← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

وكلما تشبه الإنسان بالحيوانات والشياطين، ظلم نفسه، وأذى غيره، ونزلت قيمته، وهبطت درجته، وشقي في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. اللهم إهدنا، وأهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.

стр. 7562

٥ - الخزانة الخامسة • فقه العقوبات الشريعة: العقوبات الشرعية نوعان: أحدهما: عقوبة على ذنب ماض، كجلد الشارب للخمر، والقاذف، وقطع يد السارق والمحارب ونحو ذلك. الثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم، وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة، وآكل حقوق الناس حتى يؤديها. وقد شرع الله العقوبات الشرعية على قدر مفسدة الذنب، وقبول الطبع له، فإن كان الوازع عنه طبيعيا، وليس في الطباع داع إليه، اكتفى الشرع فيه بالتحريم مع التعزيز، ولم يرتب عليه حدا كأكل النجاسات، واكل الميتة، وشرب الدم، ونحو ذلك. وما كان بالطباع داع إليه، رتب عليه من العقوبة بقدر مفسدتة، وبقدر داعي الطبع إليه كالقتل والزنا والسرقة، وجعل عقوبتها القصاص أو الرجم أو الجلد، ولما كان داعي الطبع للزنا من أقوى الدواعي، كانت عقوبته العظمى من أشنع القتلات وأعظمها، وهي الرجم للثيب، وعقوبته الدنيا أعلى أنواع الجلد مع التغريب، فالجلد للبكر، والرجم للثيب. ولما كانت جريمة اللواط في الدبر، كان حده القتل في كل حال، وجعل سبحانه القتل عقوبة الكفر، وما يليه وما يقرب منه، وهو الزنا، وعمل قوم لوط، فإن هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الأنساب: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا

стр. 7563

مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وجعل سبحانه القطع عقوبة إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، وجعل الجلد عقوبة إفساد العقول، وإفساد العرض بالقذف، وكما جعل الله للطاعات ثوابا، جعل سبحانه للمعاصي عقاباً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. • والذنوب ثلاثة أقسام: فالأول: ذنب عقوبته الحد الشرعي فقط، فهذا لم يشرع فيه كفارة، اكتفاءً بالحد الشرعي كالقتل قصاصا، وقطع اليد في السرقة، ونحو ذلك. الثاني: ذنب ليس فيه حد، لكن شرعت فيه الكفارة، كالوطء في نهار رمضان، وكفارة الظهار، وقتل الخطأ، وكفارة اليمن ونحو ذلك. الثالث: ذنب لم يرتب عليه حد ولا كفارة، وهو نوعان: أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعا كأكل العذرة والنجاسات، وشرب البول، وشرب الدم ونحو ذلك. الثاني: ما كانت مفسدتة أقل مما رتب عليه الحد كالنظرة والقبلة ونحوهما. • وشرع الإسلام الكفارات ثلاثة أنواع: أحدها: ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه، فباشره الإنسان في الحالة التي عرض فيها التحريم، كالوطء في حالة الإحرام والصيام، والوطء حال الحيض والنفاس ونحوهما.

стр. 7564

الثاني: ما عقده الإنسان لله من ندر، أو بالله من يمين، أو حرمه على نفسه، ثم أراد حله، فشرع الله حله بالكفارة، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ٢]. والثالث: أن تكون فيه الكفارة جابرة لما فات، مثل كفارة قتل الخطأ، وكفارة قتل الصيد خطأ، فإن هذا من باب الجوابر والأول من باب الزواجر، والأوسط من باب التحلة لما منعه، ولو اجتمع الحد والتعزير في المعصية، فإن كان فيه حد أكتفي به، وإلا أكتفي بالتعزير، ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد، فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. • وعقوبات الذنوب والمعاصي نوعان: عقوبات قدرية .. وعقوبات شرعية. وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما معًا، عقوبات في الدنيا، وعقوبات بعد الموت في القبر، وعقوبات يوم البعث وحشر الإنسان، وعقوبات في مستقر الكفار والعصاة في النار، كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. وترتب العقوبات على الذنوب، كترتب الإحراق على النار، والغرق على الماء، وفساد البدن على السموم. والعقوبة قد تقارن الذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرا وأما مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه.

стр. 7565

أما أصل العقوبة فهو واقع على كل ذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. • أعظم الذنوب: أعظم الذنوب ثلاثة: الشركُ، والقتلُ، والزنا، وعقوبتها أعظم العقوبات، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وعن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» .. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» .. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». متفق عليه (١). فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].

стр. 7566

وأعظم أنواع القتل أن يقتل الإنسان ولده، خشية أن يطعم معه. وأعظم أنواع الزنا أن يزني الإنسان بحليلة جاره، فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهكهُ من الحق. فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثمًا، وأشد عقوبة، من المرأة التي لا زوج لها كالبكر، لما فيه من انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وإلحاق نسب به لم يكن منه، فإن كان زوجها جارًا له فذلك أشد، وأعظم البوائق. فإن كان الجار أخًا أو قريبًا من أقاربهِ أنضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف الإثم عليه، فإن كان الجار غائبًا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف عليه الإثم، حتى إن الغازي في سبيل الله يقف له يوم القيامة، ويقال له خذ من حسناته ما شئت، فإن اتفق أن كانت المرأة رحمًا منه أنضاف إلى ذلك قطيعة رحمها، وقطيعة رحمه، فإن كانت خالته أو عمته أو أخته أو ابنته، فذلك أشد وأعظم، وأقبح وأشنع، نسأل الله السلامة والعافية من الآثام والذنوب ما ظهر منها وما بطن: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. فإن اتفق أن كان الزاني مُحصنًا كان الإثم أعظم وأشد، فإن كان شيخًا كبيرًا كان أعظم إثمًا، فإن اقترن بذلك أن كان الزنا في شهرٍ حرام، أو بلدٍ حرام، أو وقتٍ حرام كالصيام، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة، تضاعف الإثم، وتضاعفت العقوبة. وقد حرم الله على اليهود بعض الطيبات، عقوبة لهم على ظلمهم وبغيهم، وانتهاكهم حرمات الله، كما قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا

стр. 7567

وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]. أما الإسلام فقد شرع الله فيه للمسلمين لتكفير خطاياهم أمورًا أخرى غير تحريم الطيبات. أحدها التوبة النصوحة التي تمحو الذنوب كما يمحو الماء الوسخ كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. الثاني: الحسنات اللاتي يذهبن السيئات، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]. الثالث: الصدقات التي تطفي الخطيئة كما يطفئ الماء النار، كما قال النبي ﷺ : «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ». أخرجه الترمذي، وأحمد بسندٍ صحيح (١). الرابع: المحن والمصائب التي تتناثر بها الخطايا كما يتناثر ورق الشجر عندما ييبس كما قال النبي ﷺ : «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». متفق عليه (٢).

стр. 7568

وصار التحريم كله في الإسلام يتبع الضرر، والخبثَ، والفساد: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. الناس قسمان: الأول: حيٌ قابل للانتفاع، يقبل الإنذار، وينتفع به. الثاني: ميت القلب، لا يقبل الإنذار، ولا ينتفع به؛ لأن نفسه غير زاكية ولا قابلةٍ للخير البتة، فيحق عليه القول بالعذاب، وتكون عقوبته بعد قيام الحُجة عليه، لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان بل؛ لأنه غير قابلٍ ولا فاعل. وإنما يتبين كون الإنسان غير قابل بعد قيام الحجة عليه بالوحي والرسول، فإذا رد ما جاء به الرسول تبين أنه غير قابل للهدى، فعوقب لكونه غير فاعل، فحق عليه القول أنه لا يؤمن، ولو جاءه الرسول، كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ [يونس: ٣٣]. وإنما يؤمن هؤلاء إذا رأوا العذاب يوم القيامة، وذلك لا ينفعهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].

стр. 7569

٦ - الخزانة السادسة فقهُ العقوبات: كان النبي ﷺ يجتهد كل أوقاته لدعوة الكفار إلى الإسلام، ويدعو ربهُ ويبكي لأمتهِ، لعل الله أن يهديهم، والكفار كانوا يسبونهُ ويؤذونهُ، ويشتمونهُ ويقاتلونه فتحمل ذلك وصبر حتى أظهر الله دينه، والله يأمرهُ بالصبر بقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠] وقال الله : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨]. وفي أيامنا هذه طرد كثيرٌ من المسلمين الدين من حياتهم، من بيوتهم، ومن أسواقهم، ومن معاملاتهم، ومن معاشراتهم، ومن أخلاقهم. وفي هذه المرحلة: يجب أن نكون أشد جهدًا، واشد بكاءً، وأشد دعاءًا. فالكفار زمن النبي ﷺ هم الذين يطردون الرسول ﷺ ، والدين، ويحاربونه، أما اليوم فإن كثيرًا من المسلمين هم الذين يطردون الدين، وأعمال الرسول ﷺ ، ويعملون بسُنن اليهود والنصارى، ويرضون بالخبائث عن الطيبات، وبالباطل عن الحق، وبالمحرمات عما أحل الله، وبالدنيا عن الآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]. وأصبح المسلمون اليوم بسبب ضعف الإيمان، وترك العمل بأوامر الله كحفرةٍ صغيرة انفصلت من البحر الأعظم، فصار الناسُ والبهائمُ والسباعُ يلعبون بها لصغرها، وقلة مائها، وانفصالها من البحر الأعظم.

стр. 7570

فبدأ الأعداء يلعبون بهذه الأمة التي صارت صغيرة بسبب تركها للدين، وجهد الدين، يلعبون بها، ولا يخافون منها، ولا يبالون بها، يلعبون بشبابها ورجالها، ويلعبون ببناتها وأولادها، ويلعبون برجالها ونسائها، ويسخرون بدينها وأخلاقها، ويلعبون بأموالها وأعراضها، وعقولها وأفكارها، وأوقاتها، وحُكامها وشعوبها وتُجارها. يلعبون بالمسلمين هكذا، وهم آمنون مطمئنون، أليس لهذه الأمة صلةٌ متينة بمصدر عزها ومجدها، وهو القرآن الكريم، وصدق الله العظيم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. وأوامر القرآن الكريم لها قوةُ لا تقف أمامها أي قوةٍ في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. فشقي بهذه الأحوال المسلمون والكفار معًا، والجهادُ موجود في العالم الإسلامي ولكنه جهاد من أجل الدنيا وتكميل الشهوات، جهادٌ لرفاهية البدن، جهادُ لجمع الحطام، جهادٌ لتكميل شهوات النفس من المطعم والمشربِ، والمركبِ والمسكنِ، والملبسِ والمنكح، عبثُ في الأوقات، وإضاعة للطاقات، واقتراف للمحرمات، فلله ما أعظم هذه الجناية، وما أخطرها على أهلها، وما أشد عقوبتها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا

стр. 7571

الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. فسبحان الله كم حل بالمسلمين من العقوبات بسبب هذه الجنايات، والإقبال على الدنيا، والإعراض عن الآخرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. ولا تزال هذه العقوبات من إغراق وإحراقِ، وإهلاكِ وتدمير، تحل بالأمم كلما أعرضت عن دين الله، ومخالفة رسله، وذلك رحمةً من الله حتى لا يزيد الشر، ولا يزول الخير من العالم، وحتى يرجع الناس إلى ربهم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. وأما الجهاد لإعلاء كلمة الله، وإصلاح النفس، فهو موجود، ولكن القائمون به قليل، ومن رحمة الله بعباده أن أرسل، إليهم الرسل يدعونهم إلى التوحيد والإيمان بالله، فإذا ظهر الشرك والكفر بعد ذلك بعث الله نبيًا آخر يردهم إلى التوحيد والإيمان: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 7572

وقد عاش بنو إسرائيل حياةً شديدةً مؤلمة في ظل حكم فرعون الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل، وملأها بالانطواء من ناحية، وبالقسوة من ناحية، وبالجبن من ناحية، وبالضعف عن تحمل التبعات من ناحيةٍ رابعة، وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعًا، فليس أفسد للنفس البشرية من الذلِ والخضوع للطغيان طويلًا، ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي، والالتواء والحركة في الظلام، مع الذعرِ الدائم، والتوقع الدائم للبلاء. وقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلًا، وفرعون يقتل أبناءهم، ويستحي نساءهم، فإذا فتر هذا النوع من العذاب، عاشوا حياة الذلْ والكدَّ والمطاردة على كل حال، حتى جاء موسى ﷺ ، ورفع الله بسببهِ هذا البلاء عنهم. فدين الله يجعل الناس بأمر الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء؛ لأنهم عبيد الله العزيز، ملك الملوك، ويجب ألا يضربهم الحُكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيدًا للحكام، بل عبيد لله وحده: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩]. وقد حقق الله وعده لبني إسرائيل، فأنجاهم من عذاب فرعون، وأهلك أعداءهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٤ - ٦].

стр. 7573

وعقوبة الله واقعةُ بكل من كفر بالله وعصاه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١]. إن الأمة الإسلامية إذا تركت الدعوة إلى الله، عوقبت بالدعوةٍ إلى الأموال والأشياء، ثم بالدعوة إلى الشهواتِ والمحرماتِ، فجاء في قلوبهم تعظيم المخلوق، والخوف من المخلوق، والتأثر منه، فيسلطه الله علينا فنطيع أمره، وإن خالف أمر خالقه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. وقال الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. والصحابة ﵃ لما قاموا بالدعوة إلى الله جاء في قلوبهم عظمة الخالق ، فزاد إيمانهم، حسنت أعمالهم، وتنوعت، وأطاعوا الله ورسوله، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. والناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب، وفي هذا تخويفٌ وتحذير لمن سكت عن النهى عن المنكر، فيكف بمن داهن؟ فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ فكيف بمن فعل؟. والعقوبة معناها مؤاخذة المجرم بذنبهِ، وسميت بذلك؛ لأنها تعقب الذنب: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ

стр. 7574

لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠]. • انواع العقوبات: العقوبات أنواع: منها ما يتعلق بالدين، وهي أشدها، كأن تخف المعصية في نظر الناس، أو يتهاونون بترك الواجب، أو فعل المحرم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. ومنها العقوبة في النفس كالمرض والخوف، والإضطراب. والعقوبة بفقد ألأهل والأولاد. والعقوبة بفقد المال ونحو ذلك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وإذا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسُنة، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى خلاف منهج الله، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمةٍ في قلوبهم، وكدرٍ في أفهامهم، وأعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، فلم يروها منكرًا، وجاءتهم دولة أخرى تقوم بها البدع مقام السُنن، والنفس مقام العقل، والهوى مكان الهدى، والضلال مقام الرشد، والمنكر مقام المعروف، والجهل مكان العلم والباطل مقام الحق، والرياء

стр. 7575

مقام الإخلاص، والظلم مقام العدل، والظلام مقام النور، والنفاق مكان الإيمان: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وإذا حصل ذلك فحينذاك باطن الأرض خيرٌ من ظهرها، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. وما ضيع أحد فريضةُ من الفرائض إلا ابتلي بتضييع السُنن، وما ضيع أحد سُنة من السُنن إلا يوشك أن يبتلى بالبدع، والله عزيز حكيم، إذا منع الناس الزكاة، وحرموا المساكين، حبس الله عنهم الغيث، وابتلاهم بالقحط، لعلهم يتوبون إلى ربهم، فلما منعوا الحق، عاقبهم الله بمنع نزول الغيث. ومن صرف الناس عن الهدى والإيمان، صرف الله قلبهُ عن الهدى والإيمان، وصدهم الله عنه كما صدوا عباده عنه، صدًا بصد، ومنعًا بمنع: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].

стр. 7576

٧ - الخزانة السابعة إذا جار القوي على الضعيف، ولم يؤخذ للمظلوم حقهُ من ظالمهِ، سلط الله العدو عليهم، ففعل بهم كفعلهم بضعفائهم. فسبحان من بهرت حكمته العقول، وملكت القلوب. وكفرٌ ساعة يوجب العقاب الأبدي في النار؛ لأن الكافر كان على عزمٍ أنه لو عاش أبدا لبقي على ذلك الاعتقاد أبدًا، فلما كان ذلك العزم مؤبدًا، عوقب بعقاب الأبد: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. وكذا نعم الله على العباد غير متناهية، فوجب أن تكون العقوبة عليها غير متناهية، أما المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب، فلا جرم كانت عقوبته منقطعة. والعبد إذا قصر في طاعة الله، سلبهً الله ما يؤنسه، وكلما زاد الإيمان، زادت الطاعات، فاستأنس العبد بربه، واستوحش من غيره، وكلما نقص الإيمان، قلت الطاعات، وزادت المعاصي وانشغل الإنسان بالشهوات عن أوامر الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 7577

وإذا قامت الحياة على أساس الأموال والأشياء، لا على أساس الإيمان والتقوى، سلط الله على الأمة أربعة أشياء: قحط الدهر. وخيانة الحُكام. وظلم الملوك. وخوف الأعداء. فالأشياء موجودة لكن النفس لا تشبع، والأموال موجودة لكن القلوب غير مطمئنة: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ [النحل: ٣٣]. ومن سُنة الله أن كل من أعرض عن شيءٍ من الحق، وقع في باطل مقابل ما أعرض عنه من الحق، ومن رغب عن العمل لله وحده، ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فما أخسره حين رغب عن العمل لمن ضره ونفعه، وحياته وموته، وسعادته وشقاوته، بيده، إلى العمل لمن لا يملك من ذلك شيئًا: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ومن رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله، ابتلي بإنفاقه في معصية الله، وهو راغب، ومن رغب عن التعب لله، ابتلي بالتعب لخدمته أدنى الخلق، ومن رغب عن الهدى بالوحي ابتلي بكناسة الأراء، وزبالة الأذهان، سُنة الله ولن تجد لسُنة الله تبديلًا: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٢].

стр. 7578

• أقسام العقوبات: العقوبات تنقسمُ إلى قسمين: الأول: عقوباتُ خاصة. كما عاقب الله قارون وحده، فخسف به وبداره الأرض، وكما يعاقب كل عاصٍ بمعصية من المعاصي: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. الثاني: عقوباتٌ عامة. كما دمر الله فرعون وقومه؛ لأن فرعون ادعى أنه رب، وأنه إله، واستخف قومه فأطاعوه واتبعوه، فدمر الله الجميع، وأغرقهم في البحر، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. وكذا كل من عاند الرسل وكذبهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وقريش، عاقبهم الله بذنوبهم: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١].

стр. 7579

والجرائم في الشريعة الإسلامية لها عقوباتٌ تسمى الحدودُ كالقصاص، والقطع في السرقة، والرجم أو الجلد في الزنا، والجلد في القذف، ونحو ذلك من الحدود: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. أما عقوبة ترك الدعوة إلى الله، فهي الاستبدال كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨]. وكما أن الله لم يستثني أحدًا من الخيرية، كذلك لم يستثني أحدًا من المسئولية والدعوة ليست عملًا اكتسابيًا، بل هي عمل اجتبائي من الخالق، وبعد الاجتباء تأتي المسئولية كما قال سبحانه لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣]. وقد اجتبى الله هذه الأمة كما اجتبى الأنبياء كما قال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. والملوك إذا تعرضوا للدين سلبوا ملكهم، وذلوا بعد عزهم، كما حصل لفرعون حين استكبر وعارض موسى أهلكه الله، وكما حصل لكسرى حين مزق كتاب النبي ﷺ فمزق الله مُلكه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الفتح: ٢٣].

стр. 7580

وقد أرسل الله الأنبياء والرسل السابقين إلى أممهم، وعاقب من خالفهم بعذاب الاستئصال كقوم نوحٍ وهودٍ وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم كما قال سبحانه: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠]. والسبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة، أن ذلك العذاب مشروط بشرطين: الأول: أن عند الله حدًا من الكفر من بلغه عذبه، ومن لم يبلغه لم يعذبه. الثاني: أن الله لا يعذب قومًا، حتى يعلم أن أحدًا منهم لا يؤمن. فإذا حصل الشرطان أمر الله الأنبياء أن يدعو على أممهم، فإذا دعوا وشكوا إليه سوء أعمال أقوامهم، استجاب الله دعاءهم، وعذب أممهم بعذاب الاستئصال إلا من آمن منهم فينجيه الله وإياهم. وأكثر المسلمين اليوم، وإن آمنوا بالله ربا وإلهاً، إلا أنهم لم يعظموه، ولم يطيعوه كما يجب أن يعظم وأن يطاع، ولم يسلموا وجوههم إلى الله، ولم يتوكلوا عليه ولم يتيقنوا على ذاتهِ وأوامره، فكانت النتيجة الكبرى أن عوقبت هذه الأمة بعقوبات عظمى، فارتابت الأمة، وشكت في أخبار الله، وشكت في عدالته، فلم تحكم شرعه، ولم تذعن لأمرهِ ولا لنهيهِ، فتركت

стр. 7581

كثيرًا من الفرائض والواجبات، وارتكبت كثيرًا من الكبائر والمحرمات، فأصابها الخزي والذل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. فقست القلوب، وضعف الإيمان، وقلت الطاعات، وكثرة المعاصي، وأصبحت الأمة إلا من رحم الله تكره لقاء ربها، وتخاف من فراق الحياة، وصارت لا هم لها إلا ما يعمر دنياها، ويحقق شهواتها، وانقطعت عن السير في طريق الكمال، وأسرعت السير في طريق الضلال، فضلت وتاهت إلا من رحم الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦]. وبسببِ ترك الدعوة إلى الله، نقصت مساحة الإسلام في كثيرٍ من بلاد المسلمين، وزادت مساحة الكفر، ومسئولية ضياع الإسلام مسئوليةٌ مشتركة بين أعدائهِ وأوليائهِ، فأعداء الإسلام كادوا له بإثارة النعرات والنزاعات، وإيجاد الطرق والمذاهب المتعددة بين أهل الإسلام وشعوبهِ، وبذروا بذور الفرقة والشقاق في صفوفهم، لئلا يجتمعوا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. وأولياء المسلمين هم الأمراء والعلماء، فالأمراء والرؤساء، فرطوا في إقامة الشرع، وحماية حدوده، بما أوتوا من قوة، وما خولوا من سلطان، وأكثر العلماء فرطوا في تعليم الدين للناس، والعمل به، والدعوة إليه، وبين كيد

стр. 7582

الأعداء، وتفريط الأولياء، ضاع المسلمون أو كاد، وصاروا أمة لا تهاب ولا تحترم، لكن الإسلام باقٍ في الأرض كأفراد وجماعات تؤمن به، وتعمل بأحكامه، وتؤدي فرائضه، وتقيم حدوده، وتدعوا إليه في ساحات الأرض كلها، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، كما قال النبي ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى ذلك». متفق عليه (١). والله حافظ دينه، ومُظهره على الدين كله، وإن أهمله أهله، وكاد له أعداؤه الذين: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩] اللهم اهدنا، وأهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، يا أرحم الراحمين.

стр. 7583

٨ - الخزانة الثامنة • فقهُ العقوبات الربانية: الله يعاقب على الأسباب المحرمة، وعلى ما تولد منها من المعاصي، كما يثيب على الأسباب المأمور بها، وعلى ما تولد منها من الطاعات، فمن دعا إلى بدعةٍ أو ضلالة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها؛ لأن فعلهم تولد من فعلهِ، ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيهِ كفلٌ من ذنب كل قاتل بغير حق إلى يوم القيامة، ولكل من دلَّ على خير، فله مثل أجر فاعله. قال الله تعالى عن الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٤ - ٢٥]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا». أخرجه مسلم (١). والله ﷻ إنما يسلط الشيطان: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ١٠٠]. فلما تولوه من دون الله، وأشركوا بالله، عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم، فهو يؤزهم إلى المعاصي أزاً كما قال سبحانه عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].

стр. 7584

ولله على أهل المعاصي عقوبتان: إحداهما: جعل الإنسان خاطئًا مذنبًا، لا يحس بألم المعصية ومضرتها، لموافقتها شهوتهُ وإرادتهُ، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧]. الثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات. فالعقوبة الأولى عقوبة موافقة لشهوته وإرادته فلا يشعر بها، والثانية مخالفة لما يحبه ويتلذذ به، فيقاسي ألمها، وقد ذكر الله العقوبتين وقارن بينهما بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وعلى المسلم أن يحذر من أمرين لهما عواقب سيئة: الأول: رد الحق لمخالفته هواه، فمن فعل ذلك عوقب بتقليب قلبهِ، ورد ما يرد عليه من الحقٍ رأسًا، فلا يقبله إلا إذا أبرز في قالب هواه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦]. الثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته، فمن تهاون بذلك ثبطه الله، وأقعده عن مراضيه وأوامره عقوبةً له كما قال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠].

стр. 7585

وكل كافر، وكل مشركٍ يستحق العقوبة لمجرد كفره وشركه، ولكن إرسال الرسل، وترك طاعاتهم، شرط في وقوع العذاب رحمةً من الله. فالمقتضي قائم، وهو عدم الإيمان، لكن وقوع العقوبة مشروط بشرط هو إرسال الرسل، هو إرسال الرسول، ومعصية الرسول كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. أسباب فساد الدين: فساد الدين يحصل بأمرين: البدع .. وإتباع الهوى. وهذان هما داء الأولين والآخرين، وأصل كل شر وفتنة وكل بلاء عقوبة، وبهما كذبت الرسل، وعصي الرب، ودخلت النار، وحلت العقوبات. فالأول من جهة الشبهات، والثاني حصل من جهة الشهوات، كما قال سبحانه: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ [التوبة: ٦٩]. فالاستمتاع بالخلاق وهو النصيب من الدنيا متضمنٌ لنيل الشهوات المانعة من إمتثال الأوامر الإلهية، والخوض في الباطل شأن النفوس الباطلة التي لم تخلق لنعيم الآخرة، فهي لا تزال ساعيةً في نيل شهواتها التي تصدها عن أوامر الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. فإذا نالت خاضت في الباطل الذي لا يجدي عليها إلا الضرر العاجل والآجل، ولكن من رحمة الله أن يبتلي هذه النفوس بالشقاء والنصب في

стр. 7586

تحصيل مرادها وشهواتها، فلا تتفرغ للخوض في الباطل إلا قليلًا، ولو تفرغت لكانت هذه النفوس أئمةً تدعوا إلى النار. وهذا حال من تفرغ منها كما هو مشاهد في كل زمان وكل مكان، فالاستمتاع بالشهوات داء العصاة، والخوض في الباطل داء المبتدعة وأهل الأهواء: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وما من قرية من القرى المكذبة للرسل إلا ولابد أن يصيبهم هلاك قبل يوم القيامة، أو عذابٌ شديد كتاب كتبه الله، وقضاء قضاه لابد من وقوعه كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقضاء الله سبحانه قضاء لا مرد له، أن من اطمأن على شيءٍ سواه أتاه القلق والانزعاج والاضطراب من جهته كائنًا من كان: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. بل لو اطمأن العبد المسلم إلى علمهِ، وعملهِ، وحاله، سلب ذلك. وقد جعل الله سبحانه نفوس المطمئنين إلى سواه أغراضًا لسهام البلاء، ليعلم عباده وأولياءه أن المتعلق بغير الله مقطوع: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 7587

وكل ما نراه في الوجود من شرٍ وألمٍ وعقوبةٍ، وجذبٍ ونقصٍ، فينا وفي غيرنا، فهو من قيام الرب تعالى بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يدٍ ظالم بسبب له عدم العدل كما قال سبحانه عمن أفسد في الأرض: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٤ - ٥]. فالطغاة عصي بيد الله ينتقم بها، ثم ينتقم منها كما انتقم الله من بني إسرائيل لما خالفوا أمر الله بفرعون، ثم انتقم الله من فرعون وجنوده بالغرق لما أصروا على الكفر: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. فقه عقوبات الكفارِ والعصاة: عاقب الله ﷻ الكفار والعصاة بعقوبات حسب جرائمهم. ١ - عقوبات الكفار في الدنيا منها: الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، والأقفال على القلوب، وجعل الأكنة عليها، والطبع على القلوب، وتقليب الأفئدة والأبصار، والحيلولة ما بين المرء وقلبهِ. وإغفال القلب عن ذكر الرب، وإنساءُ العبد نفسهِ، وترك إرادة الله في قلبهِ، وجعل الصدر ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها مرضًا على مرضها والران على القلوب بحيث تبقى منكوسة، هذه بعض عقوبات الكفار في الدنيا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٧].

стр. 7588

أما عقوبات الكفار في الآخرة فهي الخلودُ في النار، وسخط الرحمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. وقال : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. ٢ - ومن عقوبات المعاصي أنها تثبط عن الطاعات، وتبعد عنها، وتجعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يرى الحق. ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر به. وعلامة الخسف بالقلب: أنه لا يزال جوالاً حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالًا حول البر والخير، والفضائل والطيبات، والعلويات والمحاسن من الأقوال والأعمال والصفات: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٤ - ٨]. وقد أخبر الله ﵎ في القرآن بما أوقع بالمشركين من العقوبات، وذكر إنجاءه لأهل التوحيد والإيمان، فيذكر شرك هؤلاء الذين استخفوا به الهلاك، وتوحيد هؤلاء الذي استحقوا به النجاة، ثم يخبر أن في ذلك آيةً وبرهانًا للمؤمنين، ثم يذكر مصدر ذلك كله وأنه صادر عن أسمائه وصفاته سبحانه.

стр. 7589

فصدور هذا الإهلاك عن عزته، وذلك الإنجاء عن رحمته، كما قال سبحانه بعد عقوبات الأمم المكذبة كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [الشعراء: ١٠٣ - ١٠٤]. والله أحسن كل شيءٍ خلقه، وأتقن كل شيءٍ صنعه، وكل شيءٍ عند مبدأ خلقه بريءٌ من الآفات والعلل، تام المنفعة لما خُلق له، وهُيأه له: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧]. وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمورٍ آخر من مجاورةٍ، وامتزاجٍ، أو أسبابٍ آخر تقتضي فساده: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. فلو تُرك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به لم يفسد. ومن لهم معرفةٌ بأحوال العالم، يعرف أن جميع الفساد في جوه، ونباته، وحيوانه، وأحوال أهله، جاءت بعد خلقه بأسباب اقتضت فساده، ولم تزل أعمالُ بني آدم ومخالفتهم للرسل، ومن الفساد العام والخاص، ما يجلب عليه من الآلام والأسقام والأمراض، ومن القحط والجدب، والطواعين، وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسلب منافعها، ونقصِ أوزانها وأحجامها، أمورًا متتابعة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].

стр. 7590

ولا زالت تحدث الآفات والعلل كل وقتٍ في الزروع، والثمار، والأشجار، والإنسان، والحيوان، ويحدث من تلك الآفات آفات آخر متلازمة، وبعضها آخذ برقابِ بعض. وكلما أحدث الناس ظلمًا وفجورًا، أحدث لهم ربهم ﵎ من الآفات والعلل في أغذيتهم، وفواكههم، وهوائهم، ومياههم، وأبدانهم، وخلقهم، وأشكالهم، وأخلاقهم من النقص والآفات، ما هو مُوجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم، لعلهم يتوبون، ويرجعون إلى ربهم، كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. فظهر الفساد في البر والبحر، وفي أنفسهم، بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة، ليعلم العباد أن الله هو المجازي على الأعمال، فجعل لهم شيئًا يسيرًا من جزاء أعمالهم في الدنيا، لعلهم يرجعون عن أعمالهم الفاسدة، التي أثرت فيهم، والتي أثمرت لهم من الفساد ما أثمرت، وجلبت لهم من البلاء والمحن ما جلبت لتصلح أحوالهم، ويستقيم أمرهم. فسبحان الحكيم العليم الذي أنعم ببلائه، وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم عقوبة جميع ما كسبوا من السيئات في الدنيا ما ترك على ظهرها من دابة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].

стр. 7591

وأكثر هذه الآفات والأمراض بقية عذابٍ عذبت به الأمم السابقة فأبقى الله منها بقية مفسدة لمن فعل مثل أفعالهم حكمًا قسدًا وعدلًا، وقضاءً عدلًا: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. كما سلط الله الريح على قوم عاد سبع ليالٍ وثمانية أيام حسومًا، ثم أبقى في العالم منها بقية لتلك الأيام، وفي نظيرها عظةٍ وعبرة كما قال النبي ﷺ : «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ». وقَالَ أَبُو النَّضْرِ: «لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ». متفق عليه (١). والحل الذي يرفع هذه الآفات والبلاء والأمراض الإيمان بالله، والاستقامة على دينه، بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. ففي القيام بوظائف الدين الظاهرة والباطنة الأمن والسلامة والعافية في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي

стр. 7592

أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وبذلك نعلم يقينًا أن الرسل وأتباعهم خاصة على سبيل النجاة، وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البلاء صائرون، والله منفذ لأمره، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].

стр. 7593

٩ - الخزانة التاسعة • فقه الصلاح والفساد: من تدبر أحوال العالم وجدَ كل صلاحٍ في الأرض فسببه توحيدُ الله وعبادته وطاعتهُ وطاعةُ رسوله، وكل شرٍ في العالم وفتنةٌ وبلاءٍ وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه: مخالفة أمر الله ورسولهِ .. وترك الدعوة إلى الله .. والاشتغال بالدعوة إلى غيره، وبغير ما شرعه رسوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. والله أصلح الأرض برسوله، ودينه، وبالأمر بعبادته، وتوحيدهِ، ونهى عن إفسادها بالشرك به، ومخالفة أمرهِ، وأمر رسولهِ ﷺ كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].

стр. 7594

والناس قسمان: ذاكر لربهِ .. وغافلٌ عن ربه. فمن نسي ربهُ أنساه ذاتهُ ونفسهُ، وما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعادهِ، فصار معطلًا مهملًا بمنزلة الأنعام السائبة، بل هي خيرٌ منه، لبقائها على هُداها التام الذي أعطاه إياه خالقها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله من الكفار: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. فهذا الغافل عن ربهِ خرج عن فطرتهِ التي خُلق عليها، فنسي ربه فأنساه نفسه، وما تكمل به، وما تزكوا به، وما تسعد به في معاشها ومعادها، كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] فلما غفل عن ذكر ربه أنفرط عليه أمرهُ وقلبه. وأعظم العقوبات نسيان العبد نفسه، وإهماله لها، وإضاعته حظها ونصيبها من الله، ومن نسي ربه أنساه الله نفسه كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩]. فهؤلاء عاقبهم الله على نسياهم له، بأن أنساهم أنفسهم، فنسوا مصالحها أن يفعلوها، وعيوبهم أن يصلحوها، ونقائصها أن يكملوها، وحظوظها أن يتناولوها: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].

стр. 7595

وهذا من أعظم العدل، فإنه سبحانه نسيهم كما نسوه، وأنساهم حظوظ أنفسهم ونعيمها وكمالها، وأسباب سعادتها ولذتها، عقوبةٌ لهم على نسيان المحسن إليهم بصنوف النعم، المتحبب إليهم بآلائه ونعمائه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فلما قابلوا ذلك بنسيان ذكره، والإعراض عن شكره، عدل فيهم بأن أنساهم مصالح أنفسهم فعطلوها ووقعت فيما تفسد به، وتتألم بفوته: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. ومن أعظم مصالح النفس وتحصيل حظوظها، ذكرها لربها، وفاطرها، وشكرها له، وطاعتها لأمره، فلا نعيم لها ولا سرور، ولا فلاح ولا صلاح، إلا بذكر الله وحبهِ وطاعتهِ، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. فهؤلاء ذكروا الله فذكرهم، وذَّكرهم بمصالح نفوسهم ففعلوها، وأوقفهم على عيوبهم فأصلحوها، وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان، ومحبة الله، وذكره، وشكره، فلما خلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصًا، وهذا يبيَّن لنا كمال عدل الله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها، وإذا كان

стр. 7596

قضاء الله على النفس بالكفر والذنوب عدلًا منه عليها، فالقضاء عليها بالعقوبة أعدلُ وأعدل. فهو سبحانه حكم عدلٌ، لا يظلم أحداً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. فالله قضاءان: ١ - قضاء السبب. ٢ - وقضاء المسُبب. وكلاهما عدل فيه، فإن العبد لما ترك ذكر ربه، وترك فعل ما يحبه ويرضاه، عاقبهُ بنسيان نفسه، فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه الله ويسخطه بقضائهِ الذي هو عدل، فترتب لهذا العابد العاصي على هذا الفعل والشرك، عقوبات وآلام لم يكن منها بُد، بل هي مترتبةٌ عليه ترتب المسُببات على أسبابها، وهذا عادلٌ محض من الرب سبحانه، فعدل في العبد أولًا وأخرًا، فهو مُحسن في عدله، مُحبوب عليه. ودين الله تبارك وتتعالى هو الحق، وكل ما سواه باطل، وإنما يكيد المكذبون الظالمون، ويحتالون ويخادعون، من اجل ردٍ الناس عنه، والله ﷻ يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله ﷺ ، وعباده المؤمنين، عقوبة لهم على جرمهم كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧] وكيده سبحانهُ لأعدائه استدراجهم لمصارعهم من حيث لا يعلمون، والإملاء لهم حتى يأخذهم على غرة وهم على ذنوبهم، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣].

стр. 7597

وقال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨]. فالإنسان إذا أراد أن يكيد غيره، يظهر له إكرامهُ وإحسانه إليه، حتى يطمئن إليه، فيأخذه على غرة كما يفعل الله بأعداء الله ورسوله، فإذا فعل ذلك أعداءٌ الله ورسوله بأوليائهِ ودينهِ كان كيد الله لهم حسنًا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم بذلك إلى مصارعهم، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وكل من استقام على أوامر الله، أسعده الله وأكرمه في الدنيا والآخرة. وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم، واختيارهم، واستقامتهم على أوامر الله كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧]. فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا رسلهِ، وقتلوا أنبياءه، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، وأفسدوا في الأرض، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب، والذلةِ والمسكنة، وقضى عليهم بالتشريد، وحق عليهم الوعيد، كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [المائدة: ٧٨].

стр. 7598

وقال سبحانه عنهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣]. وقال سبحانه عنهم: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾: [البقرة: ٦١]. وقال سبحانه عنهم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].

стр. 7599

١٠ - الخزانة العاشرة • عقوبة استحلال المحرمات: الربا من كبائر الذنوب، يدمر الأمم، ويحطم الأخلاق، ويُوجب اللعنة والطرد من رحمة الله، وقد أعلن اللهُ الحرب على أهله من الله ورسوله، وهي حربٌ شاملةٌ داهمةٌ غامرة أعمُ من القتال. والداخل فيها من الخلق مهزوم قطعًا، فهي حرب عظيمة، حرب على الأعصابِ والقلوب، وحربٌ على البركة والرخاء، وحربٌ على السعادة والطمأنينة، وحربُ المطاردة والمشاكسة، وحرب الغبن والظلم، وحرب القلق والحزن، حرب يسلطُ اللهُ فيها بعض العصاة لدينه ومنهجه على بعض، وأخيرًا حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول. ولهذا حذر الله المؤمنين من جميع المعاملات الربوية بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].

стр. 7600

إنها حرب عظيمة تشتعل الآن في العالم كله، من جُراء النظام الربوي المقيت، وأيسرُ ما يقع إن لم يقع هذا كله، هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطيم الكيان البشري كله من أساسه، وهي حربٌ مشبوبةٌ دائما، وقد أعلنها الله على المتعاملين بالربا، وهي مُسعرةٌ الآن تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة عن هدى ربها، وهي غافلةٌ تحسبُ أنها تكسب وتتقدم، بينما هي خاسرة قطعًا، فإن المرابين يحاربون الله ورسوله، ومن يحاربه الله ورسوله ﷺ فهو هالكٌ وخاسرٌ قطعًا، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وهذا الإنتاج العظيم، والمال الوفير، لو أنه نشأ من منبتٍ زكيٍ طاهر لأسعد البشرية، ولكنه نبت من أرض الربا الملوث، فأشقى البشرية، وخنق أنفاسها، وحطم أخلاقها، وأثقل كواهلها بالديون، وأشعل الفتن والحروب، وتسبب لها بأعظم العقوبات: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. والحل واحد بالاستقامة على أوامر الله، وتجنب هذا المورد العفن النتن الآسن، وهو الربا، وإتباع وطاعة الله ورسوله فيما أنزل من أحكام عادلة، وإلا فهي العقوبة والهلاك بلا ريب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
следующие страницы →