فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١].
وعلى المسلم أن يتذكر دائماً أن الموت فيه فراق العمل للآخرة، لا على أنه فراق للأهل والأحباب ولذات الدنيا، فهذه نظرة قاصرة تزيده حسرة وألما.
وحياة الإنسان خطوات للآخرة، وأنفاسُ معدودة منصرمة.
كل نفسٍ منها يقابله ألاف الآلاف من السنين في دار البقاء، والعبد منساق بزمنه إلى دار النعيم، أو إلى دار الجحيم، وبقاؤه في الدنيا كساعة من النهار، فجدير بالعاقل ألا يصرف منها نفساً إلا في أحب الأمور إلى الله، ولو صرفه فيما يحبه، وترك الأحب إلى الله لكان مفرطاً.
فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه، وكيف إذا صرفه فيما يمقته عليه ربه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وسيسأل كل إنسان عما قدم وأخر، وعن كل طاعة عمل بها، وعن كل معصية فعلها، وعن كل فاحشة أقترفها، وسيرجع الناس إلى ربهم يوم القيامة، وسيحاسبهم على ما عملوه بعد أن يروه، وكل ما أسروه وأعلنوه، وكل ما جمعوه وفرقوه، وكل ما حفظوه وضيعوه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
стр. 7527
٨ - فقه البعث والنشور
قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس: ٥١ - ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧].
ينفخ إسرافيل ﷺ في الصور النفخة الأولى، وهي نفخة الفزع والموت، ثم ينفخ النفخة الثانية، وهي نفخة البعث والنشور، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
فإذا نُفح في الصور نفخة البعث، خرج الناس من الأجداث والقبور ينسلون إلى ربهم، ويسرعون للحضور بين يديه الأولون والآخرون، والإنس والجن، ليحاسبهم على أعمالهم، ثم يساقون حسب أعمالهم إلى دار القرار؛ فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
فسبحان الله ما أعظم هذا الملك، إسرافيل بنفخة واحدة منه يصعق أهل السماء، وأهل الأرض إلا من شاء الله، وبنفخة أخرى يحيا جميع الخلق،
стр. 7528
ويخرجون من قبورهم قيامٌ ينظرون، وإذا كانت هذه قوة نفخته فكيف بقوة بدنه؟.
وكيف تكون قوة خالقه الذي خلقه وأمره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وما أعظم ما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور، فإذا صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رؤوس الموتى، فيقومون دفعةً واحدة، فتوهم نفسك يا أخي المسلم معهم، وقد وثبت متغير الوجه، مغبر البدن، مضطرب الفؤاد، مبهوتاً من شدة الصعقة، شاخص العين نحو النداء، وقد ثار الخلق جميعاً ثورة واحدة من القوة التي طال فيها بلاؤهم، وقد تزعجهم الفزعة والرعب فضلاً عما هم فيه من الهموم والغموم، وشدة الانتظار لعاقبة الأمر.
وبهذه النفخة يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى أربعين سنة، أو أربعين شهرًا، أو أربعين يومًا.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ». قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، «ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ، كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ». متفق عليه (١).
стр. 7529
ثم ينفخ إسرافيل النفخة الثانية، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
ثم أنظر رحمك الله كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غُرلاً إلى أرض المحشر، أرضٌ بيضاء، وقاعٌ صفصف، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، لا ترى فيها ربوة، يختفي الإنسان وراءها، ولا وهده ينخفض عن الأعين فيها، بل هي صعيدٌ واحد مكشوف، لا تفاوت فيه يساقون إليه جميعا.
فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض إلى أرض المحشر، لا يتخلف منهم أحد: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٧ - ٤٩].
فاحضر قلبك، وانظر إلى صورتك وأنت واقف هناك عارياً، ذليلا، متحيراً، بهوتا، وجلاً، خائفاً، منتظراً لما سوف يجري عليك، وعلى غيرك من القضاء بالسعادة أو الشقاوة الأبدية.
يستقبلك يومٌ عظيمٌ شأنه، ترى فيه السماء قد انفطرت، والكواكب من هوله انتثرت، والنجوم قد انكدرت، والشمس قد كورت، والجبال قد سُيرت، والبحار قد سُجرت، والجحيم قد سُعرت، والجنة قد أُزلفت.
يوم تبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات، يوم تُحمل فيه الأرض والجبال فتدك دكة واحدة، يومٌ ترج فيه الأرض رجا، وتُبث الجبال بثا، يومُ يكون فيه الناس كالفراش المبثوث، يومُ تذهل فيه كل مرضعة عما
стр. 7530
أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢].
وبعد البعث يكون الحساب، وبعد الحساب يكون الانصراف إما إلى القصور الملكية، وإما إلى السجون الجهنمية: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٤ - ١٨].
اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
اللهم ارحمنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، يا أرحم الراحمين.
стр. 7531
٥٥ - خزائن الثواب والعقاب
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 7532
٥٥ - خزائن الثواب والعقاب
١ - الخزانة الأولى
• فقه الوعد والوعيد:
الوعد: هو الوعد بالخير
والوعيد: هو الوعد بالشر.
وقد وعد الله المؤمنين بالجنة والرضوان كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وتوعد الكفار بالنار، والغض، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
فالله إذا وعد لا يخلف الميعاد أبدًا، كما قال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ [يونس: ٤].
فما وعد الله به المؤمنين من الخير والأجر واقعٌ لا محالة، وما توعد الله به الكافرين من العذاب واقعٌ لا محالة، وما توعد الله به عُصاة المسلمين، فهذا يجوز أن ينفذه الله ، أو يعفو عن صاحبه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
стр. 7533
فما وعد الله به الكفار من العذاب لا يمكن أن يخلفه الله بحال؛ لأن الله لا يبدل القول لديه كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩].
وكل كافرٍ ومشرك مات على كفره وشركه فهو في النار قطعًا، كما قال سبحانه: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ [الحج: ٧٢].
والله سبحانه إذا وعد لا يخلف الميعاد أبدًا، أما إخلاف الوعد بالشر فهو من المدح لا من الذم، فإن من توعدك بشرٍ، ثم عفا عنك، وأعطاك الخير، فهذا من الجميل، وإنما المذموم القبيح هو إخلاف الوعد بالخير، والله إن وعد بخير فإنه لا يخلف وعده أبدًا، وإن أوعد بشر فإيعاده بالشر له حالتان:
الأولى: وعيد الكفار بالنار، فهذا الوعيد واقعٌ لا محالة له بكل من مات كافرًا، ولا يبدل بحال كما قال سبحانه: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله : ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ [ق: ١٤].
الثانية: وعيد الله لعصاة المسلمين بالعذاب، فهذا الوعيد يجوز أن يُخلف، فإن الله أوعد كل مسلمٍ ارتكب ذنبًا أن يعذبه في النار بقدر جرمه، فهذا الوعيد إن شاء الله نفذه، وإن شاء الله عفا عن صاحبه فكل ذنبٍ دون الشرك فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عاقب عليه، وإن شاء عفا عنه؛ لأنه فعال لما يشاء، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
стр. 7534
فإن عاقب سبحانه فبعدله، وإن عفا فبرحمته، وكرمه، وإحسانه، وهو يملك هذا وهذا، والإحسان أحب إليه من العدل؛ لأنه العفو الكريم الرحيم الذي رحمته سبقت غضبه.
وقد أمر سبحانه عباده بالعدل والإحسان، ورغبهم في الإحسان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
والله أولى بالعفو والمغفرة والإحسان من عباده، فاللهم إنك عفوٌ كريمٌ تحب العفو فأعف عنا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال الله : ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فقه الثواب والعقاب:
الله ﵎ هو العزيز الرحيم الذي خلق الخلق لعبادته سبحانه، وأرسل إليهم الرسل؛ ليأمروهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة
стр. 7535
ما سواه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
فمن آمن بالله وعبده وأطاعة، أسعده الله في الدنيا، وأدخله الجنة يوم القيامة، ومن كفر بالله وعصاه شقى في الدنيا، وأدخله الله النار يوم القيامة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
أهل الذنوب:
أصل الذنوب نوعان:
أحدهما: ترك مأمورٌ به، كترك الصلاة والصيام والزكاة ونحو ذلك.
الثاني: فعل منهيٍ عنه، كشرب الخمر وأكل الربا ونحو ذلك.
وهذان هما الذنبان اللذان أُبتلي الله بهما أبوي الإنس والجن، ولكل ذنبٍ عقوبة تناسبه بالقدر والعدد، فذنب إبليس ترك مأمورٌ به وهو السجود، وذنب آدم: فعل منهيٍ عنه، وهو الأكل من الشجرة، وترك الأمر، أعظم من فعل النهي.
стр. 7536
• أقسام العقوبات:
العقوبات نوعان:
عقوباتٌ قدرية .. وعقوباتٌ شرعية.
• والعقوبات الشرعية ثلاثة أنواع:
١ - القتل.
٢ - والقطعُ.
٣ - والجلد.
• وعقوبات الذنوب نوعان:
١ - شرعيةٌ.
٢ - وقدرية.
فإذا أقيمة العقوبات الشرعية، رفعت العقوبات القدرية أو خفت، وإذا عطلت العقوبات الشرعية، استحالت قدرية، وربما كانت أشد أو أخف، ولكنها تعم، والشرعية تخص، والله لا يعاقب شرعًا إلا من باشر الجناية كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
стр. 7537
٢ - الخزانة الثانية
• أنواع العقوبات:
عقوبات الله للمخالفين نوعان:
أحدهما: عقوباتٌ على عدم قبول الحق.
الثاني: عقوباتٌ على مخالفة أوامر الرب.
فالأول: كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧]
وقال عن الأمم السابقة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
والثاني: كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
وقد عذَّب الله الأمم المكذبة للرسل بعقوباتٌ في الدنيا تناسب جرائمهم، وأما في الآخرة فمأواهم جهنم، فبسبب كفرهم وظلمهم، وتكذيبهم واستكبارهم، وصدهم عن سبيل الله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
стр. 7538
فقوم نوح ذنوبهم مع الشرك الاستكبار والاغترار، والإصرار على المعصية والسخرية بأهل الإيمان، فلما كذبوا رسولهم نوحًا ﷺ أغرقهم الله ولم ينجي إلا المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ [يونس: ٧٣].
وجعلهم الله عبرةً لمن بعدهم، كما قال سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾ [الفرقان: ٣٧].
وعادٌ قوم هود ذنوبهم مع الشرك الاستكبار، والتجبر في الأرض، والظلم، وشدة البطش، فلما كذبوا رسولهم هودًا ﷺ عاقبهم الله بريح صرصر عاتية، تناسب عتوهم واستكبارهم عن الحق، وقوتهم التي اغتروا بها، كما قال سبحانه عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ [فصلت: ١٥]
فلما اجتمعت فيهم هذه الجرائم الكبرى عاقبهم الله، وطهر الأرض من جرائمهم كما قال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت: ١٦]
أرسل الله عليهم ريحًا عقيمًا، شديدة القوة، مزعجة الصوت كالرعد القاصف: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ [الحاقة: ٦ - ٧].
стр. 7539
فدمرتهم وأهلكتهم وأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
وقوم ثمود ذنوبهم مع الشرك انتهاك محارم الله، وعقر الناقة التي حذرهم الله من مسها بسوء، والاستكبار عن الحق، والاستهزاء به، فلما كذبوا رسولهم صالحًا ﷺ عاقبهم الله بكفرهم وظلمهم، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ [فصلت: ١٧ - ١٨]
وقوم لوط ﷺ ذنوبهم مع الشرك إتيان الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد، وهي إتيان الذكران من الناس، فلما حذرهم رسولهم لوطٌ ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨١].
فلما لم يستجيبوا له، وأصروا على الاستمرار في فعل هذه الفاحشة المنكرة، عاقبهم الله بأن أمر جبريل ﷺ باقتلاع بلادهم بمن فيها، ثم رفعها إلى السماء، ثم قلبها عليهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الله عليهم حجارةً من جهنم متتابعة عليها علامة الغضب والعذاب، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣].
وقوم مدين ذنوبهم مع الشرك الظلم في الأموال، والبخس في المكيال والميزان، والفساد في الأرض، فأرسل الله إليهم أخاهم شُعيبًا ﷺ يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، والعدل في الكيل والميزان، كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ
стр. 7540
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾ [هود: ٨٤ - ٨٥].
فلما كذبوا رسولهم عاقبهم الله سبحانه بسحابةً أمطرتهم ناراً، وأحرقت أموالهم التي أخذوها ظلمًا، وظلوا تحتها خامدين، كما قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ [الشعراء: ١٨٩].
وأنجى الله شعيباً والذين آمنوا معه، وأهلك الظالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤].
وفرعون وقومه ذنوبهم مع الشرك والكفر العلو والاستكبار، والفساد في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
وادعى فرعون الربوبية كما قال سبحانه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات: ٢٤ - ٢٦].
وادعى الألوهية، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ [القصص: ٣٨].
فما أعظم جرم هذا الطاغية، وما أشد ظلمه: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾ [يونس: ٨٣].
стр. 7541
فأرسل الله رسوله موسى ﷺ إلى فرعون وقومه يدعوهم إلى الله فسخروا منه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾ [الزخرف: ٤٦ - ٤٧].
ولكنَّ فرعون كذَّب موسى وعصاه، واتهمه مرةً بالجنون حيث قال لقومه: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٧].
ومرةً اتهمه بالسحر حيث قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥].
ومرةُ إتهمه بالكذب، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤].
إن الطغاة والمفسدين والمستكبرين لا يعبئون بالحق، ولا بمن جاء به، بل يحاربونه بكل وسيلة؛ لأنه يردعهم عن قهر العباد وظلمهم، واستعبادهم لهم، وهم لا يريدون ذلك، والله لا يتركهم على هذا الحال، بل يأمر الرسل أن يذهبوا إليهم؛ لدعوتهم إلى الله، ورفع الظلم عن العباد كما قال سبحانه لموسى ﷺ : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات: ١٧ - ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ
стр. 7542
مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾ [المؤمنون: ٤٥ - ٤٨].
فلما كذَّبوا موسى ﷺ ، وردوا ما جاء به، وأضلوا قومهم عن الهدى، وزاد طغيانهم وآذاهم، ساقهم الله إلى مصارعهم، وعاقبهم بسوء صنيعهم، وحاق بفرعون وآله سوء العذاب فلما يأس موسى من إيمانهم بعدما رأوا الآيات البيِّنات، وحقت عليهم كلمة العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم الله من أسرهم، ويمكِّن لهم في الأرض كما وعدهم، أوحى الله إلى موسى أن يخرج بهم من مصر: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾ [الشعراء: ٥٢].
فماذا حصل من فرعون وقومه لما علموا بخروج موسى ﷺ وبني إسرائيل؟.
لقد حشد فرعون جيشًا عظيمًا من مدائن مصر للقضاء على موسى ﷺ ومن آمن معه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٥٦].
فأخرجهم الله بحسن تدبيره من بساتين مصر، وجناتها الفائقة، وعيونها المتدفقة، وزروعهم وفواكههم المختلفة، وساقهم إلى مصارعهم، كما قال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٨].
وأورث بني إسرائيل فيما بعد هذه الجنات والبساتين، والزروع والعيون، والمقام الكريم، كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: ٥٩].
стр. 7543
فتبع فرعون وقومه موسى وقومه، وأدركوهم عند شروق الشمس، كما قال سبحانه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦٠ - ٦٢].
وحان وقت الهلاك للمجرمين، ونصرة الله للمؤمنين، فأمر الله موسى ﷺ أن يضرب البحر بعصاه، ليفتح به طريقًا آمنًا لأوليائه، ويجعله مقبرةً لأعدائه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٨].
فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
ونزلت عقوبة الله بهؤلاء الطغاة: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾ [الأعراف: ١٣٦].
وحق وعد الله لموسى ﷺ ومن معه بالنصر والتمكين في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٧].
стр. 7544
فكل أمةٍ من الأمم المكذبة للرسل أخذه الله بذنبه على قدره، وبعقوبةٍ مناسبةٍ له: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ [النحل: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠].
أما عقوبة هذه الأمم المكذبة يوم القيامة، فهي بالنار، وهم في العذاب متفاوتون، وأشدهم عذاباً آل فرعون لشناعة جرمهم، كما قال سبحانه: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
فجعل سبحانه أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وجعل أهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة، كما جعل سبحانه أهل طاعته أكرم خلقه عليه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وجعل أهل معصيتها أهون الخلق عليه، وجعل العزة لأهل طاعته، والذل والصغار لأهل معصيته: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
стр. 7545
وكلما عمل العبد معصيةٍ نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزولٍ حتى يكون من الأسفلين، وكلما عمل طاعةً ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
فيجب على المؤمن أن يقف بين يدي مولاه موقف المخطئ المذنب مستحيًا منه، خائفًا منه، راجيًا له، محبًا له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
فأي نعمةٍ وصلت إليه من الله استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها، وأي نقمةٍ أو بليةٍ وصلت إليه، رأى نفسه أهلًا لما هو أكبر منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه، إذ لم يعاقبه على قدر جرمه وإسائته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
الشر الذي يصيب الإنسان لا يخلو من أمرين:
أحدهما: إما ذنوبٌ وقعت منه، فيعاقب عليها، ويجازي بها؛ لأنه فعلها بنفسه وقصده كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
الثاني: شرٌ واقعٌ به من غيره، إما من مكلف كالإنس والجن، أو غير مكلف مثل الهوام والحيات والعقارب ونحوها، فيصيبه الله بذلك لحكمٍ يعلمها الله، حسب حاله، إما عقوبةً له على معصية، أو تطهيرًا له من ذنب،
стр. 7546
أو رفعةً لدرجاته ونحو ذلك: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
والشر الأول هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين.
وإن الذنب وإن صغر لقبيح، وإن مقابلة العظيم ﷻ به لعظيم، فالله هو العظيم، الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، القوي الذي لا أقوى منه، الكريم الذي لا أكرم منه، ومقابلة العظيم بذلك يعد من أقبح الأمور، وأعظمها، وأشنعها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
فإن مقابلة العظماء، وسادات الناس، بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمنٌ أو كافر، وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل، فكيف بعظيم السموات والأرض ذي العزة والجبروت، والملكوت، والكبرياء والعظمة، أن يليق بالعاقل فضلًا عن المسلم عصيان العظيم في ملكه، ومخالفة أمره؟
قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)
٣ - الخزانة الثالثة
عقوبة من نسي ربه:
كل من نسي الله عاقبه الله بعقوبتين:
إحداهما: أن الله سبحانه ينساه، وإذا نسيه الله وأهمله، وتركه وتخلى عنه، فالهلاك أدنى إليه من اليد إلى الفم كما قال سبحانه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
الثانية: أن الله سبحانه يُنسيه نفسه، فيهمل حظوظها، وأسباب سعادتها وفلاحها، وينسيه عيوب نفسه وآفاتها، فلا يخطر بباله مداواتها، وإزالة عللها، وهذه أعظم خسارةً للعبد.
وقد حذرنا الله من ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩].
ومن نسي دين الله في الدنيا، وعرض عنه، أشغله الشيطان بما يضره ويبعده عن ربه، ثم نزلت به عقوبة جنايته، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
ومن نسي الله في الدنيا نسيه الله في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ [الجاثية: ٣٤ - ٣٥].
والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها كما قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 7549
والأوامر والنواهي الشرعية ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاءٌ للأرواح، ودواءٌ للأبدان، وحميةٌ عن الضرر، فالله سبحانه أمر العباد بما أمرهم به رحمةً منه وإحسانًا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
ولما كان كل عاملٍ سيجازي بعمله، والإنسان عُرضةً للنسيان والخطأ والتقصير، أخبر الله سبحانه أنه لا يؤاخذ على الخطأ أو النسيان، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].، فقال الله : قد فعلت». أخرجه مسلم (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
• أقسام النسيان
النسيان قسمان:
أحدهما: نسيانٌ بمعنى ترك الشيء عمدًا، والإعراض عنه.
الثاني: ونسيانٌ بمعنى ذهول القلب عما أمره الله به، فيتركه نسيانًا.
فالأول: محاسبٌ عليه ومعاقب عليه.
والثاني: معفوٌ عنه.
والخطأ أن يقصد الإنسان ما يجوز له فعله، ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله كأن يرمي صيدًا، فيصيب إنسانًا خطأً، فهذا الخطأ والنسيان بمعنى ذهول القلب، قد عفا الله عنهما عن هذه الأمة رحمةً بهم وإحسانًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 7550
فمن أتلف مالًا أو إنسانًا خطأً، فليس عليه إثم، لكن الضمان مرتبٌ على الإتلاف، فمن أتلف شيئًا خطأً فعليه ضمانه، الإنسان بالدية والكفارة، والمال بمثله.
• واجبات الدين:
الله هو الملك الحق له أوامر ملكية في ملكة العظيم، وله أوامر شرعية، وله أوامر جزائية.
والله ﵎ أمرنا بأربعة أمور شرعية هي:
١ - تعلم الدين.
٢ - العمل بالدين.
٣ - تعليم الدين.
٤ - الدعوة إلى الدين.
أمرنا بتعلم الدين، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأمرنا بالعمل بالدينن كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وأمرنا بتعلم الدين، فقال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وأمرنا سبحانه بالدعوة إلى الدين، فقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 7551
فكل سعادة وفلاح في الدنيا والآخرة سببه القيام بهذه الأمور الأربعة، وكل شقاء وفساد في العالم سببه الإخلال بهذه الأربعة أو بعضها، وكل نقص فيها نقص من الدين، وإذا نقص الدين خرج من حياة الأمة تدريجيا، ثم هلكت، فحارس البستان المملوء بالزروع والأشجار والثمار، إذا ترك الحراسة دخلته الكلاب والبهائم و السراق، فلعبت به، وأكلت ما فيه وغيرت صورته حتى ينتهي: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
ومن لم يكن من جند الرحمن، فهو قطعا من جند الشيطان، فإذا تركنا الدعوة إلى الله، جاءت شياطين الإنس والجن، فلعبت بالأمة، وغيرت صورتها ومقصدها، وحياتها وأخلاقها، فجاءت البدع مكان السنن، والمعاصي مكان الطاعات، والباطل مكان الحق، والكفر بدل الإيمان، والجهد للدنيا بدل الجهد للدين.
والله حكيم عليم أعلم عبادة أن سبب المصيبة من عند أنفسهم، وأنها بقضاء الله وقدره ليوحدوه، ويتوجهوا إليه وحده بكشفها: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
وأخبرهم بما له فيها من الحكم، وما لهم فيها من المصالح، حتى لا يتهموه في قضائه وقدره، ويتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
стр. 7552
وسلاهم سبحانه بما أعطاهم بما هو أجل قدرًا، وأعظم مما فاتهم، فكم من مصيبة وبلية، تهون أمام مَنَّه الله على المؤمنين بالهداية للإسلام، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
والله قوي عزيز، وهو على كل شيء قدير، والمخلوقات كلها بالنسبة لله أصغر من الخردلة، وهو سبحانه وحده الكبير المتعال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فقه العقوبات:
الله لا يستعمل قدرته أمام الطغاة والجبابرة، بل يهلكهم ويدمرهم، بأضعف مخلوقاته وأصغرها وأهونها، ليعلم الناس أنهم ليسوا بشيء، وأن الله قادر على إهلاكهم بأهون شيء عليهم.
كما أرسل الله البعوض على النمرود فأهلكته، وفتح ماء السماء والأرض على قوم نوح فأغرقهم، وكما فتح الله البحر لفرعون وقومه فأغرقهم في جوفه، وكما فتح السد على قوم سبأ فأهلك زروعهم، وخرب ديارهم، وكما أرسل الله الريح على قوم عاد فدمرتهم، وكما أرسل النار على قوم شعيب فأحرقتهم، وكما أرسل الصيحة على ثمود فأهلكتهم، وكما أهلك قوم لوط بطرف جناح جبريل، وأهلك أصحاب الفيل بالطير الأبابيل، وأرسل الجراد والقمل والضفادع إلى قوم فرعون: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧].
стр. 7553
فلا إله إلا الله ما أعظم قدرته، وما أهون الخلق على الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقد شرع الله سبحانه الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، ونصرة الدين، وقمع المعتدين، وإذا تركته الأمة هلكت كما قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأنفال: ٣٩].
وإذا أقبلت على الدنيا، وأعرضت عن الآخرة، سلط الله عليهم الذل حتى تعود إلى ربها كما قال النبي ﷺ : «إذا تبايعتُم بالعِينَةِ، وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرْع، وتركتُم الجهادَ، سَلَّط اللهُ عليكم ذُلاًّ لا ينزِعُه حتى تَرجِعُوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود (١).
فاشتغال الأمة بزينات الدنيا وشهواتها، وقعودهم عن العمل بالدين، والجهد للدين، يجر الأمة إلى عقوبات في الدنيا والآخرة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وما يبتلى به الإنسان من الذنوب والمعاصي، وإن كان خلقا لله، فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله من أجله، وهو عبادته سبحانه وحده لا شريك له.
стр. 7554
فلما لم يفعل ما أمره الله به، زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والبدع والمعاصي، فلما أعرض عن الله تسلط الشيطان عليه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
ولابد لكل إنسان من إرادة وحركة، فإن تحرك بالذنوب والمعاصي، إما بفعل محظور، أو ترك مأمور، فهذا عقوبة له لعدم فعل الطاعات، والشيطان مسلط عليه، فلما لم يتحرك بفعل الحسنات، حركه الشيطان للسيئات، عدل من الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وتخصيصه سبحانه لمن هداه بين استعماله ابتداء فيما خلق له، وفيما يحبه الله، فضل منه سبحانه، وهذا منه لا يوجب الظلم، ولا يمنع العدل، وهو سبحانه أعلم بمن يستحقه ويشكره، كما خُصت بعض الأجسام بقوة لا توجد في غيرها: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
فإن قيل معصية الكفر كانت في زمان قليل متناهي، والجزاء في جهنم أبدي غير متناهي، فكيف ينطبق هذا الجزاء على العدل.
قيل من مات على الكفر، فالله يعلم أنه لو بقي أبدا لكان كافرا أبدا، لفساد جوهر الروح، فهذا القلب الفاسد، أستعد لجناية غير متناهية، وبذلك نعلم أن الجزاء الأبدي في مقابلة جناية غير متناهية، وذلك عين العدالة.
وأيضا الكفر كفران لنعم غير متناهية، فجزاؤه غير متناهي.
стр. 7555
٤ - الخزانة الرابعة
حقيقة الإيمان التوكل على الله وحده، والتأثر من الله وعدم التأثر من غيره.
فالكفار يخوفون الناس بما صنعوه من المدمرات الإنسانية كالقنابل والطائرات والدبابات وغيرها، أما الأنبياء وأتباعهم فيدعون الناس للإيمان والاستقامة على أوامر الله، ويخوفونهم بالعقوبات الإلهية، فمن استجاب فله الجنة، ومن عصى خوفوه بطش ربه بالدنيا، وعذابه في الآخرة، كما قاله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾ [فصلت: ١٣ - ١٤]
وقال الله : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
فالأنبياء والرسل والمؤمنون معهم قوة الخالق ، والكفار والأعداء معهم قوة المخلوق، وقوة الخالق أقوى من قوة المخلوق، ومن كان الله معه فمعه كل شيء، ومن لم يكن الله معه فليس معه أي شيء، ولله جنود السموات والأرض من الملائكة، والإنس، والجن، والمياه، والرياح، والزلازل، والخوف، والرعب، والحر والبرد وغيرها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١]
والله مع الأنبياء والمؤمنين بنصره وتأييده، سواء كان معهم شيء أو لم يكن معهم شيء، فالله هو الناصر والنصير، ينصر بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، فمحمد ﷺ أنجاه الله من الكفار حين أرادوا قتله، وأظهر دينه، وخذل أعداءه ولم يكن له ملك ولا مال.
стр. 7556
وإبراهيم ﷺ أنجاه الله من النار، وأنجاه من أعدائه، ولم يكن معه شيء إلا إيمانه بربه.
وموسى ﷺ أنجاه الله من فرعون وملئه وأنجاه من الغرق، ولم يكن معه إلا إيمانه بربه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢].
وقارون خسف الله به الأرض مع كثرة أمواله، فلما أعرض عن الله أعرض الله عنه فهلك، وهلكت أمواله، كما قال سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
وفرعون لما طغى واستكبر، أهلكه الله وجنوده، مع أن معه الملك والمال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
والنمرود أهلكه الله لما أصر على كفره مع أن معه الملك والمال، وهكذا كل القرى الظالمة أهلكهم الله بذنوبهم، ولم ينفعهم ما تعلقوا به من دون الله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ [الكهف: ٥٩].
فلينتبه العاقل، ويتوب الظالم، ويطع العاصي، قبل أن تحل بهم عقوبة الظالمين والعصاة: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ [الطارق: ٦ - ١٤]
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
стр. 7557
• عقوبة ترك الدعوة إلى الله:
إن الدعوة إلى الله كما هي وظيفة الأنبياء والرسل، هي كذلك وظيفة هذه الأمة، وبها تحصل الهداية للدعاة والمدعوين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ولما تركت الأمة الدعوة إلى الله، عُوقبت بضعف الإيمان، فعطلت أكثر أوامر الله في الدين، وأوامر الله في جهود الدين، حتى خرجت من الأمة أوامر الله، وسُنن رسول الله ﷺ : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
وليس هذا فقط، بل لما خرجت السُنن والفضائل، أخذت مكانها المحرمات والرذائلُ والبدع، فجاءت المصائبٌ والمشاكل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وليس هذا فقط، بل قام في المسلمين من يحارب الله ورسوله، ويدعو إلى نبذ كتاب الله وراءه، وترك شرعه، واقتراف المحرمات والكبائر، والفواحش والرذائل، وإتباع سُنن اليهود والنصارى.
стр. 7558
كما قال النبي ﷺ : «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حتى لَوْ دَخَلُوا جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْوه، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟». متفق عليه (١).
وذلك كله عقوبة ترك الدعوة إلى الله، وهذا ما حصل بين المسلمين من الافتراق والاختلاف، وحصول الفتن، فكيف بأحوال الكافرين: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]
إن في الدعوة إلى الله إحياءُ دين الله في قلوب المؤمنين، ودخول الكفار في دين رب العالمين، وإنشاء الاستعداد في القلوب للأعمال الصالحة، وبها تُعمر الحياة كما كانت حياة الصحابة ﵃: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالحياة حسب أوامر الله بركة ورحمة، والحياة بدون أوامر الله شقاءٌ وتعاسة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
стр. 7559
وجميع البشرية اليوم يعيشون في المصائبِ والمشاكل، كلٌ خائف، وكلٌ غير مطمئن في جميع شعب الحياة في نفسه، وفي بيته، وفي مجتمعه، وكلٌ يشكو أحواله، ويشكوا ربه الرحمن الرحيم إلى خلقهِ، والمسلمون خاصة في أعظم المصائب والمشاكل، لتعطيلهم لكثير من أوامر الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
فكل مسلم إلا من رحم الله يشكو المصيبة، بل المصائب في كل مكان، ويدعو ولا يستجاب له، والسبب أن المسلمين لم يفكروا في سبب البلاءِ والمرض، بل يفكرون في الخلاص من البلاء والمرض، فلا يرتفع البلاء، ولا يزول المرض، والنجاة والسلامة أن نعلم أن المصائب من الله ، والمصائب تكون بحسب أعمالنا كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
ونحن غافلون عن إصلاح إيماننا وأعمالنا، وبإصلاح أعمالنا تصلح أحوالنا، وترفع عنا العقوبات: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
فعلينا تغيير الداخل بالإيمان والتقوى، ثم الله يغير الخارج ويصلحه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].
стр. 7560
وعلينا أن نعيش كحياة الأنبياء والرسل، لنسعد في الدنيا والآخرة، ونسلم من العقوبات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وننقل هذه الحياة الإسلامية الطيبة إلى جميع البشرية بالدعوة إلى الله، لتسعد البشرية، وتسلم من العقوبات في الدنيا والآخرة، فمن عاش كحياة الأنبياء والرُسل، حصل له الخير، ثم دخل الجنة بعد الموت: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وقد خلق الله الإنسان، ليعيش في الدنيا كانسان يعرف ربهُ، ويعبدهُ، ويطيع أمره، ليس كالحيوان، وليس كالشيطان، وبذلك يسعد في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فإذا عاش الإنسان كالحيوان، أو عاش كالشيطان، جاءت المصائب والمشاكل في الدنيا، وعُوقبَ بالنارِ في الآخرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
وكلما تشبه المسلم بالملائكة والأنبياء والرسل، ارتفع مكانه، وعلت درجاته، واطمأنت نفسهُ، وكثر خيرهُ في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
٥ - الخزانة الخامسة
• فقه العقوبات الشريعة:
العقوبات الشرعية نوعان:
أحدهما: عقوبة على ذنب ماض، كجلد الشارب للخمر، والقاذف، وقطع يد السارق والمحارب ونحو ذلك.
الثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم، وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة، وآكل حقوق الناس حتى يؤديها.
وقد شرع الله العقوبات الشرعية على قدر مفسدة الذنب، وقبول الطبع له، فإن كان الوازع عنه طبيعيا، وليس في الطباع داع إليه، اكتفى الشرع فيه بالتحريم مع التعزيز، ولم يرتب عليه حدا كأكل النجاسات، واكل الميتة، وشرب الدم، ونحو ذلك.
وما كان بالطباع داع إليه، رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدتة، وبقدر داعي الطبع إليه كالقتل والزنا والسرقة، وجعل عقوبتها القصاص أو الرجم أو الجلد، ولما كان داعي الطبع للزنا من أقوى الدواعي، كانت عقوبته العظمى من أشنع القتلات وأعظمها، وهي الرجم للثيب، وعقوبته الدنيا أعلى أنواع الجلد مع التغريب، فالجلد للبكر، والرجم للثيب.
ولما كانت جريمة اللواط في الدبر، كان حده القتل في كل حال، وجعل سبحانه القتل عقوبة الكفر، وما يليه وما يقرب منه، وهو الزنا، وعمل قوم لوط، فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الأنساب: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا
стр. 7563
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وجعل سبحانه القطع عقوبة إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، وجعل الجلد عقوبة إفساد العقول، وإفساد العرض بالقذف، وكما جعل الله للطاعات ثوابا، جعل سبحانه للمعاصي عقاباً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
• والذنوب ثلاثة أقسام:
فالأول: ذنب عقوبته الحد الشرعي فقط، فهذا لم يشرع فيه كفارة، اكتفاءً بالحد الشرعي كالقتل قصاصا، وقطع اليد في السرقة، ونحو ذلك.
الثاني: ذنب ليس فيه حد، لكن شرعت فيه الكفارة، كالوطء في نهار رمضان، وكفارة الظهار، وقتل الخطأ، وكفارة اليمن ونحو ذلك.
الثالث: ذنب لم يرتب عليه حد ولا كفارة، وهو نوعان:
أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعا كأكل العذرة والنجاسات، وشرب البول، وشرب الدم ونحو ذلك.
الثاني: ما كانت مفسدتة أقل مما رتب عليه الحد كالنظرة والقبلة ونحوهما.
• وشرع الإسلام الكفارات ثلاثة أنواع:
أحدها: ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه، فباشره الإنسان في الحالة التي عرض فيها التحريم، كالوطء في حالة الإحرام والصيام، والوطء حال الحيض والنفاس ونحوهما.
стр. 7564
الثاني: ما عقده الإنسان لله من ندر، أو بالله من يمين، أو حرمه على نفسه، ثم أراد حله، فشرع الله حله بالكفارة، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ٢].
والثالث: أن تكون فيه الكفارة جابرة لما فات، مثل كفارة قتل الخطأ، وكفارة قتل الصيد خطأ، فإن هذا من باب الجوابر والأول من باب الزواجر، والأوسط من باب التحلة لما منعه، ولو اجتمع الحد والتعزير في المعصية، فإن كان فيه حد أكتفي به، وإلا أكتفي بالتعزير، ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد، فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
• وعقوبات الذنوب والمعاصي نوعان:
عقوبات قدرية .. وعقوبات شرعية.
وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما معًا، عقوبات في الدنيا، وعقوبات بعد الموت في القبر، وعقوبات يوم البعث وحشر الإنسان، وعقوبات في مستقر الكفار والعصاة في النار، كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
وترتب العقوبات على الذنوب، كترتب الإحراق على النار، والغرق على الماء، وفساد البدن على السموم.
والعقوبة قد تقارن الذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرا وأما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه.
стр. 7565
أما أصل العقوبة فهو واقع على كل ذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
• أعظم الذنوب:
أعظم الذنوب ثلاثة:
الشركُ، والقتلُ، والزنا، وعقوبتها أعظم العقوبات، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وعن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» .. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» .. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». متفق عليه (١).
فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].