق منهج الله ﷻ : ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
стр. 7232
ومن هنا كان الإسلام دعوة وبلاغاً، ونظامًا وأحكامًا، وخلافة على منهاج النبوة، تنفذ أوامر الله في عباده على أرض الله، على طريقة رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وإذا أشتغل الناس بمعصية الله ورسوله، حرموا نصرة الله، وحرموا رضاه، ونزل بهم غضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وقال الله : ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف: ٥٩].
والمكلفون من الخلق ثلاث فرق:
أهل الطاعة، وهم المنعم عليهم، وأهل المعصية، وهم المغضوب عليهم، وأهل الجهل وهم الضالون عن الحق.
الصفة الأولى: أهل الإيمان؛ وهم الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، فجمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير من أجل العمل به.
فإذا اختل قيد العمل، فهم الفاسقين المغضوب عليهم، وإذا اختل قيد العلم، فهم الجهلة الضالون، فاللهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضآلين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
وإذا كان المقصود من الشجرة الثمرة والمنفعة، والشجرة إنما جاءت من البذرة والبذرة، لابد لها من بيئة حتى ينمو وتثمر، والبيئة هي الأرض والماء،
стр. 7233
والضوء والهواء، فكذلك رضا الله هو الغاية والمقصد من الدين، وذلك لا يكون إلا بطاعة الله ورسوله، وذلك لا يتم إلا بالإيمان بالله والإيمان لابد له من بيئة صالحة حتى يثبت ويقوى، ويثمر وينمو: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والبيئة الصالحة: هى التي تقام فيها الأعمال الصالحة كالعبادة، والدعوة، والتعليم، والذكر، واتباع السنة النبوية، والأخلاق والآداب الشرعية، وذكر اليوم الآخر، والجنة والنار، وكل ما يرضي الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
فالدرجة الأولى هي الدعوة، وبالدعوة يأتي الإيمان، وبالإيمان تأتي طاعة الله ورسوله، ثم يأتي رضا الله ورسوله، ثم يأتي دخول الجنة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
وإذا ترك المسلم الدعوة إلى الله ضعف الإيمان في قلبه وإذا ضعف الإيمان، قلت الطاعات، وكثرت المعاصي، وإذا جاء الكفر والمعاصي، جاء غضب الله، ثم نزلت عقوبة الله بمن عصاه في الدنيا، وبالنار في الآخرة
стр. 7234
كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
والطاعات والمعاصي، وكل ما يجري في هذا الكون، كله واقع بمشيئة الله وقدره: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
لكن الطاعات مأمور بها، والمعاصي مكروهة للرب، منهي عنها، لكنه لم يأمر بها، لكنه شاء وقوعها قدرًا، ولو لم يشأ لم تقع، فالله ملك، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد ويعلم به: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والله على كل شيء قدير: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقد أخبر الله عن قدرته على تبديل من عصاه إما بخير منهم كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨].
وإما بأمثالهم كما قال سبحانه: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [الواقعة: ٦٠ - ٦١].
وإما بغيرهم كما قال سبحانه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣].
وكل من انصرف من الناس عن الإيمان، والأعمال الصالحة، صرف الله قلبه عن القرآن وتدبره والانتفاع به، كما قال سبحانه عن المنافقين: ﴿وَإِذَا
стр. 7235
مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ [التوبة: ١٢٧].
وصرف الله قلوبهم عن القرآن، وعن الحق، لأنهم ليسوا أهلًا له والمحل غير صالح له ولا قابل، وإبليس لما عصى ربه، ولم يستجب لأمره، وأبى واستكبر، وأصر على ذلك، عاقبه الله بأن جعله داعياً إلى كل معصية، وجازاه الله بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال عليه؛ لأنه استمر في طغيانه، وازداد في كفره، فطبع الله على قلبه، وسد عليه طرق الهداية كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧].
• أسباب وقوع الإنسان في المعاصي والذنوب:
يقع الإنسان في المعاصي والذنوب إما بالغفلة عن الله، أو بالغفلة عن أوامر الله، أو بالغفلة عن اليوم الآخر، أو يعتقد أن الوعيد ليس على ظاهره، أو يذهل عن التحريم، أو لا يستحضر عظمة الرب، وشدة بأسه، أو لفرط الشهوة بحيث تقهر مقتضى الإيمان وتغمره، أو يزين له الشيطان المعصية ويغويه، أو يغلب عليه جانب الرجاء ونحو ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا
стр. 7236
يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والطاعات والمعاصي متفاوتة في درجاتها، ومنافعها، ومفاسدها، وثوابها وعقابها.
وأصل المعاصي نوعان:
أحدهما: ترك مأمور؛ كترك الصلاة والزكاة والصيام ونحوهما.
الثاني: فعل محظور، كالشرك بالله، والزنا، والربا ونحو ذلك.
وترك المأمور، وفعل المحظور، هما الذنبان اللذان ابتلى الله بهما أبوي الجن والإنس، فإبليس ترك المأمور، وآدم فعل المحظور، وكلاهما ينقسم باعتبار محله: إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلب، وينقسم كل منهما باعتبار متعلقة إلى حق الله، وحق للخلق، وإذا كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحق الله، لكن سمي حقًا للخلق؛ لأنه يجب بمطالبتهم به، ويسقط بإسقاطهم.
• أقسام الذنوب والمعاصي:
والذنوب والمعاصي تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ذنوب ملكية.
القسم الثاني: ذنوب شيطانية.
القسم الثالث: ذنوب سبُعية.
القسم الرابع: ذنوب بهيمية.
стр. 7237
فالذنوب الملكية:
أن يتعاطى الإنسان ما لا يصلح له من صفات الربوبية؛ كالعظمة، والكبرياء، والقهر، والعلو، والجبروت، والطغيان، واستعباد الخلق ونحو ذلك، ويدخل في هذا الشرك بالله.
وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره، وصاحبه قد نازع الله في ربوبيته، وملكه، وجعل له ندًا، وهذا أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
وأما الذنوب الشيطانية:
فبالتشبه بالشيطان في الكفر، والكبر، والكذب، والظلم، والحسد، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله، وتحسينها، والنهي عن طاعة الله وتهجينها، والابتداع في الدين ونحو ذلك.
وهذا القسم يلي النوع الأول في المفسدة لكنه دونه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وأما الذنوب السبُعية: فذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثب على الضعفاء، والعاجزين، وقهر النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤].
стр. 7238
وأما الذنوب البهيمية:
فمثل الشره والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنهما يتولد الزنا، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشح، والجبن، والهلع، والجزع ونحو ذلك: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق، لعجزهم عن الذنوب السبُعية، والشيطانية، والملكية، ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبُعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى الملكية، بمنازعة الرب، والشرك به في وحدانيته.
وبهذا التفصيل يتبين أن الذنوب دهليز الشرك والكفر: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
وفعل المعصية ذنب، والإصرار عليها ذنب آخر، والمجاهرة بها ذنب آخر، والعزم على المعاودة لفعل المعصية ذنب آخر، ولعله أعظم من الذنب الأول بكثير، وهذا من عقوبة الذنب، فإن الذنب يوجب ذنبًا آخر أكبر منه، ويجر إليه، ثم الثاني كذلك، وهكذا حتى يستحكم الهلاك للمذنب، فالإصرار على المعصية معصية أخرى، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب، مع تيقن نظر الرب ﷻ من فوق عرشه إليه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾
стр. 7239
[الملك: ١٣ - ١٤].
فإن آمن بنظر الله إليه، وأقدم على المجاهرة فذنب عظيم، وإن لم يؤمن بنظره إليه، واطلاعه عليه، فكفر عظيم، فهو دائر بين الأمرين، بين قلة الحياء وعدم المبالاة بنظر الله إليه، وبين الكفر والانسلاخ من الدين.
أما الفرح بالمعصية فهو دليل على شدة الرغبة فيها، والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها، وعظيم خطرها، ففرحه بالمعصية غطى عليه ذلك كله، وفرحه بها أشد ضررًا عليه من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجب عن الشعور به، ومتى خلا قلبه من هذا الحزن، واشتدت غبطته به، فليتهم إيمانه، وليبكي على موت قلبه، فإنه لو كان حيًا لأحزنه ارتكاب الذنب، وهذا عين الهلاك والخسران، إن لم يتدارك نفسه بالتوبة النصوح: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
وقلب الإنسان إذا صلح، صلح الجسد كله، وإذا فسد، فسد الجسد كله، وإذا صلح القلب بالإيمان جاءت التقوى والأعمال الصالحة، وإذا فسد القلب بالكفر والشرك جاءت المعاصي والسيئات، فالقلب إذا فسد، فسد السمع والبصر، وإذا فسد السمع والبصر فسد القلب، فهما متلازمان، كما قال النبي ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». متفق عليه (١).
стр. 7240
فإذا أعرض القلب عن سماع الحق، وأبغضه بحيث لا يحب رؤيته، امتنع وصول الغذاء إلى القلب ففسد، وإذا فسد السمع والعقل تبعهما فساد البصر، والإنسان إذا لم يكن له علمٌ بما يصلح أحواله في معاشه ومعاده، كان الحيوان البهيم خيرًا منه؛ لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الإنسان الجاهل، فإذا أتاح الله للعبد فرصة القرب والطاعة، فعليه بانتهازها، والمبادرة إليها، فالعزائم والهمم سريعة الانتقال والتحول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 7241
٨ - الخزانة الثامنة
الله سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].
وعشق الصور، وحب الفواحش، إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المعرضة عنه، المتعلقة بغيره: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
فإذا امتلأ قلب العبد بمحبة الله تعالى، والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه حب تلك الصور والفواحش والمحرمات، كما قال سبحانه في حق يوسف ﷺ : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤].
ومن أخلص لله خلصه الله مما يغضبه ويسخطه، فلما أخلص يوسف لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، فسلم من السوء والفحشاء، فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان، والطاعات مركب النجاة، والمعاصي طرق الهلاك.
والله سبحانه خالق الخير والشر، والشر ليس إليه وإنما الشر في بعض مخلوقاته، لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه كله خير ورحمة، وعدل وإحسان، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
стр. 7242
يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
وقال الله في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلَا تَظَالَمُوا». أخرجه مسلم (١).
فالإنسان إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء، والله هو الذي جعله فاعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
فجعله خير، والمفعول شر قبيح، فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء في موضعه، لما له من الحكمة التي يحمد عليها، والشر ليس إليه سبحانه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
فهو سبحانه القدوس المنزه عن كل شر ونقص وعيب، وهو السلام الذي سلم من العيوب والنقائص، فهو السلام من صفات النقص، وأفعال النقص، وأسماء النقص: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
وهو الكبير الذي تكبر عن السوء، العزيز الذي برأ من كل سوء وشر وعيب، الحميد الذي له الحمد كله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والله كما جعل الحبوب والثمار تخرج من الزروع والأشجار، كذلك جعل الأعمال تخرج من الإنسان، وهي إما أعمال صالحة، أو أعمال سيئة، ولكل عمل ثواب أو عقاب: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ
стр. 7243
بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
والخلق في ذلك أربعة أقسام:
القسم الأول: من خلقه الله لطاعته وجنته، وهم الأنبياء والمرسلون وأتباعهم من المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
القسم الثاني: من خلقه الله لطاعته وناره، وهم المراءون والمنافقون: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
القسم الثالث: من خلقه الله لجنته لا لعبادته، وهم من أسلم ثم مات فورًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢].
القسم الرابع: من خلقه الله لناره لا لعبادته، وهؤلاء هم المستكبرون عن عبادة الله، الكافرون بالله كإبليس وفرعون وأتباعهما من الكفار والمشركين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
• أقسام الناس في الثواب والعقاب:
الناس بالنسبة للثواب والعقاب ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أهل الإيمان والطاعات، هؤلاء في الجنة.
القسم الثاني: أهل الكفر والمعاصي، هؤلاء في النار.
القسم الثالث: من لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان، فهؤلاء أصناف:
منهم من لم تبلغه الدعوة .. ومنهم الخرف الذي لا يعقل .. ومنهم المجنون
стр. 7244
الذي لا يعقل .. ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئًا .. ومنهم الأصم الذي لا يسمع.
فهؤلاء وأمثالهم يكلفون يوم القيامة، ويمتحنون، فمن أطاع الله دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه، ومن عصا دخل النار، وانكشف علم الله فيه.
• أقسام الخلق بالنسبة للطاعات والمعاصي:
الخلق بالنسبة للطاعات والمعاصي أربعة أقسام:
القسم الأول: من لهم طاعات ومعاصي، وهم الثقلان الجن والإنس.
القسم الثاني: من ليس لهم طاعات ولا معاصي، وهم غير العقلاء من جماد ونبات وحيوان.
القسم الثالث: من لهم طاعات، ولا معاصي لهم، وهم الملائكة.
القسم الرابع: من لهم معاصي، ولا طاعات لهم، وهم إبليس وذريته، والله ﵎ هو العلي العظيم، وهو الغفور الرحيم، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وله خزائن السموات والأرض، وهو خالق كل شيء، وهو رب العالمين: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ [يونس: ٦٨].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومن هذه صفاته حقيق بأن يكون الحب كله له، والتعظيم كله له، والحمد كله له، والإجلال كله له، والطاعات كلها له، وأن يذكر فلا ينسى، ويطاع
стр. 7245
فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وأهل الطاعة هم المنعم عليهم في الحقيقة، ويجب عليهم من الشكر أضعاف ما على غيرهم، وإن توسدوا التراب، ومضغوا الحصى، فهم أهل النعمة المطلقة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
ومن خلى الله بينه وبين معاصيه، فقد سقط من عينه، وهان عليه، وإن وسع الله عليه في الدنيا، ومد له من أسبابها، فإنهم أهل الابتلاء في الحقيقة: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٤ - ٥٦].
وقال سبحانه عن الكفار: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
• فضائل الطاعات:
أمر الله بطاعته، وطاعة رسوله، وبين أن ذلك هو الفوز العظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وأن تلك الطاعة سبب لرحمة الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
والطاعة بذاتها فوز عظيم، فهي استقامة على منهج الله، والاستقامة على منهج الله هي الراحة والطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
стр. 7246
والاهتداء إلى الصراط المستقيم الواضح سعادة بذاته، ولو لم يكن وراءه جزاء سواه، فليس الذي يسير في الطريق الممهد المنير، وكل ما حوله من خلق الله يتجاوب معه ويتعاون، كالذي يسير في الطريق المظلم المليء بالحفر والتعرجات، وكل ما حوله من خلق الله يعاديه، ويصادمه، ويؤذيه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].
إن طاعة الله ورسوله تحمل جزاءها في ذاتها، وهي الفوز العظيم قبل يوم الحساب، وقبل الفوز بالنعيم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
أما نعيم الآخرة فهو فضل زائد على جزاء الطاعة، فضل من الكريم المنان، فضل من كرم الله، وفضل بلا مقابل، وفضله ﷻ بلا مقابل من العباد: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٨].
وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
وفضل الله وإحسانه إلى عباده عظيم لا يمكن عده ولا إحصاؤه، ولعله فضل نظر الله فيه إلى ضعف هذا الإنسان، وإلى ضخامة التبعة التي يحملها على عاتقه، والتي تعهد بحمدها وحده وهو على ما هو عليه من الضعف، وضغط الشهوات، والميول والنزعات، وقصر العمر، وحواجز الزمان والمكان، دون المعرفة الكاملة بالله، وما يجب له، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ
стр. 7247
غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
والله ﷻ واجب الطاعة، ومن خصائص ألوهيته سبحانه أن يسر الشريعة، وشريعته واجبة التنفيذ؛ لأنها في خلقه وملكه، فعلى الناس كافة أن يطيعوا الله كافة كما أطاعته المخلوقات كافة: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
وعلى المؤمنين أن يطيعوا الله، ابتداء، وأن يطيعوا الرسول لما له من صفة الرسالة من الله فطاعته من طاعة الله الذي أرسله بهذه الشريعة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
فأما أولوا الأمر فهم من المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله، والله يجعل طاعته أصلًا، وطاعة الرسول أصلًا كذلك؛ لأنه مرسل منه، ويجعل طاعة أولي الأمر من المؤمنين تبعًا لطاعة الله ورسوله، فطاعتهم مستمدة من طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ مع الإيمان، وهي طاعة في حدود المعروف والمشهور من الله ، والذي لم يرد نص بتحريمه، كما قال النبي ﷺ : «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفق عليه (١).
والشريعة التي تطاع، والسنة التي تتبع، واحدة لا تتعدد، ولا يتوه فيها الفرد، وذلك فيما ورد فيه نص صريح، فأما الذي لم يرد فيه نص، وأما الذي يعرض من المشكلات والأحوال، ولا يكون فيه نص قاطع، أو لا
стр. 7248
يكون فيه نص على الإطلاق مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام، فإن الله لم يتركه بلا حل، بل جعل له ميزاناً يوزن به، وهو برده إلى الله والرسول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
فيرد الأمر والحال إلى النصوص الشرعية، وإن لم توجد النصوص التي تنطبق عليه، فيرده أولوا الأمر إلى المبادئ الكلية العامة في منهج الله وشرعه، وطاعة الله، وطاعة رسوله، وطاعة أولي الأمر من المؤمنين القائمين على شريعة الله، ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول، هذه وتلك شرط ومقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.
والمؤمنون حقاً لهم أدب مع الله ورسوله، ولهم قول حسن إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، ينبئ عن إشراق قلوبهم بالنور، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
فهو السمع والطاعة بلا تردد ولا جدال، السمع والطاعة المبنيان على الثقة المطلقة في أن حكم الله ورسوله هو الحكم العدل، وما عداه هو الظلم والهوى، النابعان من التسليم المطلق لله العليم بمصالح خلقه، الرحيم بهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢].
إن المؤمنين عندهم الطاعة لله ورسوله في كل أمر، وفي كل نهي، وفي كل حكم، وفي كل شأن: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وطاعة المؤمنين لربهم، ولرسوله ﷺ طاعة مصحوبة بخشية الله وتقواه،
стр. 7249
والتقوى أعم من الخشية، فهي مراقبة الله، والشعور به عند الصغيرة والكبيرة والتحرج من إتيان ما يكره توقيرًا لذاته سبحانه، وإجلالًا له، وحياء منه إلى جانب الخوف والخشية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٩].
فتقوى الله أعظم مقامات الدين، وأعظم مقامات العبد بين يدي ربه، وذلك أدب رفيع ينبئ عن مدى إشراق قلب المؤمن بنور الله، واتصاله به، وشعوره بهيبته، مما ينبئ عن عزة القلب المؤمن واستعلائه، فكل طاعة لا ترتكز على طاعة الله ورسوله ذلة يأباها الكريم، وينفر منها طبع المؤمن، فالمؤمن الحق لا يحنى رأسه إلا لله الواحد القهار: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
• آثار الطاعات والمعاصي:
ضرر الذنوب والمعاصي والآثام في القلوب كضرر السموم في الأبدان، بل هو أشد، وليس في الدنيا والآخرة من شر إلا وسببه الذنوب والمعاصي: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
стр. 7250
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
ومن آثار وأضرار الذنوب والمعاصي حرمان العلم، وحرمان الرزق، والوحشة بين العبد وربه، وبينه وبين الناس، وظلمة يجدها العبد في قلبه، وتعسر أموره عليه، وحرمان الطاعات، ووهن القلب والبدن.
والمعاصي تقصر العمر، وتمحق بركته، وتنقص العقل، ويجر بعضها إلى بعض، فهي تلتصق بالعاصي، ولا يستطيع مفارقتها، ولا يستقبح فعلها أمام غيره، والمعاصي سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه، وكما أن العزة في طاعة الله، فكذلك الذل في معصية الله.
والمعاصي مفسدة للعقول، وتورث الطبع على القلوب، وتدخل العبد تحت لعنة الله ورسوله، وحرمانه من دعوة الرسول ﷺ والملائكة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
ومن آثار الذنوب والمعاصي كذلك أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في الإنسان والحيوان، وفي المياه والهواء، وفي الزروع والثمار وغيرها.
والمعاصي تذهب الغيرة من القلب، وتذهب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وتضعف في القلب تعظيم الرب ﷻ ، وتضعف وقاره في القلب، وتستدعي نسيان الله لعبده، وتركه وخذلانه له، وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
ومن عقوبات المعاصي أنها تسبب نسيان العبد لنفسه، وتخرجه من دائرة الإيمان والإحسان إلى ما دونها، وتمنعه ثواب المؤمنين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ