← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

الثانية: بدعة الروافض، يغلون فيمن يستحق الولاية، ويطرونه كالنصارى، حتى وصفوا البشر بالإلوهية، وألحقوا الأئمة بالمرسلين، فضلوا كالنصارى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). ثم حدثت بدعتان متقابلتان: الأولى: بدعة القدرية: الذين عظموا أمر المعاصي، وأوجبوا نفوذ الوعيد بجميع المذنبين، ومنعوا شفاعة الشفعاء، ورحمة أرحم الراحمين، وعظموا أن الله قدرها، أو شاءها، وسلبوا الإيمان عمن اتصف بها: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. الثانية: بدعة المرجئة: الذين استخفوا بأمر الواجبات والمحرمات، حتى استبعد بعضهم نفوذ الوعيد في أهل المعاصي، وسووا بين الأبرار والفجار، وبين الصالحين

стр. 8052

والفاسقين: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. ثم لما فرغ الشيطان من هؤلاء وهؤلاء، شرع في رب العالمين فحدثتا بدعتا الجهمية، وهم فرقتان: الأول: النفاة: وهؤلاء ينفون عن الله ما جاءت به الرسل من الصفات، وهؤلاء هم المعطلة، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. الثانية: الممثلة: وهؤلاء يمثلون صفات الله بصفات المخلوق، مضاهاة لليهود في تشبيه الرب بالمخلوق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وثبت السلف الصالح على الصراط المستقيم الذي دعاهم ربهم إليه بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. • أقسام الفتن: من ترك السنة وقع في البدعة، والفتن منها ما يكون من الشبهات، ومنها ما يكون من الشهوات، ففتن الشبهات كل فتنة مبنية على جهل؛ كالبدع في

стр. 8053

العقيدة، والأقوال، والأفعال، والعبادات، والمعاملات: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦]. وأما فتن الشهوات فأن يعرف الإنسان أن هذا حرام، ولكن نفسه تدعوه إليه فيفعله، كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. فهذا يعلم أن هذا واجب، ولكن نفسه تدعوه إلى تركه كسلًا فيتركه. فهذه فتنة الإرادة إما بترك واجب، أو بفعل محرم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • علامات أهل الزيغ: أهل الزيغ هم الذين يتبعون متشابه القرآن لتقرير مذهبهم الباطل، وصرف الناس عن الحق بنقضه، وقصدهم من ذلك أمران: الأول: ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويل القرآن لصرف الناس إليهم، وصرف الناس عن الدين، فالفتنة أنهم يثيرون المتشابهات في الدين، ليصير الناس بعضهم مخالف لبعض، وذلك يفضي إلى الهرج والمرج، والقتل

стр. 8054

والتناحر، وذلك أعظم فتنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. والمتمسك بالمتشابه، والإعراض عن المحكم، يزرع الباطل مكان الحق، والبدعة مكان السنة، فيصير مفتونًا بذلك الباطل، والفتنة في الدين هي الضلال عن الهدى، ولا فتنة أعظم من فتنة الدين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥]. وأما غرضهم الثاني: فهو تأويل القرآن حسب أهوائهم، مما ليس في القرآن والسنة دليل عليه. وأما الراسخون في العلم فهم الذين يعملون بمحكم القرآن، ويؤمنون بمتشابهه، فيعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويردون المتشابه إلى المحكم. كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].

стр. 8055

٩ - الخزانة التاسعة قواعد معرفة البدع جميع البدع سواء كانت قولًا، أو فعلًا، أو اعتقادًا، تندرج تحت ثلاث قواعد كلية وهي: القاعدة الأولى: التقرب إلى الله بما لم يشرع. القاعدة الثانية: الخروج على أحكام الدين. القاعدة الثالثة: الذرائع المفضية إلى البدع. الأصل الأول: التقرب إلى الله بعبادة لابد فيه من أمرين: الأول: ثبوت أصل العبادة بدليل شرعي صحيح. الثاني: اتباع الرسول ﷺ في كيفيتها. فمخالفة الأصل الأول تحصل بما يلي: أن تستند العبادة إلى حديث مكذوب، أو إلى قول من ليس قوله حجة، أو تكون العبادة مخالفة للسنة، أو مخالفة لعمل السلف، أو مخالفة لقواعد الشريعة. فكل عبادة مبنية على حديث مكذوب فهي بدعة؛ لأنها تشريع لم يأذن به الله ﷻ . وكل عبادة تستند إلى الرأي المجرد والهوى فهي بدعة ضلالة. فالكتاب والسنة هما جهة العلم عن الله، ومعرفة أحكام الله وشرعه، فكل عبادة لا تستند إلى كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ فهي بدعة ضلالة: ﴿أَمْ

стр. 8056

لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١] وما ابتدع عالم رباني قط، ولكن الناس استفتوا من ليس بعالم، فضل، وأضل، وهدم. عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ ؟ يقول: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا، يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ». متفق عليه (١). وإذا ترك الرسول ﷺ شيئًا مع وجود المقتضي له، وانتفاء المانع منه، ففعله بدعة، كالتلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة، والأذان للعيدين، وصلاة ركعتين عقب السعي بين الصفا والمروة في الحج أو العمرة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وترك النبي ﷺ فعل أمر من الأمور لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يتركه ﷺ لعدم وجود المقتضي له، كتركه قتال مانعي الزكاة، فهذا الترك لا يكون سنة. الثانية: أن يترك ﷺ الفعل مع وجود المقتضي له لقيام مانع يمنعه من فعله، كتركه ﷺ قيام رمضان جماعة، خشية أن يكتب قيامه على الأمة فتعجز عنه، فهذا الترك لا يكون سنة، فلما زال المانع بموته ﷺ كان فعل ما تركه مشروعًا، وعمل بسنته، كما جمع عمر ﵁ الناس على إمام واحد في صلاة

стр. 8057

التراويح في رمضان. الثالثة: أن يترك ﷺ الفعل مع وجود المقتضي له، وانتفاء المانع منه، فيكون ترك ذلك سنة، كتركه ﷺ الأذان لغير الصلوات الخمس كصلاة التراويح وصلاة العيدين ونحوهما. وكل عبادة ترك السلف فعلها مع وجود المقتضي، وزوال المانع، ففعلها بدعة، كصلاة الرغائب، والاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال برأس السنة الهجرية، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ونحو ذلك. فكل ما تركه النبي ﷺ من العبادات، إن تركها الصحابة بعد وفاته، فهذا دليل قاطع على أن فعلها بدعة، وإن فعلها الصحابة بعد وفاته علمنا أنه تركها لأجل مانع كتركه صلاة التراويح جماعة خشية أن تفرض على الأمة. فكل عبادة لم يتعبد بها أصحاب الرسول ﷺ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، لا يجوز التعبد لله بها، وكل عبادة اتفق على تركها رسول الله ﷺ وسلف الأمة من بعده، فهي بلا شك بدعة ضلالة. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). وكل عبادة مخالفة لقواعد الشريعة ومقاصدها، فهي بدعة، وذلك مثل صلاة الرغائب. فإن النوافل في الأصل فعلها في البيوت أولى من فعلها في المساجد، وفعلها منفردًا أولى من فعلها جماعة إلا ما خصه الشرع؛ كالتراويح، وكذا الأذان لصلاة التطوع كالعيدين، والاستسقاء ونحوهما، فإن الأذان يشرع

стр. 8058

للفرائض فقط دون النوافل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وكل تقرب إلى الله بفعل شيء من العادات أو المعاملات لم يشرعه الله ورسوله، فهو بدعة، مثل التقرب إلى الله بالصمت الدائم، أو القيام في الشمس، أو اتخاذ لبس الصوف والمرقعات عبادة وطريقة إلى الله، أو حرمان النفس من الأكل والشرب والجماع. عن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه». أخرجه البخاريه (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه (٢).

стр. 8059

وكل تقرب إلى الله بفعل ما نهى الله ورسوله عنه، فهو بدعة، وذلك مثل من يتقرب إلى الله بمشابهة الكفار، أو بسماع الملاهي، والرقص ونحو ذلك، وهذه بدعة من جهة أصلها، ومن جهة وصفها، فهي تقرب إلى الله بما لم يشرعه مما نهى عنه، وهي خروج عن منهج الدين بموافقة أعداء الله، وهي ذريعة إلى أن يعتقد فيها أنها من الدين إذا فعلها أهل العلم والدين، وهذه هي أصول البدعة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وكل عبادة جاءت في الشرع على صفة مقيدة، فتغيير هذه الصفة بدعة. فكل عبادة لها زمان، ومكان، وجنس، ومقدار، وكيفية. فالزمان؛ كصلاة التراويح في رمضان، وفعلها في غير رمضان بدعة. والمكان؛ كالاعتكاف في المسجد، وجعل الاعتكاف في غير المسجد بدعة. والجنس؛ كالأضحية ببهيمة الأنعام، والأضحية بما سواها كالفرس بدعة. والمقدار؛ كالصلوات المفروضة خمس، وزيادة صلاة سادسة بدعة. والكيفية؛ كالوضوء الشرعي مرتبا، والبدء بغسل الرجلين ثم اليدين بدعة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 8060

وكل عبادة مطلقة ثبتت في الشرع بدليل عام، فإن تقييدها بزمان، أو مكان أو نحوهما بدعة، وذلك كصلاة النوافل، وصوم التطوع ونحوهما؛ فالصوم في الجملة مندوب إليه، لم يخصه الشرع بوقت دون وقت، فإذا خص الإنسان صوم يوم بعينه كالأربعاء أو أيامًا من الشهر كالخامس والعاشر مثلًا، أو خص الأيام الفاضلة بعبادة لم تشرع فيها خاصة كتخصيص يوم كذا بصدقة أو طعام أو صيام، وتخصيص ليلة كذا كتخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة وقراءة قرآن ونحو ذلك، فهذا كله وأمثاله بدعة ضلالة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • حكم الغلو: الغلو في العبادة بالزيادة فيها على القدر المشروع بدعة؛ كالتقرب إلى الله بقيام الليل كله دائمًا، أو بصوم الدهر كله، أو باعتزال النساء وترك الزواج، ورمي الجمار في الحج بالأحجار الكبار ونحو ذلك، والوسوسة في الوضوء والغسل، والتعمق والتشدد في الوضوء والغسل والنظافة ونحو ذلك: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. والغلو في الدين يقع في بابين: الأول: باب العبادات، ويكون بجعل ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب، كصيام الدهر، وقيام الليل كله. الثاني: باب المعاملات، ويكون بجعل ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه كترك الكسب، والنكاح، وأكل الطيبات.

стр. 8061

الأصل الثاني: الخروج على منهج الدين في أصوله وأحكامه. ويندرج تحت هذا الأصل ست قواعد: الأولى: كل ما كان من الاعتقادات والآراء والعلوم معارضًا لنصوص الكتاب والسنة، أو مخالفًا لإجماع سلف الأمة، فهو بدعة. الثانية: كل خصومة أو جدال أو مراء في الدين، فهو بدعة؛ كالسؤال عن المتشابهات، مثل السؤال عن كيفية أسماء الله وصفاته، وامتحان المسلمين بما ليس في الكتاب والسنة من المسائل، والتعصب للآراء والأشخاص والمذاهب، ونحو ذلك مما يوجب الفرقة، ويوقع الشك في القلوب: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]. الثالثة: إلزام المسلمين بفعل شيء، وجعل ذلك كالشرع الذي لا يخالف، بدعة؛ كإلزام المسلمين بدفع الضرائب المختلفة، وجعل ذلك كالدين الذي يعاقب على تركه، وتقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب العليا وغيرها من لا يصلح لها بطريق الوراثة، وسنّ عقوبات على الجرائم التي لم يشرعها الله ولا رسوله، فهذا وأمثاله كله خروج على منهج الدين، وذلك بجعل هذه العادات، والمعاملات، والقوانين، فرضًا محتومًا على الناس بمنزلة فرائض الدين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 8062

الرابعة: الخروج على الأوضاع الدينية الثابتة بدعة، كالحيل الباطلة التي يحصل بها تحليل المحرمات، أو إسقاط الواجبات، مثل استحلال الربا ببيع العينة، ورد المطلقة ثلاثًا بنكاح التحليل، وإسقاط فرض الزكاة بالهبة المستعارة. وتغيير الحدود والمقدرات الشرعية بدعة؛ كأحكام الجنايات والحدود، وأنصبة المواريث، ومقادير الزكاة، ومقادير الكفارات، ونحو ذلك مما قدره الشرع: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. الخامسة: مشابهة الكفار فيما كان من خصائصهم من عبادة، أو عادة، بدعة، فمخالفة الكفار أمر مقصود شرعًا، ليكون الدين كله لله. فاليهود عرفوا باستحلال المحرمات بالحيل الباطلة، والنصارى عرفوا بالغلو والزيادة في الدين على الحد المشروع، ومشابهتهم فيما أحدثوه في الدين مما ليس في دينهم بدعة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]. السادسة: كل فعل من أعمال الجاهلية لم يقره الإسلام، فهو بدعة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].

стр. 8063

وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ». أخرجه مسلم (١). الأصل الثالث: الذرائع المفضية إلى البدعة. والذرائع المفضية إلى البدعة تدخل فيما يلي: الواجبات، والمندوبات، والمباحات، والمكروهات، والمحرمات، ويندرج تحت هذا خمس صور: الصورة الأولى: إذا فعل الإنسان ما هو مطلوب شرعًا على وجه يوهم خلاف المقصود، فهو ملحق بالبدعة، ويتضمن ذلك خمس صور: الأولى: أن يوهم فعل النافلة المطلقة أنها سنة راتبة، مثل إقامة النافلة جماعة في المسجد. الثانية: أن يوهم فعل السنة أنها فريضة، كالتزام قراءة سورة السجدة والإنسان، في صلاة فجر كل يوم جمعة. الثالثة: أن يوهم فعل العبادة الموسعة أنها مخصصة بزمان أو مكان. الرابعة: أن يلتصق بالعمل المشروع عمل زائد حتى يصير وصفا لهذا العمل كقراءة القرآن في الطواف بالكعبة. الخامسة: كل اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأيام أو الأعوام غير الاجتماعات المشروعة كصلاة الجماعة، والجمعة، والعيدين ونحوها؛ وذلك لما فيه من مضاهاة الاجتماعات المشروعة.

стр. 8064

الصورة الثانية: إذا فعل المسلم ما هو جائز شرعًا على وجه يعتقد فيه أنه مطلوب شرعًا، فهو ملحق بالبدعة، وذلك مثل فرش المساجد وتبليطها ونحو ذلك. الثالثة: إذا عمل بالمعصية العلماء الذين يقتدى بهم على وجه الخصوص، وظهرت من جهتهم حتى اعتقدها العامة من الدين، فهذا ملحق بالبدعة، ومن هنا نستشنع زلة العالم. الرابعة: إذا عمل بالمعصية عامة الناس، ولم ينكرها العلماء القادرون، حتى اعتقد العامة أن هذه المعصية مما لا بأس به، فهذا ملحق بالبدعة؛ كالتعامل بالربا، واقتناء ما يحرم من الآلات اللهو والصور. الخامسة: كل ما بني على المحدث فهو محدث مردود، وكل ما بني على باطل فهو باطل، فكل ما يترتب على فعل البدع المحدثة في الدين من الإتيان ببعض الأمور التعبدية أو العادية فهو ملحق بالبدعة، مثل ما يحصل في الأعياد والاحتفالات المبتدعة من التوسع في الطعام واللباس واللعب، فكل ذلك آثامه تابعة لذلك العيد المبتدع: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). • حكم البدع: كل محدث في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة محرمة مردودة، وكل ضلالة

стр. 8065

في النار، وتحريم البدع متفاوت بحسب نوع البدعة. فمن البدع ما هو كفر صراح كالطواف بالقبور، ودعاء أصحاب القبور، والاستغاثة بهم، وتقديم الذبائح والنذور لهم: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]. ومنها ما هو من وسائل الشرك كالبناء على القبور، والصلاة عندها، ودعاء الله عندها متوسلًا بأصحابها. ومنها ما هو فسق اعتقادي كالبدع المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع. ويجب على العلماء بيان السنن لتزول البدع، والتحذير من البدع، وأهل البدع؛ لئلا يغتر بهم عموم المسلمين. ويجب على ولاة أمور المسلمين منع البدع، والأخذ على أيدي المبتدعة، وردهم عن شرهم؛ لئلا يفسدوا الدين، ويقضوا على السنن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. فالبدع كلها محرمة، وقد غلّظ الشرع على مبتدعيها: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ

стр. 8066

شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١] وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». أخرجه أحمد والنسائي (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». أخرجه البخاري (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه (٣).

стр. 8067

وعن العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». أخرجه أحمد وابن ماجة (١). • فقه البدعة: البدعة هي الشيء الذي يبتدعه الإنسان مما ليس له أصل في الشرع، فكل من عبد الله بغير ما شرع سبحانه من اعتقاد، أو قول، أو فعل، فهو مبتدع، فإذا أحدث الإنسان عقيدة في أسماء الله وصفاته فهو مبتدع، ومن قال قولًا لم يشرعه الله ورسوله فهو مبتدع، ومن فعل فعلًا لم يشرعه الله ورسوله فهو مبتدع، وللبدعة في دين الله محاذير كثيرة، منها: أولًا: أن كل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢]. ثانيًا: أن من ابتدع بدعة، فقد خرج عن اتباع النبي ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. ثالثًا: إن البدعة التي يتعبد الإنسان لله بها تنافي تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأن من حقق هذه الشهادة لم يخرج عن التعبد بما جاء به ﷺ ، وكل من قصر في الشريعة وزاد فيها فقد قصر في اتباعه إما بنقص أو زيادة، والمطلوب اتباعه ﷺ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، بلا زيادة ولا نقص: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 8068

وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. رابعًا: أن البدعة تتضمن الطعن في رسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ إما أن يكون عالمًا بهذه البدعة، ولكنه كتمها، أو يكون لم يعلم بها فيكون جاهلًا، وهذا ينافي شهادة أن محمدًا رسول الله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. خامسًا: أن مضمون البدعة يتضمن الطعن في الإسلام بأنه ناقص، وأن المبتدع كمله بهذه البدعة، والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. سادسًا: أن البدعة تتضمن تفريق الأمة الإسلامية، فالمبتدع أن يبتدع ما شاء، ويتهم غيره، فالذين يحتفلون بالمولد النبوي يقولون لمن لا يفعل هذه البدعة أنتم تبغضون الرسول ﷺ ، ولهذا لم تحتفلوا بمولده. سابعًا: أن البدعة انتشرت في الأمة، فاضمحلت السنة، وعمل الناس بها كأنها سنة. ثامنًا: أن المبتدع لا يحكم الكتاب والسنة؛ لأنه يرجع إلى هواه لا إلى الشرع: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].

стр. 8069

١٠ - الخزانة العاشرة • أقسام السنة في الإسلام: السنة في الإسلام تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: سنة سيئة، وهي البدعة. القسم الثاني: سنة حسنة، وهي نوعان: النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة، ثم يترك العمل بها، ثم يجددها من يجددها مثل قيام رمضان بإمام الذي كان موجودًا في عهد النبي ﷺ ، ثم تركه النبي ﷺ خشية أن يفرض جماعة على الأمة، ثم رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، وأحيا سنة كانت قد تركت، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده. النوع الثاني: أن يكون الإنسان أول من يبادر إلى فعل الحسنة، إذا علم بها؛ كحال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل هذا له أجر المبادرة، وأجر من اتبعه على فعلها. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا». أخرجه مسلم (١). وعن جرير ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباءة متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل

стр. 8070

ثم خرج، فأمر بلالًا، فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. والآية التي في الحشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨]. تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». أخرجه مسلم (١). ومن البدع العظيمة ما أحدثه الجهال عند زيارة القبور. وزيارة القبور على ثلاثة أقسام: القسم الأول: زيارة شرعية، للسلام على الموتى، والدعاء لهم، وتذكر الموت، واتباع سنة النبي ﷺ ، بشرط عدم شد الرحال لزيارته. القسم الثاني: زيارة شركية، كمن يزور الميت ليسأله قضاء حاجته، فهؤلاء من جنس عبّاد الأصنام: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى

стр. 8071

وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. القسم الثالث: زيارة بدعية، وهي نوعان: النوع الأول: من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فهذا من المنكرات العظيمة. النوع الثاني: من يسأل الله تعالى بالميت؛ كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، فهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولكنه لا يخرج من ملة الإسلام. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). • حكم طعن الصحابة: الصحابة ﵃ رباهم النبي ﷺ على الإيمان والتقوى وعبادة الله وحده لا شريك له، فهم أبعد الناس عن الذنوب والبدع؛ لاستغنائهم

стр. 8072

بالعلم والإيمان بالله، والتمسك بالعمل الصالح، فالبدعة إنما يقع فيها الجهال بالسنة. أما الشهوات من زينة وشرب خمر ونحو ذلك من الذنوب والمعاصي، لا يقع فيها إلا من عنده شهوة يطلب قضاءها، ومن قضى شهوته بما هو أحب إليه من طاعة الله ورسوله، لم يبق عنده داعٍ إلى تلك الشهوات المحرمة. فالقلب مفطور على الإسلام، هو بفطرته لا يريد أن يعبد إلا الله، وإذا حصل له ذلك اطمئن قلبه، وحصل سروره وفرحه، وحصلت لذته وسعادته بعبادة ربه وطاعته: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وإذا لم يحصل للقلب هذا لا يبقى طالبًا لما يعتز به، فيقع في المحرمات من الصور، وشرب الخمر، وأخذ المال، وسائر البدع ونحو ذلك، ولهذا لما كانت امرأة العزيز مشركة، طالبة للفاحشة، ويوسف ﷺ شاب غريب أعزب، فالداعي معه أقوى، لكن معه من الإيمان والعلم ما صده عن ذلك، ولهذا صرف الله عنه السوء والفحشاء كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]. وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ

стр. 8073

يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (١). وأصحاب النبي ﷺ كلهم عدول ثقات، وهم الذين نقلوا إلينا الشريعة والقرآن والسنة، وهم الذين جاهدوا مع رسول الله ﷺ ، وهاجروا معه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وقد زكاهم الله بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. ولم يرتد أحد من الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ إلا قومًا من الأعراب كانوا حديثي عهد بالإسلام، فتنوا وارتدوا على أدبارهم، ومنعوا الزكاة فقاتلهم أبو بكر والمسلمون، وعاد أكثرهم إلى الإسلام، أما الرافضة فيقولون حقدًا وحسداً وبغضًا، جميع الصحابة مرتدون إلا علي بن أبي طالب وآل البيت، وقلة من الصحابة كعمار فلم يرتدوا.

стр. 8074

وهذا طعن عظيم يتضمن أربعة محاذير كبار، وهي: ١ - الطعن في الصحابة ﵃. ٢ - الطعن في الشريعة. ٣ - الطعن في النبي ﷺ . ٤ - الطعن في رب العالمين. أما كونه طعنًا في الصحابة، فهو تكذيب لهم في كل ما نقلوه إلينا من الشريعة، والكاذب لا يقبل خبره، بل هو ملعون، ومصيره النار. وأما كونه طعنًا في الشريعة، فإن الذين نقلوها إلينا هم الصحابة ﵃، وإذا كانوا مرتدين والشريعة جاءت من طريقهم، فإنها لا تقبل؛ لأن الكافر والفاسق لا يقبل خبره. وأما كونه طعنًا في رسول الله ﷺ ؛ لأن الطعن في الأصحاب طعن بالمصاحب، وكل قرين يعاب ويمدح بقرينه، فإذا كان قرينه سيئًا فطعن الصحابة بالكفر طعن بالرسول الذي علمهم. وأما كونه طعنًا بالله رب العالمين، كيف يجعل أفضل الرسالات وأعمها وأحسنها، على يد هذا الرجل الذي هؤلاء أصحابه، وأن يجعل أصحاب أفضل الأنبياء والرسل مرتدين، وهذه فرية عظيمة على الصحابة ﵃، القصد منها هدم الإسلام، قام بها الرافضة اتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أله عليًا، بقصد إفساد دين المسلمين، كما أفسد اليهودي بولس دين النصارى، وكل منهما تظاهر بالدين وسيلة لإفساد الدين، ونحن نحب جميع أصحاب النبي ﷺ ، آل البيت، والخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه.

стр. 8075

ومن زكاهم الله ، وهم المهاجرون والأنصار، فليس لأحد أن يطعن فيهم، وفي عدالتهم، وفي أخلاقهم، وفي إيمانهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. • حكم الصوفية: ظهرت في العالم الإسلامي بدع كثيرة، كما قال النبي ﷺ : «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ». أخرجه ابن ماجة وابن أبي عاصم (١). وقد ظهرت في العالم الإسلامي بدعتان عظيمتان خطيرتان، لهما أثر كبير على المسلمين في العالم الإسلامي، وهما: بدعتا الرافضة والصوفية. والصوفية لم تكن معروفة في القرون المفضلة الثلاثة الأولى، فلا أساس لها في الكتاب والسنة، بل هي بدعة عظيمة محدثة، وأول من نقل عنه ذكر الأولياء، ورجال الغيب، ومساكنهم، هو أبو بكر محمد بن علي الكتاني، عاش في بداية القرن الرابع، وهو أول من صنف الصوفية فقال: النقباء ثلاثمائة، وهم بالمغرب، والنجباء سبعون، وهم بمصر، والبدلاء أربعون، وهم بالشام، والأخيار سبعة، سياحون في الأرض، والأوتاد أو

стр. 8076

العُمُد أربعة في زوايا الأرض، والغوث واحد، ويسمى القطب، ومسكنه في مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة، ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العُمُد، ثم أجيبوا، وإلا ابتهل الغوث، فلا يتم مسألته حتى تجاب دعوته هكذا زين لهم الشيطان: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تعالى عن الشيطان: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٨ - ١٢١]. ثم جاء بعده أبو طالب المكي، ثم ابن العربي في القرن السابع، ثم غيرهم من أئمة الصوفية، وكلهم يزيد وينقص في هذه الألقاب والمراتب، حسب هواه وخياله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. والصوفية ابتدعوا مملكة غيبية وهمية، يجتمع فيها رجال الغيب، ويقررون كل ما يجري في العالم، وقد كان لهذه الفكرة السيئة أثر سيء في العالم الإسلامي، حيث تعلق كثير من الناس بالغوث، والقطب، والأبدال، وظنوا أن الشدة إذا نزلت بأهل الأرض رفعها الأدنى إلى الأعلى، حتى ينتهي الأمر إلى الغوث، فلا يرفع بصره، حتى تنفرج تلك النازلة؛ لأنهم يعتقدون أن في الغوث والقطب نوعًا من الربوبية والإلوهية، وأن مدد أهل

стр. 8077

الأرض من جهته، وبواسطته يفيض الخير إلى سائر الخلق، ينفع من يشاء، ويضر من يشاء، وأنه يعطي الملك لمن يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويفعل ما يشاء وهذا كله من أعظم الكذب، والمحال، والشرك، والضلال، والإلحاد: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٦]. والقطب عند الصوفية: هو الخليفة الأعظم عن الحق مطلقا في جميع الوجود، ويسمى الغوث، فحيثما كان الرب إلهًا كان هو خليفة الله في تصريف الحكم وتنفيذه، فهو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان، وهو يسري في جميع الكائنات سريان الروح في الجسد. والقطب والغوث بمنزلة الرب والإله، فلا يصل إلى الخلق شيء من الحق إلا بحكم القطب الذي يتولى إيصاله إلى محله، فما أسمج هذا الكذب والبهتان والزور: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ومن علامات القطب عند الصوفية: أنه يكشف له عن الذات الإلهية، ويحيط علمًا بصفات الله، وعلم القطب لا حدود له، ويحيط بمعرفة أحكام الشريعة، وهو أكمل الخلق، يبصر جميع العالم بجميع أجزاء بدنه إلا العين، ولا يطيق رؤيته إلا الخواص، يدور في الكون، ويستقر بمكة وهو بجسده حيث شاء من الأرض، يتصرف في الكون بما يشاء، ولا

стр. 8078

يجري في عالم المخلوقات شيء إلا بإذنه، ونعوذ بالله من هذا البهتان والكذب، والكفر والشرك: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. فالصوفية خروج عن البشرية إلى عالم الربوبية، وهي مستمدة من الشيعة، فانتقلت فكرة القطب إلى الصوفية من الشيعة، وهي فارسية الأصل، فالإمام عند الشيعة، والقطب عند الصوفية، معناهما واحد، وهو الذي يدبر شئون العالم العلوي، والعالم السفلي، وهذا القطب قدروه في الأذهان ولا حقيقة له في الأعيان، كما قدر الشيعة المهدي المنتظر في الأذهان، ولا حقيقة له في الأعيان، وكقول النصارى في المسيح أنه هو الله، أو ثالث ثلاثة، فنسأل الله السلامة والعافية، ونسأله الثبات على التوحيد والإيمان: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 8079

• أثر الرافضة والصوفية على العالم الإسلامي: أثر الصوفية والرافضة في مجال العقيدة أوقع كثيرًا من الناس في الشرك، فالصوفية يرون أن الأولياء لهم التصرف المطلق في العالم العلوي والسفلي، وأن القطب عند الصوفية هو الذي يدبر شأن الملك، ومن جهته يكون مدد أهل الأرض، وبواسطته يفيض الخير إلى سائر الخلق. والإمام الغالب عند الرافضة، هو الذي يدبر شئون العالم العلوي، والعالم السفلي، وهذه جناية خطيرة كبرى على التوحيد، فهي محاولة خبيثة لتجريد الإله الحق سبحانه من خصائصه التي لا يشاركه فيها غيره من الخلق، وهذا هو الشرك في الربوبية وهو أقبح أنواع الشرك: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. فالرافضة والصوفية حشرتان سامتان في جسد العالم الإسلامي، غر بهما الشيطان كثيرًا من الناس، وصرفهم بها عن التوحيد إلى الشرك، وعن السنة إلى البدعة، وعن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].

стр. 8080

وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. فلله كم غر الشيطان هاتين الطائفتين؟، وكم أحبط أعمالهما؟، فما أخسرهما؟ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦]. وأولياء الله ، هم المؤمنون المتقون، من كانوا وحيث كانوا، وفي أي زمان كانوا، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. وليس لأولياء الله عدد محصور، ولا لهم مكان معين من الأمكنة، بل هم يزيدون وينقصون بحسب زيادة أهل الإيمان والتقوى. والقطب والغوث عند الصوفية أعظم من الرسول، بل هو شريك لله في الألوهية والعبودية، نعوذ بالله من هذا الفهم، وهذا محال في العقل والشرع، وقد دل الكتاب والسنة على أن حوائج الخلق لا يقضيها إلا الله

стр. 8081

بالدعاء المشروع بدون واسطة بين الله وخلقه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. ومن اتخذ النبيين والملائكة أربابًا، فهو كافر، وتحديد مساكن الأبدال، والنقباء، والنجباء، والأقطاب، في الشام أو مصر أو الأقاليم السبعة، كل ذلك لا أصل له ومن القول على الله بغير علم، فإن خير الأمم من المهاجرين والأنصار كانوا بالمدينة النبوية، ولما فتحت الأمصار كان في مصر من خير المسلمين من لا يحصيه إلا الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. والقطب والغوث ليس أعظم من الرسل، فإن جميع الرسل كانوا يدعون الله وحده عند الشدائد، فيجيب دعاءهم، كما قال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وقال نوح ﷺ حينما دعا على قومه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر: ١٠ - ١٤].

стр. 8082

فالملك بيد واحد، والخلق بيد واحد، والأمر بيد واحد لا شريك له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. والله سبحانه لم يأمر مخلوقًا ليسأل مخلوقًا آخر، بل أمرنا أن نتوجه إليه وحده في جميع حوائجنا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والقطب والغوث والنجباء، لا أصل لهذه الأسماء في الكتاب والسنة، فما أعظم تلاعب الشيطان بالعباد، وما أشد عقوبة من افترى على الله الكذب: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١] فنسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يريهم الحق حقًا، ويرزقهم إتباعه، ويريهم الباطل باطلا، ويرزقهم اجتنابه.

стр. 8083

٥٨ - خزائن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة

стр. 8084

٥٨ - خزائن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ١ - الخزانة الأولى • فقه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: المعروف: هو التوحيد والإيمان والطاعات وكل خير. والمنكر: هو الشرك والكفر والنفاق والمعاصي وكل شر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهمان من سهام الإسلام، وهما وظيفة الأنبياء والرسل، وقد شرف الله بهما هذه الأمة، فهم خير الأمم إذا قاموا بذلك: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أصول الدين، وهما وظيفة الأنبياء والرسل، وهما وظيفة هذه الأمة، فهما واجبان على كل مسلم ومسلمة كما قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. والمسلم يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذه وظيفته التي شرفه بها ربه، وكلفه بها، ووعده على ذلك الثواب العظيم، والأجر الجزيل.

стр. 8085

والمسلم يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امتثالًا لأمر الله ورسوله إما رجاء الثواب الذي يحصل له عند القيام بهما، وإما خوف العقاب على تركهما، وتارةً الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارةً النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم وإنقاذهم مما وقعوا فيه من التعرض لعقوبة الله، وتارةً يحمل العبد على القيام بها إجلال الله وتعظيمه ومحبته، وأنه أهلٌ أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وتارةً لرؤية الشيطان يتلاعب بالعباد، ويسوقهم إلى المعاصي والفواحش فيغار الإنسان عليهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. أنا ثوابهم في الآخرة فكما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. والواجب شكر الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والدعاء لهم، وإكرامهم والوقوف معهم، فمن نبهك على وجود عقربٍ في بدنك، أو أهدى إليك هدية فعليك أن تشكره، وترضى عنه، وتدعو له، لا أن تمتعض منه. وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يصبر على إهانة الناس له، فإن كانت إهانتهم تعود لكوني مشاركًا في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأحيل ذلك الشخص إلى مُنزل القرآن، الذي استخدمني في هذه المهمة، فهو عزيزٌ حكيم.

стр. 8086

وإن كان كلامه من نوع تحقير وإهانة لشخصي بالذات، فهذا أيضًا لا يخصني، وإنما أنا كالأسير، وإهانة الأسير تعود إلى مالكه، فهو الذي يدافع عنه كما قال الرجل الصالح الناصح لقومه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٥]. ويجب على من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور: الأول: العلم بالمعروف والمنكر، والتمييز بينهما، والعلم بحال المأمور، وحال المنهي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وَقَال النَّبِيَّ ﷺ : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». متفقٌ عليه (١). الثاني: الرفق بالناس حال أدائهما، فالله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا كان العنف في شيءٍ إلا شانه، واللين يقطع أعظم مما يقطع السيف: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. الثالث: الحلم والصبر على الأذى من الناس كما قال سبحانه ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل: ١٠] وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]

стр. 8087

وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. فلابد من هذه الثلاثة: العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده ومعه. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلاهما لازم، لكن الأمر بالمعروف قبل النهي عن المنكر، والأمر بالمعروف هو الأصل، وبه يستقيم الناس على الدين، فإذا ركب الناس الفواحش، وغشوا المحرمات، وتركوا الطاعات، وأقبلوا على المعاصي، وجب تغيير هذه المنكرات كما قال النَّبِيَّ ﷺ : «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ». أخرجه مسلم (١). • فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لتغيير المنكر ثلاث درجات: الدرجة الأولى: تغيير المنكر باليد، وهذا خاص بولي الأمر، أو من ينيبه عنه، إذ جعل الله له القوة والسلطان والجاه، وخضوع الرعية له. وقد أمر الله بطاعته فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. فكل من مكنه الله في الأرض لزم عليه تغيير المنكر باليد، وذلك يشمل حاكم الدولة، والقاضي في محكمته، والقائد في جيشه، والمدير في مصلحته، والأب في منزله كما قال النَّبِيَّ ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ

стр. 8088

رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفقٌ عليه (١). الثانية: تغيير المنكر باللسان، وهذا خاص بالعلماء والدعاة، ويكون بالقول الحسن، والكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا يخشى في الله لومة لائم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. الثالثة: تغيير المنكر بالقلب، وهذا أضعف الإيمان، وأخر المراتب، وهو في الوقت نفسه مهم جدًا؛ ولذا يجب على كل مسلم ومسلمة من العامة والخاصة، ولا يسقط عن المكلف في كل زمان ومكان. قال النَّبِيَّ ﷺ : «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ». أخرجه مسلم (٢). والإنكار بالقلب يكون كالتالي: بغض المعصية التي رآها أو سمعها، التمني وهو أن يتمنى أن لو يستطيع أن يزيل هذا المنكر بيده أو لسانه، والدعاء بأن يدعو الله أن يزيل هذا المنكر، وأن يهدي قلب صاحبه إلى الصراط المستقيم.

стр. 8089

• أحوال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربعة أحوال: فتارةً يصلح الأمر، وتارةً يصلح النهي، وتارةً يصلح الأمر والنهي، وتارةً لا يصلح لا أمرٌ ولا نهي: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال الله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا، وينُهى عن المنكر مطلقًا، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]. والمنافع التي يجب على المسلم بذلها نوعان: منها ما هو حق المال كالزكاة الواجبة في الأموال لحاجة الفقراء والمساكين ونحوهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. ومنها ما هو واجبٌ لحاجة عامة الناس إليها، فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة كتعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم بينهم بالعدل، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإنقاذ الإنسانية من مهلكةٍ ونحو ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا

стр. 8090

وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقد أمرنا الله أن نأمر بالمعروف ونحبه ونرضاه ونحب أهله، وأمرنا أن ننهى عن المنكر ونبغضه ونسخطه ونبغض أهله ونجاهدهم. ففي المخلوقات والصفات والأعمال ما نبغضه ونسخطه ونكرهه، وفيها ما نحبه ونرضاه، وكل ذلك بقضاء الله وقدره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] وقال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]. وإذا كان الله يبغض السيئ منها ويكرهه وهو المقدر لها، فكيف لا يكرهها من أمره الله أن يكرهها ويبغضها، وقد أمر الله عباده بكل ما يحبه ويرضيه، ونهاهم عما يبغضه ويسخطه كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي سلطةً تأمر وتنهى، والأمر والنهي غير الدعوة، فالدعوة بيان، والأمر والنهي سلطان، وقد جمع الله بينهما في قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
следующие страницы →