عن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذلكَ». أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة أن الرسول الله ﷺ قال: «حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ». متفقٌ عليه (٢).
والله قد أمر بطاعته وطاعة رسوله فقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
ونهى الله عن معصيته ومعصية رسوله فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
فالمعاصي تنقسم إلى قسمين:
الكبائر: وهي كل ذنب رتب عليه الشرع عقوبة خاصة، وكل ذنب لعن النبي ﷺ فاعله فهو من كبائر الذنوب، وكل ذنب فيه حدٌ في الدنيا كالزنا فهو من كبائر الذنوب، وكل ذنب فيه وعيد في الدنيا كأكل الربا فهو من كبائر الذنوب، وكل أمرٍ فيه نفي إيمان فهو من كبائر الذنوب كما قال النبي ﷺ «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه (٣).
وكل ذنبٍ تبرأ رسول الله ﷺ من فاعله فهو من كبائر الذنوب مثل: «مَنْ غَشَّ فليسَ مِنِّي». أخرجه مسلم (٤).
стр. 7177
وكل ذنبٍ توعد الله فاعله بالنار أو الغضب أو اللعن فهو من الكبائر كالقتل بغير حق: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
ونحو ذلك من كبائر الذنوب، وما سوى ذلك فهو من الصغائر، ومن أجتنب الكبائر كفر الله عنه الصغائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
فما أرحم الله بعباده، وما أعظم عنايته بهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
• فقه الطاعة والمعصية
الطاعة: هي موافقة الأمر الشرعي، سواء كان ذلك في فعل المأمور، أو في ترك المحذور.
والمعصية هي: مخالفة الأمر الشرعي، سواء كان ذلك في ترك المأمور أو في فعل المحذور فإذا قيل طاعة ومعصية فالطاعة فعل المأمور، والمعصية فعل المحذور.
فالطاعة فعل المأمور، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١].
والمعصية: فعل المحذور كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وإذا قيل طاعة على سبيل الإطلاق شملت فعل الأوامر، واجتناب النواهي كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
стр. 7178
وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
ويجب على كل مسلم فعل الأمر حسب الاستطاعة، ويجب عليه ترك المنهي عنه مطلقًا إلا حال الضرورة، فإن الطاعات نافعة بمنزلة الغذاء، والمعاصي ضارة بمنزلة السم، فإذا اضطر الإنسان إلى شيء محرم، وكان لا يجد سواه، وتندفع به ضرورته، فإنه حلال له كما قال سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وكل ما أمر الله ورسوله به نأتي منه ما استطعنا، وما لا نستطيعه يسقط عنا؛ لأن الأمر شاق على النفس، بخلاف النهي، فإنه ترك، والترك أسهل من الفعل، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». أخرجه البخاري (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». متفقٌ عليه (٢).
ومن الطاعات التي أمر الله بها: الإحسان إلى كل مخلوق: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].
стр. 7179
وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
ومن المعاصي التي نهى الله عنها أذى الإنسان لغيره، وكلما كان الإنسان أحق بالإكرام كانت أذيته أعظم وأكبر إثمًا، وأشد عقوبة كما قال النبي ﷺ : «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». متفقٌ عليه (١).
والذنب يعظم بحسب الأذى والمؤذى، فالأذى سواء كان بالقول أو الفعل يختلف بحسب الأذى والمؤذى، فأذى الله ورسوله، وأذى ولي الأمر، والعالم، أو العابد الزاهد، ليست كأذية عامة الناس، لما تسببه من الشر والفساد، وأذية القريب ليست كأذية البعيد، وأذية الجار أشد من أذية غير الجار كما قال النبي ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثَنَّهُ». متفق عليه (٢).
وأذية من له حقٌ عليك ليس كأذية من لا حق له عليك، فالأذى درجات، ومن يُؤذى درجات: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٦ - ٥٨].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ [المجادلة: ٢٠].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 7180
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». متفقٌ عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ». متفق عليه (٢).
стр. 7181
٢ - الخزانة الثانية
• فقه الطاعات والمعاصي:
من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف عظمة ملكه وسلطانه، وعرف عظيم نعمه وإحسانه، آمن به وأطاعه، وآثر طاعته على طاعة من سواه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومن جهل ربه عصاه، وآثر طاعة غيره عليه، فالعاصي إنما يعصي ربه لأنه يرى طاعه نفسه أولى من طاعة ربه، فمن قال الله أكبر، ثم عصى الله، فإنما يرى شيئًا أكبر وأثمن من رضا الله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
ومن آثر شيئًا مما سوى الله على طاعة الله فإنما يرى هذا الشيء أولى من إرضاء الله، وأكبر من أمر الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وشتان بين الحق والباطل، وشتان بين الهدى والهوى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
стр. 7182
وعبادة الله تكون بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ابتغاء مرضاته، فالعبد حقاً من صدق أخبار الرب، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
لهذا يجب على العبد أن يسمع ما أمر الله بسماعه من القرآن والسنة، والدروس العلمية النافعة، والمواعظ، ويعرض عما سوى ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]
ويجبئ عليه أن يجتنب كل ما نهى الله ورسوله عنه، ومن ذلك:
المعازف التي هي آلات العزف، فتحرم جميع آلات العزف، ويستثنى من ذلك استعمال الدف في المناسبات، فالسنة جاءت بجوازه، واستعمال الدف في الأعراس، واستعمال الدف في الأعياد، واستعمال الدف عند قدوم الغائب الكبير الذي له شأنٌ وأمر، كل هذا جاءت به السنة.
عن عائشة ﵂ أن أبا بكر ﵁ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى، تدففان وتضربان والنبي ﷺ مُتغشٍ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: «دَعْهُما يا أبَا بَكْرٍ، فإنَّهَا أيَّامُ عِيدٍ، وتِلْكَ الأيَّامُ أيَّامُ مِنًى». متفقٌ عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «لَيَكونَنَّ مِنْ أُمَّتي أقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ». أخرجه البخاري معلقًا (٢).
ونذرت جارية أن تضرب بين يدي النبي ﷺ عند قدومه من السفر أن تضرب بين يديه بالغربال فقال لها: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ». أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح (٣).
стр. 7183
فيجب على ولاة الأمر تكسير آلات العزف وإتلافها لأنهم مسئولون عن الأمة، وهم قادرون على إزالة المنكر بأيديهم، لئلا تشيع الفاحشة والمنكر في أمتهم، وإذا اتقوا الله في الأمة اتقت الأمة ربها فيهم، ومن أذل الخلق في طاعة الله أعزه الله بهذه الطاعة، وجميع المعاصي ضررٌ على العاصي، وعلى الأمن، وعلى الولاة، وعلى الأمة؛ لأن النفوس إذا أبعدت عن الخالق تعلقت بالمخلوق، وهذه الأشياء تُبعد الخلق عن الخالق، وتشغلهم بالشهوات فهي تهلي، وتصد عن سبيل الله، وعن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي سلاح الشيطان التي يقتل بها من أطاعه من الناس: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
والمؤمن حقًا من أطاع الله، وأطاع الرسول، وأطاع ولي الأمر في غير معصية الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
إن العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعلم بعظمة ملكه وسلطانه، والعلم بدينه وشرعه سببٌ للإيمان بالله، وطاعته، ومحبته، وعبادته وحده لا شريك له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 7184
ومن عرف الله حقاً عبده حقاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالمسلم إذا علم أن الله بصيرٌ يبصره، وشهيدٌ يراقبه، وسميعٌ يسمعه، وعليمٌ يعلم بأعماله ظاهرة كانت أو باطنة، ويعلم أن الله قادرٌ على عقوبته، فلابد أن يستقيم على أمره، وأن يجتنب معصيته: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
وقال سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله فلا يمكن أن يعصيه، فإن عصاه فلضعفٍ في علمه أن الله يعلم به، أو لضعفٍ في علمه أن الله سوف يحاسبه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧].
стр. 7185
شهيدٌ على أقواله وأعماله وسيجازي كل أحدٍ بعمله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠].
وقال سبحانه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٨ - ٩٩].
فالاستقامة إيمان وإحسان: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والانحراف عدوان، والغش عدوان، والخيانة عدوان، والكذب عدوان، والظلم عدوان: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾ [الصف: ٧].
فهذا كله إن وقع لن يستمر، لابد أن يكشفه الله في الدنيا قبل الآخرة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣].
والإنسان يحسن ويسيء، ويطيع ويعصي، ويصيب ويخطئ، ويقبل ويدبر؛ لأن الله ركب فيه الشهوات، وما ركب فيه الشهوات إلا ليرقى إلى الله بها، فإن صاحبها نور الإيمان سارت به على صراطٍ مستقيم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)
стр. 7186
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وإن تجردت من الإيمان سارت بصاحبها إلى الجحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].
فالشهوات قوةٌ محركة إلى الخير إن كانت في ضوء القرآن والسنة، أو قوةٌ مدمرة لكل خير، ومن وقع في ذنبٍ بجهله فليتب إلى الله فورًا؛ لأنه أسهل عليه، وأسعد له: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
والله حكيم عليم أصلح الكون خلقًا وتدبيرًا، والفساد في الأرض يكون بالكفر والشرك وإظهار معصية الله؛ لأن الشرائع سنن وضعها الله لإصلاح العباد وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فإذا تمسك الخلق بالشرائع الإلهية حصل الخير، وزال العدوان، ولزم كل أحدٍ شأنه، فصلحت الأرض، وصلح أهلها، وإذا ترك الخلق التمسك بالشرائع السماوية حصل الشر، وأقدم كل أحدٍ على ما يهواه، فحصل الهرج والمرج، والخوف والفساد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
стр. 7187
وقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢].
فالإيمان سببٌ للأمن والهداية والسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
والله سبحانه قد أصلح الكون خلقًا وتدبيرًا، والكافر هو الذي يفسد ما أصلح الله، وما أمر الله به: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].
الإيمان والطاعات كلها نورٌ وطمأنينة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
والكفر والمعاصي كلها ظلمة وشقاءٌ وشدة، والذنب كل معصية لله، والذنوب كلها ظلمات وسواد، والران هو الذنب على الذنب، والذنوب إذا أحاطت بالقلب وغشته مات: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
وكلما أذنب العبد حصلت في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود القلب كله، والذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيمًا ظلماء ضخمة، ونار جهنم
стр. 7188
أظلم ما خلق الله، وأسود ما خلق الله، ولما كانت الذنوب مختلفة كانت مراتب الظُلمة والسواد مختلفة، فبعضها يكون ريناً، وبعضها يكون وبعضها يكون طبعًا: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥].
وبعضها يكون ختمًا كما قال سبحانه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٧].
وبعضها يكون أقفالًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
فقلوب الكفار مقفلةٌ عن الحق بالشهوات.
• أسباب المعاصي:
أسباب المعاصي كثيرة، والذي يحمل الإنسان على معصية الله ورسوله ما يلي:
الأول: الشهوات واللذات، فيقدم الإنسان شهوات نفسه على أوامر ربه فيشقى بذلك: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
الثاني: الغفلة عما في المعاصي من جلب مفاسد الدارين، ودفع مصالحهما، والغفلة عما في الطاعات من جلب مصالح الدارين، ودرء مفاسدهما: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ
стр. 7189
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
الثالث: الغفلة عن عظمة الله وجلاله، والغفلة عن اليوم الآخر، والغفلة عن أوامر الله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
الرابع: النفرة من الواجبات، والشعور بثقلها، فإيثار اللذات والشهوات هو الذي أهلك الأولين والآخرين، فلولا إيثار آدم وحواء لذة الخلد والملك، وجهلهما بما في الأكل من الشجرة من المفاسد، حيث أخرجهم الله من الجنة عاريين خاسرين مفارقين لنعيم الجنة، صائرين للعناء والشقاء بمعيشة الدنيا، وذلك بسبب أكلهما من الشجرة، ومعصية ربهما، ولو علما ذلك ما أكلا منها، ولكن الشيطان زين لهم الأكل من الشجرة، فلما صدرت منهما المعصية أخرجهم الله من الجنة إلى دار الابتلاء والامتحان في هذه الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ
стр. 7190
حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ١٩ - ٢٥].
وكلما عُصي الرب سبحانه بما لا لذة فيه عظم الوزر، فعبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، وأكل النجاسات والقاذورات، كل ذلك قبيح شديد القبح، لأنه لا داعي إليه، ولا حامل عليه ولا مصلحة فيه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
فلا إله إلا الله ما أجهل الناس بربهم، وما أشد غفلتهم عن أوامره: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا
٣ - الخزانة الثالثة
• مشاهد الخلق في الطاعات والمعاصي والأخلاق:
الله خالق كل شيء وهو العليم الحكيم، خلق الناس متفاوتين في قدراتهم وأخلاقهم، وأفكارهم وأعمالهم، مختلفين في مقاصدهم ونياتهم.
وقلوبهم جواله، منها ما يطوف حول العرش، ومنها ما يطوف حول الحُش، فمن استنار قلبه بنور الوحي أضاء له في الدنيا والآخرة، فأبصر الطريق إلى الله، وعرف هداه، وسار إلى ربه على هدي رسوله، سار على صراطٍ مستقيم الله موالاه، وله الجنة يوم يلقاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومن استكبر عن الحق أو ظل عنه فهو في الظلمات في الدنيا والآخرة، فهو يتخبط في الظلمات، ويجمع من المعاصي والسيئات ما يُعذب به في جنهم: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
فهؤلاء سائرون إلى النار، وقادمون على ما عملوا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
стр. 7193
فالناس متفاوتون أعظم تفاوت في إرادتهم، في شهواتهم، في أعمالهم ومقاصدهم، في إرادتهم وشهواتهم، في أعمالهم ومقاصدهم، وفي ثوابهم وعقابهم، وذلك بحسب علمهم وجهلهم، وبحسب إيمانهم وكفرهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
ولو شاء الله لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الحق والهدى والتوحيد، فإن مشيئته مطلقة، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن حكمته سبحانه اقتضت أن خلقه لا يزالون مختلفين متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كلٌ يرى الحق فيما يقوله ويفعله، والضلال في قول غيره إلا من رحم الله، فهداهم الله إلى العلم بالحق، والعمل به، والإنفاق عليه والدعوة إليه فهؤلاء الناجون وأولئك الهالكون: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
والله بحكمته خلق الناس، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقت عليهم الضلالة، لتبين للعباد عدل الله وحكمته، وليظهر ما كمن في النفوس البشرية من الخير والشر، وليقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
стр. 7194
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠].
والله له الخلق كله، وله الأمر كله، وله الملك كله، وإليه يُرجع الأمر كله، فتجب طاعته سبحانه في كل ما، أمر به، وفي كل ما نهى عنه، ولا طاعة لأحدٍ من الخلق إلا لمن أذن الله له أو أمر بطاعته كالرسل والأنبياء، والعلماء والأئمة الربانيين والولاة الصالحين، والآباء والأمهات، والسادات والأزواج والمستأجرين على الأعمال، والصناعات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لما فيها من المفاسد العظيمة في الدارين أو أحدهما، فمن أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، إلا أن يُكره الإنسان على أمر يبيحه الإكراه فلا إثم على مطيعه بشرط أن لا يضر غيره.
وقد تجب طاعة المكره لا لكونه آمرًا بل دفعًا لمفسدة ما يهدده به من قتلٍ أو قطع، أو جنايةٍ على عرض ونحو ذلك، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾ [النحل: ١٠٦ - ١٠٧].
واختص الله سبحانه بالطاعة المطلقة لاختصاصه بنعم الإيجاد، ونعم الإمداد، ونعم الهداية والإسعاد، فما من شيء من مصالح الدنيا والدين إلا
стр. 7195
هو منعمٌ به سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وما من ضرٌ وشر إلا وهو دافعه، فله وحده الحكم، وله الطاعة المطلقة في كل حال، وله وحده العبادة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
واختص الأنبياء والرسل بالطاعة المطلقة؛ لأن ما جاءوا به وحيٌ من عند الله، يبلغونه لخلق الله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
• مشاهد الناس في الطاعات والمعاصي:
الناس في معرفة الحق، وفي قبوله ورده، متفاوتون، وهم في الطاعات والمعاصي التي يفعلونها بإرادتهم مختلفون، وفي شهود المعاصي التي تجري عليهم أحكامها بإرادتهم وشهواتهم متفاوتون أعظم تفاوت.
ومشاهد الناس في الطاعات والمعاصي كما يلي:
الأول: مشهد الحيوانية، وقضاء الشهوة:
فهذا مشهد الجُهال الذين لا فرق بينهم وبين الحيوان إلا في اعتدال القامة، ونطق اللسان، فهؤلاء نفوسهم حيوانية لم تترقى عنها إلى درجة الإنسانية فضلًا عن درجة الملائكة.
стр. 7196
فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر، وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فمنهم من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها، ونبح على كلٍ مخلوقٍ يدنو منها، فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة، همه شبع بطنه من أي طعام حصل له طيبٌ أو خبيث، حلالٌ أو حرام: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
ومنهم من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف كلما زيد في علفه زِيد في كده، أبكم الحيوان، وأقله بصيرة.
ومنهم من نفسه سبعية همه العدوان على الناس، وقهرهم بما وصلت إليه قدرته.
ومنهم من نفسه فأرية فاسقٌ بطبعه، مفسدٌ لما جاوره.
ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم كالحية والعقرب ونحوها، وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه، فيدخل الرجل القبر، ويدخل الجمل القدر، فهذه النفوس الخبيثة، سواء رأت أو علمت، إذا تكيفت بكيفية غضبية، مع شدة حسد وإعجاب، وصادفت المعين على غرةٍ وغفلةٍ عن الذكر، لدغته كالحية وأهلكته نعوذ بالله من شرها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
стр. 7197
ومن الناس من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه، وهكذا كثيرٌ من الناس يرى المحاسن من أخيه فلا ينشرها، ويرى المساوئ فيجعلها فاكهته.
ومن الناس من هو على طبيعة الطاووس ليس له هم إلا التطوس والتزين بالريش لا غير، أنا زينة قلبه بالإيمان، وجوارحه بالأعمال، ولسانه بذكر الله، فهو غافلٌ عنه، غره الشيطان فتزين للمخلوق ولم يتزين لخالقه.
ومنهم من هو على طبيعة الذرة أجمع الخلق مالًا، وأقلهم أعمالًا.
ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان، وأغلظه كيدًا.
ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكمٌ خبيث.
ومنهم من هو على طبيعة القرد يفسد كل ما تصل إليه يده.
ومنهم من هو على طبيعة الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسًا، وأكرمها طبعًا.
ومنهم من هو على طبيعة الديك، يؤذن بالخير في كل مكان، ويؤثر غيره بما تحبه نفسه.
ومنهم من هو على طبيعة الثعلب، يروغ في معاملاته كما يروغ الثعلب في حركاته.
ومنهم من هو على طبيعة الغنم حيث السكينة والتواضع والهدوء.
ومنهم من هو على طبيعة البقر، مهتمٌ بنفسه، غافلٌ عن غيره، وعن مصيره.
وهكذا، وكل من ألف نوعاً من هذه الحيوانات، كسب من طبعه وخلقه، فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى وأظهر: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ
стр. 7198
الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
الثاني: مشهد الحكم القدري:
وهؤلاء يعصون الله، ويشهدون أنهم مجبرون على أفعالهم، وأنها واقعة بغير اختيارهم، وأن الفاعل غيرهم، والمحرك سواهم، فلا ينسبون إلى أنفسهم فعلًا، ولا يرون لها إساءة، ويزعمون أن هذا هو التحقيق والتوحيد، وربما زادوا على ذلك فيرى أحدهم نفسه مطيعًا من وجه، وإن كان عاصيًا من وجه آخر؛ لموافقته المشيئة والقدر، فيقول: كما أن موافقة الأمر طاعة، فكذلك موافقة المشيئة طاعة، وأنا مطيع لإرادة الله ومشيئته، وإن كنت عاصيًا لأمره، فنعوذ بالله من الجهل وأعمال الجاهلين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
وهؤلاء أعداء الله حقًا، وأولياء إبليس وأحبائه وإخوانه، وشر خلق الله وأصحاب المشهد الأول خيرٌ منهم، وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذي شهده المشركون عباد الأصنام، ووقفوا عنده: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل: ٣٥]
وكذلك مشهد إبليس الذي انتهى إليه حين قال لربه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
стр. 7199
الثالث: مشهد الطبيعة البشرية:
وعند هؤلاء أن الإنسان العاقل متى كان له وازعٌ من نفسه، لم يحتج إلى أمر غيره ونهيه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
الرابع: مشهد الفعل الكسبي القائم بالعبد فقط.
فلا يشهد إلا صدوره عنه وقيامه به، ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له، ولا جريان حكمه القدري به، ولا عزة الرب في قضائه، ونُفوذ أمره في خلقه، فهذا المشهد وإن كان صحيحًا نافعًا له حيث يرى الذنب والعيب من نفسه، وأنه مستحق للعقوبة والنكال، وأن الله سبحانه إن عاقبه فهو العادل فيه، وأنه هو الظالم لنفسه، وهذا كله حقٌ لا ريب، لكن صاحبه ضعيف مغلوب على نفسه غير معان عليها، بل هو معها كالمقهور المخذول، فإنه لم يشهد عزة ربه في قضائه وقدره، ونفوذ أمره الكوني ومشيئته، وأنه لو شاء لعصمه وحفظه، وأنه لا معصوم إلا من عصمه الله، ولا محفوظ إلا من حفظه الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وذلك الصنف من الناس لم يشهد أنه هو محل جريان أقضية الله وأقداره سبحانه، وأنه مسوق إليها في سلسلة إرادته وشهوته، وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره، فهو سبحانه القادر على سوقه فيها إلى ما فيه صلاحه وفلاحه، وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
стр. 7200
فهو لغيبته عن هذا الشهود، وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه لا يعطي حقه، ولا الاستغاثة بربه، ولا الافتقار إليه، فهو سبحانه خالق كل شيء، ورب كل شيء، لا ملجأ منه إلا إليه: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». أخرجه مسلم (١).
وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
стр. 7201
٤ - الخزانة الرابعة
• مشاهد الناس في الطاعات والمعاصي:
الخامس: مشهد الحكمة:
وهو أحد مشاهد أهل الحكمة، وهؤلاء يشهدون أن الله لم يخلق شيئًا عبثًا ولا سدى، وأنه له الحكمة البالغة في كل ما قدره وقضاه من خيرٍ وشر، وطاعةٍ ومعصية، وأمرٍ ونهي: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وأنه لا يكون شيء في العالم إلا بمشيئته وقدره، وأن لله في ظهور المعاصي والجرائم حكمٌ وأسرار يترتب عليها ما هو أحب إليه، وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية، فصاحب هذا المشهد يرى حكمة الله في تخليته بينه وبين الذنب، وإقداره عليه، وتهيئة أسبابه له، وأنه لو شاء عصمه وحال بينه وبينه، ولكن خلى بينه وبينه لحكمٍ عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله سبحانه، فهو سبحانه يحب التوابين، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده بالذنب، ثم إذا كان ممن سبقت له الحسنى قضى له بالتوبة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
وذلك العبد رأى عزة ربه في قضائه، ونفوذ مشيئته، وجريان حكمة، وليعرف حاجته إلى حفظ ربه وأنه لو لم يحفظه فهو هالك، وليستجلب من عبده استعانته به، والتضرع إليه، والاستعانة به من شر نفسه، وشر عدوه، وإرادته من عبده تكميل مقام الذل والانكسار له، فإنه متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه، وظن أنه وأنه، فإذا أبتلاه ربه بالذنب تصاغرت نفسه، وذلت لربها.
стр. 7202
وتعريف العبد بحقيقة نفسه وأنها الخطاءة الجاهلة، وأن كل ما فيها من عمل أو خير فهو من الله منّ به عليه لا من نفسه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وليعلم العبد سعة حلم ربه وكرمه في ستره عليه، فإنه لو شاء لعاجله على الذنب، ولهتكه بين عباده فلم يصفو له معهم عيش؛ وليعلم أنه لا طريق إلى الجنة إلا بعفو ربه ومغفرته وإظهار كرمه في قبول توبته، ومغفرته له، على ظلمه وإساءته، وإقامة الحجة عليه، فإن عذبه فبعدله، وإن أكرمه فبفضله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
والعبد إذا شهد إساءته وظلمه ومعاصيه استكثر القليل من نعم الله عليه، لعلمه بأن الواصل إليه منها كثيرٌ علي مسيء مثله، فهو دائمًا مستقلٌ لعمله كائنًا ما كان، والذنب يوجب للعبد اليقظة والحذر من مصائد عدوه ومكائده: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقد يكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءها، فيمن الله عليه ويقضي عليه بالذنب، فيجد آلام مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها.
وبالذنب يذيقه ﷻ ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب؛ ليكمل له نعمته وفرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه وقام بطاعته، فتكون لذته بذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة ارتواء الظمآن بالماء العذب الزلال، وأن لطف الرب وبره وإحسانه بعبده ليبلغ أكثر من هذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 7203
والذنب كذلك يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها، فإنه في شغلٍ بنفسه وعيبه، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
وكذلك الذنب يوجب له الإحسان إلى الناس، والاستغفار لإخوانه الخاطئين من المؤمنين فيقول رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
وهذا شيءٌ قليل، فكم في ظهور المعاصي والذنوب من الحكم والأسرار التي يترتب عليه ما هو أحب إلى الله وآثر عنده من عدمها، فإنه لولا المعصية من أبي البشر آدم بأكله من الشجرة لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه المحبوبات العظام للرب تعالى، من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله، وإنزال كتبه، وإظهار آياته وعجائبه، وتنويعها وتصريفها، ومعرفة جلاله وجماله، وإكرام أوليائه، وإهانة أعدائه، وظهور عدله وفضله، وعزته وانتقامه وعفوه ومغفرته: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وظهور من يعبده ويحبه، ومن يقوم بطاته ومحبوباته بين أعدائه في الدنيا، وظهور الطيب من الخبيث من خلقه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
ولم تتم الحكمة حيث لم يكن هناك إكرام وثواب وعقوبة وإهانة، ودار سعادةٍ وفضل، ودار شقاوة وعدل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
стр. 7204
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
السادس: مشهد التوحيد.
وهو أن يشهد العبد إنفراد الرب تعالى بالخلق والأمر، والتصريف والتدبير، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تتحرك ذرةٌ إلا بإذنه وعلمه، ولا تسكن إلا بإذنه وعلمه، ويشهد أن قلوب العباد كلهم بيده وحده، وأنه يقلبها بين أصبعين من أصابعه ويصرفها كيف يشاء.
وأنه الذي آتى نفوس المؤمنين تقواها، وألهم نفوس الفجار فجورها، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، هذا فضله وعطاؤه، وهذا عدله وقضاؤه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وأنه لا سبيل إلى طاعته إلا بمعونته، ولا وصول إلى مرضاته إلا بتوفيقه، فيشهد العبد هنا إنفراد الرب بالخلق كله، ونفوذ مشيئته في ملكه، وتعلق الموجودات بأسرها به، وجريان حكمه على خلقه بما سبق به علمه، وجرى به قلمه.
ويشهد مع ذلك أمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه، وارتباط الجزاء بالأعمال، فشهود توحيد الرب، وإنفراده بالخلق، ونفوذ مشيئته، وجريان قضائه وقدره، يفتح للعبد باب التوكل عليه، ودوام الالتجاء إليه، والافتقار إليه، وذلك يدنيه من عتبة العبودية، ويطرحه بالباب فقيرًا عاجزًا مسكينًا، لا
стр. 7205
يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فالتوحيد هو النجاة، والشرك هو الهلاك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وهذا هو مشهد الأنبياء والرسل، فهو مشهد أبيهم آدم ﷺ حينما قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
ومشهد أول الرسل نوح ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧].
ومشهد إبراهيم خليل الرحمن ﷺ إذ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥].
ومشهد موسى ﷺ إذ قال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥].
ومشهد سيد الأنبياء والرسل محمدٌ ﷺ إذ يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي؛ فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ. قالَ: ومَن قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقِنًا بها، فَماتَ مِنْ يَومِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهو مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، ومَن قالَها مِنَ اللَّيْلِ وهو مُوقِنٌ بها، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهو مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ». أخرجه البخاري (١).
стр. 7206
فالعارف حقاً يسير إلى ربه بين شهود المنة من الله، ومطالعة عيب النفس والعمل، فشهود المنة يوجب له المحبة لربه سبحانه، وحمده والثنائه عليه، ومطالعة عيب النفس، والعمل، يوجب استغفاره، ودوام توبته، وتضرعه لربه.
وأصحاب هذا المشهد فيه قسمان:
أحدهما: من يشهد تسليط عدوه عليه، وإفساده إياه، وكبحه إياه بلجام الشهوة، فهو أسيرٌ معه، وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه ومولاه، عالمٌ أن نجاته بيده سبحانه، وناصيته بيده، وأنه لو شاء طرده عنه، وخلصه من يديه، ولم يعبأ به.
فكلما قاده عدوه، كبحه بلجامه أكثر التفاته إلى وليه وناصره، وتضرع إليه، وفر إليه، وتذلل بين يديه، وكلما أراد البعد عن بابه تذكر عطفه وبره وإحسانه، وتذكر جوده وإحسانه، وكرمه وغناه، ورأفته ورحمته، وجلاله وجماله، فانجذبت دواعي هربه إليه، مترامية على بابه، منطرحةٌ بين يديه.
الثاني: فوق هذا مشهدٌ أجل منه وأعظم، ومثله كمثلٍ عبدٍ أخذه سيده بيده، وقدمه ليضرب عنقه، فأيقن العبد المسيء أنه قاتله، وقد علم العبد بره ولطفه، ورحمته ورأفته وكرمه، فهو يناشده بأوصافه، ويدخل عليه بها، فانقطع تعلقه بشيءٍ سواه، فهذا العبد معرضٌ عن عدوه الذي كان سببًا في غضب سيده عليه، مقصور النظر إلى سيده وهو في قبضته منتظرٌ منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه وإحسانه ورحمته.
ومثل الأول كمثل عبدٍ أمسكه عدوه وهو يخنقه ليموت، وذلك العبد يشهد دنو عدوه منه، ويستغيب بسيده، وسيده يغيثه ويرحمه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي
стр. 7207
لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
المشهد السابع: مشهد التوفيق والخذلان.
فالتوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، والخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك، والعباد متقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحد ينال نصيبه من هذا وهذا، فيطيع ربه ويرضيه، ويذكره ويشكره، بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه، فهو دائرٌ بين توفيق الله وخذلانه، فإن وفقه ربه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته، وهو المحمود على هذا وهذا، لم يمنع سبحانه عبده شيئًا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضل وعطايا، وهو أعلم حيث يضعه، وأين يجعله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
فإذا علم العبد ذلك علم ضرورته وحاجته إلى التوفيق في كل نفس، وكل لحظه، وكل طرفة عين، وشهد توفيق الله وخذلانه كما يشهد ربوبيته وخلقه، فيسأل ربه توفيقه مسألة المضطر، ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف، ويلقي نفسه بين يديه مستسلمًا له سبحانه، خاضعًا ذليلًا له، مستكينًا لا يملك لنفسه دفعًا ولا ضرًا، فالتوفيق إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله قادرًا على فعل ما يرضيه، مريدًا له، محبًا له، مؤثرًا له على غيره، مبغضًا إليه ما يسخطه وما يكره، وهذا مجرد فعله سبحانه، والعبد محله، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ
стр. 7208
إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
فهو سبحانه العليم بمن يصلح لهذا الفضل العظيم، ومن لا يصلح، حكيمٌ يضعه في موضعه، وعند أهله، لا يمنعه أهله، ولا يضعه عند غير أهله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾ [فاطر: ٣١].
الثامن: مشهد الأسماء والصفات.
فالله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، فإن كل اسم من أسماء الله سبحانه له صفةٌ خاصة به، وأسماؤه سبحانه أوصاف مدحٍ وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل، فاسمه الحميد والحكيم والمجيد يمنع ترك الإنسان سدى مهملًا معطلًا، لا يؤمر ولا يُنهى، ولا يُثاب ولا يُعاقب: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
واسمه الملك والحي يوجب أن يكون مدبرًا فاعلًا، ويقتضي مملكة وتصرفًا وتدبيرًا، وعطاءً ومنعًا، وإحسانًا وعدلًا، وثوابًا وعقابًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
واسمه السميع والبصير والرقيب يوجب مسموعًا ومرئيًا ومراقبًا.
واسمه الخالق والرزاق يقتضي خالقًا ومخلوقًا، ورزقاً ومرزوقًا وهكذا بقية الأسماء الحسنى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
стр. 7209
فإذا عرف العبد من أسماء الله الحسنى الغفار والتواب والعفو فلابد لهذه الأسماء من متعلقات، ولابد من جنايةٍ تغفر، وتوبةٍ تُقبل، وجرائم يُعفى عنها، ولابد لاسمه الحكيم من متعلق يظهر فيه حكمه.
والله سبحانه يحب ذاته وأسماءه وصفاته، وهو عفوٌ يحب العفو، غفورٌ يحب المغفرة، تواب يحب التوبة، رحيم يحب الرحمة، محسن يحب الإحسان، مؤمن يحب المؤمنين، حليم يحب الحلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وهو سبحانه المجيد، الحميد، وحمده ومجده يقتضيان أثرهما ومنها: مغفرة الزلات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات، والمسامحة عن الجنايات، هذا مع كمال القدرة على استيفاء الحق: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فحلمه سبحانه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته، وحكمته، ولله في كل ما قضاه وقدره حكمةٌ بالغة.
والله ﵎ يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته، فهو عليمٌ يحب العلم والعلماء، جوادٌ يحب كل جواد، برٌ يحب أهل البر، شكورٌ يحب الشكر والشاكرين، حليمٌ يحب أهل الحلم.
стр. 7210
ولمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة، والعفو والصفح، خلق من يغفر له، ويتوب عليه، ويعفو عنه، وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه، ليترتب عليه المحبوب له، المرضي له.
فسبحان أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين.
فالتوحيد والإيمان والطاعات أسبابٌ محبوبة لله، موصلة إلى الإحسان والثواب المحبوب له أيضًا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والشرك والكفر والمعاصي أسباب مسخوطة لله، موصلة إلى العدل المحبوب له، وإن كان الفضل أحب إليه من العدل، واجتماع العدل والفضل أحب إليه من إنفراد أحدهما عن الآخر؛ لما فيهما من كمال الملك والحمد، وتنوع الثناء، وكمال القدرة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
стр. 7211
٥ - الخزانة الخامسة
• من مشاهد الناس في الطاعات والمعاصي:
المشهد التاسع: مشهد زيادة الإيمان:
فالله سبحانه أرسل رسله، ليأمروا الناس بما فيه صلاح الظاهر والباطن، وينهونهم عما فيه فساد ظواهرهم وبواطنهم، وأخبروهم بما يحبه الله ويرضاه، وبما يثيبهم عليه من الجنة والرضوان، وأنه يبغض الشرك والمعاصي، ويجازي عليها بالسخط والنار: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وأخبر سبحانه أنه إذا أطاعه العباد فيما أمر به شكر عليه بالإمداد والزيادة، وأنه إذا عصاه العباد، وخالفوا أمره، أصابهم النقص والفساد، والذل والهوان، وضيق العيش، وسوء الأحوال، فالذنوب مضرة بالقلوب مثل السموم مضرةٌ بالأبدان: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وهذا المشهد من ألطف المشاهد، فإن العبد إذا شهد نقص حاله إذا عصى ربه، وتغير القلوب عليه، وجفونها منه، وانسداد الأبواب في وجهه، وتوعر المسالك عليه، وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه،
стр. 7212
وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أُتي، ووقع هذا السبب الموجب لذلك مما يقوي إيمانه، ليباشر تغيير حاله، فإذا أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال، رأى العزة بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والسرور بعد الحزن، والأمن بعد الخوف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
فكل ما نراه في الوجود من شرٍ وفساد، وألم وعقوبة، وجذب ونقص في أنفسنا وأموالنا، فهو من قيام الرب تعالى بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد الظالم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فكل نقصٍ وبلاء وشرٍ في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شرٌ إلا الذنوب وموجباتها.
وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال، أمر مشهودٌ في العالم، يعرفه المؤمن والكافر، والبار والفاجر كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وشهود العبد هذا مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل من التوحيد والإيمان، والأوامر والنواهي، والثواب والعقاب: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ
стр. 7213
الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
العاشر: مشهد الرحمة.
فإذا وقع العبد في المعصية، خرجت من قلبه تلك الغلظة والقسوة والغضب الذي كان عنده لما صدر منه الذنب، حتى لو قدر عليه لأهلكه، وربما دعى عليه غضبًا لله، وحرصًا منه على أن لا يعصى ربه فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين، فإذا جرت عليه المقادير استغاث بالله، والتجأ إليه، ودعا للمذنبين بالمغفرة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
الحادي عشر: مشهد العجز والضعف.
فالإنسان أعجز شيءٍ عن حفظ نفسه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
ولا حول له ولا قوة له إلا بربه، تجري عليه أحكام القدر وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم، فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله، كشاةٍ ملقاةٍ بين الذئاب والسباع لا يردهم عنها إلا الراعي، فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء.
وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن، فإن حماه منهم، وكفهم عنه، لم يجدوا إليه سبيلًا، وإن تخلى عنه وكله إلى نفسه ولو طرفة عين اغتاله، وظفر به أحدهم، فاحفظ الله يحفظك.
وفي هذا المشهد يعرف العبد نفسه حقًا، ويعرف فضل ربه حقًا، فمن عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرفها بالعجز عرف ربه
стр. 7214
بالقدرة، ومن عرف صفاته الممدوحة فيه كالقوة والحياة والصدق، عرف أن الذي أعطاه ذلك أولى به منه، فمعطى الكمال أولى بالكمال، فمن لم يعرف نفسه لم يعرف ربه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وإذا عرف العبد ذلك عرف أنه ليس بيده شيء، ولا بيد غيره شيء، وأن الأمر كله لله العلي الكبير كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثاني عشر: مشهد الذل والانكسار، والخضوع والافتقار، للرب ﷻ :
فيشهد العبد في كل ذرة من الذرات الظاهرة والباطنة، ضرورة تامة، وافتقاراً تامًا، إلى ربه ووليه، ومن بيده صلاحه وفلاحه، وهداه وسعادته: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فإذا انكسر قلب العبد، وخضع لربه ومولاه، علم أنه لا يستحق قليلًا ولا كثيرًا، وأن كل خير ناله من الله، استكثره على نفسه، وعلم أن قدره دونه، وأن رحمة ربه هي التي ذكرته به، وساقته إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
واستقل العبد طاعاته لربه، ورأها ولو كثرت أقل ما ينبغي لربه العظيم عليه، وأستكثر القليل من المعاصي وذنوبه، وسوء أدبه مع ربه الذي أكرمه بوافر نعمه.
стр. 7215
والانكسار والافتقار الذي حصل لقلبه، أوجب هذا كله وقليل من هذا، ونفس منه، أحب إلى الله من طاعات كالجبال، من المدلين المعجبين بعلومهم وأعمالهم وأحوالهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
وأحب القلوب إلى الله قلب تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، ينظر إلى ربه نظر الذليل للعزيز الرحيم، ونظر الفقير العاجز إلى الغني القادر، فلا يرى في جميع أحواله إلا متعلقًا بربه، خاضعًا له، يسأله عطفه ورحمته، باكيًا بين يديه، يقول: يارب، يارب ارحم من لا راحم له سواك ولا ناصر له سواك ولا مغيث له سواك، ولا مؤوي له سواك.
الثالث عشر: مشهد العبودية والمحبة، والشوق إلى لقاء الله، والابتهاج بذكره، والفرح والسرور به:
فيأنس العبد بربه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئن إليه جوارحه، ويستولي ذكره على لسانه، فتصير حركات اللسان والقلب والجوارح بالطاعات مكان حركاته بالمعاصي، قد امتلأ قلبه من محبة ربه، ولهج لسانه بذكره، وانقادت جوارحه لطاعته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والدخول على الله من أبواب الطاعات كلها زحام، لكن الدخول عليه من باب الذل والافتقار أقرب باب إليه، وأوسعه، ولا مزاحم عليه، فلا طريق أقرب إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الكبر والعجب، ولا ينفع مع العجب والكبر عمل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا