هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ النبي ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ». متفق عليه (١).
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، وفيه قال النبي ﷺ : «فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ: ومَا دِينُكَ؟! فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟! فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٢).
• أما أنواع عذاب القبر، فعذاب القبر نوعان:
الأول: عذابٌ دائم لا ينقطع إلى قيام الساعة، وهو عذاب الكفار والمنافقين، كما قال سبحانه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٦].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إليه يَوْمَ القِيَامَة». متفق عليه (٣).
стр. 807
الثاني: عذابٌ له أمد ثم ينقطع، وهو عذاب عصاة الموحدين من المؤمنين، فيُعذب بحسب جرمه ومعصيته، ثم يخفف عنه العذاب، أو ينقطع بسب رحمة الله، أو حصول مكفرات للذنوب من صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، كما قال النبي ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابن آدم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عَمَلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (١).
وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَة». متفق عليه (٢).
ونعيم القبر للمؤمنين الصادقين، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠].
و قال النبي ﷺ : «فالمؤمن إذا أجاب الملكين في قبره يُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّة، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٣).
وينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه أمور كالشهادة في سبيل الله، والرباط في سبيل الله، ومن قتله بطنه ونحو ذلك.
стр. 808
• مستقر الأرواح بعد الموت:
مستقر الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة مختلفة، فالأرواح في البرزخ متفاوتة تفاوتًا عظيماً، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء والرسل عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواحٌ في صورة طير يعلق في شجر الجنة وهي أرواح المؤمنين.
ومنها أرواح في أجوافِ طير خضر تسرح في الجنة، وهي أرواح الشهداء.
ومنها أرواحٌ محبوسة في القبر كالغال من الغنيمة.
ومنها ما يكون محبوسًا على باب الجنة بسبب دين عليه.
ومنها ما يكون محبوسًا في الأرض بسبب روحه السفلية.
ومنها أرواحٌ في تنور الزناة والزواني، ومنها أرواح تسبح في نهر الدم وتلقم من حجارة وهم أكلة الربا.
وقال النبي ﷺ : «فَلَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهُ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال، قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال». أخرجه مسلم (١).
стр. 809
٦ - الخزانة السادسة
• المشهد الثاني من مشاهد يوم القيامة:
• أشراط الساعة:
العلم بوقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، فلا يعلمه ملكٌ مقرب، ولا نبيٌ مُرسل، ولا غيرهم، كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣].
• أما علامات الساعة:
فقد أخبر النبي ﷺ بأمارات، وعلامات، وأشراطٍ، تدل علي قرب قيام الساعة، وهي:
علامات صغرى .. وعلامات كبرى.
الأول: أشراط الساعة الصغرى:
علامات الساعة الصغرى ثلاثة أقسام:
الأول: علامات وقعت وانتهت ومنها:
بعثة النبي ﷺ ، وموت النبي ﷺ ، وانشقاق القمر آية له ﷺ ، وفتح بيت المقدس، وخروج نار من أرض الحجاز، كما قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١].
وقال النبي ﷺ لعوف بن مالك: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانِ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ
стр. 810
إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا». أخرجه البخاري (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تَخْرجَ نَارٌ مِنْ أرضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإبْلِ بِبصْرَى». متفق عليه (٢).
الثاني: علامات ظهرت ولا زالت مستمرة.
ومنها ظهور الفتن، ظهور مدعي النبوة، انتشار الأمن، قبض علم الشرع، ظهور الجهل، كثرة الشُّرَط وأعوان الظلمة، ظهور المعازف واستحلالها، ظهور الزنا، كثرة شرب الخمر واستحلالها، تطاول الحفاة العراة رعاء الشاة في البنيان، تباهي الناس في المساجد وزخرفتها، كثرة الهرج وهو القتل، تقارب الزمان.
إسناد الأمر إلى غير أهله، رفع الأشرار، ووضع الأخيار، ويُفتح القول، ويُخزن العمل، تقارب الأسواق، ظهور الشرك في هذه الأمة، كثرة الشُح، كثرة الكذب، كثرة المال، فشو التجارة، كثرة الزلازل، تخوين الأمين، وائتمان الخائن، ظهور الفُحش، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار، ارتفاع الأسافل، بيع الحكم، تسليم الخاصة، التماس العلم عند الأصاغر، ظهور القلم، ظهور الكاسيات العاريات، كثرة شهادة الزور، كثرة موت الفجأة، عدم تحري الرزق الحلال.
عَوْد أرض العرب مروجاً وأنهاراً، تكليم السباع للإنس، تكليم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحَدَّث أهله بعده، أن تُحاصَر
стр. 811
العراقُ ويُمنع عنها الطعام والدرهم، ثم تُحاصَر الشامُ ويُمنع عنها الطعام والدينار، ثم تكون هدنة بين المسلمين والروم، ثم يغدر الروم بالمسلمين.
فعن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسولَ الله ﷺ وهو مستقبلُ المشرقِ يقولُ: «أَلا إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، أَلا إنَّ الفِتْنَةَ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». متفق عليه (١).
الثالث: علامات لم تظهر، وستقع بلا شك كما أخبر النبي ﷺ ومنها: انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب، فتح القسطنطينية بدون سلاح، قتال الترك، قتال اليهود ونصر المسلمين عليهم، خروج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ويدينون له بالطاعة، قلة الرجال وكثرة النساء حتى يكون لخمسين امرأة قَيِّم واحد، نفي المدينة لشرارها ثم خرابها، هدم الكعبة على يد رجل من الحبشة يقال له ذو السويقتين، ثم لا تعمر بعده، وذلك آخر الزمان. والله أعلم، والله المستعان.
وجميع ما ذكرنا من العلامات السابقة ثبتت بالأحاديث النبوية الصحيحة.
الثاني: أشراط الساعة الكبرى:
علامات الساعة الكبرى عشر:
عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ﵁، قَالَ: «اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَر الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ:
стр. 812
خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ». أخرجه مسلم (١).
الأول: خروج الدجال:
الدجال: هو رجلٌ من بني آدم يظهر في آخر الزمان، ويدعي الربوبية، يخرج من المشرق، من خراسان، ثم يسير في الأرض فلا يترك بلدًا إلا دخله إلا مسجد المقدس، والطور، ومكة، والمدينة فلا يستطيع دخولها؛ لأن الملائكة تحرسها، ينزل بالسبخة في المدينة فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافرٍ ومنافق.
• وقت خروج الدجال:
عن عبد الله بن عمر قال: «كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ؟ قَالَ هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٢).
• فتنة الدجال:
стр. 813
خروج الدجال فتنة عظيمة بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول، فقد ثبت أن معه جنة ونارًا، ناره جنة، وجنته نار، وأن معه جبال الخبز، و أنهار الماء، يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتبنت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة كالغيث إذا استدبرته الريح، يمكث في الأرض أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، ثم يقتله عيسى ابن مريم ﷺ عند باب لُد بفلسطين.
• صفات الدجال:
حذرنا الرسول ﷺ من إتباع الدجال أو تصديقه، وبين لنا صفاته لنحذر منه، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مسلم:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ، جَعْدٌ أَعْوَرُ، مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلَا حَجْراءَ، فَإِنْ أَلْبَسَ عَلَيْكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (١).
• مكان خروج الدجال:
عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ وفيه: «إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا». أخرجه مسلم (٢).
• الأماكن التي لا يدخلها الدجال:
стр. 814
عن أنَس بْن مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ». متفق عليه (١).
وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ذكر الدجال وفيه قال: «لَا يَقْرَبُ أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدَ الحَرَامِ، وَمَسْجِدَ المَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ الطُّورِ، وَمَسْجِدَ الأَقْصَى». أخرجه أحمد بسند صحيح (٢).
• أتباع الدجال:
أكثر أتباع الدجال من اليهود، والعجم، وأخلاطِ من الناس، غالبهم من الأعراب والنساء.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ، سَبْعُونَ أَلْفاً عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ». أخرجه مسلم (٣).
• الوقاية من فتنة الدجال:
تكون بالإيمان بالله ، والتعوذ بالله من فتنة الدجال خاصة في الصلاة، والفرار منه، وحفظ أول سورة الكهف.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أوَّلِ سُورَةِ الكَهْف، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ، وفي لفظٍ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ». أخرجه الإمام مسلم (٤).
الثاني من أشراط الساعة الكبرى: نزول عيسى بن مريم ﷺ :
стр. 815
بعد خروج الدجال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى بن مريم ﷺ فينزل إلى الأرض عند المنارة البيضاء شرق دمشق، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، فيقتل الدجال عند باب لُد، ويحكم بالإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتذهب الشحناء، يمكث سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يموت ويصلى عليه المسلمون.
ثم يُرسل الله ريحًا باردة طيبة من قبل الشام، فلا يبقى علي وجه الأرض أحدٌ في قبله مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، يتهارجون تهارج الحُمر، ثم يأمرهم الشيطان بعبادة الأوثان، وعليهم تقوم الساعة.
قال الرسول ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». أخرجه البخاري (١).
ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩].
الثالث من أشراط الساعة الكبرى: خروج يأجوج ومأجوج:
يأجوج ومأجوج أمتان عظيمتان من بني آدم، وهم رجال أقوياء لا طاقة لأحدٍ بقتالهم، وخروجهم من أشراط الساعة الكبرى، يفسدون في الأرض، ثم يدعو عليهم عيسى بن مريم ﷺ وأصحابه، فيموتون، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
стр. 816
(٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال وأن عيسى يقتله بباب لُد، وفيه: «إذ أوحى الله إلى عيسى يَا عِيسَى، إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فأَحْرِزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء: ٩٦].
فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، ثُمَّ يَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ فِي هَذَا مَاءٌ مَرَّةً، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عيسى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَيَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى الأرض». أخرجه مسلم (١).
وبعد نزول عيسى ﷺ وأصحابه إلى الأرض يدعو الله، فيرسل الله طيورًا تحمل يأجوج ومأجوج، وتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا يغسل الأرض، ثم تنزل البركة في الأرض، وتظهر البقول والثمار، وتحل البركة بالنبات والحيوان.
الرابع والخامس والسادس من علامات الساعة الكبرى: الخسوفات الثلاثة:
الخسوفات الثلاثة من أشراط الساعة الكبرى وهي:
خسف بالمشرق .. وخسف بالمغرب .. وخسف بجزيرة العرب.
وهي لم تقع بعد.
стр. 817
السابع من أشراط الساعة الكبرى الدخان:
ظهور الدخان في آخر الزمان من علامات الساعة الكبرى كما قال سبحانه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [الدخان: ١٠ - ١١].
وقال النبي ﷺ : «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا، طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَالدَّابَّةَ، وَخَاصَةَ أَحَدِكُمْ أَوِ أمر الْعَامَّةَ». أخرجه مسلم (١).
• الثامن من أشراط الساعة الكبرى: طلوع الشمس من مغربها:
طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى، وهي أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، ومن أدلة خروجها قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وقال النبي ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، يومئذٍ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].». أخرجه البخاري (٢).
وقال ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا». أخرجه مسلم (٣).
стр. 818
٧ - الخزانة السابعة
التاسع من أشراط الساعة الكبرى: خروج الدابة:
خروج دابة الأرض في آخر الزمان علامة على قرب قيام الساعة فتخرج فتسم الناس على خراطيمهم، تخطم أنف الكافر، وتجلو وجه المؤمن بالخاتم، ومن أدلة خروجها: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].
وقال النبي ﷺ : «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدُّخَانُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ». أخرجه مسلم (١).
العاشر من أشراط الساعة الكبرى: خروج النار التي تحشر الناس:
وهي نارٌ عظيمة تخرج من المشرق، من اليمن، من قعر عدن، وهي آخر أشراط الساعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة، فتخرج من اليمن، ثم تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر في الشام.
كيفية حشر الناس بالنار:
عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِينً، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ، حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» متفق عليه (٢)
стр. 819
• أول أشراط الساعة:
عن أنس ﵁: أن عبد الله بن سلام لما أسلم سأل النبي ﷺ عن مسائل، ومنها ما أول أشراط السَّاعة؟ فقال النبي ﷺ : «أمَّا أوَّلُ أشْراطِ الساعةِ؛ فنارٌ تَحْشُرُ الناسَ من المشرقِ إلى المَغْرِبِ». أخرجه البخاري (١).
فإذا ظهرت أشراط الساعة الصغرى، ثم ظهر أول أشراط الساعة الكبرى تتابعت بعدها الآيات يتلو بعضها بعضًا.
كما قال النبي ﷺ : «الْأَمَارَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ بِسِلْكٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ السِّلْكُ تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا «أخرجه الحاكم بسند صحيح (٢).
• المشهد الثالث النفخ في الصور، والبعث، والحشر:
• النفخ في الصور مرتان:
الأولي: تبدأ بالفزع: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ [النمل: ٨٧].
وتنتهي بالصعق لجميع الخلق إلا من شاء الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
والنفخة الثانية: نفخة البعث، فيجمع الله الأجساد البالية بقدرته، ثم تُعاد الأرواح إلى الأجساد، ثم ينزل الله من السماء ماءًا فينبت أهل القبور من ذلك، فإذا تم خلقهم نفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية، فطارت أرواحهم إلى أجسادهم، ثم انشقت الأرض عنهم، فخرجوا من قبورهم
стр. 820
سراعًا، كما قال سبحانه: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾ [القمر: ٧].
ثم يحشر الخلق إلى رب العباد لفصل القضاء كما قال سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس: ٥١ - ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ [النبأ: ١٨ - ١٩].
والصور قرن كالبوق يأمر الله إسرافيل ﷺ أن ينفخ في الصور النفخة الأولى وهي نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يأمره أن ينفخ النفخة الثانية وهي نفخة البعث، فإذا الخلائق قيامٌ ينظرون، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
• مقدار ما بين النفختين:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ». متفق عليه (١).
стр. 821
• متى تقوم الساعة:
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طَرَفَ صَاحِبُ الصُّورِ مُنذْ وُكِّلَ بِهِ مُسْتَعِدً يَنْظُرُ نَحْوَ الْعَرْشِ، مَخَافَةَ أَنْ يُؤْمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ». أخرجه الحاكم بسند صحيح (٢).
• البعث والحشر:
الدور التي يمر بها العبد بعد خروجه من بطن أمه ثلاث:
الأولى: دار الدنيا، وهي دار تكميل الإيمان، والأعمال الصالحة.
الثانية: دار البرزخ، وهي دار الانتظار للبعث.
الثالثة: دار القرار في الجنة أو النار.
وقد جعل الله لكل دارٍ أحكام تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن وروح، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعٌ لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعٌ لها، وجعل أحكام يوم القيامة من النعيم والعذاب على الأبدان والأرواح معًا.
والبعث هو إحياء الموتى حين يُنفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا غير مختونين، ويُبعث كل عبد على ما مات عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ
стр. 822
الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس: ٥١ - ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦].
• صفة البعث:
ينزل الله من السماء ماءًا فينبت الناس كما ينبت البقل، كما قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى مَاءً مِنَ السَّمَاءِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى، إِلا عَظْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَجْبُ الذَّنْبِ، وَفِيهِ يْرَكَبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». متفق عليه (١).
• أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة:
وأول من ينشق عنه القبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أنا سيِّدُ ولدِ آدم، وأولُ مَنْ ينشقُّ عنه القَبر، وأوَّل شافع، وأوَّل مشفَّعٍ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 823
• من يُحشر يوم القيامة:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٨ - ٤٩].
• صفة أرض المحشر:
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨].
وعن سهل بن سعد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عْلَمٌ لِأَحَدٍ». متفق عليه (١).
• صفة حشر الخلق يوم القيامة:
• حشر الخلائق يوم القيامة له حالتان:
الأولى: حشرٌ من القبور إلى محل القضاء، وهذا يكون بحشر الناس مشاة حفاة عراة غُرلًا.
стр. 824
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ ﷺ : يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ». متفق عليه (١).
الثانية: حشر المؤمنين والكفار من محل القضاء إلى الجنة أو النار، كما قال سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧].
• ويحشر المؤمنون أو الكفار من محل القضاء إلى الجنة أو النار كما يلي:
الأول: يحشر المؤمنون وفدًا مكرمين إلى ربهم، ثم الجنة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
وقال : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣]
ثانيًا: يحشر الكافرون على وجوههم عميًا، وبكمًا، وصمًا، عطاشًا، زرقًا، مقرنين، يُحبس أولهم على آخرهم، فيساقون إلى النار مجتمعين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾ [الإسراء: ٩٧ - ٩٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦].
стр. 825
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ [فصلت: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم: ٤٨ - ٥١].
وعن أنس ﵁: أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا نَبِيَّ اللَّهِ، يُحْشَرُ الكَافِرُ علَى وجْهِهِ يَومَ القِيَامَةِ؟! قالَ: أليسَ الذي أمْشَاهُ علَى الرِّجْلَيْنِ في الدُّنْيَا قَادِرًا علَى أنْ يُمْشِيَهُ علَى وجْهِهِ يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ قَتَادَةُ: بَلَى وعِزَّةِ رَبِّنَا». متفق عليه (١).
ثالثاً: يحشر الله يوم القيامة الدواب، والبهائم، والوحوش، والطيور، ثم يحصل القصاص بين الدواب، فيقتص للشاة الجماء من القرناء نطحتها، فإذا فرغ الله من القصاص بين الدواب قال لها: كوني ترابًا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].
• لقاء الله في الآخرة:
كل إنسان سوف يلاقي ربه يوم القيامة بما عمل من خيرًا أو شر المؤمن والكافر، والبار والفاجر، كما قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ
٨ - الخزانة الثامنة
• مقدار يوم القيامة:
أولاً: الأيام التي خلق فيها الله السماوات والأرض طول الواحد منها ألف سنة، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧].
ثانيًا: مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى في يوم مقداره ألف سنة، كما قال سُبحَانَه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٥].
ثالثاً: مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة، كما قال سبحانه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٤ - ٧].
ويوم القيامة أخف على المؤمن منه على الكافر، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].
والله وعد المؤمنين والمؤمنات، وتوعد المشركين والمشركات:
أولًا: وعد الله للمؤمنين بالخير والأجر والثواب فإنه واقعٌ لا محالة كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
ثانيًا: ما توعد الله به الكفار من العذاب واقعٌ لا محالة قطعًا، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧].
стр. 828
وكما قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
ثالثاً: أما ما توعد الله به عصاة المسلمين، فهذا يجوز أن ينفذه الله أو يعفو عن صاحبه، كما قال سُبحَانَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
فما وعد الله به المؤمنين من النعيم والثواب واقعٌ قطعًا، وما وعد الله به الكفار واقعٌ قطعًا لا يتغير ولا يتبدل، لا يمكن أن يُخلف الله وعده بحال؛ لأن الله لا يبدل القول لديه، كما قال : ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩].
فكل كافرًا ومشرك مات على كفره فهو في النار قطعًا كما قال : ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ [الحج: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
• أهوال يوم القيامة:
يوم القيامة يومًا عظيم أمره، شديدٌ هوله، يصاب فيه العباد بالرعب والفزع، وتشخص فيه أبصار الظلمة، جعله الله على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر، وعلى الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وهذه صورٌ من أهواله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٦].
أين يكون الناس يوم تبدل الأرض والسماوات؟:
عن ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاءه حبرٌ من أحبار اليهود فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ الناس حين تبدل الأرض غير الأرض والسَّماوَات؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ وفي رواية على الصراط». أخرجه مسلم (١).
• شدة الحرارة في الموقف:
يجمع الله الخلائق بعد بعثهم في ساحة واحدة في عرصات القيامة، وذلك لفصل القضاء حفاةً عراةً غرلًا، فتدنو الشمس في ذلك اليوم، ويذهب العرق سبعين ذراعًا، ويعرق الناس على قدر أعمالهم.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقبض الله الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة ويطوي السَّمَاء بِيَمِينِهِ، وَيَقُول: أَنا الْملك أَيْن مُلُوك الأَرْض». متفق عليه (٢).
وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ في الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِن وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا قَالَ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ». أخرجه مسلم (٣).
• من يُظلهم الله في الموقف؟
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ
стр. 831
طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَخْفَاهَا، حتى لَا تَعْلَمُ شماله مَا تُنْفِقُ يمينه، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه (١).
وعن عُلقمة بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». أخرجه أحمد بسند صحيح (٢).
• المشهد الرابع: فصل القضاء:
• مجيء الله لفصل القضاء:
يجئ الله يوم القيامة لفصل القضاء، فتشرق الأرض بنوره، وتوجل الخلائق لهيبته، وعظمته، وجلاله، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨].
وقال النبي ﷺ : «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ». متفق عليه (٣).
وإذا حُشر الناس إلى ربهم يوم القيامة، وبلغ العناء منهم مبلغًا عظيمًا من شدة الهول، وصعوبة الموقف، يرغبون إلى ربهم في أن يحكم فيهم،
أَحَدٍ قَبْلِي. ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ.
فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ. ثم قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى». متفق عليه (١).
ثم يفصل الله بين الناس، فتعطى الكتب، وتوضع الموازين، ويحاسب الناس، فآخذًا كتابه بيمينه إلى الجنة، وآخذًا كتابه بشماله إلى النار، ثم يفصل الله بين الخلائق كما قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «قُلْنا: يا رسُول الله! هلْ نَرى رَبَّنا يوْمَ القِيامة؟ قال: هلْ تُضارُّونَ في رُؤْيةِ الشَّمسِ والقَمَرِ إِذا كانتْ صَحْواً؟؟ قُلْنا: لا، قال: فَإِنَّكُمْ لا تُضارُّونَ في رُؤْيةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئذٍ إلا كما تُضارُّونَ في رُؤْيتِهما، ثُم قال: يُنادِي مُنادٍ: لِيَذْهَبْ كلُّ قوْمٍ إلى ما كانوا يَعْبُدُون، فيَذْهبُ أَصْحابُ الصَّليبِ معَ صَليبِهِمْ، وَأَصْحابُ الأَوْثانِ مَعَ أوْثانِهِمْ، وَأَصحاب كُلِّ آلِهةٍ مع آلِهَتِهم، فلا يبقى مَنْ كانَ يعبُدُ غيرَ اللهِ مِنَ الأصْنامِ والأنْصَابِ إلا يتساقطون في النارِ، حتى يبْقى مَنْ كانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرّ أَوْ فاجِرٍ، وَغُبَّراتٍ مِنْ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كأَنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بعضُها بعضًا.
فيُقالُ لِلْيَهُودِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَا نَعْبُدُ عُزَيْرَ بنَ اللهِ، فيُقال: كَذَبْتُم، لم يكنْ للهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٍ، فما تُريدون؟ قالوا: عطشنا، نُرِيدُ أنْ
стр. 834
تَسْقِيَنا، فيُقالُ: اشْربُوا، فيَتَساقَطُون في جَهَنَّم، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُم تَعْبدون؟ فيَقُولونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المسيحَ بنَ الله، فَيُقالُ: كَذَبْتُم لم يكنْ للهِ صاحِبة ولا ولد، فما تُرِيدُون؟ فيقُولون: نُريدُ أنْ تَسْقِيَنا، فيُقالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَساقَطُون، حَتَّى يَبْقى من كانَ يعبدُ اللهَ من بَرٍّ أو فاجرٍ.
فيُقالُ لهم: ما يَحْبِسُكُم وقد ذهب الناسُ؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحْوجُ مِنا إليهِ اليومَ، وإنّا سمعنا مُناديا يُنادي: لِيلْحَقْ كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون، وإنّما ننتظر ربَّنا، قال: فيأتيهم الجبّار في صورةٍ غيرِ صورتهِ التي رأوه فيها أوّل مرَّةٍ، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا، فلا يُكَلِّمُهُ إلا الأنبياءُ.
فيقولُ: هل بينَكُم وبينَهُ آيةٌ تَعرفونَه؟ فيقولون: السَّاقُ، فيكشِفُ ربُّنا عن ساقِهِ، فيسْجُدُ له كل مؤمنٍ، ويبقى مَنْ كانَ يسجدُ رياءً وسمعةً، فيذهب كَيْما يسجدَ، فيعودُ ظهرهُ طَبَقاً واحداً، ثم يُؤتى بالجِسرِ فيُجْعَلُ بين ظهريْ جَهنَّمَ، قُلْنا: يا رسول الله! وما الجسْرُ؟ قال: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خطاطيفُ، وكلاليبُ، وحسكةٌ مُفلطحةٌ لها شوْكةٌ عُقيفاءُ تكون بنجْدٍ، يُقال لها: السَّعْدان، المؤمن عليها كالطَّرْفِ، وكالبرقِ، وكالريحِ، وكأجاويدِ الخيلَ والرِّكابِ، فناجِ مُسَلَّمٌ، وناجِ مَخْدوشٌ، ومكدُوسٌ في نار جهنَّمَ.
حتى يَمُرَّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْباً، فما أنتم بأَشدَّ لي مُناشَدةً في الحقِّ قد تبيَّنَ لكم مِنَ المؤمنِ يوْمئذٍ للجبَّارِ، وإذا رأَوْا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربَّنا إخوانُنا الذين كانوا يُصَلُّونَ معنا، ويصومونَ معنا، ويعْملون معنا، فَيَقُولُ الله تعالى: اذْهَبُوا؛ فمَنْ وجدتم في قلبه مثقالَ دينارٍ من إيمانٍ فأخرِجُوهُ، ويُحَرِّمُ الله صُوَرَهُم على النارِ، فيأْتُونَهُم.
стр. 835
وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمِه، وإلى أنصافِ ساقيهِ فَيُخْرِجُونَ من عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودونَ، فيقولُ: اذْهَبُوا، فمن وجدتم في قلبهِ مثقالَ نصفِ دينارٍ فأخرِجوه، فيخرجون من عَرَفوا، ثم يعودون، فيقُول: اذْهبُوا، فمن وجدتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ من إيمان فأَخْرِجُوه، فيُخرِجونَ من عرفوا، قال أبو سعيدٍ: فإن لمْ تُصدِّقُوا فَاقْرؤُا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
فيشْفَعُ النَّبيونَ، والملائكةُ، والمؤمنونَ، فيقول الجبَّارُ: بَقِيَتْ شفاعتي، فيقبضُ قبْضةً من النار فَيُخْرِجُ أقواماً، وفي روايةٍ: إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، يقولُ الله: مَنْ كانَ في قلبهِ مثقال حبَّة من خردل من إيمان فأخْرِجوه، فيخرجون قد امْتُحِشُوا وفي روايةٍ: اسْوَدُّوا فيُلْقَون في نَهْرٍ بأفواهِ الجنَّةِ، يُقال له: ماءُ الحياةِ، فيَنْبُتُون في حافتَيْهِ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَيْل قد رأيتُموها إلى جانبِ الصَّخْرةِ، إلى جانبِ الشَّجرةِ، فما كان إلى الشمسِ منها كان أَخْضَرَ.
وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبْيضَ، فيخرُجونَ كأنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ في رقابهم الخواتيمُ، فيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: هؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحمنِ، أَدْخَلهُمُ الجنَّةَ بغيرِ عملٍ عملُوه، ولا خيْرٍ قدَّمُوهُ، فيُقالُ لَهُمْ: لكم ما رأيتُم، ومِثلُهُ مَعَهُ». أخرجه مسلم (١).
стр. 836
٩ - الخزانة التاسعة
• حساب الخلائق يوم القيامة:
الله له الخلق والأمر، ومن عظمة الله أنه يدبر أمور عباده كلهم في آن واحد، ومن عظمة شأنه أنه يبدل أحوال العالم كله في آن واحد، لا يشغله شأنٌ عن شأن، ولا أحدٌ عن أحد، يرفع ويخفض، ويعز ويذل، وينجي ويهلك، ويقبض ويبسط، ويعطي ويمنع، ويغني ويفقر، ويهدي ويضل، وينصر ويخذل، ويسعد ويشقي، فعالٌ لما يريد، فعالٌ لما يشاء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
فقضاء الله لجميع الكائنات في آن واحد على وفق الحكمة، والعدل، والرحمة والإحسان، فإن الله لا يظلم أحدًا مثقال ذرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
ويحاسب الله عباده يوم القيامة على مثقال الذرة، وهذا عدله، أما كرمه فلا حد له، فمحاسبة الله لعباده دقيقة، شاملة للصغائر والكبائر، لكن المؤمن يحاسب حسابا يسيرًا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
ومن يعمل مثقال ذرة من خير أو شر سوف يحاسب عليه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
стр. 837
ولكنه مع هذا كريمٌ، وعفوٌ غفورٌ، رحيمٌ بعباده.
وهو سبحانه قائمٌ على كل نفسٍ بما كسبت، وقائمٌ على كل مخلوق، بل على كل مثقال ذرة من ملكه العظيم، وهو بالمرصاد لكل من عمل من خيرٍ أو شر، بالثواب أو بالعقاب: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤].
فيعطي العزيز الرحيم ﷻ على الحسنة كرامات في الدنيا، وفي القبر، وفي الحشر، وفي الجنة، ويعطي على السيئة عقوبات في الدنيا، وفي القبر، وفي الحشر، وفي النار.
فيعطيك أيها المؤمن على قدر العمل الصالح هداية: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
ثم يعطيك رحمة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
ثم يعطيك بركة على قدر العمل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
ثم يعطيك طمأنينة، طمأنينة على قدر حسن العمل، وكمال اليقين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩].
ويعطيك بفضله بلا عمل منك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
стр. 838
وكل إنسان يوم القيامة سيُسأل عشرة أسئلة:
فيسأل في القبر عن ثلاثة أمور:
١ - من ربك؟.
٢ - ما دينك؟.
٣ - من نبيك؟.
ويسأل في عرصات القيامة سؤالين:
١ - ماذا أجبتم من المرسلين؟.
٢ - ثم يسأل ماذا كنتم تعملون؟.
• وكذلك يسأل يوم القيامة عن خمسة أمور:
١ - عن عمره فيما أفناه.
٢ - وعن شبابه فيما أبلاه.
٣ - وعن علمه ماذا عمل به.
٤ - وعن ماله من أين اكتسبه.
٥ - وفيما أنفقه.
هذه عشرة أمور يُسأل عنها العبد بعد موته: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
وقال النبي ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاه». أخرجه الترمذي والدارمي بسند صحيح (١).
стр. 839
• نصب الموازين:
توضع الموازين يوم القيامة لحساب الخلائق، ويتقدم الناس واحدًا واحد للحساب، فيحاسبهم ربهم ويسألهم عن أعمالهم، فإذا تم الحساب كان بعده وزن الأعمال بالميزان، وهو ميزانٌ حقيقي له كفتان: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة/ ٦ - ١١].
• كيفية الوزن يوم القيامة:
توزن أعمال العباد يوم القيامة من حسنات، أو سيئات، فمن رجحت حسناته فاز، ومن رجحت سيئاته هلك، يوزن العامل، وعمله، وصحيفة عمله، إظهارًا لعدل الله سبحانه بين جميع عباده، وأثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم القيامة حُسن الخُلق: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].
стр. 840
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٥].». متفق عليه (١).
• حكم أعمال الكفار في الآخرة:
الكفار والمنافقون لهم حسابٌ مع المحاسبين يوم القيامة.
فالكفار والمنافقون لا تقبل قربهم، وطاعاتهم؛ لفقدها شرطها وهو الإيمان، وأعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وينادى بهم على رؤوس الخلائق يوم القيامة هؤلاء الذين كذبوا على ربهم: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٢ - ٢٣].
رؤية الأعمال يوم القيامة:
تعرض أعمال العباد يوم القيامة، ويرى المرء عمله وهو يباشره صغيرًا كان أو كبيرًا، خيرًا كان أو شرًا كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا
стр. 841
لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
حكم الأطفال يوم القيامة:
أطفال المؤمنين يدخلون الجنة كما يدخلها الكبار على صورة أبيهم آدم ﷺ ، وكذلك أطفال المشركين، ويتزوجون كما يتزوج الكبار فضلًا من الله ورحمة، ومن مات ولم يتزوج من النساء أو الرجال فإنه يتزوج في الآخرة فليس في الجنة أعزب: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس: ٥٥ - ٥٦].
الشفاعة:
الشفاعة هي طلب العون والخير للغير.
وأقسام الشفاعة كثيرة، فالشفاعة يوم القيامة قسمان:
النوع الأول: شفاعة خاصة بالنبي ﷺ وهي أنواع منها:
أولاً: شفاعته ﷺ في أهل الموقف، ليقضى بينهم، فيشفع فيهم، ويقضي الله بينهم، وهي المقام المحمود له، وهي الشفاعة العظمى.
ثانياً: شفاعته ﷺ في أناس من أمته فيدخلون الجنة بغير حسابًا ولا عذاب، وهو السبعون ألفاً، حيث يقول الله له: «أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ». أخرجه مسلم (١).
ثالثاً: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة.
стр. 842
رابعًا: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.
خامسًا: شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه، فيخرجه من غمرات النار إلى ضحضاح يغلي منه دماغه.
سادسًا: شفاعته ﷺ أن يؤذن لجميع المسلمين في دخول إلى الجنة.
النوع الثاني: شفاعة عامة للنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، وهي الشفاعة فيمن استحق النار من المسلمين أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يُخرج منها، كما قال سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا». متفق عليه (١).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَشفعُ الشهيدُ في سبعينَ من أهلِ بيتهِ». أخرجه أبو داود بسند صحيح (٢).
ويشترط لهذا الشفاعة شرطان:
الأول: إذن الله بالشفاعة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 843
الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له، كما قال سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦].
والكافر لا شفاعة له، فهو مخلدٌ في النار، لا يدخل الجنة ولو فُرض أن أحد شفع له لن تنفعه الشفاعة كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨].
• طلب شفاعة النبي ﷺ :
من أراد شفاعة النبي ﷺ فليطلبها من الله كان يقول: اللهم ارزقني شفاعة نبيك ﷺ ، ويُتبع ذلك بالعمل الصالح المُوجب لها من إخلاص العبادة لله وحده، والصلاة على النبي ﷺ ، وسؤال الوسيلة له.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ». أخرجه البخاري (١).
стр. 844
١٠ - الخزانة العاشرة
• الحوضُ والصراط:
• صفة حوض النبي ﷺ :
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ١ - ٣].
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فلَا يَظْمَأُ أَبَدًا». متفق عليه (١).
وفي لفظٍ: «عرضه مثل طوله ما بين عمَّان إلى أيْلة ماؤُه أشدُّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل». أخرجه مسلم (٢).
وعن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى صَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ». متفق عليه (٣).
• من يُطرد عن الحوض؟
عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجلُونَ عَنِ الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى». أخرجه البخاري (٤).
والرهط من الثلاثة إلى العشرة.
стр. 845
• الصراط:
الصراط هو الجسر المنصوب على ظهر جنهم، يعبر المسلمون عليه إلى الجنة.
• من يمر على الصراط؟:
الذين يمرون على الصراط هم المسلمون، أما الكفار والمشركون فتتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا من الأصنام والشياطين ونحوهما من الآلهةِ الباطلة، فترد النار مع معبودها أولاً، ولا تمر على الصراط.
ثم يلي بعد ذلك من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواءً كان صادقًا أم منافقًا، هؤلاء الذين يُنصب لهم الصراط.
ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم عن السجود، والنور الذي يعم المؤمنين فقط، فيعود المنافقون إلى الوراء إلى النار، ويعبر المؤمنون الصراط إلى الجنة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الحديد: ١٢ - ١٥].
ويكون المرور على الصراط بعد الحساب، ووزن الأعمال، والفراغ منها، ثم يضطر الناس إلى المرور على الصراط، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].