← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

• والكلام عند السلطان له أربعة أحوال: أولًا: كلمة حق عند سلطانٍ عادل، وهذه سهلة. ثانيًا: كلمة حق عند سلطانٍ جائر، وهذه أفضل الجهاد. ثالثًا: كلمة باطل عند سلطانٍ عادل، وهذه خطيرة؛ لأنك قد تفتن السلطان بهذا الباطل. رابعًا: كلمة باطل عند سلطانٍ جائر، وهذه أقبح ما يكون. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ». أخرجه أبو داود وابن ماجة بسندٍ صحيح (١).

стр. 8122

٥ - الخزانة الخامسة • فقه النعم: جميع النعم الظاهرة والباطنة من الله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. والدين أعظم نعمة أنعم بها الله على البشرية: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. • والتحدث بنعم الله نوعان: ١ - تحديثٌ باللسان. ٢ - تحديثٌ بالأركان. فالتحديث باللسان: كأن تقول: الحمد لله أنعم الله علي بنعمٍ كثيرة، كنت فقيرًا فأغناني الله، كنت جاهلًا فعلمني الله، كنت ضالًا فهداني الله وهكذا. قال الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١ - ١١] • والتحديث بالأركان: بأن تُرى أثر نعمة الله عليك بين الناس، فتلبس لبس الأغنياء لا لباس الفقراء، وتركب كذلك، وتسكن كذلك، وتأكل كذلك؛ لأن هذا من التحديث بنعم الله عليك، والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده:

стр. 8123

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. وإذا أعطاك الله علمًا تُحدث به الناس وتنفعهم به؛ لأن هذا من التحدث بنعم الله وشكرها. قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] والأصل أن المؤمن الذي يُخالط الناس، ويصبر على آذاهم افضل من المؤمن الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على آذاهم، ولكن قد تحدث أمور تكن العزلة فيها خير من الاختلاط بالناس وغير ذلك، عند فساد الناس والزمان. وإذا خاف الإنسان على نفسه فتنة كأن يُطالب بالانحراف عن دينه، أو يدعو إلى بدعة، أو يُفتي بمحرم، أو يرى الفسوق الكثير، أو يخشى على نفسه من الوقوع في الفواحش ونحو ذلك، فهذا العزلة أفضل له؛ ولهذا أُمر المسلم أن يهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، ومن بلد الفسوق إلى بلد الاستقامة، عندما يتغير الناس والزمان والأحوال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].

стр. 8124

وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ». متفقٌ عليه (١). و عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن». أخرجه البخاري (٢). وينبغي للمسلم استقبال النصح والوعظ، وحسن الإصغاء للواعظ والعالم؛ ليستفيد منه، فلا يتكلم في المجلس؛ لئلا يشوش على غيره، وأن يُقبِل بوجهه إلى المتكلم؛ ليعلم أنه مهتمٌ بكلامه، فإن تكلم بمحرم فلا تصغي إليه، فإن نصحته ولم يُطع فقم واتركه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]. وينبغي للمؤمن الناصح لإخوانه المؤمنين أن ينقل كلام المنافق إلى ولي الأمر؛ ليتخذ فيه ما ينبغي اتخاذه، ويكف عن الناس شره، وينقل كلام المُفسد أوالمبتدع؛ حتى لا يتمادى في فساده أو بدعته، قطعًا لدابر الشر

стр. 8125

والفساد عن الأمة؛ ليقضِ ولي الأمر على الشر والفساد قبل أن يستشري، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وليعلم المؤمن أنه ما أفسد الدين والدنيا إلا أربعة: نصف متكلم .. ونصف فقيه .. ونصف لغوي .. ونصف طبيب. فنصف المتكلم يُفسد الدين؛ لأنه لو عرف حقيقة علم الكلام والشرع لرجع إلى الحق: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. ونصف الفقيه يُفسد البلدان؛ لأنه يُفتي ويقضي بغير حق، فيعطي حق هذا لهذا، ويُفتي أحيانًا بما لا يعلم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. ونصف لغوي؛ لأنه يُفسد اللسان؛ لأنه يتكلم وهو لا يعرف فيفسد اللسان بلحنه. ونصف طبيب؛ لأنه يُفسد الأبدان، فربما يصف دواءً يكون داءً، فيُهلك المريض. فيجب على الإنسان أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، ولا يقضي بجهل، ولا يتكلف ما لا يعلم: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]. وعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ». أخرجه البخاري (١).

стр. 8126

• أقسام النصيحة: النصيحة هي مخاطبة الإنسان سرًا بينك وبينه، فإذا نصحته سرًا أثرت في نفسه وعلم أنك ناصح، لكن إذا تكلمت عليه أمام الناس فإنه قد تأخذه العزة بالإثم، فلا يقبل النصيحة، وقد يظن أنك إنما تريد الانتقام منه أو توبيخه أو الحط من منزلته بين الناس، فلا يقبل النصيحة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وَعَنْ تَمِيْم الدَّارِيِّ ﵁: «أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: للهِ، ولكتابه، ولِرَسُوْلِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (١). • والنصيحة تنقسم إلى خمسة أقسام: الأول: النصيحة لله، وتكون بالإخلاص لله في كل عمل، والتعبد له محبةً وتعظيمًا له، ودوام ذكره لربه بقلبه ولسانه وجوارحه، وأن يغار لله إذا انتهكت محارمه، وأن يذب عن دين الله الذي شرعه لعباده، وأن يدعو الناس إلى الله، ويعلمهم شرعه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. الثاني: النصيحة لكتابه، وتكون بتصديق كل ما جاء في كتب الله المُنزلة، والتصديق والعمل بما جاء في أعظمها وهو القرآن، والدفاع عنه ممن حرفه تحريفًا لفظيًا أو معنويًا، أو زاد فيه أو نقص منه، وتفسير معناه للمسلمين، والإيمان بأنه كلام الله حقًا اللفظ والمعنى، واحترام القرآن العظيم، فلا

стр. 8127

يمسه إلا المطهرون، ولا يضعه في مكانٍ يُمتهن فيه، وأن يصدق أخباره ويمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه، ويدعو الناس إلى اتباعه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. الثالث: النصيحة لرسول ﷺ ، وتكون بالإيمان برسالته، وأن الله أرسله رحمةً للعالمين كلهم، والتصديق بكل ما جاء به والعمل به، والصدق في اتباعه بلا زيادةٍ ولا نقص، وعدم اتباع غيره، وتعليم سُنَّته للناس، والذب عن شريعته، وحمايتها من أن يُنقصها أحد أو يزيد فيها أحد ما ليس منها كالبدع، واحترام أصحابه ومحبتهم وتعظيمهم، فهم القوم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وهم خير القرون: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. الرابع: النصيحة لأئمة المسلمين، والإمام هو من يُقتدى به، ويؤتمر بأمره وينقسم إلى قسمين: إمامٌ في الدين .. وإمامٌ في السلطة. فالإمامة في الدين بيد العلماء الذين يقودون الناس إلى كتاب الله ويهدونهم إليه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]. والنصيحة لهؤلاء تكون بتلقي العلم منهم بكل وسيلة؛ لأنهم الواسطة بين الرسول ﷺ وأمته، وحُسن الأدب معهم، وعدم تتبع عوراتهم وزلاتهم وما يخطئون فيه لما فيه من الفتنة والاستهانة بالعلم الشرعي، والدفاع عن عوراتهم وزلاتهم وسترها، وتنبيه العالم إذا أخطأ؛ لأن زلة العالم من أعظم الزلات، وإذا زل العالم زل بزلته أعلم.

стр. 8128

أما أئمة السلطة فهم الأمراء، والأمراء في الغالب أكثر خطئًا من العلماء إلا ما شاء الله؛ لكثرة الأمور والمشاكل المعقدة التي تُعرض عليهم؛ ولأنه لسلطته قد تأخذه العزة بالإثم، فيريد أن يفرض سلطته على الصواب والخطأ. والنصيحة لهم تكون بأن نبذل لهم النصيحة ما استطعنا، بالمشافهة أو الكتابة أو الاتصال بمن يستطيع الاتصال بهم إذا كنا لا نستطيع الاتصال بهم مباشرة، وأن نكف عن مساوئهم ولا ننشرها بين الناس؛ لأن نشر مساوئ ولاة الأمر فيه عدوانٌ شخصيٌ عليهم، وعدوانٌ على الأمة جميعًا؛ لأن الأمة إذا حقدت على الولاة عصتهم ونبذتهم، فيحصل الشر بسبب ذلك. فيجب علينا نصح جميع ولاة الأمور، سواءً كانوا أئمة العلم والبيان وهم العلماء، أو كانوا أئمة القوة والسلطان وهم الأمراء الذين ينفذون شريعة الله في عباد الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. الخامس: النصيحة لعامة المسلمين، تكون بأن نحب لهم ما نحب لأنفسنا، وأن نرشدهم إلى الحق، وأن نهديهم إلى الحق إذا ضلوا عنه، ونذكرهم به إذا نسوه، وأن نجعلهم لنا بمنزلة الإخوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].

стр. 8129

٥٩ - خزائن أعداء الإنسان ويشتمل على ما يلي: العدو الأول: النفس. العدو الثاني: الشيطان. العدو الثالث: الدنيا. العدو الرابع: المنافقون. العدو الخامس: الكفار والمشركون. العدو السادس: أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

стр. 8130

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٠ - خزائن أعداء الإنسان القسم الأول ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 8131

٦٠ - خزائن أعداء الإنسان القسم الأول ١ - الخزانة الأولى • أعداء الإنسان كما بينهم الله في كتابه الكريم ستة: العدو الأول: النفس. العدو الثاني: الشيطان. العدو الثالث: الدنيا. العدو الرابع: المنافقون. العدو الخامس: الكفار والمشركون. العدو السادس: أهل الكتاب من اليهود والنصارى. • أقسام المخلوقات من حيث العمل: الله خلق خلقه من حيث العمل أربعة أقسام: الأول: من يعملون بالطاعات، دون المعاصي، وهم الملائكة. الثاني: من يعملون بالمعاصي، دون الطاعات، وهم الشياطين. الثالث: من لهم طاعات ومعاصي، وهم الإنس والجن. الرابع: من ليس لهم طاعات ولا معاصي، وهم الحيوانات وبقية المخلوقات. فالملائكة عقول بلا شهوات، والحيوانات شهوات بلا عقول، والإنس والجن لهم شهوات وعقول، والشياطين شرور وفتن. والله لما اصطفى الإنسان بين سائر المخلوقات، وكرمه على غيره، وتحمل الأمانة، واستعد لفعل الأوامر، واجتناب النواهي؛ ابتلاه بما

стр. 8132

يبين صدقه من كذبه، ويثبت إيمانه من كفره؛ فأهبطه الله الأرض، وأنزل عليه الوحي، وأرسل إليه الرسل، فأمره بتصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام، وأمره بالطاعات؛ ونهاه عن المعاصي، وسلط عليه الأعداء، وابتلاه بالسراء والضراء، وأمره بجهاد أعدائه، والصبر على أذاهم، والله ينصره: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وأعداء الإنسان كثيرون وقد كشفهم الله له، ليتقي شرهم، ويأخذ حذره منهم، ولا يغتر بخداعهم؛ ولبسهم الحق بالباطل، وأعظم هؤلاء الأعداء وأشدهم خطرًا ستة وهم: النفس، والشيطان، والدنيا، والمنافقون، والكفار، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. ولكل عدو من هؤلاء علامات، ولهم أعمال، ولهم ضحايا من البشر، وهم يعملون ليل نهار، ويستخدمون كل وسيلة لصد الناس عن عبادة ربهم؛ وإشغالهم بما يبعدهم عنه، وبما يوجب سخطه وغضبه، ويحرمهم من الوصول إلى رضوانه وجنته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦]. فلابد للإنسان أن يعبد ربه، ويعمل بشرعه، ولا يغفل عن جهاد أعدائه الذين يصدونه عن طاعة ربه ومولاه، ويحرمونه من الوصول إلى جنته والفوز برضاه. وقبل جهاد الأعداء لابد من معرفتهم، ومعرفة أسلحتهم أولًا، ثم الشروع في جهادهم، وإبطال كيدهم، وكسر شوكتهم، ودفع شرورهم. وأعظم هؤلاء الأعداء وأشدهم ملازمة للإنسان هي نفسه التي بين جنبيه.

стр. 8133

العدو الأول: النفس • فقه النفوس: النفوس البشرية فيها خير أصيل، والشر والسوء دخيل؛ فإذا صادفت هذه النفس من يذكرها الله فإنها فيها استعدادًا للاستقامة على طريق الهدى؛ وإن لم تجد من يذكرها مالت إلى طريق الفجور. قال الله تعالي: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وكل إنسان له نفس واحدة؛ ولكن لهذه النفس صفات وأحوال تختلف من شخص لآخر؛ ومن وقت لآخر. • وصفات النفس ثلاث: إحداها: النفس الأمارة بالسوء: وهي التي يغلب عليها إتباع هواها وشهواتها، وفعل الذنوب والمعاصي، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. الثانية النفس اللوامة: وهي التي تذنب وتتوب؛ وتفعل الخير والشر؛ لكنها إذا فعلت الذنب تابت وأنابت، وسميت لوامة لأنها تلوم صاحبها على فعل الذنوب، وتلومه على التقصير في إمتثال أوامر الله ، كما قال سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢]. الثالثة النفس المطمئنة: وهي التي تحب الخير والحسنات، وتريدها وتفعلها، وتبغض الشر والسيئات وتكرهها؛ قد اطمأنت إلى مولاها وإلى قضائه وقدره، وإلى دينه وشرعه، وإلى جزائه وثوابه، وصار لها ذلك خلقًا وعادة وملكة، فصارت بذلك راضية مرضية، كما قال سبحانه:

стр. 8134

﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. والنفوس لا تطمئن أبداً إلا بالإيمان بالله وبذكر الله كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وينبغي للعبد ألا يطمئن إلى نفسه، فإن الشر لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بلوم الناس، ولكن يرجع إلى الذنوب فيتوب منها، ويستعيذ بالله من شر نفسه، وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته، ويحول بينه وبين معصيته، وبذلك يحصل له الخير ويندفع عنه الشر. والذنوب من لوازم النفس، وأعظمها جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة لله سبحانه، أو إلهًا من دونه، وكل هذين وقع من فرعون وإبليس، كل واحد منهم يطلب أن يعبد ويطاع من دون الله، وهذا الذي في فرعون وإبليس غاية الظلم والجهل، وفى نفوس سائر الإنس والجن، شعبة من هذا وهذا، والله إن لم يعن العبد ويهده وإلا وقع فيما وقع فيه فرعون وإبليس بحسب الإمكان: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]. وإذا هدى الله العبد أعانه على طاعته، وترك معصيته؛ فلم يصبه شر في الدنيا ولا في الآخرة، والعبد محتاج للهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب؛ والهداية من الهادي وحده، ولهذا أمر الله خلقه بطلب الهداية منه أكثر من أربعين مرة في كل ركعة من ركعات الصلاة في الفرائض والرواتب بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].

стр. 8135

وأحوال النفوس متفاوتة ومتعددة، والنفوس مشحونة بحب العلو والرياسة، وكل نفس تريد أن تطاع وتعلو بحسب الإمكان، فتجد الإنسان يوالى من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ما يهواه ويريده ويحبه؛ فمن وافق هواه كان وليًا، وإن كان كافرًا، وإن لم يوافقه كان عدوًا وإن كان من المتقين، وهذه حال فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. • فقه النفوس: النفوس مشحونة بحب العلو والرياسة، وكل نفس تريد أن تطاع وتعلو بحسب الإمكان، كل واحد من وهؤلاء خاصة الأشراف وذوي المكانة والرياسة، يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه كفرعون، وهم وإن أقروا بالله، فإذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادة الله المتضمنة ترك طاعتهم عادوه، كما عادى فرعون رسول الله موسى ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات: ١٧ - ٢٦]. وإن كان مسلمًا طلب أن يطاع في أغراضه وما يهوى؛ وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية لله، ويكون مع من أطاعه أحب إليه، وأعز عنده ممن أطاع الله، وخالف هواه؛ وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾ [محمد: ٢٦].

стр. 8136

وإن كان عالمًا أو شيخًا أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، وربما أبغض غيره حسد وبغيًا، كما فعلت اليهود مع محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام؛ ولهذا أخبر الله عنهم بمثل ما أخبر به عن فرعون، وسلط عليهم من انتقم منهم. والأنبياء والرسل دينهم واحد وهو الإسلام كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وشرائعهم مختلفة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وهؤلاء الرسل يؤمن بعضهم ببعض و يصدق بعضهم بعضًا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ومن كان من المطاعين من الأمراء والعلماء تبعًا للأنبياء والرسل، أمر بما أمروه به، ودعا إليه، وأحب من دعا إلى مثل ما دعا، فإن الله يحب ذلك الشخص، ومن كره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك، فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود، وله نصيب من حال فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. ومن طلب أن يطاع مع الله، هذا يريد من الناس أن يتخذوه من دون الله نداً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ومن الناس من يحسن إلى غيره، ليمن عليه، أو ليجزيه بطاعته له، وتعظيمه إياه، أو أي نفع آخر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].

стр. 8137

فالمتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل، ليكون الدين كله لله لا له؛ فإذا أمر غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه وسربه، وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله مؤمنًا محسنًا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. • أقسام الناس: الناس ثلاثة أقسام: o عبد محض o وحر محض o ومكاتب قد أدى بعض كتابته. فالعبد المحض: هو عبد المال والطين، الذي قد استعبدته نفسه وشهوته، وملكته وقهرته؛ فانقاد لها انقياد العبد لسيده الحاكم عليه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والحر المحض: هو الذي قهر شهوته، وملك نفسه فانقادت معه، وذلت له، ودخلت تحت رقه وحكمه، فهي مملوكة عنده، يأمرها بما شاء مما يرضى ربه ويمنعها مما يسخط ربه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].

стр. 8138

والمكاتب: من عقد له سبب الحرية، وهو يسعى في كمالها، فهو عبد من وجه، حرمن وجه آخر؛ فهو عبد ما بقي عليه درهم، فكذا المسلم عبدٌ لنفسه ما بقي عليه حظ من حظوظ نفسه؛ فالحر من تخلص من رق المال والطين، وفاز بعبودية رب العالمين، فاجتمعت له العبودية والحرية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ويتم إصلاح النفوس البشرية بأمرين: تكوين القلب .. وتكوين الجسم. وتكوين القلب، هو بذل الجهد لترسيخ الإيمان والتوحيد واليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فيه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. أما تكوين الجسم، فهو استغلاله في السبل التي جاء بها النبي ﷺ من السنن والأحكام والآداب، ويتم ذلك بالتعلم والتذكير وتزكية النفس بالأخلاق الحميدة، وإخلاص العمل لله، وإبلاغ الناس دين الله ليكون الدين كله لله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١ - ٥].

стр. 8139

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. • أقسام النفوس: النفوس وما تحب تنقسم إلى ثلاث أقسام: الأول: نفس سماوية علوية، ومحبتها منصرفة إلى معرفة الله، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفه عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة دينه وشرعه، وفعل الفضائل والطاعات، واجتناب الرذائل والمعاصي، وهذه النفس مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى، وذلك قوتها وغذاؤها وشفاؤها ودواؤها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. الثانية: نفس غضبية، ومحبتها منصرفة إلى القهر والبغي، والعلو في الأرض، والكبر، والرئاسة على الناس بالباطل، فلذتها في ذلك وشغفها به كحلال فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].

стр. 8140

الثالثة: نفس حيوانية شهوانية، فهذه النفس محبتها منصرفة إلى المآكل والمشارب، والمنكح والملبس والمركب، ونحو ذلك من الشهوات والملاذ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. وربما جمعت بين الأمرين العلو والفساد كما قال سبحانه عن فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. والحب في هذا العالم دائرًا بين هذه النفوس الثلاث، وكل واحدة من هذه النفوس ترى أن ما هي فيه أولى بالإيثار، وأن ما سواه غبن وفوات حظ. والنفس السماوية العلوية بينها وبين الملائكة والرفيق الأعلى مناسبة طبيعية بها، مالت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم؛ فالملائكة أولياء هذا النوع في الدنيا والآخرة، فالملك يتولى من يناسبه بالنصح والإرشاد، والتثبيت والتعليم، وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوه عنه، والاستغفار له إذا أذنب، وتذكيره إذا نسي، وتسليته إذا حزن، وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها، وتحذيره من الدنيا إذا ركن إليها وهكذا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. والشياطين أولياء النوع الثاني، يخرجونهم من النور إلى الظلمات كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ

стр. 8141

كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وهؤلاء بينهم وبين الشياطين مناسبة طبيعية، بها مالت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم، الشياطين تتولاهم فتؤزهم إلى المعاصي أزا كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣]. وتزين لهم الشياطين القبائح والمعاصي، وتسهلها عليهم، وتثقل عليهم الطاعات، وتثبطهم عنها، وتلقي على ألسنتهم ألوان القبيح من الكلام، ويبيتون معهم حيث باتوا، ويأكلون معهم حيث أكلوا ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم، ويأكلون ويشربون معهم، ويجلسون معهم، وينامون معهم، فهؤلاء حياتهم مطابقة لحياة الشياطين: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تعالى عن الشيطان: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٨ - ١٢١].

стр. 8142

وأما النوع الثالث فهم أشباه الحيوان، ونفوسهم أرضية سفلية، لا تبالي بغير شهواتها، ولا تريد سواها، فهي مشغوفة بها، مشغولة بها عن مراد ربها، ملازمة لها إلى حين أجلها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].

стр. 8143

٢ - الخزانة الثانية فقه النفوس: • النفوس ثلاث: الأولى: نفس سماوية علوية، ومحبتها منصرفة إلى معرفة الله، والعمل بشرعه، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلقه. الثانية: نفس سبعية غضبية، ومحبتها منصرفة إلى القهر، والبغي، والعلو في الأرض. الثالثة: نفس حيوانية شهوانية: وهذه النفس محبتها منصرفة إلى المآكل، والمشارب، والمناكح والملابس، والمساكن والمراكب ونحوها من الشهوات. وأعظم هذه النفوس وأسعدها في الدنيا والآخرة هي النفس العلوية السماوية التي تؤمن بالله، وتعمل بشرعه. وكمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع، والعلم الصالح، وهما الهدى ودين الحق، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فكل أحد في هذه الدنيا خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكمل غيره بالتواصي بالحق، والصبر عليه،

стр. 8144

وهاتان القوتان لا تتعطلان في القلب، فإن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق، والعملية في العمل به، وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه ويشتهيه من الباطل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. والإنسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من ﵀، فهداه، ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه، وأمر غيره به: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فالإنسان من حيث هو إنسان ظلوم جهول، كفور كنود، يئوس قنوط، عجول قتور، عارٍ من كل خير من العمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه؛ فكل علم وعدل وخير، فيه فمن ربه لا من نفسه ولا فلاح له إلا بتزكية الله له بالإيمان والعمل الصالح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ». أخرجه مسلم (١). فالكمال التام للإنسان أن يكون الشخص كاملًا في نفسه، مكملًا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه: العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوه العملية بعمل الصالحات، وتكميل غيره بتعليمه له، وصبره عليه، وتوصيته بالصبر

стр. 8145

على العلم والعمل، وهذا نهاية الكمال وهو ما توج الله به هذه الأمة، ودرجة أهلها أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٤ - ٧٥]. والإنسان قد يقوم بما يجب عليه في نفسه، ولا يأمر غيره به، فهذا قد ربح الإيمان، والعمل الصالح، في حق نفسه، وخسر ربح التواصي بالحق، والتواصي بالصبر في حق غيره، فصار في خسر، ولكنه لا يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، فمطلق الخسارة شيء، والخسارة المطلقة شيء آخر، ومن ربح بسلعة، وخسر في أخرى، فهو ذو ربح، وذو خسر، فهذا نوع خسر بالنسبة لمن حصل الربح كله، فهو ناجٍ كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٤]. وقد استثنى الله من الإنسان الذي هو في خسر، كل من كمل مراتب الكمال الإنساني بإصلاح نفسه، وإصلاح غيره، والإحسان إلى نفسه، والإحسان إلى غيره بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فهؤلاء الكُمَّل في درجة السابقين، ومن دونهم في درجة أصحاب اليمين، ولكل درجات مما عملوا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ

стр. 8146

إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٤]. النفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. فالنفس لجهلها تظن أن شفاءها في إتباع هواها، ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح، يوضع لها الداء موضع الدواء فتقبله، ويوضع لها الدواء موضع الداء فترده، فيتولد لها من إيثارها للداء، واجتنابها للدواء، أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء، ويتعذر معها الشفاء: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦] وقد سميت النفس نفسًا إما من الشيء النفيس، لنفاستها وشرفها، وإما من تنفس الشيء إذا خرج، ولكثرة خروجها ودخولها في البدن سميت نفساً. • وفي النفس ثلاثة دواعٍ متجاذبة: أحدها: داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشياطين من الكبر، والحسد، والعلو، والبغي، والغش، والكذب.

стр. 8147

الثاني: داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الحيوان من الحرص والبخل والشهوة والطمع. الثالث: داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الملائكة من الطاعة، والعبادة، والإحسان، والنصح، والعلم، والبر، والتسبيح، والاستغفار، والتقديس ونحو ذلك. والنفس فيها استعداد للخير والشر، وهي بحسب المذكر ولمن سبق وغلب منقادة مطاوعة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. فترى من الناس من هو شيطان يركض بكل شر وفساد، ومن الناس من هو كالحيوان ليس له هم إلا قضاء شهوته، ومنهم كالملائكة عبادة لله، وطاعة له وتسبيحٌ واستغفار في ليله ونهاره. • قوة النفس: النفس الإنسانية لها قوتان: إحداهما: القوة النظرية، وكمالها في معرفة الأشياء، وأعلى المعارف معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ومعرفة خزائنه ومعرفه دينه وشرعه ومعرفة وعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الثانية: القوة العملية، وكمالها في معرفه الخيرات، والطاعات، وأنواع العبادات، وأعلاها عبادة الله بالأعمال الصالحة، على طريقة الرسول ﷺ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].

стр. 8148

فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إشارة إلى كمال القوة النظرية بمعرفة الله، وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إشارة إلى كمال القوة العملية بعبادة الله، وإنما تكمل الثانية بكمال الأولى. والنفس في علاجها كالبدن في علاجه فكما أن البدن لا يخلق كاملًا، وإنما يكمل بالتربية بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة، قابلة للكمال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وإنما تكمل النفس بالتزكية، وتهذيب الأخلاق، والتغذية بالعلم. وكما أن العلة الموجبة لمرض البدن لا تعالج إلا بضدها، إن كانت بالحرارة تعالج بالبرودة، وإن كانت بالبرودة فبالحرارة، فكذلك الأخلاق الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بدصها، فيعالج مرض الجهل بالعلم، ومرض البخل بالسخاء، ومرض الكبر بالتواضع وهكذا. وكما أنه لابد من احتمال مرارة الدواء، والصبر عن المشتهيات لصالح البدن، فكذلك لابد من احتمال مرارة المجاهدة، والصبر على مداواة مرض القلب حتى يزكو. والقلوب جوالة؛ منها ما يطوف مع البهائم حول الحش، ومنها ما يطوف مع الملائكة حول العرش: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ

стр. 8149

وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢]. والله جعل في النفس حباً لما ينفعها، وبغضًا لما يضرها، فلا تفعل النفس مع حضور عقلها ما تجزم بأنه يضرها ضررًا راجحًا، والبلاء مركب من شيئين؛ من تزيين الشيطان، ومن جهل النفس: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ [الأنعام: ١٣٧]. فإن الشيطان يزين لها السيئات، ويريها إياها في صور المنافع واللذات والطيبات، ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها، فيتولد من هذا التزيين، وهذا الإغفال، وهذا الإنسان إرادة وشهوة، ثم يمدها بأنواع التزيين، فلا يزال يقوى حتى يصير عزمًا جازمًا يقترن به الفعل، كما زين للأبوين الأكل من الشجرة كما قال سبحانه في تزين الشيطان للشر: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣]. وقال سبحانه في تزيين الخير: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]. وقال الله عن آدم وزوجه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ

стр. 8150

وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٢ - ٢٣]. وقال سبحانه في تزيين النوعين: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وتزيين الخير والهدى بواسطة الملائكة، والرسل، والمؤمنين، وتزيين الشر والضلال بواسطة شياطين الإنس والجن، وتزين الشر والضلال إنما يغتر به الجاهل، لأنه يلبس له الباطل والضار والمؤذي بصورة الحق النافع. وكما أن للأبدان آفات، فكذلك للنفوس آفات، وترك مداواة ذلك مؤذن بالهلاك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. • آفات النفوس: النفوس تصيبها الآفات والأمراض كما تصيب الأبدان، فآفات الأبدان سببها آفات النفوس، وكل علةٍ في الخارج، سببها علةٌ في الداخل، وكل حُسْن في الجوارح، سببه حُسْن في القلوب، وكل فساد في الجوارح، سببه فساد في القلوب. قال النبي ﷺ : «ألا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفقٌ عليه (١). وآفات النفوس كثيرةُ جدًا، وكل داءٍ له دواء، وعلاج آفات النفوس وأمراضها وأسقامها إلى الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله بالعلم الإلهي، والوحي الرباني الذي فيه شفاء من كل داء من أدواء النفوس: ﴿وَنَزَّلْنَا

стр. 8151

عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. ومن أهم الآفات التي تصيب النفوس: آفة الكفر، وآفة الشرك، وآفة الجهل، آفة الكبر، وآفة الابتداع، وآفة البغي، وآفة الجفاء، وآفة البخل، وآفة الشح، وآفة الطمع، وآفة الجبن، وآفة الجزع، وآفة الجحود، وآفة الإسراف، وآفة النفاق، وآفة الخداع، وآفة الخيانة، وآفة الطغيان، وآفة العجلة، وآفة الغش، وآفة الغدر، وآفة الغل، وآفة القسوة، وآفة القنوط، وآفة الفسوق، وآفة المكر، وآفة الكيد، وآفة المن، وآفة الغيبة، وآفة النميمة، وآفة الظلم، وآفة الكذب، وغير ذلك من الصفات والآفات التي تصيب النفوس: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. والله فطر الناس على التوحيد، والإيمان بالله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فكلما انحرف الناس عن الفطرة، أرسل الله إليهم رسولًا يردهم إلى التوحيد والإيمان بالله، والعمل بشرعه، وعلاج ما أصابهم من الآفات بسبب الكفر والشرك والإعراض عن دين الله كما قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ

стр. 8152

الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣]. فأعظم الأمراض التي تصيب البشرية هي مرض الكفر والشرك بالله، والشفاء منه بالإيمان والتوحيد، الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. ومن مات على الكفر فلا حظَّ له في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. والشرك جَعْلُ شريك لله تعالى، وهو من أعظم الأدواء، وصاحبه مخلد في النار إذا مات ولم يتب منه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. والجهل آفة تزول بالعلم الإلهي الذي جاءت به الرسل، وبه يعرف الإنسان ربه، والطريق الموصل إليه، وما للإنسان بعد القدوم عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا

стр. 8153

إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. و البدع آفة تزول بمعرفة السنن والأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وهكذا باقي الآفات والأمراض: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وهذه الآفات تصيب الناس بسبب كفرهم وشركهم، وعدوانهم، وضعف إيمانهم؛ عقوبة لهم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. والآفات درجات، والناس فيها متفاوتون؛ فسالمٌ ومستقلٌ ومستكثر، ومُبتلى ومُعافى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].

стр. 8154

٢ - الخزانة الثالثة آفات النفوس • آفة الغفلة: الغفلة أشد ما يفسد القلوب، فالقلب الغافل قلبٌ معطلٌ عن وظيفته، معطلٌ عن الالتقاط أو التأثر، والاستجابة، تمر به دلائل التوحيد و الإيمان والهدى، أو يمر بها، دون أن يحسها أو يدركها أو يتأثر بها. ومن ثم كان الإنذار هو أليق شيء بالغفلة، وتذكير الغافلين بما ينفعهم ليفعلوه، ونهيهم عما يضرهم ليجتنبوه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والإنذار قد ينفع ويوقظ الغافلين المستغرقين في الغفلة، كما قال سبحانه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ [يس: ٦]. والإنذار لا ينفع قلبًا غير مهيأ للإيمان، مشغول عنه، محال بينه وبينه بالسدود والأغلال والأغشية، فالإنذار لا يخلق القلوب، إنما يوقظ القلوب الحية المستعدة للتلقي: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ [يس: ١١]. فهذا الصنف من الناس هو الذي يستحق التبشير بعد انتفاعه بالإنذار، فبشره بمغفرةٍ وأجرٍ كريم، المغفرة عما يقع فيه من الخطايا غير مصر، والأجر الكريم على خشية الرحمن بالغيب، وإتباعه لما أنزل الرحمن من الذكر، وهما متلازمان في القلب، فما تحل خشية الله في قلب، إلا ويتبعها العمل

стр. 8155

بما أنزل الله، والاستقامة على النهج الذي أراد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. فعلينا أن نعيش في بيئة الذاكرين لربهم، المستقيمين على منهجه، ونصبر على ذلك؛ لننال الأجر والثواب من الله، ونحذر من أهل الأهواء والغفلة كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] وعلينا أن نخرج من بيئة الذاكرين إلى بيئة الغافلين؛ لنجتهد بالدعوة إلى الله على الغافلين ونأتي بهم إلى بيئة الإيمان، ليتذكروا ويعودوا إلى قومهم مذكرين بالله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وما وقع أحدٌ في المعاصي إلا بسبب الغفلة عن الله، وعن اليوم الآخر، وعن أوامر الله ، وما أكثر الغافلين، وما أشد عقوبتهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ [يونس: ٧ - ٨]. • آفة الهوى: قسَّم الله ﵎ أمر الناس إلى قسمين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله والرسول ﷺ ، وإما إتباع الهوى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].

стр. 8156

فكل ما لم يأت به الرسول ﷺ فهو من الهوى، ومن اتبع أحدهما لم يمكنه اتباع الآخر، فهما ضدان لا يجتمعان أبدًا: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١]. والشيطان يطيف بالعبد من أين يدخل عليه، فلا يجد له مدخلاً، ولا إليه طريقاً، إلا من هواه، والذي يخالف هواه يَفْرَقُ الشيطان من ظله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]. وإنما تحصل مخالفة الهوى بالرغبة إلى الله، والرغبة في ثوابه، والخوف من عقابه، والخشية من حجابه، ووجود حلاوة الشفاء في مخالفة الهوى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. والهوى شارع النار الأكبر، ولذلك حذر الله نبيه ﷺ من إتباع الهوى كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]. وما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه الذل، ولا يغتر أحد بصولة أهل الهوى وكبرهم، فهم أذل الناس بواطناً، قد جمعوا بين رذيلتي الكبر والذل: وكل عاقل يأنف أن يكون تحت قهر عدوه، فالشيطان إذا رأى من الإنسان ضعف عزيمة وهمة، وميلاً إلى هواه، طمع فيه وصرعه، وألجمه بلجام الهوى، وساقه حيث أراد إلى موارد الهلاك: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].

стр. 8157

وقال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤]. وكل من بلغته الحجة، ثم اتبع هواه، فإن الله يرفع عنه ولايته ونصرته كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقد شبه الله إتباع الهوى بأخس الحيوانات، فشبههم بالكلب تارة، كما قال سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. وشبههم بالحمر تارة كما قال سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١]. ومن اتبع هواه طبع الله على قلبه كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾ [محمد: ١٦]. • علاج إتباع الهوى: الحق في الهدى، والباطل في الهوى، وعلاج إتباع الهوى بسبعة أمور: أحدها: التفكر في أن الإنسان لم يُخلق للهوى، وإنما خُلق لعبادة الله، والنظر في العواقب، والعمل للأجل، فلو كان نيل المشتهي فضيلة لما

стр. 8158

بُخس الإنسان منه، ونقص عن حظ البهائم: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية: ٢٢]. وفي توفير حظ الإنسان من العقل، وبخس حظه من الهوى، دليل على فضل هذا وذاك. الثاني: التفكر في فائدة مخالفة الهوى، من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النازعات: ٣٤ - ٣٩]. الثالث: التفكر في حقيقة ما يناله بإتباعه هواه من اللذات والشهوات، فإن العقل سيخبره أنه ليس بشيء، ولكن عين الهوى عمياء: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. الرابع: التدبر لما يحصل له من عز الغلبة إن ملك نفسه، وذل القهر إن غلبته، فمن غلب هواه عز، ومن غلبه هواه ذل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. الخامس: التفكر في عواقب الهوى، فكم فوت من فضيلة، وكم أوقع في رذيلة، مع الإثم. السادس: تصور العاقل لانقضاء غرضه من هواه، فسيرى أن ما حصل له من الأذى، يربو على إتباع الهوى أضعافاً مضاعفة. السابع: تصور عاقبة ذلك في حق غيره، فعندئذ سيرى ما يعلم به عيب نفسه إن هو وقف في ذلك المقام، وارتكس في هذه الآثام: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].

стр. 8159

فما أسفه عقول البشر حين يتبعون أهواءهم بعد بلوغهم هدى ربهم، ورسالة ربهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣]. فليتبع العبد هدى ربه، ويحذر من هوى نفسه، وهوى غيره، ففي طاعة ربه سعادته ونجاته: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]. • آفة الكبر: الله ﵎ وحده هو الكبير الذي له الكبرياء في السموات والأرض، وله الأسماء الحسنى والصفات العلا، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وله الجلال والجمال والكمال، وله الملك كله، وله العزة كلها: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. ومن استكبر من الخلق فليس له ذلك؛ لأن الكبرياء لله وحده لا شريك له، والعبد مخلوقٌ ضعيفٌ عاجزٌ فقير، لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً إلا ما مَلَّكه الله إياه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩]. والكبر بطر الحق، وغَمْطُ الناس بازدرائهم واحتقارهم.

стр. 8160

وآفة الكبر في الناس على ثلاث درجات: الأولى: أن يكون الكبر مستقرًا في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيرًا منهم إلا أنه يجتهد ويتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة إلا أنه قد قطع أغصانها بإخفائه الكبر. الثانية: أن يظهر ذلك بأفعاله من الترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، فتراه يصعر خده للناس ويحتقرهم. الثالثة: أن يُظهر الكبر بلسانه كالدعاوى، والمفاخرة، وتزكية النفس، والتكبر بالنسب، والمال، والعلم، والجمال، والقوة، وكثرة الأتباع، ونحو ذلك من الحالات والآفات. فالتكبر بالمال أكثر ما يجري بين الملوك والتجار، والتكبر بالجمال أكثر ما يجري بين النساء، والتكبر بالعلم أكثر ما يجري بين المرائين، والتكبر بالنسب أكثر ما يجري بين الناقصين الجاهلين، والتكبر بكثرة الأتباع أكثر ما يجري بين الملوك بكثرة الجنود، وبين العلماء بكثرة الطلاب والمستفيدين. و من صفات المتكبر: استكباره عن الحق، واحتقار الناس، وحبه قيام الناس له، وجلوسه في صدور المجالس، ومشيه متبختراً، وأنه لا يمشي غالبًا إلا ومعه أحد يمشي خلفه، ولا يزور أحداً تكبراً على الناس، ويستنكف جلوس أحد إلى جانبه، ولا يتعاطى في بيته شغلًا ونحو ذلك: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
следующие страницы →