• وجود المنافقين:
المنافقون موجودون في كل زمان ومكان، ويكثر عددهم، ويزيد ظهورهم عندما تظهر قوة الإسلام، ولا يستطيعون مقاومته في الظاهر، فيظهرون الدخول فيه لأجل مقاومته والكيد له في الباطن، وتمزيق وحدة أهله، كما حصل من المنافقين في عهد النبي ﷺ في المدينة.
وكذلك يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ليعيشوا مع المسلمين، ويستظلوا بظل الإسلام، ويأمنوا على دمائهم وأموالهم.
وهم يظهرون في كل زمان ومكان بثياب مختلفة من الرؤساء والأمراء، والعلماء والعبّاد، والتجار والأطباء، وغيرهم.
ولعظيم خطرهم وضررهم هتك الله أستارهم، وكشف أسرارهم في القرآن الكريم، وجلى لعباده صفاتهم وأعمالهم، ليحذروهم، ويكونوا على بينة من أمرهم، فهم أشد الأعداء خطرًا، وأعظمهم مكرًا وكيدًا، وأكثرهم تلبيسًا وخداعًا، يظهرون ويختفون، ويكثرون ويقلون، والله عليم بما يعملون: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾ [محمد: ٣٠].
• حكم المنافقين:
أولًا: المنافقون الَّذِين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، وهم أهل النفاق الأكبر.
في الدنيا: لهم أحكام المسلمين.
وفي الآخرة: جميع أعمالهم باطلة، وهم في الدرك الأسفل من النار.
فنأخذهم بظواهرهم، ونكل سرائرهم إلى الله ، جمعاً للكلمة، وقطعاً للفتنة والفرقة، ولعلهم يتوبون إلى الله.
стр. 8017
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
وأعمال هؤلاء المنافقين كلها حابطة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].
ثانيًا: أهل النفاق الأصغر: فمن تاب في الدنيا تاب الله عليه، ومن لم يتب فحكمه حكم أهل الكبائر، وعصاة الموحدين، يعذب بقدر ذنوبه، ثم يخرج من النار، وقد يعفو الله عنه فلا يدخله النار.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
• عقوبة المنافقين:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
٦ - الخزانة السادسة
• الرابع من نواقض الإسلام: الردة:
والردة: هي الكفر بعد الإسلام، والمرتد هو من كفر بعد إسلامه طوعا.
• أقسام الردة:
نواقض الإسلام هي الموجبة للردة، والناقض إما قول، أو فعل، أو اعتقاد، أو شك.
والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام على النحو التالي:
القسم الأول: الردة بالاعتقاد: وتكون بما يلي:
اعتقاد الشريك لله، أو يعتقد بقلبه أن الله ﷻ فقير أو ظالم، أو يعتقد أنه لا رب، ولا إله، ولا بعث، ولا حشر، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب، ولا عقاب.
أو يعتقد بقلبه تكذيب الرسل، أو جحد الكتب المنزلة، أو أن محمدًا ﷺ ليس بصادق، أو أنه ليس بخاتم النبيين، أو يبغض شيئًا من الدين ولو عمل به.
أو يعتقد أنه يجوز أن يُدعى مع الله غيره من مَلَك، أو نبي، أو شجر، أو حجر، أو جن، أو غير ذلك مما زينه الشيطان لكثير من بني آدم.
أو يعتقد أنه يجوز الحكم بغير ما أنزل الله.
أو يعتقد أن أركان الإسلام غير واجبة.
أو يعتقد أن الكفر والشرك، والنفاق والظلم، جائز لمن فعله.
أو يعتقد أن الربا والزنا والخمر والفواحش جائزة.
стр. 8020
أو يعتقد أن الماء والخبز حرام ونحو ذلك مما ثبت قطعًا وجوبه، أو حِله، أو حرمته ومثله لا يجهله.
فهذا كله كفر وردة عن الإسلام، وهو أعظم أنواع الردة.
فمن اعتقد شيئًا من ذلك فهو كافر مرتد، وأعماله كلها باطلة، ومصيره إلى النار إن مات ولم يتب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾ [محمد: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
القسم الثاني: الردة بالشك، وتكون بما يلي:
الشك فيما سبق كله أو بعضه، كمن شك في تحريم الشرك والظلم، أو شك في تحريم الربا والزنا والخمر، أو شك في وجوب الصلاة والزكاة، أو شك في إباحة الماء والخبز، أو شك في صحة كتب الله، أو شك في
стр. 8021
صدق رسله، أو شك في دين الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، والشك كأن يقول مثلًا: أنا لا أدري هل الله حق أم لا؟ ولا أعلم هل الرسول حق أم لا؟ ولا أعلم هل البعث سيقع أم لا؟ ولا أدري هل الجنة والنار حق أم لا؟ ولا أدري هل الرسول ﷺ خاتم النبيين أم لا؟.
أو يقول: أنا أشك في الصلاة هل هي واجبة أم لا؟ أو أنا أشك في الربا هل هو حرام أم لا؟ ونحو ذلك.
فهذه الشكوك كلها كفر أكبر، وردة عن الإسلام.
فمن شك في شيء من ذلك فهو كافر مرتد، وأعماله كلها باطلة، ومصيره إلى جهنم يوم القيامة إن مات ولم يتب منه، ومثله لا يعذر بجهله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
أما الوسوسة العارضة والخطرت، فإنها لا تضر إذا دفعها المسلم، ولم يسكن إليها، ولم تستقر في قلبه، وعليه أن يستعيذ بالله، وينتهي عما يدور في نفسه، ويقول آمنت بالله ورسله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: ٤٥].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ». متفق عليه (١).
стр. 8022
وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ». متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ». أخرجه مسلم (٢).
القسم الثالث: الردة بالقول: وتكون بما يلي:
سب الله، أو سب رسله، أو سب ملائكته، أو سب كتبه، أو دعاء غير الله، أو الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو ادعاء النبوة، أو تصديق من يدعيها، أو الاستهزاء بالدين أو بشيء منه، أو سب الصحابة أو أحد منهم.
أو أنكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة كالربا والزنا والخمر ونحوها.
أو أنكر وجوب شيء من الواجبات الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوها ومثله لا يجهله، ونحو ذلك.
فمن قال هذه المقالات وأمثالها، فهو كافر مرتد عن الإسلام، وقد حبط عمله، ومصيره إلى النار إذا مات ولم يتب: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
стр. 8023
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [الزمر: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» متفق عليه (١).
القسم الرابع: الردة بالفعل، وتكون بما يلي:
السجود للأصنام من الأشجار والأحجار وغيرها، والسجود على القبور، والطواف عليها، والذبح لغير الله، والاستهانة بالمصحف، والقعود عليه مستهينًا به، والحكم بغير ما أنزل الله، والسحر تعلمه وتعليمه، ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا
стр. 8024
يعمل به، واستباحة المحرمات، وترك الصلاة ونحو ذلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فمن فعل هذه الأمور وأمثالها فهو كافر مرتد عن الإسلام، وقد حبط عمله، ومصيره إلى النار إن مات ولم يتب منه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ». أخرجه مسلم (١).
• أعظم أقسام الردة:
الردة تكون بالاعتقاد، وتكون بالشك، وتكون بالقول، وتكون بالفعل، وأعظمها وأخطرها ما جمع هذه المراتب كلها، وهو أشدها جرمًا، وأعظمها عقوبة.
стр. 8025
فمن اعتقد أو زعم أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره من الأصنام ونحوها، فهو كافر، فإن نطق لسانه بذلك صار كافرًا بالقول والعقيدة جميعًا، فإن عبد غير الله صار كافرًا بالقول والعمل والعقيدة جميعًا.
ومن ذلك ما يفعله عباد القبور من دعاء الأموات، وطلب المدد منهم، وما يقوله جهلة المسلمين عند قبر الرسول ﷺ كقولهم: يا رسول الله اشف مريضي، يا رسول الله انصرنا على أعدائنا، وبعضهم ينادي من مكان بعيد في بلاده ويقول: يا رسول الله أغثني يا رسول الله مدد، مدد.
ورسول الله ﷺ بشر لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فكيف يملك لغيره.
فهذا كله من الشرك الاعتقادي، القولي، العملي نسأل الله السلامة والعافية: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
• ما يفعل بالمرتد:
من ارتد عن دين الإسلام وهو بالغ عاقل دعي إليه، ورُغِّب فيه، وعُرضت عليه التوبة لعله يتوب، فإن تاب فهو مسلم، وإن لم يتب، وأصر على كفره
стр. 8026
وردته، فإنه يقتل بالسيف كفرًا لا حدًا: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه البخاري (١).
وعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: «لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ». متفق عليه (٢).
• صفة توبة المرتد:
من كانت ردته بجحد شيء من الدين فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به، والتزامه جميع أحكام الإسلام: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
• أحكام المرتد:
للمرتد أحكام:
أولًا: المرتد أغلظ كفرًا من الكافر الأصلي؛ لأنه عرف الحق ثم تركه.
ثانيًا: الردة كفر مخرج من الملة، ومحبط للأعمال، وموجب للخلود في النار إن لم يتب قبل الموت.
стр. 8027
ثالثًا: إذا قُتل المرتد أو مات ولم يتب، فهو كافر لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يدعى له؛ لأنه كافر.
رابعًا: يفرّق بين المرتد وزوجته المسلمة؛ لأنها لا تحل لكافر، وإذا ارتدت الزوجة فارقها؛ لأن المسلم لا يمسك بِعِصَم الكوافر، وللمرتد مراجعة زوجته بعد التوبة ما دامت في العدة، فإن خرجت من العدة ولم يراجعها ملكت نفسها، فلا تحل له إلا برضاها بعقد ومهر جديدين.
خامسًا: يُمنع المرتد من التصرف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلم فهو له، وإن أصر على ردته فماله فيء يصرف في مصالح المسلمين.
سادسًا: المرتد كافر لا يرث أقاربه المسلمين، وهم لا يرثونه؛ لأن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
стр. 8028
وعن أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ». متفق عليه (١).
• حكمة مشروعية قتل المرتد:
الإسلام منهج كامل للحياة، ونظام شامل لكل ما يحتاجه البشر، موافق للفطرة والعقل، قائم على الدليل والبرهان، وهو أكبر النعم على الناس كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ومن دخل فيه ثم ارتد عنه فقد انحط إلى أسفل الدركات، ورد ما رضيه الله لخلقه من الدين، وخان الله ورسوله، وكفر بنعمة الله، فيجب قتله؛ لأنه أنكر الحق، ورد الخير، الذي لا تستقيم الدنيا والآخرة إلا به: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
• صفات المرتد:
الإنسان متى فعل ناقضًا من نواقض الإسلام، أو بدل الشرع المجمع عليه، أو حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو حكم بغير ما أنزل الله، فهو كافر مرتد، ولو كان يقر بالشهادتين، فإن المنافقين يشهدون كذبًا هذه الشهادة، ويصلون ويصومون، ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣].
حكم التكفير
التكفير: هو الحكم على الإنسان المسلم بالكفر، والتكفير حق لله، فلا يجوز أن نكفر أحدًا إلا من كفره الله ورسوله، ومن كَفَّرَنا فلا نكفره، فمن كذب على أحد، أو زنى بأهله، فليس لأحد أن يكذب عليه، أو يزني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله ، وكذلك التكفير حق لله، فلا نكفِّر إلا من كفَّر الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٦ - ٨].
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا». متفق عليه (١).
стр. 8031
• أنواع التكفير:
التكفير له ثلاث صور:
الصورة الأولى: تكفير بالعموم.
الصورة الثانية: تكفير أوصاف.
الصورة الثالثة: تكفير أشخاص.
الصورة الأولى: تكفير العموم: وهو تكفير الناس كلهم عالمهم وجاهلهم، والمتأول منهم وغير المتأول، ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم.
وهذا من أكبر الكبائر، وهو طريقة أهل البدع والجهل بأحكام الله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
ويقول النبي ﷺ : «الْمُسْلِمُ مَنْ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». متفق عليه (١).
الثانية: تكفير أوصاف:
كقول أهل العلم: من سب الله ورسوله كفر، ومن كذّب بالبعث كفر، ومن
стр. 8032
ترك الصلاة كفر، ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم كفر.
فهذا الفعل كفر مخرج من الملة، والتكفير بالوصف المخرج من الملة مشروع، أما فاعله فلا يكفر حتى تتوفر فيه الشروط، وتنتفي الموانع: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
الثالثة: تكفير الأشخاص: وهو تكفير الشخص الذي وقع في أمر مخرج من الإسلام، فهذا لا يكفّر حتى تتوفر فيه الشروط، وتنتفي الموانع.
• شروط التكفير:
يشترط للتكفير شرطان:
الأول: أن يقوم الدليل على أن هذا العمل مما يكفر به صاحبه.
الثاني: أن ينطبق الحكم على من فعل ذلك، بأن يكون عالمًا بذلك، قاصدًا له، مختارًا له، فإن قام به مانع من موانع التكفير؛ كالجهل، أو الخطأ، أو الإكراه، أو التأويل المعتبر، فلا يكفّر، ولا يجوز أن نحكم على معين بالكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وإصراره على الكفر الذي وقع منه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
стр. 8033
٦ - الخزانة السابعة
• نواقض الإسلام خمسة:
الخامس: البدعة.
والبدعة: هي كل ما أُحدث في الدين من غير دليل شرعي.
فكل ما فعله الإنسان على سبيل القربة إلى الله مما لم يكن له أصل في الشرع فهو بدعة، كالاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال بالإسراء والمعراج ونحو ذلك.
والبدع بريد الشرك، وأول ما دخل الشرك على الناس هو بسبب الغلو في الأنبياء والصالحين.
• خطر البدعة:
البدعة هي الزيادة في الدين بعد كماله، ومن طبيعة البدعة بأنواعها التمدد والتفجر والانتشار، تنتقل من شخص إلى شخص، ومن جماعة إلى جماعة، ومن بلد إلى بلد، على سبيل العدوى والتقليد: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وأكثر من يشيدها وينشرها علماء السوء القاصرة أفهامهم، والناقصة عقولهم وعلومهم وورعهم، مما يجعل العامة يغترون بهم، ويقتدون بفعلهم ولو كان باطلًا مردودًا: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٥].
стр. 8034
وباستمرار فعل هؤلاء العلماء للبدع يستقر في نفوس العامة فضلها أو فرضها، حتى تصبح دينًا يواظبون عليه، ويتقربون إلى الله به، تبدأ على سبيل الاستحسان، ثم تقود إلى ما هو شرمنها من الشرك.
وأول من ابتدع بدعة المولد النبوي هم الفاطميون في مصر، لما رأوا النصارى يعظمون مولد المسيح، ويجعلون لهم عيدًا يعطلون به المتاجر والأعمال، فاقتدوا بهم فابتدعوا بدعة تعظيم المولد النبوي مضاهاة للنصارى، ثم اشتهرت وانتشرت بدعة المولد في البلدان بسبب الجهل والعدوى والتقليد الأعمى.
وقد نشأ عن هذه البدعة ما هو شر منها من الغلو، والإطراء، والنياحة، وضرب الدفوف، وشرب الخمور، واختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك من المحرمات والكبائر، وما أحدث قوم بدعة إلا رُفع مثلها من السنَّة: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
стр. 8035
• أسباب ظهور البدع:
لظهور البدع أسباب، منها:
أولًا: الجهل بأحكام الدين:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ثانيًا: التشبه بالكفار:
قال الله تعالى: ﴿(١٣٧) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩].
ثالثًا: تقليد الآباء فيما هم عليه من الضلال:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
• وجوه اجتماع البدع والمعاصي:
البدع من جملة المعاصي، فكل منهما منهي عنه، فكل بدعة معصية، وليس كل معصية بدعة.
стр. 8036
والبدع والمعاصي مؤذنة باندراس الشريعة، وذهاب السنة، وانتشار البدعة، فكلما قويت السنن، ضعفت البدع والمعاصي، وكلما كثرت البدع والمعاصي، ضعفت السنن ثم زالت: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
والبدع والمعاصي متفاوتة، فكما أن المعاصي تنقسم إلى ما يكفر به الإنسان وما لا يكفر به، وإلى كبائر وصغائر، فكذلك البدع مثلها.
فهذه وجوه اجتماع البدعة والسنة، والمسلم مأمور بتصديق أخبار القرآن، والسنة، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
• الفرق بين البدع والمعاصي:
الفرق بين البدع والمعاصي يتبين من أمور:
الأول: مستند النهي عن المعصية غالبًا هو الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة، أما البدع فمستند النهي عنها الأدلة الشرعية العامة.
ثانيًا: المعصية مخالفة المشروع في الدين إما بترك مأمور، أو فعل محظور، أما البدعة فهي مضاهية للمشروع، تضاف إلى الدين، وتُلحق به على أنها منه.
стр. 8037
ثالثًا: المعصية جُرم عظيم؛ لما فيها من عدم توقير الله، وتجاوز حدوده، بخلاف البدعة؛ فإن صاحبها يرى أنه موقِّر لله، معظم لدينه، ممتثل لأمره.
رابعًا: صاحب المعصية يرى أنه مبتلى بها، مقر بمخالفته لحكم الله ورسوله، ويتمنى أن يتوب منها، أما البدعة فهي جرم عظيم؛ لما فيها من مجاوزة حدود الله بالتشريع، ورمي الشرع بالنقص، وأنه يكمله بهذه البدع: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
خامسًا: صاحب المعصية يحدِّث نفسه دائمًا بالتوبة من المعصية، وصاحب البدعة لا يحدث نفسه بالتوبة من البدعة، لكونه يرى عمله قربة إلى الله، فالبدعة أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها غالبًا، وهذا ضلال مبين.
سادسًا: جنس البدعة أعظم من جنس المعصية، ذلك أن فتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة العاصي في الشهوات: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
стр. 8038
• الأصول الجامعة للابتداع:
الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع، فمن تقرب إلى الله بما لم يشرعه الله ورسوله فقد ابتدع.
الأصل الثاني: الخروج على حكم الله ورسوله، فمن أعطى غير شريعة الإسلام حق الانقياد والطاعة فقد ابتدع: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
• الذرائع المفضية إلى البدع:
كل عمل ولو كان مشروعًا يفضي إلى الإحداث في الدين، فهو ملحق بالبدعة إن لم يكن بدعة، وكل ما أدى إلى الممنوع فهو ممنوع، وكل ما أفضى إلى المحرم فهو محرم، وقد نهى الله عن سب آلهة المشركين مع كونه من مقتضيات الإيمان بالله؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يسبوا الله عَدْوًا بغير علم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وصلاة ركعتين قبل الجمعة جائز، لكن إن أدى هذا إلى اعتقاد العامة أنها سنة راتبة للجمعة قبلها، فهذا الاعتقاد بدعة، يجب التنبيه عليه، وعدم المداومة على تلك الصلاة.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
стр. 8039
• حكم سد الذرائع المفضية إلى البدع:
ينبغي لأهل الإيمان خاصة العلماء المقتدى بهم سد الذرائع المفضية إلى البدع، وذلك بترك الأمور الجائزة أو المستحبة إذا ترتب على فعلها بدعة، كاعتقاد العوام ما ليس بفريضة فريضة، وما ليس بسنة سنة، وما ليس بمشروع أنه مشروع، وهذا فساد عظيم في جسد الدين وروحه، فظهور البدع ضرب من تبديل الشريعة، وخروج على أحكامها.
ويعظم خطب البدع، ويشتد خطرها إذا نشأ عليها الصغار، وتعلق بها الكبار، وأسلم عليها الكفار، وتعلمها أهل البادية، وحملها الناس من بلد إلى بلد.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٥].
стр. 8040
• أقسام البدعة:
البدعة خلاف السنة، وهي اسم لكل ما ابتدع في الدين وغيره، وهي كل قول أو فعل أو ترك تعبد به العبد لله تعالى، وليس في الشرع ما يدل على مشروعيته.
والبدعة تنقسم بحسب متعلقها إلى ثلاثة أقسام؛ هي:
الأول: البدعة الاعتقادية:
وهي اعتقاد خلاف ما أخبر الله ورسوله به؛ كبدعة الممثلة والمعطلة، وبدعة نفاة القدر، وبدعة الاعتماد على العقل دون الوحي، وكاعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون ونحو ذلك.
الثاني: البدعة العملية:
وهي التعبد لله بغير ما شرع بإحداث عبادة لم تشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة، أو الإتيان بالعبادة على صفة محدثة، أو المواظبة على عبادة مشروعة في وقت معين لم يخصص.
ومن صور هذه البدعة:
البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، وكذا الأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد بعض الناس لله بها ونحو ذلك.
الثالث: بدعة الترك:
وهي ترك المباح، أو ترك ما طلب الله فعله تعبدًا، كترك الزواج، أو أكل اللحم، أو الاختصاء طلبًا للتفرغ للعبادة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
стр. 8041
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه (١).
стр. 8042
٨ - الخزانة الثامنة
• أسباب ظهور البدع:
• أسباب ظهور البدع في الأمة ما يلي:
الأول: الجهل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا، يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ». متفق عليه (١).
الثاني: إتباع الهوى.
قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].
التاسع: الاعتماد على الأحاديث الضعيفة، وترك الأحاديث الصحيحة.
عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
العاشر: مخالطة أهل الشر ومجالستهم.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة». متفق عليه (٢).
• أخطر البدع العملية:
البدع كلها ضلالة، وأخطرها وأكثرها وقوعًا ما يلي:
أولًا: التوسل البدعي.
والتوسل ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل المشروع، وهو التوسل إلى الله والتقرب إليه بفعل
стр. 8046
المأمورات، وترك المحرمات، وأن يذكر الداعي في دعائه ما يرجوا أن يكون سببًا في قبول دعائه.
وهذا التوسل المشروع أقسام:
الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فيقول مثلًا: اللهم إني اسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي، أو يقول: اللهم يا رحمن ارحمني، أو يقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، ونحو ذلك من الأدعية المشروعة.
الثاني: الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه في بداية الدعاء.
قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
الثالث: أن يتوسل العبد بعبادته القلبية أو القولية أو العملية.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
стр. 8047
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
الرابع: أن يتوسل إلى الله بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما قال سبحانه عن موسى ﷺ : ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤].
ويدخل في هذا الاعتراف بالذنب، وإظهار الحاجة إلى رحمة الله ومغفرته، كما قال سبحانه عن آدم وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
الخامس: التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم، وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له، كما قال الله عن طلب أبناء يعقوب الدعاء لهم من أبيهم: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨].
وكما في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعوا بنزول المطر.
وكما في طلب المرأة من النبي ﷺ أن يدعو الله لها بألا تنكشف، وكما طلب عمر ﵁ من العباس أن يستسقي لهم.
فهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص الصحيحة ما يدل على مشروعيتها.
القسم الثاني: التوسل الممنوع:
التوسل جزء من الدعاء، والدعاء عبادة من العبادات.
стр. 8048
كما قال النبي ﷺ : «الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ». أخرجه أبو داود وابن ماجة (١).
وكل توسل لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعيته فهو توسل بدعي محرم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
ومن التوسلات المحرمة ما يلي:
أولًا: التوسل إلى الله تعالى بذات النبي، أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة؛ كأن يقول: اللهم إني أسألك بذات أبينا آدم ﷺ أن ترحمني.
ثانيًا: أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها، كأن يقول: اللهم إني أسألك بحق فلان أن تشفيني ونوى ذلك.
ثالثًا: أن يتوسل بجاه النبي، أو عبد صالح ونحو ذلك، فلا يجوز لمسلم أن يدعوا الله تعالى بشيء من هذه التوسلات.
ثانيًا: إقامة الاحتفالات والأعياد البدعية.
في الإسلام ثلاثة أعياد: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع يوم الجمعة، وكل ما سوى هذه الأعياد فهو مبتدع، فلا يجوز تخصيص شيء من الأزمنة سواء كان من الأيام أو الليالي أو الشهور أو السنين بعبادة لم يرد في الشرع تخصيصها؛ لأن ذلك من البدع المحدثة.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢).
стр. 8049
وقد أحدث كثير من المسلمين بسبب الجهل أعياداً واحتفالات وعبادات مختلفة في كثير من الأزمان والبلدان، مع أنه لم يرد دليل صحيح على مشروعيتها، وهذه الأزمنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: يوم لم تعظمه الشريعة أصلًا:
مثل أول يوم خميس من رجب، وليلة الجمعة التي تليه، فهذا اليوم يعظمه بعض الجهال بصيام يوم الخميس وقيام ليلة الجمعة، ويصلون فيها صلاة يسمونها صلاة الرغائب، وهذا كله من البدع المحرمة، وتعظيم شهر رجب من عمل أهل الجاهلية: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
النوع الثاني: الأيام والليالي التي جاء الشرع بما يدل على فضلها:
كيوم عرفة، ويوم الجمعة، ويومي العيدين، وليلة القدر، ويوم عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، فهذه الأوقات يستحب أن يفعل فيها من العبادات ما ورد الشرع به، ولا يجوز إحداث عبادات فيها ليس لها أصل في الشرع؛ كالتعريف في الأمصار في يوم عرفة، وكصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان، وكالاحتفال يوم عاشوراء، وكتخصيص ليلة القدر بعمرة، أو بذكر خاص، أو بصلاة خاصة، تفعل كل عام.
النوع الثالث: الأيام والليالي التي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأتي في الشرع ما يدل على فضلها، أو على مشروعية التعبد لله فيها:
كليلة الإسراء والمعراج، وليلة المولد النبوي، مع أنه لم يثبت شيء من ذلك، لا ليلة الإسراء والمعراج، ولا ليلة المولد النبوي التي قطع العبيديون الملاحدة أنه ﷺ ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، وليس هناك ما يرجح هذا القول، بل هذا الشهر أصيبت فيه الأمة الإسلامية بأعظم
стр. 8050
مصيبة، وهي وفاته ﷺ في ربيع الأول بلا خلاف، بل اختار العبيديون يوم الثاني عشر منه، وأقاموا فيه احتفالًا وقت حكمهم لمصر، من باب الفرح بولادته ﷺ ، مع أن هذا اليوم هو اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ .
وهؤلاء العبيديون من أعظم الحاقدين على الإسلام، وعلى نبي الإسلام محمد ﷺ .
وقد ادعى بعضهم الألوهية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله العبيدي الذي يؤلهه الدروز إلى الآن.
ومنهم أو من اتباعهم القرامطة الذين قتلوا الحجاج في عرفات، وعند الكعبة المشرفة في الحج، وهدموا جزءًا من الكعبة، وأخذوا الحجر الأسود، ولم يعيدوه إلا بعد عدة سنوات.
والعبيديون حكام مصر أول من أقام المولد النبوي البدعي سنة ثلاثمائة وثلاث وستين هجرية، اختاروا شهر ويوم وفاة النبي ﷺ احتفالًا وفرحًا بوفاته ﷺ ، وأظهروا للناس أنه للفرح بولادته ﷺ : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩].
• وقت حدوث البدع:
ظهرت في آخر خلافة النبوة بدعتان متقابلتان تقابل المغضوب عليهم والضالين:
الأولى: بدعة الخوارج، الذين يكفرون الخليفتين عثمان وعلي ﵄، ويكفرون من تولاهما، ويفعلون بأهل الإيمان فعل اليهود بالنبيين والمرسلين.
стр. 8051
الثانية: بدعة الروافض، يغلون فيمن يستحق الولاية، ويطرونه كالنصارى، حتى وصفوا البشر بالإلوهية، وألحقوا الأئمة بالمرسلين، فضلوا كالنصارى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
ثم حدثت بدعتان متقابلتان:
الأولى: بدعة القدرية:
الذين عظموا أمر المعاصي، وأوجبوا نفوذ الوعيد بجميع المذنبين، ومنعوا شفاعة الشفعاء، ورحمة أرحم الراحمين، وعظموا أن الله قدرها، أو شاءها، وسلبوا الإيمان عمن اتصف بها: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
الثانية: بدعة المرجئة:
الذين استخفوا بأمر الواجبات والمحرمات، حتى استبعد بعضهم نفوذ الوعيد في أهل المعاصي، وسووا بين الأبرار والفجار، وبين الصالحين
стр. 8052
والفاسقين: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
ثم لما فرغ الشيطان من هؤلاء وهؤلاء، شرع في رب العالمين فحدثتا بدعتا الجهمية، وهم فرقتان:
الأول: النفاة:
وهؤلاء ينفون عن الله ما جاءت به الرسل من الصفات، وهؤلاء هم المعطلة، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
الثانية: الممثلة:
وهؤلاء يمثلون صفات الله بصفات المخلوق، مضاهاة لليهود في تشبيه الرب بالمخلوق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩].
وثبت السلف الصالح على الصراط المستقيم الذي دعاهم ربهم إليه بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
• أقسام الفتن:
من ترك السنة وقع في البدعة، والفتن منها ما يكون من الشبهات، ومنها ما يكون من الشهوات، ففتن الشبهات كل فتنة مبنية على جهل؛ كالبدع في
стр. 8053
العقيدة، والأقوال، والأفعال، والعبادات، والمعاملات: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
وأما فتن الشهوات فأن يعرف الإنسان أن هذا حرام، ولكن نفسه تدعوه إليه فيفعله، كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
فهذا يعلم أن هذا واجب، ولكن نفسه تدعوه إلى تركه كسلًا فيتركه.
فهذه فتنة الإرادة إما بترك واجب، أو بفعل محرم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
• علامات أهل الزيغ:
أهل الزيغ هم الذين يتبعون متشابه القرآن لتقرير مذهبهم الباطل، وصرف الناس عن الحق بنقضه، وقصدهم من ذلك أمران:
الأول: ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويل القرآن لصرف الناس إليهم، وصرف الناس عن الدين، فالفتنة أنهم يثيرون المتشابهات في الدين، ليصير الناس بعضهم مخالف لبعض، وذلك يفضي إلى الهرج والمرج، والقتل
стр. 8054
والتناحر، وذلك أعظم فتنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
والمتمسك بالمتشابه، والإعراض عن المحكم، يزرع الباطل مكان الحق، والبدعة مكان السنة، فيصير مفتونًا بذلك الباطل، والفتنة في الدين هي الضلال عن الهدى، ولا فتنة أعظم من فتنة الدين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].
وأما غرضهم الثاني: فهو تأويل القرآن حسب أهوائهم، مما ليس في القرآن والسنة دليل عليه.
وأما الراسخون في العلم فهم الذين يعملون بمحكم القرآن، ويؤمنون بمتشابهه، فيعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويردون المتشابه إلى المحكم.
كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 8055
٩ - الخزانة التاسعة
قواعد معرفة البدع
جميع البدع سواء كانت قولًا، أو فعلًا، أو اعتقادًا، تندرج تحت ثلاث قواعد كلية وهي:
القاعدة الأولى: التقرب إلى الله بما لم يشرع.
القاعدة الثانية: الخروج على أحكام الدين.
القاعدة الثالثة: الذرائع المفضية إلى البدع.
الأصل الأول: التقرب إلى الله بعبادة لابد فيه من أمرين:
الأول: ثبوت أصل العبادة بدليل شرعي صحيح.
الثاني: اتباع الرسول ﷺ في كيفيتها.
فمخالفة الأصل الأول تحصل بما يلي:
أن تستند العبادة إلى حديث مكذوب، أو إلى قول من ليس قوله حجة، أو تكون العبادة مخالفة للسنة، أو مخالفة لعمل السلف، أو مخالفة لقواعد الشريعة.
فكل عبادة مبنية على حديث مكذوب فهي بدعة؛ لأنها تشريع لم يأذن به الله ﷻ .
وكل عبادة تستند إلى الرأي المجرد والهوى فهي بدعة ضلالة.
فالكتاب والسنة هما جهة العلم عن الله، ومعرفة أحكام الله وشرعه، فكل عبادة لا تستند إلى كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ فهي بدعة ضلالة: ﴿أَمْ