← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

قضاء الله على النفس بالكفر والذنوب عدلًا منه عليها، فالقضاء عليها بالعقوبة أعدلُ وأعدل. فهو سبحانه حكم عدلٌ، لا يظلم أحداً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. فالله قضاءان: ١ - قضاء السبب. ٢ - وقضاء المسُبب. وكلاهما عدل فيه، فإن العبد لما ترك ذكر ربه، وترك فعل ما يحبه ويرضاه، عاقبهُ بنسيان نفسه، فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه الله ويسخطه بقضائهِ الذي هو عدل، فترتب لهذا العابد العاصي على هذا الفعل والشرك، عقوبات وآلام لم يكن منها بُد، بل هي مترتبةٌ عليه ترتب المسُببات على أسبابها، وهذا عادلٌ محض من الرب سبحانه، فعدل في العبد أولًا وأخرًا، فهو مُحسن في عدله، مُحبوب عليه. ودين الله تبارك وتتعالى هو الحق، وكل ما سواه باطل، وإنما يكيد المكذبون الظالمون، ويحتالون ويخادعون، من اجل ردٍ الناس عنه، والله ﷻ يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله ﷺ ، وعباده المؤمنين، عقوبة لهم على جرمهم كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧] وكيده سبحانهُ لأعدائه استدراجهم لمصارعهم من حيث لا يعلمون، والإملاء لهم حتى يأخذهم على غرة وهم على ذنوبهم، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣].

стр. 7597

وقال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨]. فالإنسان إذا أراد أن يكيد غيره، يظهر له إكرامهُ وإحسانه إليه، حتى يطمئن إليه، فيأخذه على غرة كما يفعل الله بأعداء الله ورسوله، فإذا فعل ذلك أعداءٌ الله ورسوله بأوليائهِ ودينهِ كان كيد الله لهم حسنًا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم بذلك إلى مصارعهم، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وكل من استقام على أوامر الله، أسعده الله وأكرمه في الدنيا والآخرة. وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم، واختيارهم، واستقامتهم على أوامر الله كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧]. فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا رسلهِ، وقتلوا أنبياءه، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، وأفسدوا في الأرض، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب، والذلةِ والمسكنة، وقضى عليهم بالتشريد، وحق عليهم الوعيد، كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [المائدة: ٧٨].

стр. 7598

وقال سبحانه عنهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣]. وقال سبحانه عنهم: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾: [البقرة: ٦١]. وقال سبحانه عنهم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].

стр. 7599

١٠ - الخزانة العاشرة • عقوبة استحلال المحرمات: الربا من كبائر الذنوب، يدمر الأمم، ويحطم الأخلاق، ويُوجب اللعنة والطرد من رحمة الله، وقد أعلن اللهُ الحرب على أهله من الله ورسوله، وهي حربٌ شاملةٌ داهمةٌ غامرة أعمُ من القتال. والداخل فيها من الخلق مهزوم قطعًا، فهي حرب عظيمة، حرب على الأعصابِ والقلوب، وحربٌ على البركة والرخاء، وحربٌ على السعادة والطمأنينة، وحربُ المطاردة والمشاكسة، وحرب الغبن والظلم، وحرب القلق والحزن، حرب يسلطُ اللهُ فيها بعض العصاة لدينه ومنهجه على بعض، وأخيرًا حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول. ولهذا حذر الله المؤمنين من جميع المعاملات الربوية بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].

стр. 7600

إنها حرب عظيمة تشتعل الآن في العالم كله، من جُراء النظام الربوي المقيت، وأيسرُ ما يقع إن لم يقع هذا كله، هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطيم الكيان البشري كله من أساسه، وهي حربٌ مشبوبةٌ دائما، وقد أعلنها الله على المتعاملين بالربا، وهي مُسعرةٌ الآن تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة عن هدى ربها، وهي غافلةٌ تحسبُ أنها تكسب وتتقدم، بينما هي خاسرة قطعًا، فإن المرابين يحاربون الله ورسوله، ومن يحاربه الله ورسوله ﷺ فهو هالكٌ وخاسرٌ قطعًا، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وهذا الإنتاج العظيم، والمال الوفير، لو أنه نشأ من منبتٍ زكيٍ طاهر لأسعد البشرية، ولكنه نبت من أرض الربا الملوث، فأشقى البشرية، وخنق أنفاسها، وحطم أخلاقها، وأثقل كواهلها بالديون، وأشعل الفتن والحروب، وتسبب لها بأعظم العقوبات: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. والحل واحد بالاستقامة على أوامر الله، وتجنب هذا المورد العفن النتن الآسن، وهو الربا، وإتباع وطاعة الله ورسوله فيما أنزل من أحكام عادلة، وإلا فهي العقوبة والهلاك بلا ريب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 7601

فيا الله كم يعم أوكار الوحوش الربوية من المسلمين؟ وكم تسعى هذه الفرائس إلى الفخاخ بأقدامها؟. وإذا كانت الطاعات محسوبة، والمعاصي محسوبة، والمعاملات مكتوبة، والسرائر مكشوفة، فهلا نسارع إلى الخيرات، وهلا نخاف الله، ونخاف يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. والكفر بآيات الله سواءً كان بإنكارها أصلًا، أو عدم الاحتكام إليها بواقع الحياة، وقتل الأنبياء بغير حق، وطرد سننهم من الحياة، وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس جسديًا أو معنويًا، وعصيان الجبارِ سبحانه في ملكه، والاستعداء على حق الله، وحق الرسول ﷺ ، وحق عباده، هذه هي المؤهلات لغضب الله، وللهزيمة والذلة والمسكنة، يتقدم بها من يسمون أنفسهم مسلمين بغير حق إلى ربهم، فينالون عليها كل ما كتبه الله على اليهود من الهزيمة والذلة، والمسكنة والغضب: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢].

стр. 7602

فاليهود لا يطمئنون ولا يستقرون، حيث عاقبهم الله بالذل في بواطنهم، والمسكنة في ظواهرهم، فلا يطمئنون إلا بحبلٍ من الله، وحبلٍ من الناس، فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويستذلون، أو تحت أحكام وحكم النصارى، وباؤا مع ذلك بأعظم العقوبات، وهي غضب الله عليهم ولعنته. وقد حذر الله المؤمنين من طاعة الذين كفروا، فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة، وليس فيها ربحٌ ولا منفعة، بل فيها الانقلاب على الأعقاب إلى الكفر، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠]. فالذي لا يكافح الكفر والشر والضلال، والباطل والظلم والطغيان، لابد أن يتخاذل، أو يتقهقر ويرتد على عقبيه إلى الكفر والشر والضلال والطغيان، فالإيمان والكفر ضدان، فالذي لا يتحرك إلى الأمام بإيمانه، لابد أن يرتد إلى الوراء بكفره، والذي لا يعلو بإيمانه وأعماله الصالحة، لابد أن ينزل إلى أسفل بكفره وأعماله السيئة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. ومن كان الله مولاه فما حاجته بولاية أحدٍ من خلقه، ومن كان الله ناصره فما حاجته لنصرة أحدٍ من العبيد، والله ﵎ لطيف بعباده، رحيم بهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 7603

وهو سبحانه غنيٌ عن عذاب العباد، فما به سبحانه من نقمةٍ ذاتيةٍ عليهم يصب عليهم من أجلها العذاب، وما به سبحانه من حاجة لإظهار سلطانه وقوته عن هذا الطريق، وما به سبحانه من رغبةٍ ذاتيةٍ في عذاب الناس، وإنما هو صلاح العباد بالإيمان والشكر لله ، كما قال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. فعذاب الله جزاءٌ على الجحود والكفرانِ، والعصيان، هو تهديدٌ لعله يقود إلى الشكر والإيمان، إنها ليست شهوة التعذيب، ولا رغبة التنكيل، فمتى اتقى الإنسان ربه بالشكر والإيمان، فهنالك المغفرة والرضوان، وهناك شكر الله سبحانه لعباده: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. وإذا كان الخالق المنعم المتفضل الغني عن العالمين يشكر العباد على صلاحهم وإيمانهم وشكرهم، وهو غنيٌ عنهم، وعن إيمانهم وشكرهم، فماذا ينبغي للمخلوقين المغمورين بنعم الله؟ وماذا يجب عليهم تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل؟. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 7604

عقوبات الجرائم الكبرى: أعظم الكبائر والمنكرات والفواحش ثلاثة: ١ - الشرك بالله. ٢ - والزنا. ٣ - وقتل النفس بغير حق. وكل هذه جرائم قتل في الحقيقة. فالجريمة الأولى، وهي الشرك بالله جريمة قتل الفطرة. والثانية: جريمة قتل الجماعة، وهي الزنا. والثالثة: جريمة قتل النفس البريئة. فالفطرة التي لا تعيش على التوحيد والإيمان فطرة ميتة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعةً ميتة منتهية قطعًا إلى الدمار: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات مهدد بالدمار، ومن ثم جعل الله عقوبة هذه الجرائم الثلاث، وهي الشرك، والزنا، وقتل النفس بغير حق، هي أقسى العقوبات؛ لأنه سبحانه يريد حماية خلقه من عوامل الدمار، ولذا وصف الله عباده المؤمنين بالبراءة منها، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ

стр. 7605

فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وقد ذكر الله سبحانه سُنته في عقوبة الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق في قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦]. عاقبهم سبحانه بصرفهم عن آياته، فلا ينتفعون بها، ولا يستجيبون لها، آيات الله في كتابه المنظور، وآياته في كتبه المنزلة على رسله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وذلك؛ لأنهم تكبروا وكذبوا بآيات ربهم، فكانوا عنها غافلين، فالكبرياء صفة لله وحده، لا يقبل فيها شريكًا، وحيثما تكبر الإنسان في الأرض كان ذلك تكبرًا في الأرض بغير حق: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣].

стр. 7606

وشر التكبر ادعاء حق الربوبية في الأرض على عباد الله، ومزاولة هذا الحق في التشريع لهم من دون الله، وتعبيدهم لهذا التشريع الباطل، ومن هذا التكبر تنشأ سائر ألوان التكبر، فهو أساس الشر كله، ومنه ينبعث وينفجر. وهؤلاء الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق جبلتهم مقلوبة ضالة تجنح عن سبيل الرشد حيثما رأت، وتجنح إلى سبيل الغي حيثما لاح لها، وهذا الصنف من الناس موجود مشهود يتجنب الرشد، ويتبع الغي، دون جهدٍ منه، ودون تفكير ولا تدبر، فهو يعمى عن طريق الرشد ويتجنبه، وينشرح لطريق الغي ويتبعه، إنه يرى الحق باطلًا، والباطل حقًا، ويعمل بذلك، ويدعو إلى ذلك وهو في الوقت ذاتهِ مصروف عن آيات الله الكونية، وآياته الشرعية، لا يراها ولا يتدبرها، ولا تتأثر بها نفسه، فما أعظمها من عقوبة. وما يظلم الله هذا الصنف من الناس بهذا الجزاء المؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة، إنما هو الجزاء الحق لمن يكذب بآيات الله، ويغفل عنها: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ [الأعراف: ١٤٧]. إن الذي يكذب بآيات الله المبثوثة في صفحات هذا الكون المنظور، أو آياته المتلوة في كتابه المسطور التي يحملها الرسل، ويكذب تبعًا لهذا بلقاء الله في اليوم الآخر، إن هذا الكائن المسيخ روحُ ضالة شاردة عن طبيعة هذا الكون المسلم، ونواميسه، لا تربطه بهذا الكون رابطة، فالكون كله يسبح بحمد ربه، كما قال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ

стр. 7607

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. وكل عملٍ يصدر عن هذا المسيخ المقطوع هو عمل حابط ضائع، ولو بدا أنه قائم وناجح، كالدابة التي تأكل النبات السام فتنتفخ، فيحسبهُ الناس عافية وسمنة، وإنما الهلاك يترصدها بعد الانتفاخ والحبوط: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وكلما تكررت جريمة الكذب والافتراء على الله، تكررت العقوبة كما حصل من بني إسرائيل حين عبدوا العجل، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ [الأعراف: ١٥٢]. فهو جزاءُ متكرر كلما تكررت جريمة الافتراء على الله، وقد كتب الله على الذين اتخذوا العجل الغضب والذلة، وكان آخر ما كتب الله عليهم بأن يبعث عليهم، يوم القيامة من يسوموهم سوء العذاب: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ [الأعراف: ١٦٧]. فإذا بدأ في فترةٍ من الفترات أن بني إسرائيل يطغون في الأرض ويستعلون، وأنهم يملكون سلطان المال والإعلام، وأنهم يستدلون بعض عباد الله، ويطردونهم من أرضهم وديارهم في وحشية، والدول الضالة تساندهم فليس هذا بناقض لوعيد الله، ولا لما كتبه الله عليهم، فهم بظلمهم وأفعالهم وصفاتهم السيئة يختزنون النقمة في قلوب البشر، ويهيئون الرصيد الذي

стр. 7608

يستخفون به السخط والغضب، غير أن هذه الحالة لا تدوم، إنها فترة غيبوبة المسلمين عن سلاحهم الوحيد، فإذا عادوا إلى ربهم رد هؤلاء إلى الذلة التي كتبها الله عليهم، أما الذين يعملون السيئات، ثم يتوبون إلى الله، فإن الله يتوب عليهم، ويغفر لهم، وهذه سنة الله في كل زمانٍ ومكان؛ لأنه رءوف رحيم بعباده: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: ١٥٣].

стр. 7609

٥٦ - خزائن المناهي الشرعية القسم الأول ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 7610

٥٦ - خزائن المناهي الشرعية القسم الأول ١ - الخزانة الأولى • فقه الابتلاء: الله هو الحكيم العليم، وقد اقتضت حكمته البالغة أن يكون الإنسان مكلفًا مختارًا، يؤمن أو يكفر، يطيع أو يعصي كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠]. وقد ابتلى الله كل إنسان بثلاثة أمور: بالشهوات الحيوانية .. وبالأوامر الإلهية .. وبالمصائب القدرية. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. وقال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].

стр. 7611

وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] ولما كان التكليف من الله يستلزم أمرين، ليتم الاختيار، فقد أمر الله كل إنسان ونهاه، فأمره بفعل ما ينفعه ويصلحه ونهاه عما يضره ويفسده: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقد ابتلى الله آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام، حيث أمرهما بالسكنى في الجنة، وتناول ما شاءا رغدًا، ونهاهم عن الاقتراب من الشجرة التي نهاهم الله عنها: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥]. فأكلا من الشجرة، ثم تابا فتاب الله عليهما. أما إبليس فكان ذنبه العظيم ترك الأمر وذلك يدل على الكبر والعجب، وأما ذنب آدم وزوجه فهو الضعف والأكل مما نهى الله عنه كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. وكذلك كانت سنة الله في ذرية آدم ﵊، حيث ابتلاهم بالأوامر والنواهي، والطاعات والمعاصي، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ

стр. 7612

الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وكمال العبودية يحصل بثلاثة أشياء: تصديق الأخبار .. وامتثال الأوامر .. واجتناب النواهي. كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، فالله ما أمر بشيء إلا أعان عليه، ولا نهى عن شيء إلا أغنى عنه، ولا أباح شيئاً إلا سهل الوصول إليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣]. والأوامر الشرعية غذاء تتغذى به الأبدان والقلوب، والمناهي الشرعية سمومٌ مهلكة للأبدان والقلوب، والأوامر الشرعية ثقيلة على النفوس، لأن النفوس تحب الشهوات، والنواهي الشرعية خفيفة على النفوس: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. واجتناب المناهي الشرعية، أشد من فعل الأوامر الشرعية، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، لأنها ضارة، بينما الأوامر الشرعية قيدت بالاستطاعة كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 7613

وقال النبي: ﷺ «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا منه ما استطعتم». متفق عليه (١). فأعمال البر سهلة يعملها البر والفاجر، أما المعاصي فلا يتركها إلا صدّيق، وبذلك نعلم أن كمال العبودية في اجتناب المناهي الشرعية. لهذا منّ الله علينا بعونه وفضله، ببيان المناهي الشرعية، في ضوء القرآن والسنة، ليحذرها الناس، ويبتعدوا عن شرها، وضررها، وخطرها، فإن المناهي إذا استطار شرها وقع فيها العبد، وأفسدت دنياه وآخرته؛ لأنها تضر بلا شك، وضررها على القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. ليس في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي. فالذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرده، ولعنه، ومسخ ظاهره، وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنًا، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظى، وبالإيمان كفرًا، ذلك كله بسبب الذنوب والمعاصي، وذلك حين امتنع عن السجود لآدم، وعصى ربه كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].

стр. 7614

وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم، حتى علا الماء فوق رءوس الجبال في عهد نوح ﷺ ، إلا الذنوب والمعاصي؟! وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كلهم كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية، ودمرت ما مرت عليه، ديارهم و حروثهم و زروعهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة إلا الذنوب والمعاصي. وما الذي أرسل على ثمود الصيحة، حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم إلا الذنوب والمعاصي؟!. وما الذي رفع قرى اللوطية، حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، وأهلكهم جميعًا، ثم أتبعهم بحجارة من السماء أمطرها عليهم، إلا الذنوب والمعاصي. وما الذي أرسل على قوم شعيب ﷺ سحائب العذاب كالظلل إلا الذنوب والمعاصي. وما الذي ألقى فرعون وجنوده في البحر، ثم نقل أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق، إلا الذنوب والمعاصي. وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله إلا الذنوب والمعاصي؟!. وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأسٍ شديد، فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال، إلا الذنوب والمعاصي. وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرةً بالقتل والسبي، وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، إلا الذنوب والمعاصي: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].

стр. 7615

وقال الله تعالى عن الأمم المكذبة للرسل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. فما أعظم عقوبة الله لمن أصر على كفره، وكذب رسله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. فنعوذ بالله من معصية الله، ومن مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، و الجرأة على معصيته: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].

стр. 7616

فقه المناهي الشرعية كمال العبودية لله يحصل للعبد بثلاثة أمور: تصديق الأخبار الواردة في القرآن والسنة. وامتثال الأوامر الواردة في القرآن والسنة. واجتناب المناهي الواردة في القرآن والسنة. فيجب على كل مسلم ومسلمة امتثال الأوامر الشرعية، حسب الاستطاعة، واجتناب المناهي الشرعية مطلقًا. والأمور المنهي عنها هي الأحوال التي ورد النهي عنها، والنهي مقابل الأمر، فالأمر طلب فعل، والنهي طلب الكف عن الفعل، ويكون التعبير عنه بلا الناهية كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. أو التحذير منه بإياك، أو إياكم، أو الحذر، أو الوعيد على الفعل، أو ذم الفاعل، وإيجاب الكفارة في الفعل، ونحو ذلك مما جاء في القرآن، والسنة النهي عنه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. والمناهي الشرعية هي كل فعل طلب الله ورسوله تركه، أو ذم فاعله، أو عتب عليه، أو لعنه، أو مقته، أو مقت فاعله، أو نفى محبته إياه أو محبة فاعله، أو نفى الرضا به، أو الرضا عن فاعله، أو شبّه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعًا من الهدى، أو من القبول، أو وصفه بسوء، أو كراهة.

стр. 7617

ومن المناهي الشرعية، كل ما استعاذ الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو حذروا منه، أو كان سببًا لنفي الصلاح، أو كان سببًا لعذابِ عاجل أو آجل، أو كان سببًا للذم، أو للضلالة، أو للمعصية، أو وصف بخبثٍ، أو رجسٍ، أو نجس، أو بكونه فسقًا، أو إثمًا، أو سببًا لإثم، أو رجسٍ، أو لعنٍ، أو غضبٍ، أو زوال نعمة، أو حلول نقمة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. ومن المناهي الشرعية ما كان موجبًا لحدٍ من الحدود الشرعية، أو كان سببًا لقسوةٍ أو خزي، أو ارتهان نفسٍ، أو لعداوةٍ الله، أو لمحاربته أو الاستهزاء به، وسخريته. أو جعله الرب سببًا لنسيانه لفاعله، أو وصف نفسه بالصبر عليه، أو بالحلم، والصفح عنه، أو دعاه إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبثٍ، أو احتقارٍ أو نسبة إلى عمل الشيطان وتزيينه، أو لولي الشيطان، أو تولي الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم مثل كونه ظلمًا، أو بغيًا، أو عدوانًا، أو إثمًا، أو تبرأ الأنبياء منه، أو من فاعله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. ومن المناهي الشرعية ما ترتب عليه حرمان من الجنة، أو وصف فاعله بأنه عدو لله، ورسوله، وأن الله عدوه، أو أعلم فاعله بحرب من الله ورسوله، أو قيل فيه لا ينبغي هذا، ولا يصلح، أو أُمر بالتقوى عند السؤال عنه، أو وصف فاعله بالضلالة، أو أنه ليس من الله في شيء، أو أنه ليس من

стр. 7618

الرسول وأصحابه، أو قُرن بمحرم ظاهر التحريم في الحكم، والخبر عنهما في خبر الواحد، أو جُعل اجتنابه سببًا للفلاح، أو فعله سببًا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل لفاعله: هل أنت منته؟، أو نُهى الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رُتب عليه إبعاد وطرد من رحمة الله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. ومن المناهي الشرعية من أخبر الله أن فاعله لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وأن الله لا يصلح عمله، ولا يهديه، وأن فاعله لا يفلح، ولا يكون يوم القيامة من الشهداء، ولا من الشفعاء، أو أن الله يغار من فعله، أو منه على وجه المفسدة فيه، أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفًا، ولا عدلًا، أو أخبر أن من فعله قيض له شيطانًا فهو له قرين، أو جعل الفعل سببًا لإزاغة الله قلب فاعله، أو صرفه عن آياته، وفهم كلامه، أو سؤال الله تعالى عن علة الفاعل لم فعل، نحو لم تصدون عن سبيل الله، ولم تلبسون الحق بالباطل، ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، ونحو ذلك، وكذا لفظة ما يكون لك، وما يكون لنا كما قال سبحانه عن إبليس: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣]. وقال : ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقال : ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. ونحو ذلك من الألفاظ الشرعية الواردة في القرآن والسنة.

стр. 7619

فكل ذلك يدل على النهي عن الفعل، والمنع منه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. والأصل في خطاب الشرع، أن الأوامر نفعل منها ما نستطيع، والمناهي الشرعية، نجتنبها بالكلية. قال النبي ﷺ : «ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». متفق عليه (١). ومن لوازم النهي عن الشيء، النهي عن الوسائل المفضية إليه، والذرائع الموقعة فيه، ويدخل في ذلك تحريم الحِيل، التي يتوصل بها الناس إلى تحليل ما حرم الله، والنظر المحرم إلى الأجنبيات، والنهي عن الشيء نهيٌ عما لا يتم اجتنابه إلا به، كما إذا اختلط ميتة بالمذكاة، فإن كل ذلك يحرم، تناول الميتة بعلة الموت، والمذكاة بعلة الاشتباه. وتحريم الشيء مطلقًا يقتضي تحريم كل جزء منه. فتحريم الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، فإن النهي عن الشيء، نهي عن بعضه، ما لم يرد استثناء صحيح، صريح، والنهي يدل على أن فساد المنهي عنه راجح على صلاحه، وأصل ذلك أن يعلم العبد أن الله لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا، ونفعنا، ولم ينهانا إلا عما فيه فسادنا، وهلاكنا. ولهذا يثني الله على العمل الصالح، ويأمر بالصلاح، والإصلاح، وينهى عن الفساد، ولا يحبه، ولا يرضاه، ولا يأمر به: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً

стр. 7620

قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨]. والأمور التي نهى الله ورسوله عنها على مراتب: ففيها الحرام الصراح كالنهي عن الشرك والظلم، والربا والزنا ونحو ذلك. وفيها المكروه كراهة تحريمية. وفيها المكروه كراهة تنزيهية. وألفاظ التحريم على مراتب: فأعلاها الأمر بالاجتناب، ثم الزجر، ثم حرّم، ثم كره. والأصل في خطاب الشرع أن النهي الصريح يقتضي التحريم، ولا يصرف عن معناه إلا باستثناء، أو قرينة. والكراهة في كلام الله ورسوله، غالبًا يراد بها التحريم كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨]. اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ياذا الجلال والإكرام: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].

стр. 7621

٢ - الخزانة الثانية أنواع المناهي الشرعية المناهي الشرعية تكون بالقلب، واللسان، والجوارح. فتكون بالقلب؛ كالنهي عن الكفر، والشرك، والنفاق، والرياء. وتكون باللسان؛ كالنهي عن الغيبة، والنميمة، والسب والشتم ونحو ذلك. وتكون بالجوارح؛ كالنهي عن الزنا، والفواحش ما ظهر منها وما بطن. وسنورد بعون الله هذه المناهي الشرعية في ضوء القرآن والسنة؛ ليتم الحذر منها واجتنابها، وتحذير الناس منها. أولًا: عقوبة الكفر والشرك: الكفر والشرك بالله، من أكبر الكبائر، بل هو أكبر الكبائر، والكفر أغلظ من الشرك، لانه جحد للرب بالكلية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. وقال : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١].

стр. 7622

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ». متفق عليه (١). وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الإِشْراكُ بِاللهِ وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ وَجَلَسَ، وَكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ: أَلا وَقَوْلُ الزّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَت». متفق عليه (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ ، أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلَقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدَك خشية أن يطعَمَ معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزانيَ حليلة جارك». متفق عليه (٣).

стр. 7623

ثانياً: النفاق، وبيان علاماته وعقوبته: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣]. وقال سبحانه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ [النساء: ١٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٨]. وقال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ [المنافقون: ٤].

стр. 7624

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ». متفق عليه (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه (٢). وعن حذيفة ﵁ قال: إنما كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ النبي ﷺ ، أَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَان. أخرجه البخاري (٣). ثالثاً: تحريم الرياء، وبيان أنواعه، وشدة عقوبته: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤].

стр. 7625

وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٧]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ». أخرجه مسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَ-سُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّار». أخرجه مسلم (٢).

стр. 7626

وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ سَمّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ». متفق عليه (١). فالكفر والشرك، والنفاق والرياء، أعظم المناهي المتعلقة بالقلب. رابعاً: تحريم الحلف بغير الله : عَنِ ابِنِ عُمَر ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَك». أخرجه أبو داوود والترمذي بسند صحيح (٢). وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ عُمَرَ ﵄ أَنْ رَسُولَ الله ﷺ «أَدْرَكَ عُمَرُ بِنُ الخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيِرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمُ أَنْ تَحْلِفُوُا بِآَبَائِكُمُ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفَ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتَ، قَالَ عُمَرَ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَاَ مُنذُ سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ ذَاكِرًا أّوْ آَثِرًا». متفق عليه (٣). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونْ». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (٤). وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٥).

стр. 7627

وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١). • ما جاء في النهي أن يقول الإنسان: ما شاء الله وشئت: عَنْ حُذَيْفَةَ بِنِ اليَمَانِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تَقُولُوُا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلانٌ» أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٢). • ما جاء في النهي عن سَبِّ الدهر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: يَاَ خَيِبَةِ الدَّهْرِ، فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ يَاَ خَيْبَةِ الدَّهْرِ، فَإِنِّيِ أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ ليْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَاَ شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا». متفق عليه (٣). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الدَّهْر، فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر». أخرجه مسلم (٤). • ما جاء في النهي عن التَّفَكُّر في ذات الله: أمرنا الله بالتفكر في آياته ومخلوقاته، ونهانا عن التفكر في ذاته. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].

стр. 7628

وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ». متفق عليه (١). وَعَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ الرَسُولَ ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقْرَأْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَذْهِبُ عَنْهُ». أخرجه أحمد بسند صحيح (٢). وَعَنْ أنَسِ بِنْ مَالِكِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قال اللهُ : «إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ مَا كَذَا، مَا كَذَا، حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ، خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟». أخرجه مسلم (٣). فعلى الإنسان أن يَتَفَكَّر فيما أُمر به، يتفكر في الآيات الكونية، ويتدبر الآيات القرآنية، ولا يتفكر في ذات الله، لأن الحكم على الشيء وبيانه فرعٌ عن تصوره، والله سبحانه هو العلي العظيم، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، لا نعلم كيفية ذاته، ولا كيفية صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].

стр. 7629

• تحريم الكِهانة وإتيان الكُهَّان وتصديقهم: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١]. وَعَنْ صَفِيَّة بِنْتِ أَبِي عُبَيِدَة عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنهن، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَىَ عَرَّافًا فَسَأَلهُ عَنْ شَيء فَصَدَّقَهُ، لم تقْبَل لَهُ صَلاةٌ أربعينَ لَيلَةً». أخرجه مسلم (١). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، أَوْ أَتَى امْرَأَةً حَائِضًا، أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٢). وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: فَلَا تَأْتِهِمْ، قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ». أخرجه مسلم (٣). • ما جاء في النهي عن الطِّيَرَة: التطير هو التشاؤم بزمان، أو مكان، أو إنسان، أو حيوان، أو طير ونحو ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا

стр. 7630

تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ [النمل: ٤٥ - ٤٧]. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: «لَا عَدْوَىَ وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ، وَالكَلِمَةُ الحَسَنَة». متفق عليه (١). وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله، يَقُولُ: «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفأْلُ؟، قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةِ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ». متفق عليه (٢). وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَىَ وَلَا طِيَرَةَ، والشؤمُ في ثلاثٍ: فِيِ المَرأةِ، وَالدَّارِ، وَالدَّابَّةِ». متفق عليه (٣). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّه ﷺ : «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ يُذْهِبُهُ اللهُ بِالتَّوَكُّلِ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٤). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ». أخرجه أحمد بسند صحيح (٥). • ما جاء في النهي عن الرُّقَىَ، والتَّمائِم: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].

стр. 7631

وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ بَايَعْتَ تِسْعَةً، وَتَرَكْتَ هَذَاَ؟ قَالَ: «إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ وَقَالَ: مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ». أخرجه أحمد والحاكم بسند صحيح (١). وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا، وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ». متفق عليه. (٢) وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟، أُمَّتِي هَذِهِ!، قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ مَاَ هَاَ هُنَا وَهَاَ هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ، فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى

стр. 7632

رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ». متفق عليه (١). فالتمائم وتعليقها من شعائر الجاهلية، وهي لا تجلب نفعًا، ولا تدفع ضرًا، بل هي من أوهام الإنسان، وسوسة الشيطان، ولذا كَثُرَت عندهم بشكل ملحوظ. • ما جاء في النهي عن الاستسقاء بالأنواء: قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَىَ، وَلا هَامَةَ، وَلا نَوْءةَ، وَلا صَفَرَ». أخرجه مسلم (٢). وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُوهُنَّ: الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنَّيِاحَةُ عَلَىَ المَيِّتِ». أخرجه مسلم (٣). وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَىَ أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ فِي اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ

стр. 7633

مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ». متفق عليه (١). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: الكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا». أخرجه مسلم (٢). وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥]. حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]». أخرجه مسلم (٣).

стр. 7634

٣ - الخزانة الثالثة فقه المناهي الشرعية • ما جاء في النهي عن الذبح لغير الله، ولعن فاعله: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام/ ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ١ - ٣]. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّه آَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَاَ كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيْكَ، قَالَ فَغَضِبَ وَقَالَ: مَاَ كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيِئًا يَكْتُمُهُ عَنِ النَّاسِ، غَيْرُ أَنَّهُ حَدَّثَنِيِ بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ، قَالَ: فَقَالَ: مَاَ هُنَّ يَاَ أَمِيِرَ المُؤْمِنِينَ؟، قَالَ: قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ». أخرجه مسلم (١). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَجُلٌ أَخَذَ فَرَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ، وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ؟، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ،

стр. 7635

قَالَ: رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ، وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً؟، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يُعْطِي بِهِ». أخرجه الترمذي والنسائي بسند صحيح (١). وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تُرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود بسند صحيح (٢). • ما جاء في النهي عن محبة أهل الأهواء ومخالطتهم: قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. وَعَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: تَلَاَ رَسُوُلَ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾
следующие страницы →