← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فصبر حتى أظهر الله دينه، وهاجر إلى المدينة، فشُرعت الأحكام، وعزّ الإسلام، وكمُل الدين، ثم مات صلى الله عليه وسلميوم الاثنين من ربيعٍ الأول لعام أحد عشر من الهجرة، وعمره ثلاثٌ وستون سنة، ولحق بالرفيق الأعلى بعدما بلغ البلاغ المبين، وجاهد في الله حق جهاده، ودل الأمة على كل خير، وحذرها من كل شر، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها. فصلوات الله وسلامه عليه. • خصائصه ﷺ : من خصائص النبي صلى الله عليه وسلمأنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسالته عامة للثقلين، أرسله الله رحمةً للعالمين وأُسري به إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وناداه ربه بوصف النبوة والرسالة، وأُعطي جوامع الكلم، وقد خصه الله دون الأنبياء بخمس. قال النبي ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَحُرِّمَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً: مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَيَرْعَبُ مِنَّا عَدُوُّنَا مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». متفقٌ عليه (١). ومما يخصه ﷺ دون أمته: الوصال في الصيام، والزواج بلا مهر، ونكاح أكثر من أربع نساء، ولا تنكح أزواجه من بعده، وعدم أكل الصدقة، وأنه يسمع ما لا يسمع الناس، ويرى ما لا يرى الناس، كما رأى جبريل صلى الله عليه وسلمعلى صورته التي خلقه الله عليها، وأنه لا يُورث.

стр. 772

وأزواجه ﷺ هن أمهات المؤمنين في الدنيا والآخرة، وكلهن مسلماتٍ طيباتٍ، طاهراتٍ نقياتٍ صالحات تقياتٍ، مبرآتٍ من كل سوء يقدح في أعراضهن، وعددهن إحدى عشرة زوجة، وهن على الترتيب: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وسودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حُيي، وميمونة بنت الحارث ﵅ أجمعين. مات قبله منهن: خديجة وزينب بنت خزيمة، وتوفيت التسع الباقيات بعده، وأفضل أزواجه صلى الله عليه وسلمخديجة وعائشة ﵅ أجمعين. • أما أولاد الرسول صلى الله عليه وسلمفقد وُلد للرسول صلى الله عليه وسلمثلاثة أبناء: القاسم وعبد الله من خديجة، وإبراهيم من سريته مارية القبطية، وجميعهم ماتوا صغارًا. • أما البنات فولد له صلى الله عليه وسلمأربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكلهن وُلدن من خديجة، وتزوجن ومتن قبله إلا فاطمة ماتت بعده، وجميعهن مسلماتٍ طيباتٍ طاهرات، ﵁ أجمعين. • أصحاب النبي ﷺ : أما أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلمفهم خير القرون، ولهم فضلٌ عظيم على جميع الأمة، اختارهم الله لصحبة نبيه، فآمنوا باله ورسوله، وقاموا بنصرة الله ورسوله، وهاجروا من أجل الدين، وآووا ونصروا من أجل الدين، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم حتى رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأفضلهم المهاجرون ثم الأنصار.

стр. 773

عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «خيرُ الناسِ قَرْني، ثُم الذينَ يَلونَهُم، ثم الذينَ يَلونَهُم، ثُم يجيءُ مِنْ بَعْدِهم أقوام تَسْبِقُ شهادَةُ أحَدِهِمْ يَمينَهُ، ويَمينُهُ شَهادَتَهُ» متفقٌ عليه (١). ومن علامات الإيمان محبة الصحابة جميعًا بالقلب، والثناء عليهم باللسان، وكذلك آله ﷺ والترضي عنهم، والاستغفار لهم، والكف عما شجر بينهم، وعدم شتمهم، وذلك لما لهم من المحاسن والفضائل، والمعروف والإحسان، ونصرة الله ورسوله بالطاعة والجهاد في سبيل الله، والدعوة إليه، والهجرة والنصرة بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ﵃ أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحدَكُم أنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا؛ ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهِم ولا نَصِيْفَهُ». متفقٌ عليه (٢).

стр. 774

اللهم صل على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد اللهم ارض عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. • وظائف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. الله بعث أنبياءه ورسله إلى عباده لحكمٍ عظيمة، ومن ذلك: أولًا: عبادة الله وحده لا شريك له، ودعوة الناس إلى ذلك.: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. ثانيًا: قيادة الأمة في الدين والدنيا، كما قال : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال لمحمدٍ ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].

стр. 775

فمهمة الأنبياء إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وإخراج الناس من الضلالة إلى الهداية، ومن الشقاء إلى السعادة، في الدنيا والآخرة، وإجابة سؤال الناس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. ثالثًا: إيضاح الحق والأوامر والنواهي والأحكام للناس، وتفصيل الأحكام المجملة في القرآن: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. • وللسنة مع القرآن ثلاثة أحوال: الأول: أن تكون السنة مؤكدة لما أكد عليه القرآن من الأخبار والأحكام، فالقرآن دعا إلى الصلاة والزكاة، والصوم والحج، وصلة الأرحام، ومحاسن الأخلاق، والسنة جاءت بنصوصٍ تؤكد ذلك، كما قال النبي ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ». متفقٌ عليه (١). الثاني: أن تكون السنة النبوية مفصِّلة لما أُجمل في القرآن، فالقرآن أمر بالوضوء والصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، والسنة جاءت ببيان ذلك المجمل كما قال ص ﷺ : «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أخرجه البخاري (٢). وقال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» أخرجه مسلم (٣).

стр. 776

الثالث: أن تكون السنة جاءت بأحكامٍ سكت عنها القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم أكل كل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير، فالقرآن وحيٌ من الله، والسنة كذلك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ١ - ٤]. رابعًا: الشهادة على الأمة بأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وقاموا بواجبهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١].

стр. 777

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٥ - خزائن الإيمان باليوم الآخر القسم الأول وتشمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 778

٥ - خزائن الإيمان باليوم الآخر القسم الأول ١ - الخزانة الأولى فقه الإيمان باليوم الآخر: أركان الإيمان ستة، وهي: الإيمان بالله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الآخر .. والقدر خيره شره. والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، وهو أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله . فالله ﵎ خلق الإنسان وجعله يمر بأربع دور: الأول: بطن الأم. الثانية: ثم يخرج منها إلى دار الدنيا. الثالثة: ثم يخرج منها إلى القبر. الرابعة: ثم يخرج من القبر إلى دار القرار في الجنة أو النار، حسب عمله. والله ﵎ خلق الإنسان وجعله يمر بهذه الدور، وجعل لكل دارٍ أحكامًا تخصها، وجعل له في كل دار أجلًا، حتى يستقر في دار القرار في الجنة أو النار، وخلق الله الإنسان في بطن الأم، وأمهله تسعة أشهر حتى تكتمل أعضاؤه الداخلية والخارجية. فإذا كمُلت خرج من بطن الأم إلى بطن الدنيا، وهي دار الإيمان والعمل، وطلب منه تكميل الإيمان والأعمال الصالحة.

стр. 779

فبطن الأم مكان تكميل الأعضاء والجوارح، وبطن الدنيا مكان تكميل الإيمان والأعمال الصالحة، فإذا كمُلت مدته، وبلغ عمره، جاءه أجله، وخرج من الدنيا إلى مكان الانتظار وهو القبر، وهو برزخٌ يعذب فيه الإنسان أو يُنعم حسب عمله. فإذا اكتمل من قدر الله خلقه من أهل الجنة وأهل النار، قامت الساعة، وخرج الناس من قبورهم إلى دار القرار، حيث ينال المؤمنون كمال النعيم في الجنة، وينال أهل النار كمال العذاب في النار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. والإنسان في هذه الدنيا عبد مربوبٌ كغيره، هيأ الله له كل ما يحتاجه من الطعام، و الشراب، والسكن، واللباس، والمركب، والمال. فإذا جاء يوم القيامة هُدمت أبنية الدنيا، ودكت الأرض، وسُيرت الجبال، وشُقت السماء، وكورت الشمس، وانتثرت النجوم، وخسف القمر، وعُطلت العِشار، وتم تخريب هذا العالم وهدمه بأجمعه؛ لأنها انتهت الغاية منه، فالله ﵎ عزيزٌ حكيم، لما بنى للناس دار الدنيا للسكن بها، والتمتع بخيراتها، وجعل ما فيها زينة للأبصار، وعظة للاعتبار، والاستدلال بها على وحدانية الله وجميل صنعه، مما يقتضي الإيمان به، وإخلاص العبادة له، والعمل بدينه وشرعه. فلما انقضت مدة السكن بها، واستوفى كل إنسان رزقه وأجله وأثره وعمله، وحقت كلمة ربك علي فنائها، أجلاهم ربك منها، وهُدمت وخُربت لانتقال الخلق منها، وبُدلت بدار أخرى أبقى منها وأدوم، ثم نُقل الخلق إليها:

стр. 780

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨]. فالدنيا دار الفناء والزوال، والآخرة دار البقاء والخلود، والعبد المسلم في الدنيا كالأجير، والأجير حال اشتغاله بالعمل لا تُدفع له الأجرة كاملة؛ لأنه إذا أخذها كاملة لا يجتهد في العمل، فإذا أكمل عمله، كان له الحق في المطالبة بكامل أجرته: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وهكذا الإنسان يعبد ربه، ويمتثل أوامر خالقه، في الدنيا، فيسعده الله في الدنيا، ثم يوفي كامل أجرته يوم القيامة بعد فراغه من جميع أعماله. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وإذا كان محل أخذ الأجرة الكاملة هو الدار الآخرة، كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل. والله عزيزٌ حكيم منزه عن الظلم والعبث، وله عبيدٌ بعضهم أقوياء، وبعضهم ضعفاء، وهو رحيمٌ عدل فلابد أن يُنصف عباده المظلومين ممن ظلمهم، وإذا لم يحصل هذا في هذه الدار، فلابد من دارٍ أخرى يظهر فيها العدل والإنصاف وهي الدار الآخرة التي فيها الحُكم لله وحده: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].

стр. 781

والله سبحانه أمر بالطاعات، ورغب فيها بربط الثواب بفعلها، ونهى عن المعاصي والقبائح وحذر منها بربط العقاب بفعلها، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. والثواب المرغَب فيه، والعقاب المُهدد به، غير حاصلٍ كله في الدنيا، فلابد من دار أخرى يحصل فيها للعبد المطيع كمال الثواب، ويحصل للعبد المسيء كمال العقاب: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل: ٨٩ - ٩٠]. والحكمة تقتضي تمييز المحسن من المسيء، والظالم من المظلوم، والمؤمن من الكافر، وإكرام من أطاع، وإهانة من عصى، واقتصاص المظلوم ممن ظلمه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]. فالحساب واحد، والجزاء مختلف: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].

стр. 782

الدنيا دار الإيمان والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب. والدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. والسجين في الدنيا له أربع صفات: الأول: الزهد في كل شيء. الثاني: القناعة بأي شيء من الطعام واللباس والسكن. الثالث: السمع والطاعة لأوامر أهل السجن. الرابع: انتظار الفرج بالخروج من السجن. وهكذا المؤمن في هذه الدنيا يزهد في كل شيء، ويقنع بأي شيء، ويسمع ويطيع لله ، وينتظر الفرج من الله ، لينال رضاه، ويدخل جنته، فالدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، والإنسان في الدنيا لا يزال في الحبس. فأول الحبوس: صلب الأب وثانيها: بطن الأم وثالثها: المهد. ورابعها: الكد على العيال. وخامسها: مرض الموت. وسادسها: القبر. فإن خرجت منه إلى الجنة نسيت مرارة كل حبسٍ تقدم، وإن خرجت منه إلى النار، فذلك حبس الأبد، وخسارة الأبد: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. فالناس يوم القيامة قِسمان: ١ - إما خارج من سجن الدنيا إلى نعيم الجنة الأبدي. ٢ - وإما ذاهب إلى سجن الآخرة في النار إلى الأبد.

стр. 783

وأوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: الأول: يوم يولد، فيخرج من بطن أمه إلى دار هَم في عالم جديد. الثاني: يوم يموت ويدفن مع الموتى، فيجاور جيراناً لم يرى مثلهم من قبل. الثالث: يوم يبعث فيشهد مشهدًا لم يرى مثله قط. ولذلك قال عيسي بن مريم: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٣]. والدين بالنسبة للعباد قسمان: ١ - دين شرعي أمري: وهي الأوامر والنواهي. ٢ - ودين حسابي جزائي: وهو الثواب والعقاب الذي ثمرته الجنة أو النار. وكلاهما لله وحده، فالدين كله أمرًا وجزءًا لله وحده لا شريك له. والمحبة أصل ذلك كله، فما شرعه الله لعباده، وأمر به فإنه يحبه ويرضاه، وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه؛ لمنافاته لما يحبه ويرضاه. ودين العبد لله إنما يُقبل إذا كان عن محبة ورضا، وكذلك دين الله الجزائي فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وكلٌ من الأمرين محبوب للرب فإنهما عدل الله وفضله، وكلاهما من صفات كماله. والله يجب أسماءه وصفاته وأفعاله، ويحب من يحبهما، ويحب من يعمل بموجبهما. وكل واحد من الدينَين الأمري الشرعي، والحسابي الجزائي، صراطه المستقيم الذي هو عليه ﷻ ، فهو سبحانه على صراط مستقيم في أمره ونهيه، وفي ثوابه وعقابه كما قال سبحانه عن هود ﷺ : ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].

стр. 784

فكل ما يقضيه الله ويقدره ويأمر به فلا يخاف العبد ظلمه ولا جوره، ولا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. إن أعطى سبحانه وأكرم وهدى ورفق وأسعد فبفضله ورحمته: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وإن منع سبحانه وأهان وأضل وخذل، وأشقى فبعدله وحكمته: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وهو سبحانه علي صراطٍ مستقيم في هذا وهذا، ولله سبحانه حكمٌ عظيمة في بعثه الأموات بعدما أماتهم، ومن ذلك أن يبين الله للناس الذي اختلفوا فيه، وهذا بيان عياني تشترك فيه الخلائق كلهم، والذي في الدنيا بيانٌ إيماني بالآخرة اختص به بعضهم، وهم المؤمنون، فهذه الحكمة الأولى. الثانية: علم الكافر المبطل بأنه كان كاذبًا، وأنه كان علي باطل، فيخزيه الله بذلك أعظم خزي، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩]. الثالثة: جزاء العامل علي عمله كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧] الرابعة: ظهور عدل الله في الحكم بين الناس، وعظمة فضله عليهم، ورحمته لهم، كما قال سبحانه: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ

стр. 785

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ [الحج: ٥٦ - ٥٧]. وقال الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. الخامسة: تقرير كمال علم الرب وكمال قدرته كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٥ - ٨٦]. السادسة: تقرير كمال حكمة الرب، كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦].

стр. 786

٢ - الخزانة الثانية • وقوع المعاد: أقسم الله ﷻ على وقوع المعاد والجزاء بسيد الجبال وهو الطور، وأقسم بسيد الكتب، وأحسن الكتب المنزلة من عند الله لعظمته وجلاله وما تضمنه من آيات ربوبيته، وهداية خلقه وهو القرآن، وأقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور الذي فوق السماء السابعة. وأقسم بسقف العالم العلوي والعالم السفلي وهو السماء العظيمة وما فيها من الآيات، وأقسم بالبحر المسجور وهو آية عظيمة من آيات الله وعجائبه لا يحصيها إلا الله، فقال سبحانه: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور: ١ - ١٠]. وأقسم الله على ثبوت الجزاء، ومستحق الجزاء، وجمع بين محل الجزاء وهو يوم القيامة، ومحل الكسب وهو النفس اللوامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ١ - ٤]. وأمر سبحانه أصدق خلقه أن يقسم للناس بوقوع المعاد، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣]. ويوم القيامة يومٌ عظيم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، والمؤمنين والكافرين، والمطيعين والعاصين، ويجازي كلاً بعمله، كما قال سبحانه:

стр. 787

﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ [التغابن: ٩ - ١٠]. ويجمع الله هؤلاء الخلائق، ويحاسبهم الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلاء ومزقها، ويجمع للإنسان يومئذٍ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خيرٍ وشر، ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله وعباده المؤمنين، ويجمع المؤمنين في دار الكرامة، فيكرم وجوههم بالنظر إليه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. ويجمع الكافرين في دار الهوان، فيهينهم بحجابهم عنه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. وهو سبحانه قادرٌ علي جمع الخلق كما جمع خلق الإنسان من نطفة من مني يمنى، ثم جعله حلقة مجتمعة الأجزاء، بعدما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان، فكيف يمكن للإنسان أن يجمع الله عظامه؟ وأن يجمع الله بينه وبين عمله وجزاءه؟ وأن يجمعه مع جنسه في يوم الجمع؟ وأن يجمع عليه من أمر الله ونهيه وعبوديته؟ فلا يُترك سُدى مهملاً معطلاً، لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُثاب ولا يُعاقب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]. وقال الله : ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس: ٨١].

стр. 788

والرب الذي هذه قدرته يجب على الخلق عبادته وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]. والإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان، له قيمة كبرى في تعليق أنظار بني آدم وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض المشهود، فلا تستبد بهم ضرورات الحياة وأتعابها، ولا يسيطر عليهم الهم والقلق، وعندئذٍ يملكون العمل لوجه الله، وانتظار الجزاء حيث يقدره الله في طمأنينة ويقين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩]. فحياة البشر لا تستقيم علي منهج الله، ما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير والأكمل، وما لم يثق المسلم المحدود العمر إلى أن له حياة أخرى أدوم وأسعد وأكرم، تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على ما وعده الله من العِوض فيها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. والإنسان بالحياة الآخرة يسعد أيما سعادة إن كان مؤمناً، ويشقى أيما شقاء إن كان كافرًا، والإيمان بالحياة الآخرة نعمة يفيضها الإيمان علي القلب، ونعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني المحدود الأجل، وما أغلق أحد علي نفسه هذا المنفذ إلا وحياته ناقصة، أو مطموسة، أو مضطربة: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ

стр. 789

هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. فالإيمان بالآخرة فوق أنه إيمانٌ بعدل الله المطلق، وجزاءه الأوفى، هو ذاته باعث للحيوية في النفس، دافعٌ لها نحو الدار الباقية، نحو الأعمال الصالحة، والمنازل الرفيعة، والنعيم المقيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. • ثمرات الإيمان باليوم الآخر: الإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان، وهو نعمة عظيمة يفيض السلام منها على روح المؤمن وعالمه، وينفي عنه القلق، والسُخط، والقنوط، واليأس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ [المائدة: ٦٩]. وكل إنسان لابد أن يموت، وبعد الموت بعث، وبعد البعث حساب، وبعد الحساب ثوابٌ أو عقاب، فالحساب الختامي للبشرية ليس في هذه الأرض، والجزاء الأوفى ليس في هذه الدار العاجلة: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. فلا قلق علي الأجر إذا لم يوفى في هذه العاجلة، فسوف يوفاه العبد قطعًا بميزان الله غدًا تامًا كاملاً أحوج ما يكون إليه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ولا قنوط كذلك من العدل إذا توزعت الحظوظ في هذه الحياة الدنيا علي غير ما يريد ويراه الإنسان، فالعدل لابد واقع في الدار الآخرة، وحين

стр. 790

يحكم الله وحده بين عباده، فهناك العدل والفضل والكرم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ [الأعراف: ٨٧]. والإيمان باليوم الآخر حاجزٌ عن الصراع والمنافسة في حطام الدنيا وملذاتها، والخوض في الحرمات والمحرمات بلا تحرجٍ ولا حياء، فهناك الدار الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عِوض عما يفوت. والإيمان بالآخرة يخفف من السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود، فيطمئن قلبه أن النعيم الأوفى والأدوم ينتظره في الدار الآخرة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧]. والإيمان باليوم الآخر أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]. ذلك أن الإيمان باليوم الآخر يقوم على أساس أن الله خلق الإنسان ليستخلفه في الأرض بعهدٍ منه يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاط الإنسان في الأرض، وأن الله خلقه واستخلفه ليبتليه في الحياة الدنيا، ثم ينال جزاءه بعد نهاية الابتلاء. وهذا الإيمان هو الذي يكف قلب المسلم، وسلوكه، وعمله، فلا يغتر بهذه العاجلة، فهو يمضي في طريق الطاعة، والقيام بالحق، وفعل الخير، سواءً

стр. 791

كانت ثمرة ذلك في الأرض راحة له أم تعب، نصرٌ له أم هزيمة، حياة له أم موتًا؛ لأن جزاءه هناك في الدار الآخرة بعد نجاحه في الابتلاء، في جنة عرضها السماوات والأرض: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. إن الإيمان باليوم الآخر يعطي الإنسان طاقة وقوة، فلا يزحزحه عن الطاعة والحق، والخير والبر، أن تقف له الدنيا كلها بالمعارضة والأذى والشر والقتل، فهو إنما يتعامل مع ربه العزيز الرحيم، وينفذ عهده وشرطه، وينتظر الجزاء المضمون هناك، وذلك حين يساق الناس يوم القيامة إلى ربهم، وإلى الجنة، وإلى النار: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾ [الزمر: ٧١ - ٧٢]. أما الذين آمنوا فيساقون إلى الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ [الزمر: ٧٣ - ٧٤]

стр. 792

الله خلق الدنيا، وخلق الآخرة، وخلق الدنيا وبين قيمتها، وأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ولهذا لا يرضى بها جزاءًا لعبده المؤمن، فقال عن هذه الدنيا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. لهذا أعظم عمل المؤمن في الدنيا هو المسارعة إلى فعل الخيرات، وطاعة الله ورسوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. والدنيا دار الابتلاء والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥]. وما أقصر هذه الحياة الدنيا التي تزحم حس الناس، وتُشغل نفوسهم، وتأكل أوقاتهم، إنها رحلة سريعة يقضيها الإنسان هناك، ثم يعود إلى مقره الدائم، وداره الأصلية، بدار القرار بالجنة أو النار: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ

стр. 793

يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ [يونس: ٤٥]. حقًا كأنها ساعةٍ من نهار قضاها الخلق في التعارف، ثم رحلوا وكأن الناس دخلوا ثم خرجوا ولم يفعلوا شيئًا سوى التعارف، والتعارف أسهل شيء، فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون فيما بينهم في هذه الحياة الدنيا، ويقع بينهم من سوء التفاهم كل ساعة ما يقع، هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي وكما يحب الله؟ وهل هذه الأمم والشعوب المتناحرة والدول المتخاصمة التي تتعارك علي الحطام والأعراض! هل هذه عرف بعضها بعضًا؟. حقًا إنها الخسارة الفادحة الكبيرة، لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة، وكذبوا بلقاء الله في الدار الآخرة، وشُغلوا عنه، فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم، ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية، فماذا ينتظر هؤلاء من العذاب والتوبيخ، والإهانة: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. والاعتقاد باليوم الآخر ليس طريقًا لنيل الثواب في الآخرة فحسب، وإنما هو كذلك حافزٌ على فعل الخير في الحياة الدنيا، وحافزٌ علي إصلاحها وإنمائها حسب أمر الله، على أن يراعي في هذا النماء على أنه ليس هدفًا في

стр. 794

ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق حياة لائقة بالإنسان، الذي يريدها الله له، والذي نفخ الله فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وكرمه على كثيرًا من خلقه، ورفعه عن درك الحيوان، ولتكون أهداف حياته أعلى من ضرورات الحيوان، ولتكون دوافعه وغاياته أرفع من دوافع الحيوان وغاياته: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. إن الإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القَسط والاعتدال، لان الذي لا يؤمن بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة، أو يكبح فيها نزوة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ: ٢٧]. ولهذا يتمرغون في الشهوات، ويقعون في المحرمات، فالذي لا يحسب حساب الوقوف بين يدي الله، ولا يتوقع ثوابًا ولا عقابًا يوم القيامة، ما الذي يمسكه عن إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ [النبأ: ٢٧ - ٢٨]. ومن لا يتوقع حساب في الآخرة، يندفع لنيل جميع شهواته بلا معوقٍ من تقوى، أو حياء من الله ، والنفس مطبوعة علي حب ما يلذ لها، وأن تجده حسنًا جميلًا ما لم تهتدي بآيات الله ورسالته إلى الإيمان بعالم آخر باقٍ بعد هذا العالم الفاني، فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى، وأشواقٍ أخرى تصغر إلى جوارها لذات البطون والأجسام: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 795

٣ - الخزانة الثالثة • فقه الإيمان باليوم الآخر: الله ﵎ هو الذي خلق النفس البشرية، وجعلها مستعدة للاهتداء، إن تفتحت لدلائل الهدى، وجعلها مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. ومشيئة الله نافذة وفق سنته التي خلق النفس البشرية عليها في حالتي الاهتداء والضلال، فالله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته، فالذين لا يؤمنون بالآخرة نفذت فيهم سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم، حسنةً عندهم. فهم يعمهون في شهواتهم، لا يرون فيها من شرٍ وسوءٍ، حائرون لا يهتدون فيها إلى ثواب، وعاقبتهم الخسران، وسوء العذاب في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾ [النمل: ٤ - ٥]. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة يعيشون في عذاب، كما يعيشون في ضلال، فالذي يعيش بلا عقيدة في الآخرة، يعيش في عذاب النفس لا أمل له ولا رجاء في إنصاف ولا عدلٍ، ولا جزاءٍ، ولا عِوض عما يلقاه في هذه الحياة. وفي الحياة مواقف مخيفة، وابتلاءات جسيمة، لا يقوى الإنسان علي مواجهتها إلا وفي نفسه رجاء الآخرة، وثواب الله للمحسن، وعقابه للمسيء، وابتغاء وجه الله، والتطلع إلى رضاه في ذلك العالم الآخر الذي

стр. 796

لا تضيع فيه صغيرة ولا كبيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. والذي يُحرم هذه النافذة المضيئة الندية المريحة، يعيش بلا ريب في العذاب والضلال في الدنيا والآخرة، فماذا عند الكفار من النعيم والسرور: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ: ٨]. وفي يوم القيامة يجمع الله جميع الخلائق في جميع الأجيال والقرون، ولا يتأخر منهم أحد، وذلك للحساب والجزاء: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ (٩)﴾ [التغابن: ٩]. ويعرض الخلق كلهم علي ربهم: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ [الكهف: ٤٨]. ويحضر هذا الجمع ربنا العظيم والملائكة، وعددهم لا يعلمه إلا الله، ويصفون جميعا صفوفًا محيطًةً بالخلق كما قال سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]. والسماوات السبع العظيمة مملوءة بالملائكة، وحملة العرش ومن حوله، كل هؤلاء يحضرون لفصل القضاء بين الناس، وبعد القضاء يكون المصير إلى القصور الملكية، أو إلى السجون الجهنمية. فكم يكون عدد الملائكة في هذا الجمع العظيم وهم حافون من حول العرش: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥]. ويأتي الرب ﷻ للفصل بين الخلق يوم القيامة، ويحمل عرشه سبحانه ثمانية من الملائكة الذين لا يعلم عظمتهم، وقوتهم، وقدرتهم إلا

стр. 797

الله، وقد أخبر النبي ﷺ عن واحدٍ منهم: «أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ». أخرجه ابو داود (١). فكم تكون المسافة بين رأسه وقدميه؟. قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٧ - ١٨]. في ذلك اليوم العظيم يحصل التغابن، لما فيه من فوز المؤمنين بالنعيم، وحرمان الكافرين من كل شيء منه، ثم سوقهم إلى الجحيم، وذلك يومٌ عظيم، يوم الحسرة والندامة، يندم فيه كل كافر، وكل عاصٍ، علي ما فرط وظلم: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. إن الإنسان الذي خلقه ربه في أحسن تقويم، والذي ميزه بهذه الإنسانية التي من شأنه أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره، من الأرض والسماء، وقد نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأودعه القدرة على الاتصال بربه، وتلقي قبسًا من نوره: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. هذا الإنسان قطع رحلته علي الأرض كادحًا إلى ربه بفكره، وجهده، وعمله، ليصل في النهاية إلى ربه، فإليه سبحانه المرجع والمآب بعد الكد والكدح والجهاد: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦].

стр. 798

إن الإنسان لا يجد الراحة في الأرض أبدًا، إنما الراحة التامة هناك في الجنة لمن يقدم إليها بالإيمان والطاعة، وعبادة الله وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. فالتعب في الأرض واحد، والكدح واحد، وإن اختلف لونه وطعمه، أما العاقبة فمختلفة عندما تصل إلى ربك، فواحدٌ إلى عناء دونه عناء الأرض، وواحدٌ إلى نعيمٍ يمسح ما قبله من كد وكدح، فالمؤمن السعيد يحاسب حسابًا يسيراً، فلا يناقش ولا يُدقق معه الحساب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]. وقال النبي ﷺ : «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ، قَالَتْ عائشة: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]، قال: ذَلِكَ الْعَرْضُ، يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ». متفق عليه (١) هذا حال المؤمن؛ أما حال الكافر المعذب الهالك المأخوذ بعمله السيئ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره، فهذا هو التعيس الخاسر الشقي، الذي قضى حياته في الأرض كدحًا، وقطع طريقه إلى ربه كدحًا في المعاصي والآثام والضلال، فهو يدعو ثبورًا، ويتمنى الهلاك، لينقذ نفسه مما هو مقدمٌ عليه

стр. 799

من الشقاء والعذاب، ولكن أنى يستجاب له: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢]. وهذا الصنف من الناس كان في الدنيا مسرورًا بين أهله، غافلًا عن ربه، لاهيًا عما ينتظره في الآخرة من العذاب، وهو يظن أنه لن يرجع إلى بارئه، وربه يعلم بكل خطواته وحركاته، ويعلم أنه سائرًا إليه بعمله، فما أعظم خسرانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق: ١٣ - ١٥]. فهذا قد خسر دنياه وأخراه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].

стр. 800

٤ - الخزانة الرابعة الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالغيب هو الذي يحكم سلوك الإنسان، فالذي يؤمن بالغيب وباليوم الآخر، وبالحساب والميزان، والجنة والنار، يخشى الله في كل عملِ يعمله، فإذا أراد أحد أن يسرق تذكر الله، وتذكر أنه ملاقيه، وأنه سيحاسبه على ذلك، فيتراجع عن هذه السرقة. وإذا أراد أن يرتكب ما حرم الله، وتذكر الآخرة والحساب، خشي الله وتراجع عن فعله السيئ، فأساس السلوك البشري في الدنيا هو الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب يدخل فيه أساسًا الإيمان باليوم الآخر. وأركان الإيمان كلها غيب وهي: أن تؤمن بالله … وملائكته. وكتبه … ورسله. واليوم الآخر … والقدر خيره وشره. والإيمان بالغيب والآخرة هو أساس الإيمان كله، فإذا لم يعتقد الإنسان بالآخرة، فممن يخاف ويخشى؟ من ذا الذي يرفع يدك عن ضعيفٍ تغتصب حقه إلا إيمانك بالآخرة؟ ما الذي يوقفك عن أن تأكل أموال الناس بالباطل؟ هو إيمانك بالآخرة، وما الذي يمنع الناس من الظلم والبغي؟ هو الإيمان بالآخرة.

стр. 801

إن الرادع الذي يقول لك قف مكانك هو الإيمان بالآخرة؛ لأنك ستحس أن كل عملٍ عملته مكتوب عليك، وسيسألك الجبار عنه، فلولا الإيمان بالآخرة، لتحولت الحياة الدنيا إلى مجموعة من الوحوش، يأكل بعضها بعضًا، فيقتل القوي الضعيف، ويعتدي القادر على العاجز، ويضيع الحق، وتُباح الحرمات، وتُنتهب الأموال، وتُنتهك الأعراض. وأخشى ما يخشاه المؤمن هو حساب اللهِ له في الآخرة، وأخشى ما يخشاه الكافر هو الحسابُ في الآخرة، فالكافر وإن كان لا يؤمن بالآخرة، ولكن في داخله شيءٌ يؤرقه، والموت الذي يراه كل يوم في أهله وقومه يملأ حياته بالرعب والفزع والخوف، وينغص عليه حياته: ﴿يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧]. والله على كل شيءٍ قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا في الدنيا والآخرة، يسمع ويرى ويعلم بما في الصدور، وهو قادرٌ على أن يخلق يومًا مقداره، أربعةُ وعِشرون سَاعة، وقادرٌ على أن يخلق يومًا مقداره ساعة، وقادرٌ على أن يخلق يومًا مقداره مائة ألف سنة، وقادرٌ على أن يخلق يومًا يستمر بلا نهاية كيوم القيامة الذي لا ليلةَ بعده أبدًا، ولا موت بعده أبدًا، فالمخلوق ليس قيدًا على قدرة الخالق، فالله يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فالزمان والمكان كله خاضع لإرادة الله وحده طولاً وقصرًا، والأجسام والأحجام والأشكال والألوان، خلقها سبحانه وحده لا شريك له:

стр. 802

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وموعد قيام الساعة لا يعلمه إلا الله وحده، فهو الذي ينتهي إليه أمرها، ويعلم موعدها وحده، فلا يعلمه نبي مرسل، ولا ملكٌ مقرب، ولا ذكيٌ فطن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤]. أما الرسول المُرسل من ربه، فوظيفته إنذار من يخشاها، فهو الذي ينفعه الإنذار، فهو الذي يشعر قلبه بمجيئها فيخشاها، ويعمل لها قبل مجيئها بالإيمان بالله وأداء الأعمال الصالحة، وهي من ضخامة وقوعها في النفس بحيث تتضاءل أمامها الحياة الدنيا بكل ما فيها، وتبدو كأنها بعض يوم: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦]. واليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلائق للحساب والجزاء، سُمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في الجنة أبدًا، وأهل النار في النار أبدًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١] .. والإيمان باليوم الآخر: هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله ورسوله به مما يكون في ذلك اليوم العظيم من البعثِ، والحشرِ، والحسابِ، والوزن، والعرض، والصراط، والجنةِ، والنار وغير ذلك مما يجري في عرسات القيامة، ويلحق بذلك ما يكون قبل الموت من علامات الساعة، وأشراطها الصغرى والكبرى، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه.

стр. 803

الإيمان بالله واليوم الآخر أعظم أركان الإيمان، ولأهمية هذين الركنين يقرن الله بينهما كثيرًا في القرآن، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]. فاليوم الآخر يوم عظيم، وستجري على العباد فيه أحوالٍ عظيمة، ولعظمته وهوله، تعددت أسماؤه بحسب ما يجري فيه، فإن تعدد الأسماء للشيء الواحد، دلالة علي عظمته وهوله، فهو يوم القيامة، ويوم البعث، ويوم الفصل، ويوم الدين، ويوم الخروج، ويوم الخلود، ويوم الحساب، ويوم الوعيد، ويوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم التلاق، ويوم التناد، ويوم الحسرة، وهو الغاشية، والصاخة، والواقعة، والحاقة، والقارعة، والطامة الكبرى وغير ذلك من أسمائه. وكلما عَظُم الشيء تعددت أسماؤه وصفاته، وستحدث في هذا اليوم العظيم أحداثٌ في العالم العلوي، والعالم السفلي، أحداثٌ فلكية ضخمة، وكلها تشير إلى اختلال كامل في النظام الكوني المنظور بأفلاكه ونجومه وكواكبه، وانقلابٌ في أوضاعه وأشكاله، وحركته وارتباطاته تكون به نهاية العالم، وكلها ينبى بأن نهاية هذا العالم ستكون نهاية مروعة مخيفة مذهلة للخلائق كلهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢].

стр. 804

إن نهاية العالم بقيام الساعة نهاية مخيفة مروعة حقًا، تُرج فيها الأرض وتُدك، وتُنسف فيها الجبال وتُبث، وتُسجر فيها البحار وتُفجر، وتُطمس فيها النجوم وتَنكدر، وتُشق فيها السماء وتَنفطر، وتَسقط الكواكب وتَنتثر، وتُكور الشمس، ويَخسف القمر، وتختل المسافات، فيُجمع الشمس والقمر، وتبدو السماء مرة كالدخان، ومرة وردة كالدهان، ومرة ملتهبة حمراء، إلى أخر هذا الهول الكوني العظيم. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. وقد بين الله بالتفصيل أهوال هذا اليوم العظيم ليتقيه الناس، ويعملون لما ينجيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. فما أعظم يوم القيامة، وما أشد أهوا له؟. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢]. إن يوم القيامة يوم عظيمٌ مخيف، فما ذلك اليوم؟ وماذا يجري فيه؟ وما هي أهواله؟ وما حال الناس فيه؟ وأين سوف يستقرون في دار القرار؟ أفي الجنة أم في النار؟ ذلك ما سنبينه إن شاء الله بالتفصيل على شكل مشاهد نعرض فيها لما يجري في يوم القيامة في ضوء القرآن والسنة.

стр. 805

٥ - الخزانة الخامسة • مشاهد اليوم الآخر: وصف الله ورسوله اليوم الآخر، وما يجري فيه، وصفًا بينًا مفصلًا حتى كأنه رأي عين. فالإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله ورسوله به مما يكون في ذلك اليوم العظيم من البعث والحشر، والحساب والميزان، والصراط، والجنة والنار، وغير ذلك مما يجري في عرسات يوم القيامة، ويلحق بذلك ما يكون قبل الموت من علامات الساعة وأشراطها، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه. والإيمان بالله واليوم الآخر أعظم أركان الإيمان، وعليهما مع بقية الأركان مدار استقامة الإنسان وفلاحه وسعادته في الدنيا والآخرة، ولأهمية هذين الركنين يقرن الله بينهما كثيرًا في آيات كثيرة في القرآن، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. أما فتنة القبر: فقال النبي ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي

стр. 806

هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ النبي ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ». متفق عليه (١). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، وفيه قال النبي ﷺ : «فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ: ومَا دِينُكَ؟! فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟! فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٢). • أما أنواع عذاب القبر، فعذاب القبر نوعان: الأول: عذابٌ دائم لا ينقطع إلى قيام الساعة، وهو عذاب الكفار والمنافقين، كما قال سبحانه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٦]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إليه يَوْمَ القِيَامَة». متفق عليه (٣).

стр. 807

الثاني: عذابٌ له أمد ثم ينقطع، وهو عذاب عصاة الموحدين من المؤمنين، فيُعذب بحسب جرمه ومعصيته، ثم يخفف عنه العذاب، أو ينقطع بسب رحمة الله، أو حصول مكفرات للذنوب من صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، كما قال النبي ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابن آدم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عَمَلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (١). وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَة». متفق عليه (٢). ونعيم القبر للمؤمنين الصادقين، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠]. و قال النبي ﷺ : «فالمؤمن إذا أجاب الملكين في قبره يُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّة، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٣). وينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه أمور كالشهادة في سبيل الله، والرباط في سبيل الله، ومن قتله بطنه ونحو ذلك.

стр. 808

• مستقر الأرواح بعد الموت: مستقر الأرواح بعد الموت إلى قيام الساعة مختلفة، فالأرواح في البرزخ متفاوتة تفاوتًا عظيماً، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء والرسل عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواحٌ في صورة طير يعلق في شجر الجنة وهي أرواح المؤمنين. ومنها أرواح في أجوافِ طير خضر تسرح في الجنة، وهي أرواح الشهداء. ومنها أرواحٌ محبوسة في القبر كالغال من الغنيمة. ومنها ما يكون محبوسًا على باب الجنة بسبب دين عليه. ومنها ما يكون محبوسًا في الأرض بسبب روحه السفلية. ومنها أرواحٌ في تنور الزناة والزواني، ومنها أرواح تسبح في نهر الدم وتلقم من حجارة وهم أكلة الربا. وقال النبي ﷺ : «فَلَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهُ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال، قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال». أخرجه مسلم (١).

стр. 809

٦ - الخزانة السادسة • المشهد الثاني من مشاهد يوم القيامة: • أشراط الساعة: العلم بوقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، فلا يعلمه ملكٌ مقرب، ولا نبيٌ مُرسل، ولا غيرهم، كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]. • أما علامات الساعة: فقد أخبر النبي ﷺ بأمارات، وعلامات، وأشراطٍ، تدل علي قرب قيام الساعة، وهي: علامات صغرى .. وعلامات كبرى. الأول: أشراط الساعة الصغرى: علامات الساعة الصغرى ثلاثة أقسام: الأول: علامات وقعت وانتهت ومنها: بعثة النبي ﷺ ، وموت النبي ﷺ ، وانشقاق القمر آية له ﷺ ، وفتح بيت المقدس، وخروج نار من أرض الحجاز، كما قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]. وقال النبي ﷺ لعوف بن مالك: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانِ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ

стр. 810

إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا». أخرجه البخاري (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تَخْرجَ نَارٌ مِنْ أرضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإبْلِ بِبصْرَى». متفق عليه (٢). الثاني: علامات ظهرت ولا زالت مستمرة. ومنها ظهور الفتن، ظهور مدعي النبوة، انتشار الأمن، قبض علم الشرع، ظهور الجهل، كثرة الشُّرَط وأعوان الظلمة، ظهور المعازف واستحلالها، ظهور الزنا، كثرة شرب الخمر واستحلالها، تطاول الحفاة العراة رعاء الشاة في البنيان، تباهي الناس في المساجد وزخرفتها، كثرة الهرج وهو القتل، تقارب الزمان. إسناد الأمر إلى غير أهله، رفع الأشرار، ووضع الأخيار، ويُفتح القول، ويُخزن العمل، تقارب الأسواق، ظهور الشرك في هذه الأمة، كثرة الشُح، كثرة الكذب، كثرة المال، فشو التجارة، كثرة الزلازل، تخوين الأمين، وائتمان الخائن، ظهور الفُحش، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار، ارتفاع الأسافل، بيع الحكم، تسليم الخاصة، التماس العلم عند الأصاغر، ظهور القلم، ظهور الكاسيات العاريات، كثرة شهادة الزور، كثرة موت الفجأة، عدم تحري الرزق الحلال. عَوْد أرض العرب مروجاً وأنهاراً، تكليم السباع للإنس، تكليم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحَدَّث أهله بعده، أن تُحاصَر
следующие страницы →