← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

والله يميت عبادهُ مرتين، ويحيهم مرتين. الإماتة الأولى: هي كونهم نطفًا وعلقًا ومضغًا. والإماتة الثانية: هي موتهم عند انقضاء آجالهم في الدنيا. والإحياء الأول: نفخ الروح فيهم، وإخراجهم أحياء من بطون أمهاتهم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. والإحياء الثاني: بعثهم من قبورهم أحياء يوم القيامة: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٠ - ١٢]. والموتُ من دون أسبابِ هو السبب. فالموت لا زمان له، ولا مكان، ولا حال؛ لأنه مترقب في كل لحظة من دون سبب، وهذا أوضح بيانٍ له ليستعد الإنسان له، فأبهمه الله، وأظهرهُ إظهارًا لا يخفى على أحد، ليكون الإنسانُ مستعدًا للموت في كل لحظة: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١١]

стр. 7492

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. فالإنسان إذا مات إنما مات؛ لأنه في الأصل يحيا ثم يموت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ [العنكبوت: ٥٧] فالنفوسُ كلها بيد الله وحده: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. وملك الموت لا يقدر على قبضِ روح أحد إلا بإذن الله ومشيئته وأمره، فلا يقع في مُلك الله شيءُ إلا بإذنهِ وعلمهِ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. فأولًا: أسند الله سبحانه التوفي إلى نفسهِ: لأنه لا يموت أحدُ إلا بإذنه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥]. ثانيًا: وأسند الله الموت لملك الموت: لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١].

стр. 7493

ثالثًا: وأسندهُ سبحانه للملائكة: لأن ملك الموت له أعوان من الملائكة تحت رئاستهِ، ينزعون الروح، ثم يقبضها ملك الموت منهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: ٥٠ - ٥١]. حكم تمني الموت: أما حكم تمني الموت فلا يجوز للإنسان أن يتمنى الموت لضرٍ نزل به، فربما يكون الموت شرًا عليه، وربما إذا بقي يتوب ويرجعُ إلى الله، فتمني الموت يدلُ على ضجر صاحبه، وعدم صبره على قضاء الله، والأحسن أن يكل أمرهُ إلى الله الذي هو أرحم بالإنسانِ من نفسه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].

стр. 7494

وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي». متفق عليه (١). وأما تمني الموت على صفةٍ يرضاها الله ، فهذا جائز، كأن يتمنى أن يتوفاه الله على الإسلامِ والإيمانِ والإخلاص وهو راضٍ عنه، كما قال سبحانه عن يوسف ﷺ : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]. والفرق بين المتوفِى والمتوفَي، أن المتوفَى اسم مفعول، وهو الذي توفاه الله ، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. وأما المتوفِي فهو اسم فاعل، وهو الإنسان الذي استوفى رزقهُ وأجلهُ وأنفاسه، ويطلق على الميت اسم المفعول المتوفَى، ويجوز إطلاق اسم الفاعل المتوفَي، والأول أصح وأشهر. فهنيئًا لمن مات على التوحيد والإيمان والاستقامة بالجنةٍ ورضوان رب العالمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].

стр. 7495

والموعود الكبير هو الجنة، والموعود الأكبر هو رضوان الله ورؤيتهُ، والموعود الصغير في الدنيا هو النصرُ، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].

стр. 7496

٣ - الخزانة الثالثة • أنواع الموت: الموت خمسة أنواعٍ هي: الأول: انعدامُ القوة النامية في النبات والحيوانِ والإنسان، كما قال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٧]. الثاني: زوال القوة الحساسة في الحي، بحيث لا يحسُ بأحد، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. الثالث: زوال القوة العاقلة في الإنسان، فقد كان جاهلًا مغفلًا، فأحياه الله بنور الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. الرابع: انعدام السعادة، وحصول الشقاوة بالحزنِ والكدرِ، والألمِ والضيق، فهي حياةٌ مثل الموت، كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧].

стр. 7497

الخامس: النوم، فالنوم موتٌ خفيف، والموت نومٌ ثقيل، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. وما بعد الموت من الحسابِ والجزاء، والربحِ والخسران، ما هو أعظم من الموت، فقد وعد الله المؤمنين والمؤمنات على الإيمانِ والعمل الصالح بالموعود الكبير، وهو الجنة، والموعود الأكبر، وهو رضوان الله، ورؤيتهُ، وسماع كلامه، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. وبالموعود الأصغر هو النصر في الدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].

стр. 7498

وتوعد الله الكفار والمشركين والمنافقين بالعذاب الأليم في النار، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨]. فالمقصود الأعظم، وهو إعلاء كلمة الله، وعبادة الله يحبه الله، أما الموعود الكبير والأكبر والصغير فنحبه نحن، وإذا قمنا بالمقصود الأعظم الذي يحبه الله من الإيمان والتقوى، وإبلاغ دين الله للناس فالله يعطينا ما نحبه في الدنيا والآخرة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. ولا يعلمُ بمكان وزمانِ موت الإنسان إلا الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. • فقه الموت: يجب على المسلم أن يتذكر دائمًا الموت، لا على أنه فراقُ للأهل والأحباب ولذات الدنيا، فهذه نظرةُ قاصرة، بل على أن الموت فيه فراقُ للعمل والحرث للآخرة، وبهذا يستعد الإنسان، ويزيد في عمل الآخرة، والإقبالِ على الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)

стр. 7499

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. أما النظرة الأولى فتزيد الإنسان حسرةً وندمًا وألمًا. وإذا أراد الله قبض عبدٍ بأرضٍ جعل له فيها حاجة، ويجب على المسلم أن يُحسن الظن بالله تعالى عند الموت لقوله ﷺ : «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ ». أخرجه مسلم (١). والموت هو تغير حال الإنسان، وانتقالهُ من دارٍ إلى دار، ومن حالٍ إلى حال، والروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة، أو منعمة، ومفارقتها للجسد معناه خروج الجسد عن طاعتها، وسكونه عن الحركة بفقدها، فإن الأعضاء والجوارح آلات للروحِ تستعملها. والروح بنفسها تعلم الأشياء من غير إعلام، ولذلك قد يتألم الإنسان بنفسه بأنواع الغم والحزن والكمد، ويتنعم بأنواع الفرح والسرور، وكل ذلك لا يتعلق بالأعضاء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. فكل ما هو وصفٌ للروح بنفسها، فيبقى معها بعد مفارقة الجسد، وما هو لها بواسطة الأعضاء، يتعطل بموت الجسد، إلى أن تعاد الروح إلى الجسد عند البعث، وكل أعضاء الإنسان آلاتٌ، والروح، مستعملةٌ لها، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها على الروح، والإنسان في الحقيقة هو

стр. 7500

الروح المدرك للعلومِ والآلام واللذات، وذلك لا يموت ولا ينعدم، ومعنى الموت انقطاع تصرفهِ عن البدن، وخروج البدن من أن يكون آلة له، فحقيقةُ الإنسان نفسهُ وروحهُ وهي باقية. والموت أشد ما يحاول الإنسان أن يروغ منه أو يبعد، أو يبعد شبحه عن خاطره، ولكن أنى له ذلك، والموت طالبُ لا يمل الطلب، ولا ببطيء الخُطى، ولا يخلف الميعاد: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨]. والنفس البشرية ترى الحق كاملًا وهي في سكرات الموت، تراه بلا حجاب، وتدرك منه ما كانت تجهل، وما كانت تجحد، ولكن بعد فوات الأوان، حين لا تُقبل توبة، ولا ينفع إيمان: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق: ١٩]. والمؤمن يُكشف له بعد الموت من سعة جلال الله ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كسجن ضيق، كالمحبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستانٍ عظيمٍ واسع الأكناف، لا يبلغ طرفهُ أقصاه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢]. ونسبة سعة الآخرة إلى الدنيا، كنسبة سعة الدنيا إلى الرحم وأعظم: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].

стр. 7501

• أقسام الناس في الدنيا: الناس في هذه الدنيا ثلاثة: إما منهمك في الدنيا. وإما تائبُ مبتدئ. وإما عارف منتهي. فالغافل المنهمك في الدنيا لا يذكر الموت، وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه، ويشتغل بمذمته، وإن ذكر به كرهه ونفر منه. فهذا يزيده ذكر الموتِ من الله بعدًا، لجهله وسوء عمله. قال النبي ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرِ هاذم اللذات». أخرجه الترمذي وابن ماجة (١). وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت، فينبعث من قلبه الخوف والخشية، فيفي بتمام التوبة، وربما يكره الموت خوفًا من الموت قبل التوبة، وإصلاح الذات، فهذا معذور في كراهة الموت؛ لأنه ليس يكره الموت، ولقاء الله، وإنما يخافُ فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره، كالذي يتأخر على لقاء الحبيب مشتغلًا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعد كارهًا للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له، لا شغل له سواه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١]

стр. 7502

وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما؛ لأنه موعد لقائه لحبيبه، والحبيب لا ينسى قط موعد لقاء حبيبه، فهو مستعد كل وقت في كمال زينته بإيمانهِ وتقواه وطاعته للقاء محبوبه، وهذا غالبًا إما أن يكره الموت، ليكمل استعداداته وزينته للقاء ربه، وإما أن يستبطئ مجيء الموت، ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين، وينتقل إلى جوار رب العالمين: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]. فالموت هادم اللذات، وخطره عظيم، وما بعده أفظع منه، وغفلة الناسِ عنه بسبب قلة ذكرهم له، وقلة فكرهم فيه، ومن يذكرهُ من الناس لا يذكره بقلبٍ فارغ، بل يذكره بقلب مشغول بشهوات الدنيا وزينتها، فلا ينُجع ذكر الموتِ في قلبه، فالطريق النافع أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه، وأقرب من شراك نعله إليه، فإذا باشر ذكر الموت قلبه، فيوشك أن يؤثر فيه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦]. وأنجعُ طريقُ فيه أن يُكثر الإنسان من ذكر أقرانه الذين ماتوا قبله، فيتذكر صورهم في مناصبهم، وقصورهم، وأحوالهم، ثم يتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب. وكيف محا التراب الآن حُسن صورهم؟ وكيف تقطعت أوصالهم في قبورهم؟ وكيف خرست ألسنتهم، وصمت آذانهم، وعميت أبصارهم؟ وكيف أرملوا نساءهم، وأيتموا أطفالهم، وقسمت أموالهم؟ وكيف خلت منهم دورهم ومساجدهم ومجالسهم؟

стр. 7503

وماذا قالوا؟ وماذا قيل لهم؟ وماذا عملوا؟ وماذا وجدوا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. فما أعظم الخطب، وما أشد الكرب هناك، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢].

стр. 7504

٤ - الخزانة الرابعة • أسباب طول الأمل: طول الأملِ في الدنيا داءٌ وبلاء وشقاء، وسببهُ أمران: أحدهما: الجهل. الثاني: حب الدنيا. فأما الجهل فهو أن الإنسان قد يعول على شبابه وصحته، فيستبعد قرب الموت مع الشباب، وليس يعلم أن الموت في الشباب أكثر، وقد يستبعد الموت لصحته، ويستبعد الموت فجأة ولا يدري أن ذلك غير بعيد، وإن كان بعيدًا فالمرض فجأة غيرٌ بعيد. والموت يطلب الإنسان كما يطلبه رزقه كما قال النبي ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ». أخرجه ابن ماجة، وابن حبان (١). وأما حب الدنيا، فإنه إذا أنس بها وبشهواتها، ولذاتها، وعلائقها، وضيعاتها، وأرباحها، ومكاسبها، ثقل على قلبهِ مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، ومكدر أُنسها ونعيمها، وكل من كره شيئًا دفعهُ عن نفسه. والإنسان مشغوفٌ بحب الدنيا، والأماني الباطلة، فلا يزال يلهو ويلعب، ويبني ويهدم، ويجمع ويفرق، ويسعى لتكميل الشهوات واللذات، ويسوف ويؤخر التوبة، ويظل عاكفًا على عمارة ما أُمر بالتقليل منه، والإعراض عنه،

стр. 7505

وعلى تخريب ما أمر بتعميره، والاستكثار منه، وما يلزم لها من الإيمان والطاعات، ولا يزال كذلك حتى تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك حسرتهُ، وتتحقق خسارته: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]. فما أعظم خسارة هؤلاء: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وإذا عرفنا سبب كراهية الموت، وأنه الجهل، وحب الدنيا، فلابد للسلامة والنجاة مما بعد الموت من معرفة العلاج، والشروع في التداوي قبل حلول الأجل. أما الجهل فيُدفع بالفكر والتأمل، وبسماع الحكمة من القلوب الزاكية الطاهرة، وبذلك يعلم العبد أن عمله الصالح في الدنيا لابد له من جزاءٍ وثوابٍ في الآخرة، ولا يتم ذلك إلا بعد الموت، فالموت باب النعيم للمتقين، وباب الشقاء للمجرمين: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٢ - ١٦].

стр. 7506

وأما حب الدنيا فهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجهُ، فإخراجه من القلب شديد، ولا علاج له إلا بالإيمان بالله، واليوم الآخر، وما فيه من عظيم العقاب لمن عصى الله، وجزيل الثواب لمن أطاعه، ومتى حصل له اليقين بذلك ارتحل عنه، وارتحل عن قلبهِ حب الدنيا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وإذا رأى العبد حقارة الدنيا، ونفاسة الآخرة، استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها، ولو أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب، فإن حب العظيم، هو الذي يمحو من القلب حب الحقير: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. فما أعظم الموت، وما أعظم الغفلة عنه، فكم من الخلق جاءهم الموت في وقتِ لم يحتسبوا؟. أما من كان مستعدا للموت فقد فاز فوزًا عظيمًا، وأما من كان مغرورًا بطول الأمل، فقد خسر خُسرانًا مُبينًا: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].

стр. 7507

فما أعظم الموت وما أشد سكراته، وما أعظم هول ما بعده، ولو لم يكن بين يدي العبد كربٌ ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت في مجردها، لكان جديرًا بأن ينغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره. والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، وأكبر مجالس اللهو واللعب، فانتظر أن يدخل عليه جندي فيضربه بخمس خشبات، لتكدرت عليه لذته، وفسد عليه عيشه، وهو في كل نفس يدخل عليه ملك الموت، وهو عنه غافل، فما لهذا سببُ إلا الجهل والغرور. والمشروع للعبدِ أن يكثر من الاستغفار والتوبة، وذكر الموت، والتقرب إلى الله، والمسارعة إليه بالأعمال الصالحة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. المشروع عند الموت: المشروع للمحتضر هو الهدوء والسكينة، ومن لسانه أن يكون ناطقاً بالشهادة، ومن قلبه أن يكون حسن الظن بالله تعالى، ويستحب أن يُذكَّر للمحتضر محاسن أعماله عند موته؛ لكي يحسن ظنه بربه. لقول النبي ﷺ : «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ ». أخرجه مسلم (١). ثم يُغسل الميت، ويصلى عليه، ويدفن، ويبقى في قبره منتظراً يوم البعث،

стр. 7508

ويظل في قبره منعماً أو معذباً حسب عمله، ثم يبعث وينتقل إلى دار القرار في الجنة أو النار، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٤ - ١٨]. وليس معنى الموت انتهاء الحياة، وانتهاء المشاكل، بل معناه انتقال الإنسان من حياة صغيرةٍ قصيرةٍ حقيرة فانية، إلى حياة أبدية طويلة، أما في سعادة، أو في شقاء، فمعناه نهاية الحياة والأحوال الفانية، وبداية الحياة الباقية، والأحوال الأبدية. والله سبحانه سيجمع الخلائق يوم القيامة ويحاسبهم، ويجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٩]. والله سبحانه كتب على جميع الكائنات الموت والفناء، ولكن الإنسان خُلق للبقاء، ولكنه ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، ومن دار إلى دار، حتى يستقر في دار المقام في الجنة أو النار.

стр. 7509

والإنسان إذا مات وفارق الحياة لا يستطيع أن يأخذ معه من الأموال شيئا، ولو أخذ كل ذهب الدنيا معه لكان كالتراب بالنسبة لنعيم الجنة. وكل ما في الدنيا لا يساوي ثواب حسنة واحدة يوم القيامة، والإنسان إذا مات يذهب بالأعمال إلى الآخرة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وبعد الموت إما أن تنتهي المشكلة، ويدخل الجنة، أو تبدأ المشكلة، ويدخل النار: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣] فالناس لابد لهم من السجن؛ فمن دخل السجن في الدنيا، وأمتثل أوامر الله إلى أن تنتهي مدة سجنه بالموت، أدخله الله الجنة، وأطلق شهواته فيها. فالدنيا لصغرها وضيقها كالسجن للمؤمن الذي يستعد للخروج منها إلى الجنة، وهي كالجنة بالنسبة للكافر الذي سينتقل منها إلى سجن مؤبد في نار جهنم كما قال النبي ﷺ : «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ». أخرجه مسلم (١). ومن أطلق شهوته في الدنيا، ولم يمتثل أوامر الله، عاقبه الله بالسجن يوم القيامة، وقيد شهواته وجوارحه، وعذبه في نار جهنم: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].

стр. 7510

فالناس اثنان: إما خارج من السجن وهو المؤمن وإما ذاهب إلى السجن وهو الكافر وحياة الإنسان في الدنيا قصيرة، ولها بداية ولها نهاية، وحياة الإنسان في الآخرة مؤبدة لها بداية، ولا نهاية لها، وقد فرغ إلى كل عبدٍ من خمس: من عمله، وأجله، ورزقه، وأثره، وشقي أو سعيد. ومهما عاش الإنسان فإنه سيموت، ومهما أحب من الأشياء فأنه سيفارقها، ومهما عمل من الأعمال فأنه سيلاقيها، ويحاسب عليها: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وقد خلق الله الإنسان، وجعله محدود العمر، محدود المعرفة، محدود الرؤية، محدود القدرة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: -٢٨]. وكل يوم، وكل ليلة، وكل لحظة تَمُّر بالإنسان يزداد من الدنيا بُعدا، ومن الآخرة قُربا، فعجبا لهذا الإنسان، ثم على أثره طالب لا يفوته، وقد نصب له علَّم لا يجوزه، فما أسرع ما يبلُغ العلَّم، وما أوشك أن يلحقه الطالب: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].

стр. 7511

وقد أخفى الله علم الساعة، ومعرفة الآجال، رحمة بالعباد: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. فلو عرف الإنسان مقدار عمره؛ فإن كان قصير العمر لم يهنأ بالعيش، وإن كان طويل العمر، فهو واثق بالبقاء، فلا يبالي بالانهماك في الشهوات والمعاصي ويقول: إذا قرب الوقت أحدثت التوبة، والله غفور رحيم يقول: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وهذا مذهب لا يرتضيه المخلوق، فكيف يرتضيه الخالق، فلو أن عبداً من عبيدك عمل على أن يسخطك أعواما، ثم يرضيك ساعة واحدة إذا تيقن أنه صائر إليك لم تقبل منه، ولم يفز لديك بما يفوز به من همه رضاك في كل أوقاته، وكذا سنة الله أن العبد إذا عاين الانتقال إلى الله تعالى لم تنفعه التوبة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].

стр. 7512

• وأوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن: الأول: يومٌ يولد الإنسان، فيلقى نفسه خارجاً مما كان فيه فيصرخ. الثاني: يومٌ يموت، فيرى قوماً لم يكن عاينهم من قبل. الثالث: يومٌ يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].

стр. 7513

٥ - الخزانة الخامسة • أقسام الأجل: الأجل أجلان: أحدهما: أجلٌ مطلق لا يعلمه إلا الله وحده، وهذا لا يتبدل ولا يتغير. الثاني: أجلٌ مقيد وهو ما في صحف الملائكة، فالله أمر الملك أن يكتب للعبد أجلا وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم يزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١١] وقال النبي ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». متفق عليه (١). والأجل قسمان: أحدهما: أجل كل عبد الذي ينقص به عمره. الثاني: أجل القيامة العامة، فأجل الموت قد يُعلمه الله لمن شاء من عباده كالملائكة الذي يكتبون رزق العبد وأجله وعمله، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ». متفق عليه (٢).

стр. 7514

أما أجل القيامة مسمى عنده وحده، فلا يعلمه إلا الله وحده كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام: ٢]. ووقت الساعة لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا غيرهم من المخلوقات، والله يكتب لعبده أجله في صحف الملائكة، وإذا وصل العبد رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب. والله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم قدر مقادير الخلق حين خلقهم وأوجدهم، ثم يقدر في ليلة القدر ما يكون في ذلك العام: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. وكذلك يقدر الله خلق كل إنسان في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة كذلك، ثم يكون نطفة كذلك، ثم ينفخ فيه الروح، ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. وإذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله الملك إليها فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها، ثم إذا ولد قدر مع ولادته كل سنة ما يلقاه في تلك السنة، وهو ما يقدر ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ١ - ٣]. ونظير هذا عرض أعمال العباد على الله، فيعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس، كما قال النبي ﷺ : «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ

стр. 7515

وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ارْكُوا، هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا». أخرجه مسلم (١). ويعرض عمل النهار في آخره، وعمل الليل في آخره، ويرفع عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار. وهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض الأسبوعي في الاثنين والخميس، والعرض فيه أخص من العرض السنوي في شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله، وعرض على الله، وطويت الصحف، وهذا عرضٌ آخر، ثم تعرض الخلائق على الله يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ [الكهف: ٤٨]. وتعرض جهنم على الكفار، كما قال سبحانه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ [الكهف: ١٠٠]. ومن الناس من يحب الموت، لأنه موعد لقاء الحبيب بحبيبه، ومنهم من يكره الموت، إما لضعف محبته لله، وإما لكونها مشوبة بحب شيء من الدنيا، أو لأنه يرى ذنوبه، فيحب أن يبقى ليتوب، ومنهم من يرى نفسه في ابتداء مقام المحبة، ويكره عجلة الموت قبل أن يستعد للقاء الله تعالى، فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال المحبة. والإحياء والإماتة أمران مكرران في كل الأحوال معروضتان على حسن الإنسان وعقله، وسر الحياة والموت لا يعلمه إلا الله الذي خلق الموت

стр. 7516

والحياة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. فسر الحياة والموت غيب لا يعلمه إلا الله الذي خلق الموت والحياة، ولذلك وصف إبراهيم ﷺ ربه بالصفة التي لا يشاركه فيها أحد، ولا يستطيعها أحد، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨] فلما قال الكافر: أنا أحي وأميت، عدل إبراهيم عن هذه السنة الكونية الخفية، إلى سُنة أخرى ظاهرة مرئية، وعدل عن طريقة العرض المجرد، إلى طريقة التحدي، وطلب تغير سنة الله لمن ينكر ويجادل في الله، ليريه أن الرب وحده هو مصرف هذا الكون كله، وهو رب الناس المشرع لهم فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وتلك حقيقة مكرورة مرئية يومية، معلومة لكل حد، فماذا حصل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فالتحدي قائم، والأمر ظاهر، ولا سبيل إلى سوء الفهم أو الجدال أو المراء، وكان التسليم أولى، والإيمان أخرى، ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق أمسك بالذي كفر، ولم يهتدي إلى الحق؛ لأنه لم يلتمس الهداية، ولم يرغب في الحق، وظل ظالماً: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨].

стр. 7517

وهذا مثل للضلال والعناد، يتزود به الدعاة إلى الله، في مواجهة المنكرين والجاحدين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والإحياء والإماتة، وطلوع الشمس من المشرق، آيتان عظيمتان معروضتان للبصائر والأبصار بلا تكلف، يسهل الاهتداء بها في مسألة الإيمان على أي مخلوق. وإذا كان عمر الإنسان محدوداً، والأجل مكتوباً، فلتنظر النفس ما قدمت لغد، ولتنظر النفس ماذا تريد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨]. أتريد هذه النفس أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصر همها كله في هذه الأرض، أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى، وإلى حياة أكبر من هذه الدنيا: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وشتان بين حياة، وبين حياة، وشتان بين اهتمام وإهمال، والذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها، إنما يحيا حياة الديدان والدواب، والإنعام والبهائم، ثم يموت خاسراً في موعده المقدر، بأجله المكتوب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].

стр. 7518

أما الذين يذوقون نعمة الإيمان، فيحيون حياة الإنسان الذي كرمه الله، واستخلفه، وأعلى مكانه، فيرتفعون عن مدارج الحيوان، ويشكرون الله على تلك النعمة، وينهضون بتبعات الإيمان، ثم يموت هذا الإنسان رابحاً مطمئناً في موعده المقدر، وأجله المكتوب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت إلى الانشغال بما هو أمتع للنفس في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه اختيار الدنيا أو الآخرة، وتنال في الآخرة جزاء ما تختار: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. والله وحده الذي يحيي ويميت، فبيده إعطاء الحياة، وبيده استرداد ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وللناس آجال لا يتقدمون عليها ولا يتأخرون، سواء كان الناس في بيوتهم و بين أهلهم، أو في ميادين طلب الرزق أو ميادين الغزو، وعنده الجزاء بعد ذلك، هذا اعتقاد المؤمن: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١١].

стр. 7519

أما الكفار فلفساد تصورهم لحقيقة ما يجري في هذا الكون العظيم، لا يرون إلا الأسباب الظاهرة بسبب انقطاعهم عن الله، وعن قدره الجاري في الحياة، فعلَّة القتل أو الموت أو الحياة كلها بيد الله سبحانه، والموتى والقتلى إنما يلبون النداء، وهو استيفاء الأجل، وقدر الله وسنته في الحياة والموت، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ [آل عمران: ١٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨]. إن الأمر لا ينتهي بالموت أو القتل، هذه ليست نهاية المطاف، بل هناك حياة أخرى، ونعيم أعلى خيرٌ مما فيه أهل الدنيا: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٧]. وكل الخلق بعد الموت راجعون إلى الله، للحساب والجزاء، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]. وهم محشورون إليه جميعاً على كل حال، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧]. سواءٌ ماتوا على فُرُشِهم، أو ما توا وهم يضربون في الأرض، أو قُتِلوا وهم يجاهدون في سبيل الله، وما لهم مصيرٌ سوى هذا المصير، والتفاوت إنما يكون في النية والعمل الصالح، أما النهاية فواحدة موتٌ أو قتل في الموعد المسمى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].

стр. 7520

وهناك إما مغفرةٌ ورحمة، أو غضبٌ من الله وعذاب، وبهذا اليقين تستقر في القلوب حقيقة الموت والحياة، وحقيقة قدر الله، وبذلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاءٍ جرى به القدر، وإلى ما وراء القدر من حكمة، وما وراء الابتلاء من جزاء: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١١] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. والله ﷻ هو القاهر فوق عباده، وهم تحت سيطرته وقهره، فهم ضعافٌ في قبضة هذا السلطان لا قوةٍ لهم ولا ناصر، وكل نفَسٍ من أنفاسهم بقدر، خلقهم الله لعبادته، وأرسل إليهم رسلًا يحفظونهم ورسلًا آخرين يدعونهم إلى الله، ورسلًا آخرين يقبضون أرواحهم وكلٌ يؤدي رسالته حسب أمر ربه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام: ٦١]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. وسيرد جميع الخلق بعد الموت إلى ربهم ومولاهم الذي أنشأهم، وأطلقهم في الحياة ما شاء، ثم مردهم إليه عندما يشاء؛ ليقضي فيهم بحكمه بلا معقب، فهو وحده الذي يحكم، ووحده الذي يحاسب، وهو لا يبطئ في الحكم ولا يمهل في الجزاء: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦٢].

стр. 7521

فلابد للناس أن يستيقنوا أن الله محاسبهم ومجازيهم على شريعته هو، لا شريعة غيره، وأنهم إن لم ينظموا حياتهم، ويقيموا معاملاتهم، كما يقيمون شعائرهم وعبادتهم وفق شريعة الله في الدنيا؛ فإن هذا سيكون من أول ما يحاسبون عليه بين يدي الله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. وأنهم سيحاسبون على أنهم لم يتخذوا إلهًا في الأرض، ولكنهم اتخذوا من دونه أربابًا متفرقة، وأشركوا مع الله غيره من خلقه، والأمر كله لله، وسنّة الله ماضية لا تتخلف، وأَجَله الذي أجّلّه لا يستعجل لكل حي، ولكل فرد، ولكل أمة: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ [يونس: ٤٩]. والآجال كالأرزاق كلها بيد الله وحده، والأسباب والأمراض ستارٌ وراءه قدرة الله، والأجل قد ينتهي بالهلاك الحسي هلاك الاستئصال كما وقع لبعض الأمم الخالية كقوم نوحٍ، وعاد، وثمود، وفرعون وغيرهم، كما قال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وقد ينتهي بالهلاك المعنوي، هلاك الهزيمة والضياع، وهو ما يقع للأمم إما لفترةٍ تعود بعدها للحياة، وإما دائمًا فتضمحل، وتمحي شخصيتها، وتنتهي إلى اندثارها كاملة، وإن بقيت كأفراد، وكل أولئك وفق سنّة الله التي لا تتبدل مصادفةً ولا ظلمًا: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٢].

стр. 7522

فالأمم التي تأخذ بأسباب الحياة تحيا، والأمم التي تنحرف عنها تضعف أو تضمحل أو تموت بحسب انحرافها، والأمة الإسلامية منصوصٌ على أن حياتها في إتباع رسولها، والرسول ﷺ يدعوها لما يحييها، لا بمجرد الاعتقاد فقط، ولكن بالعمل الذي تنص عليه العقيدة في شتى مرافق الحياة، والحياة وفق منهج الله الذي شرعه لها، والشريعة التي أنزلها، وإلا جاء الأجل وفق سنّة الله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].

стр. 7523

٦ - الخزانة السادسة • فقه الحياة والموت: الحياة والموت حادثان مكروران يقعان في كل لحظة، وليس إلا الله وحده يملك الحياة والموت: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠]. فالبشر كلهم أعجز وأقل من بث الحياة في حشرةٍ واحدة، وأعجز من سلبها عن حيٍ من الأحياء فالذي يملك ويهب الحياة هو الذي يعرف سرها، ويملك أن يهبها ويستردها، وهو الله وحده: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. والبشر قد يكونون سببًا لإزهاق الروح، لكن تجريد الحي من الحياة بيد الله وحده، والذي يملك اختلاف الليل والنهار، هو الله وحده، وهو سنة كونية كسنة الموت والحياة، هذه في النفوس والأجساد، وتلك في الكون والأفلاك، وكما يسلب الحياة من الحي، فيعتمه ويهمد، كذلك هو يسلب الضوء من الأرض، فتعتم وتسكن. فسبحان الخالق المالك الذي يملك وحده تصريف هذا الكون العظيم الهائل، وهذه الأحياء المبثوثة من نباتٍ، وحيوان، وطيرٍ، وإنسان، وملك، وجان: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. والرب الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله، هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].

стр. 7524

الله بيده وحده أمر الحياة والموت، وأمر التصريف والتدبير، وأمر الخلق والإيجاد: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. وقد وكل الله ملك الموت بقبض جميع الأرواح كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١]. ولملك الموت أعوانٌ من الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: ٥٠ - ٥١]. إن أمر النشأة الأولى ونهايتها، أمر الحياة والموت، كل ذلك بيد الله وحده، وهو أمر مألوف وواقع في حياة الناس. فكيف لا يصدقون أن الله خلقهم؟ إن ضغط هذه الحقيقة على الفطرة أضخم وأثقل من أن يقف له الكيان البشري، أو يجادل فيه: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [الواقعة: ٥٧ - ٦١]. إن دور البشرية في أمر هذا الخلق لا يزيد عن أن يودع الرجل ما يُمنِّي رحم المرأة، ثم ينقطع عمله وعملها، وتأخذ يد القدرة الإلهية في العمل وحدها في هذا الماء المهين؛ تعمل وحدها في خلقه، وتنميته، وبناء هيكله، وخلق الروح فيه، حسب أمر الله، حتى يكون خلقاً آخر، حتى يكون بشراً سوياً، له سمعٌ، وبصر، وقلبٌ، وروح، وعقلٌ، وإدراك، ورأس، ولسان، وأيدٍ، وأقدام، يأكل ويشرب، ويضحك ويبكي، ويقوم ويقعد، وينام ويستيقظ: ﴿إِلَى رَبِّكَ

стр. 7525

يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٢ - ١٦]. هذه هي البداية، أما النهاية فهي الموت الذي ينتهي إليه كل حي، إنه قدر الله ومن ثمَّ لا يفلت منه أحد، وهو حلقة في سلسلة النشأة التي لابد أن تتكامل: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [الواقعة: ٦٠ - ٦٢]. والله سبحانه الذي قدر الموت، هو الذي قدر الحياة، قدر الموت على أن ينشئ أمثالاً ممن يموتون، حتى يأتي الأجل المقدر لهذه الحياة الدنيا، فإذا انتهت عند الأجل الذي سماه الله كانت النشأة الأخرى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [العنكبوت: ٢٠]. والله سبحانه هو القادر على كل شيء، وله القدرة المطلقة التي لا تتقيد بقيد، وهذه حقيقة يطبعها القرآن في قلب المؤمن فيعرفها، ويتأثر بمدلولها، ويعلم أنه حين يركن إلى ربه، فإنما يركن إلى قادر يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧]. فعلى الإنسان أن يستعد للموت، ويكثر من ذكره في كل حال، ليفوز ولا يخسر. والاستعداد للموت يكون بالتوبة من المعاصي، وإيثار الآخرة، والخروج من المظالم، والإقبال على الله بالطاعات، واجتناب المحرمات: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ

стр. 7526

فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١]. وعلى المسلم أن يتذكر دائماً أن الموت فيه فراق العمل للآخرة، لا على أنه فراق للأهل والأحباب ولذات الدنيا، فهذه نظرة قاصرة تزيده حسرة وألما. وحياة الإنسان خطوات للآخرة، وأنفاسُ معدودة منصرمة. كل نفسٍ منها يقابله ألاف الآلاف من السنين في دار البقاء، والعبد منساق بزمنه إلى دار النعيم، أو إلى دار الجحيم، وبقاؤه في الدنيا كساعة من النهار، فجدير بالعاقل ألا يصرف منها نفساً إلا في أحب الأمور إلى الله، ولو صرفه فيما يحبه، وترك الأحب إلى الله لكان مفرطاً. فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه، وكيف إذا صرفه فيما يمقته عليه ربه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. وسيسأل كل إنسان عما قدم وأخر، وعن كل طاعة عمل بها، وعن كل معصية فعلها، وعن كل فاحشة أقترفها، وسيرجع الناس إلى ربهم يوم القيامة، وسيحاسبهم على ما عملوه بعد أن يروه، وكل ما أسروه وأعلنوه، وكل ما جمعوه وفرقوه، وكل ما حفظوه وضيعوه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].

стр. 7527

٨ - فقه البعث والنشور قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس: ٥١ - ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥]. وقال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧]. ينفخ إسرافيل ﷺ في الصور النفخة الأولى، وهي نفخة الفزع والموت، ثم ينفخ النفخة الثانية، وهي نفخة البعث والنشور، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]. فإذا نُفح في الصور نفخة البعث، خرج الناس من الأجداث والقبور ينسلون إلى ربهم، ويسرعون للحضور بين يديه الأولون والآخرون، والإنس والجن، ليحاسبهم على أعمالهم، ثم يساقون حسب أعمالهم إلى دار القرار؛ فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير. فسبحان الله ما أعظم هذا الملك، إسرافيل بنفخة واحدة منه يصعق أهل السماء، وأهل الأرض إلا من شاء الله، وبنفخة أخرى يحيا جميع الخلق،

стр. 7528

ويخرجون من قبورهم قيامٌ ينظرون، وإذا كانت هذه قوة نفخته فكيف بقوة بدنه؟. وكيف تكون قوة خالقه الذي خلقه وأمره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. وما أعظم ما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور، فإذا صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رؤوس الموتى، فيقومون دفعةً واحدة، فتوهم نفسك يا أخي المسلم معهم، وقد وثبت متغير الوجه، مغبر البدن، مضطرب الفؤاد، مبهوتاً من شدة الصعقة، شاخص العين نحو النداء، وقد ثار الخلق جميعاً ثورة واحدة من القوة التي طال فيها بلاؤهم، وقد تزعجهم الفزعة والرعب فضلاً عما هم فيه من الهموم والغموم، وشدة الانتظار لعاقبة الأمر. وبهذه النفخة يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى أربعين سنة، أو أربعين شهرًا، أو أربعين يومًا. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ». قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، «ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ، كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ». متفق عليه (١).

стр. 7529

ثم ينفخ إسرافيل النفخة الثانية، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]. ثم أنظر رحمك الله كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غُرلاً إلى أرض المحشر، أرضٌ بيضاء، وقاعٌ صفصف، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، لا ترى فيها ربوة، يختفي الإنسان وراءها، ولا وهده ينخفض عن الأعين فيها، بل هي صعيدٌ واحد مكشوف، لا تفاوت فيه يساقون إليه جميعا. فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض إلى أرض المحشر، لا يتخلف منهم أحد: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٧ - ٤٩]. فاحضر قلبك، وانظر إلى صورتك وأنت واقف هناك عارياً، ذليلا، متحيراً، بهوتا، وجلاً، خائفاً، منتظراً لما سوف يجري عليك، وعلى غيرك من القضاء بالسعادة أو الشقاوة الأبدية. يستقبلك يومٌ عظيمٌ شأنه، ترى فيه السماء قد انفطرت، والكواكب من هوله انتثرت، والنجوم قد انكدرت، والشمس قد كورت، والجبال قد سُيرت، والبحار قد سُجرت، والجحيم قد سُعرت، والجنة قد أُزلفت. يوم تبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات، يوم تُحمل فيه الأرض والجبال فتدك دكة واحدة، يومٌ ترج فيه الأرض رجا، وتُبث الجبال بثا، يومُ يكون فيه الناس كالفراش المبثوث، يومُ تذهل فيه كل مرضعة عما

стр. 7530

أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢]. وبعد البعث يكون الحساب، وبعد الحساب يكون الانصراف إما إلى القصور الملكية، وإما إلى السجون الجهنمية: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٤ - ١٨]. اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. اللهم ارحمنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، يا أرحم الراحمين.
следующие страницы →