فكل ما لم يأت به الرسول ﷺ فهو من الهوى، ومن اتبع أحدهما لم يمكنه اتباع الآخر، فهما ضدان لا يجتمعان أبدًا: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
والشيطان يطيف بالعبد من أين يدخل عليه، فلا يجد له مدخلاً، ولا إليه طريقاً، إلا من هواه، والذي يخالف هواه يَفْرَقُ الشيطان من ظله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢].
وإنما تحصل مخالفة الهوى بالرغبة إلى الله، والرغبة في ثوابه، والخوف من عقابه، والخشية من حجابه، ووجود حلاوة الشفاء في مخالفة الهوى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
والهوى شارع النار الأكبر، ولذلك حذر الله نبيه ﷺ من إتباع الهوى كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].
وما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه الذل، ولا يغتر أحد بصولة أهل الهوى وكبرهم، فهم أذل الناس بواطناً، قد جمعوا بين رذيلتي الكبر والذل: وكل عاقل يأنف أن يكون تحت قهر عدوه، فالشيطان إذا رأى من الإنسان ضعف عزيمة وهمة، وميلاً إلى هواه، طمع فيه وصرعه، وألجمه بلجام الهوى، وساقه حيث أراد إلى موارد الهلاك: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
стр. 8157
وقال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤].
وكل من بلغته الحجة، ثم اتبع هواه، فإن الله يرفع عنه ولايته ونصرته كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠].
وقد شبه الله إتباع الهوى بأخس الحيوانات، فشبههم بالكلب تارة، كما قال سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
وشبههم بالحمر تارة كما قال سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].
ومن اتبع هواه طبع الله على قلبه كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾ [محمد: ١٦].
• علاج إتباع الهوى:
الحق في الهدى، والباطل في الهوى، وعلاج إتباع الهوى بسبعة أمور:
أحدها: التفكر في أن الإنسان لم يُخلق للهوى، وإنما خُلق لعبادة الله، والنظر في العواقب، والعمل للأجل، فلو كان نيل المشتهي فضيلة لما
стр. 8158
بُخس الإنسان منه، ونقص عن حظ البهائم: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية: ٢٢].
وفي توفير حظ الإنسان من العقل، وبخس حظه من الهوى، دليل على فضل هذا وذاك.
الثاني: التفكر في فائدة مخالفة الهوى، من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النازعات: ٣٤ - ٣٩].
الثالث: التفكر في حقيقة ما يناله بإتباعه هواه من اللذات والشهوات، فإن العقل سيخبره أنه ليس بشيء، ولكن عين الهوى عمياء: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
الرابع: التدبر لما يحصل له من عز الغلبة إن ملك نفسه، وذل القهر إن غلبته، فمن غلب هواه عز، ومن غلبه هواه ذل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
الخامس: التفكر في عواقب الهوى، فكم فوت من فضيلة، وكم أوقع في رذيلة، مع الإثم.
السادس: تصور العاقل لانقضاء غرضه من هواه، فسيرى أن ما حصل له من الأذى، يربو على إتباع الهوى أضعافاً مضاعفة.
السابع: تصور عاقبة ذلك في حق غيره، فعندئذ سيرى ما يعلم به عيب نفسه إن هو وقف في ذلك المقام، وارتكس في هذه الآثام: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].
стр. 8159
فما أسفه عقول البشر حين يتبعون أهواءهم بعد بلوغهم هدى ربهم، ورسالة ربهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣].
فليتبع العبد هدى ربه، ويحذر من هوى نفسه، وهوى غيره، ففي طاعة ربه سعادته ونجاته: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠].
• آفة الكبر:
الله ﵎ وحده هو الكبير الذي له الكبرياء في السموات والأرض، وله الأسماء الحسنى والصفات العلا، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وله الجلال والجمال والكمال، وله الملك كله، وله العزة كلها: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن استكبر من الخلق فليس له ذلك؛ لأن الكبرياء لله وحده لا شريك له، والعبد مخلوقٌ ضعيفٌ عاجزٌ فقير، لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً إلا ما مَلَّكه الله إياه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
والكبر بطر الحق، وغَمْطُ الناس بازدرائهم واحتقارهم.
стр. 8160
وآفة الكبر في الناس على ثلاث درجات:
الأولى: أن يكون الكبر مستقرًا في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيرًا منهم إلا أنه يجتهد ويتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة إلا أنه قد قطع أغصانها بإخفائه الكبر.
الثانية: أن يظهر ذلك بأفعاله من الترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، فتراه يصعر خده للناس ويحتقرهم.
الثالثة: أن يُظهر الكبر بلسانه كالدعاوى، والمفاخرة، وتزكية النفس، والتكبر بالنسب، والمال، والعلم، والجمال، والقوة، وكثرة الأتباع، ونحو ذلك من الحالات والآفات.
فالتكبر بالمال أكثر ما يجري بين الملوك والتجار، والتكبر بالجمال أكثر ما يجري بين النساء، والتكبر بالعلم أكثر ما يجري بين المرائين، والتكبر بالنسب أكثر ما يجري بين الناقصين الجاهلين، والتكبر بكثرة الأتباع أكثر ما يجري بين الملوك بكثرة الجنود، وبين العلماء بكثرة الطلاب والمستفيدين.
و من صفات المتكبر:
استكباره عن الحق، واحتقار الناس، وحبه قيام الناس له، وجلوسه في صدور المجالس، ومشيه متبختراً، وأنه لا يمشي غالبًا إلا ومعه أحد يمشي خلفه، ولا يزور أحداً تكبراً على الناس، ويستنكف جلوس أحد إلى جانبه، ولا يتعاطى في بيته شغلًا ونحو ذلك: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
стр. 8161
• علاج آفة الكبر:
الكبر من المهلكات، ويعالج بأمرين:
الأول: استئصال شجرته من القلب، ووسيلة ذلك أن يعرف الإنسان ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويعرف نفسه بالضعف والعجز، الفقر والحاجة.
الثاني: من تكبر بالنسب، فليعلم أن هذا تعزز بكمال غيره، ومن اعتراه الكبر بالجمال، فلينظر إلى باطنه وأقذاره نظر العقلاء، ومن اعتراه الكبر بالقوة، فليعلم أنه لو آلمه عِرْق عاد أعجز من كل عاجز، ومن تكبر بسبب المال، فليعلم أن اليهود أغنى منه، وهم شر خلق الله، وقد غضب الله عليهم ولعنهم، ومن تكبر بسبب العلم، فليعلم أن حجة الله على العالم أكثر من الجاهل.
فالكبر ذنب إبليس اللعين: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
• أقسام الكبر:
الكبر باعتبار المتكبر عليه ثلاثة أقسام:
الأول: التكبر على الله: وهو أفحش أنواع الكبر، ولا مثار له إلا الجهل المحض، والطغيان، وهو يصدر من كل من ادعى الربوبية كفرعون وغيره، وقد توعد الله هؤلاء بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
الثاني: التكبر على رسل الله: من حيث تعزز النفس، وترفعها عن الانقياد لبشر مثل سائر الناس، وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار، فيبقى في ظلمة الجهل بكبره، فيمتنع عن الانقياد، وهو ظان أنه محق فيه:
стр. 8162
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان: ٢١].
الثالث: التكبر على الخلق: وذلك بأن يستعظم نفسه، ويحقر غيره، فتأبى نفسه الانقياد لهم، وتدعوها إلى الترفع عليهم، فيزدريهم ويستصغرهم، ويأنف من مساواتهم.
وهذا وإن كان دون الأول والثاني، لكنه عظيم من وجهين:
أحدهما: أن الكبر والعز والعظمة والعلو لا يليق إلا بالملك القادر، أما العبد فهو مملوكٌ ضعيفٌ فقير عاجزٌ محتاج كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ». أخرجه أبو داود وابن ماجة بسندٍ صحيح (١).
الثاني: أن ذلك يدعو العبد إلى مخالفة الله في أوامره؛ لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله استنكف عن قبوله.
فكل من رد الحق وهو يعرفه، وأنف أن يخضع لله، ويتواضع له بطاعته، واتباع رسله، فقد تكبر عن الحق فيما بينه وبين الله تعالى ورسله.
• أسباب الكبر:
أسباب الكبر و بواعثه المهيجة لها أربعة:
العجب .. والحقد .. والحسد .. والرياء.
فالكبر خلق باطن، وما يظهر على الجوارح من الأخلاق والأفعال التي تدل على الكبر، فهي ثمرة ونتيجة للكبر الباطني، الذي هو عبارة عن استعظام النفس، ورؤية قدرها فوق قدر الغير.
стр. 8163
وهذا الباطن له موجب واحد، وهو العجب الذي يتعلق بالمتكبر، فإنه إذا أعجب بنفسه وبعلمه وبعمله أو بشيء من الأسباب استعظم واستكبر.
أما الكبر الظاهر فأسبابه ثلاثة:
سبب في المتكبر: وهو العجب.
وسبب في المتكبر عليه: وهو الحقد والحسد.
وسبب في غيرهما وهو الرياء.
والعجب يورث الكبر الباطن، والكبر يثمر التكبر الظاهر في الأقوال والأعمال والأحوال.
والحقد يحمل على التكبر من غير عُجب، كالذي يتكبر على من يرى أنه مثله أو فوقه، ولكنه غضب عليه لسبب، فأورثه الغضب حقداً عليه، فهو لذلك لا يتواضع له، بل يتكبر عليه، ويرد الحق إن جاء من جهته، ويأنف منه إن نصحه، نعوذ بالله من الكبر والمستكبرين.
فالواجب على المسلم أن لا يتكبر على أحدٍ من خلق الله، فإن رأى جاهلاً قال: هذا عصى الله بجهل، وأنا عصيته بعلم، فهو أعذر مني.
وإن نظر إلى كبير قال: هذا أطاع الله قبلي، فكيف أكون مثله؟.
وإن نظر إلى صغير قال: إني عصيت الله قبله، فكيف أكون مثله؟ وهكذا.
وعذاب الهون هو الجزاء العدل على الاستكبار في الأرض، وجزاء على الفسوق عن منهج الله كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠].
стр. 8164
• آفة الكذب:
لا أظلم ولا أشد ظلماً ممن كَذَب على الله، إما بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة، أو الإخبار بأن الله قال كذا، أو أخبر بكذا، أو حكم بكذا، وهو كاذب، أو جاءه الحق المؤيد بالبينات فكذبه، ومن كان جامعاً بين الكذب على الله، والتكذيب بالحق، كان ظلماً على ظلم، فما أشد عقوبة: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [الزمر: ٣٢].
وليس هناك أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن له بناتًا، أو له شركاء، أو قال إنه فقير، أو قال يد الله مغلولة، أو قال إن الله ثالث ثلاثة، أو قال إن الله هو المسيح بن مريم، أو كذب الرسل ونحو ذلك: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٧].
والكذب من أعظم آفات النفس، ويوم القيامة تكون وجوه المكذبين مسودة من الخزي، ومن الكمد، ومن لفح النار كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ [الزمر: ٦٠].
وليس هناك أعظم ظلماً وعناداً ممن كَذَب على الله أو كذب بآياته التي جاءت بها الرسل، فهذا أظلم الناس، والظالم لا يفلح أبداً كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ [الأنعام: ٢١].
стр. 8165
والكذب من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ لرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا». متفقٌ عليه (١).
والكذب على رسول الله ﷺ من الكبائر العظيمة التي لا يقاومها شيء، ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه من المسائل.
قال النبي ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». متفقٌ عليه (٢).
والكذب: هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، وهو من سيء الأخلاق، والكذب من صفات المنافقين كما قال النبي ﷺ : «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ، إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». متفقٌ عليه (٣).
ومن آفات النفس:
• آفة اللسان:
الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلَّمه البيان، وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله، ثم أمده بلسان يترجم به عما حواه قلبه وعقله.
واللسان من نعم الله العظيمة، فهو صغير جرمه، عظيم نفعه، وعظيم جُرمه، رحب الميدان، له في الخير مجال رحب، وله في الشر مجال رحب، فاحفظ لسانك، ولا تدنسه بما لا يرضي مولاك.
стр. 8166
فمن أطلق عذبة اللسان، وأهمله مرخي العنان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطره إلى البوار، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم.
ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وأعصى الأعضاء خطراً على الإنسان اللسان، لأنه لا تعب في إطلاقه، ولا مؤنة في تحريكه، وأكثر الأخطار والشرور من طريقه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
فخطر اللسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلا بالصمت، فلذلك مدح الشرع الصمت، وحث عليه كما قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» .. قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ». متفقٌ عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ». أخرجه البخاري (٢).
стр. 8167
فليحذر العبد أن يقول على الله بلسانه ما ليس له به علم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
• أهم آفات اللسان:
الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعني، فمن عرف قدر زمانه، وأنه رأس ماله، حبس لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه، واشتغل بذكر ربه والطاعات وأعمال البر المختلفة، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
الآفة الثانية: الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي كذكر مجالس اللهو والخمر، وأحوال الفساق، ونحو ذلك من الجدال والمراء الذي ينتهي غالباً بالشقاق والخلاف والخصام.
الآفة الثالثة: التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع، ليُظهر الإنسان نفسه، ويُعجب الناس بحلاوة كلامه، فيفقد الإخلاص.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ، قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ». أخرجه الترمذي (١).
الآفة الرابعة: الفحش في الكلام، والسب والبذاء ونحو ذلك مما هو مذموم.
والفحش: هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ما يكون ذلك في ألفاظ الجماع وما يتعلق به.
وليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء.
стр. 8168
الآفة الخامسة: الإكثار من المزاح.
أما اليسير منه فلا بأس به إذا كان حقاً وصدقاً، وكان مع الصبيان والنساء الكبار، ومن يحتاج إلى تأديبه من ضعفاء الرجال.
وكثرة المزاح تسقط الوقار، وتسبب الضغائن والأحقاد، وكان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً.
الآفة السادسة: السخرية والاستهزاء:
والسخرية الاحتقار والاستهانة بالناس، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجهٍ يُضْحَك منه بالقول، أو الفعل، أو الإشارة، أو الإيماء.
والضحك على الناس، والسخرية بهم، من جملة الذنوب والكبائر التي حرمها الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
الآفة السابعة: إفشاء السر، وإخلاف الوعد، والكذب في القول واليمين، وكل ذلك منهي عنه إلا ما رُخص فيه من الكذب في الحرب، والإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة ليراضيها لمصلحة راجحة، وتُباح المعاريض عند الحاجة إليها.
الآفة الثامنة: الغيبة.
والغيبة: ذكرك أخاك الغائب بما يكره.
والغيبة محرمة، والمستمع للغيبة شريك فيها إلا أن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، وإن قدر على القيام، أو قطع الكلام بكلام آخر، لزمه ذلك.
стр. 8169
الآفة التاسعة: النميمة.
والنميمة: هي كشف ما يُكره كشفه من الأقوال والأعمال.
وتطلق غالباً على قول إنسان في آخر، مثل أن يقول: قال فيك فلان كذا وكذا.
والقتات: هو النمام وقد قال النبي ﷺ : «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». متفق عليه (١).
الآفة العاشرة: كلام ذي الوجهين.
وهو الذي يثني على الواحد في وجهه، ويذمه عند الآخرين.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه (٢).
الآفة الحادية عشرة: المدح، وله آفات، منها ما يتعلق بالمادح، فقد يقول ما لا يتحققه، وقد يبالغ في المدح، فينتهي إلى الكذب، وقد يمدح من ينبغي أن يُذم.
وأما الممدوح، فإنّ مَدْحه يسبب له الكبر والإعجاب وهما مهلكان.
الآفة الثانية عشرة: الخطأ في فحوى الكلام عن الدين: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
الآفة الثالثة عشرة: الغناء، وهو ما يفسد القلوب، وقد غَرَّ به الشيطان خلقاً كثيراً من العوام والعلماء والزهاد، حتى ظنوه قربة إلى الله.
الآفة الرابعة عشرة: اللعن: إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم شرعاً.
стр. 8170
٤ - الخزانة الرابعة
آفات النفوس
• آفة الرياء:
الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فلا يقبل من الأعمال إلا ما كمل وخلص من شوائب الشرك والرياء: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
والرياء حرام، والمرائي عند الله ممقوت، لأنه صرف عمله لغير الله .
والرياء من أعظم آفات النفس، وأشد غوائلها، وهو من صفات المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
وأكثر ما يُبتلى بالرياء العلماء، والعباد، والأغنياء، والمجاهدون، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة.
فإن هؤلاء مهما قهروا أنفسهم وجاهدوها، وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، وحملوها على أصناف العبادات إلا عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير، وإظهار العلم والعمل، فسارعت إلى إظهار الطاعة، وتوصلت إلى اطلاع الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
стр. 8171
وقال الله : «أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ». أخرجه مسلم (١).
فالرياء هو الداء الدفين، وهو أعظم شبكة للشياطين، لإفساد أعمال المؤمنين.
وحد الرياء: ترك الإخلاص في العمل بإرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى، كأن يقصد اطلاع الناس على عبادته وعمله، فيحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وللمرائي أربع علامات:
o يكسل إذا كان وحده
o وينشط إذا كان في الناس
o ويزيد في العمل إذا أثني عليه
o ويُنقص العمل إذا ذُم.
والرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع، والرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير، إلا أن الجاه والمنزلة تُطلب في القلب بأعمال سوى العبادات، وتطلب بالعبادات.
واسم الرياء مخصوص بحكم العادة، بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة وإظهارها.
فحد الرياء: هو إرادة العباد بطاعة الله.
فالمرائي هو العابد، والمرائَى هو الناس المطلوب رؤيتهم للظفر بالمنزلة في قلوبهم، والمراءى به هو الخصال والأعمال التي قصد المرائي إظهارها، والرياء هو قصد إظهار ذلك.
стр. 8172
والمراءى به كثير، وتجمعه ستة أشياء، وهي مجامع ما يتزين به العبد للناس، وهي: البدن والزي، والقول والعمل، والأتباع والأشياء الخارجية.
الأول: الرياء في الدين بالبدن بإظهار النحول، والتقشف، والصفار، ليوهم بذلك شدة الاجتهاد.
و الثاني: الرياء بالهيئة والزي من أنواع الملابس.
الثالث: الرياء بالقول، ويكون بالوعظ والتذكير، والنطق بالحكمة، وحفظ الأخبار والآثار، إظهاراً لغزارة العلم، والانتصار في المحاورات.
الرابع: الرياء بالعمل كمراءاة المصلي بطول القيام، ومد الظهر، وطول السجود والركوع، وإطراق الرأس، ليراه الناس.
وكذلك بالصوم والصدقة ونحو ذلك من الأعمال الصالحة.
الخامس: المراءاة بالأصحاب والزائرين كالذي يتكلف أن يستزير عالمًا من العلماء، ليقال إن فلاناً قد زار فلاناً، أو عابداً من العباد، ليقال أن أهل الدين يتبركون بزيارته.
السادس: المراءة بالأشياء، كمن يتظاهر بالفقر وهو غني، ليعطي ونحو ذلك.
فالرياء أنواع وكلها مذمومة كما قال النبي ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ «متفقٌ عليه (١).
و يحصل علاج الرياء بأمرين:
أحدهما: قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه.
الثاني: دفع ما يخطر منه في الحال.
стр. 8173
فأما قلع عروقه وأصوله: فأصل الرياء حب المنزلة والجاه، وهو يرجع إلى ثلاثة أصول وهي:
لذة المحمدة، والفرار من ألم الذم، والطمع فيما في أيدي الناس.
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الله؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله». متفق عليه (١).
فإذا علم العبد أن الرياء ضار في الدنيا والآخرة، سهل عليه قطع الرغبة عنه، فإنه إذا علم مضرة الرياء، وما يفوته من صلاح قلبه، وما يُّحرم منه من التوفيق في الحال، وفي الآخرة من المنزلة عند الله، فعلمه بذلك يُسهل عليه تركه، ويبعث فيه الرغبة في الإخلاص.
وأما الطمع بما في أيديهم، فبأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء، وأن الخلق كلهم مضطرون إلى الله، فلا رزاق إلا هو، ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنَّة والمهانة، فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب؟: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
والرياء فعل الخير، لإرادة الخير، بطلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير، وإرادة العباد بطاعة الله، فجمعوا بين التعب، وحرمان الأجر، وحصول الإثم.
стр. 8174
• و الفرق بين الرياء والسمعة:
أن الرياء يكون في الفعل؛ لأن المرائي يري الناس أنه يفعل ولا يفعل بالنية، والسمعة تكون في القول.
والفرق بين الرياء والنفاق:
أن الأصل في الرياء الإظهار، والأصل في النفاق الإخفاء.
وقد يلتقي الأمران الرياء والنفاق الأصغر في عمل المنافق، بإظهار مجرد الطاعة كما قال سبحانه في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
• حكم الرياء:
الرياء من الكبائر، بل هو الكبيرة الثانية بعد الشرك بالله؛ لما فيه من الاستهزاء بالحق تعالى، وتقديم المخلوق عليه، ولما فيه من التلبيس على الخلق، لإيهام المرائي لهم أنه مخلص مطيع لله وهو بخلاف ذلك.
ولهذا أطلق على الرياء الشرك الأصغر، فهو كل عبادة يراد بها غير وجه الله تعالى، فهو من أكبر الكبائر المهلكة، والرياء درجات.
فالرياء بما عمله الإنسان كبيرة، والرياء بما لم يعمله أكبر: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
• آفة الحسد:
أصل الحسد العداوة، وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين، بل لا يجمع إلا متناسبين كالتجار والصناع، والزراع، والمدرسين، والعلماء، والأمراء ونحوهم.
стр. 8175
و أهم أسباب الحسد:
إما العداوة والبغضاء، فإن آذاه إنسان أبغضه وغضب عليه، وأحب ضرره، وأما التعزز، فإذا نال الإنسان منصبًا ترفع على غيره، فيحسده ذلك الغير، ويتمنى زوال ذلك المنصب عنه، أو يكون في طبيعة يستخدم غيره، فيريد زوال النعمة عنه ليستخدمه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥].
والحسد أبوابه كثيرة وزوال الحسد بأمرين؛ بالعلم والعمل.
أما العلم، فهو أن تعلم أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا، وليس على المحسود ضرر، بل ينتفع به في الدين والدنيا.
أما ضرره عليك في الدين، فإنك بالحسد كرهت حكم الله، ونازعته في قسمة الرزق بين عباده وشاركت إبليس وسائر الكفرة في محبتهم للبلايا للمؤمنين وستنال العقاب العظيم عليه يوم القيامة.
وضرره عليك في الدنيا أنك بالحسد تتعذب، وتكون في الغم والكدر كلما رأيت نعمة على من تحسده وهذا ينهك بدنك، ويُنغص عليك لذة المطعم والمشرب، والمحسود لا ضرر عليه في دينه ودنياه، فما قدر الله كائن لا محالة، وهو مأجور في حال السراء والضراء.
وأما أن المحسود ينتفع به في الدين، فهو أنه مظلوم من جهتك، لاسيما إذا أخرجت الحسد إلى القول أو الفعل بالغيبة، وذكر مساوئه، فهذه هدايا يهديها الله إليه من حسناتك: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
стр. 8176
وحسد الحاسد يدل على اختصاص المحسود بفضل الله ونعمه، فهو مُذكر له بنعم الله، فليحمد الله.
أما العمل النافع الذي يزول به الحسد فهو أن يأتي بالأعمال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن حمله الحسد على ذمه مدحه، وإن حمله على التكبر عليه تواضع له، وإن حمله على إيذائه أحسن إليه، وإن حمله على الدعاء عليه دعا له وهكذا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
• مراتب الحسد:
الحسد ثلاث مراتب:
أحدها: أن يحسد غيره على ما أعطاه الله من النعم، ويتمنى زوال ذلك عنه، ويترتب على ذلك الحسد مقتضاه من الأذى في القلب واللسان والجوارح وهذا أعظم أنواع الحسد، لما فيه من الإعتراض على قسمة الله.
الثاني: تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يُحدث الله لعبده نعمة ويحب أن يبقى على حاله، من جهل أو فقر أو ضعف أو شتات قلبه عن الله، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا كله حسد على شيء غير مقدر، والأول حسد على شيء مقدر، وكلاهما حاسد عدو نعم الله، وعدو عباده، ممقوت عند الله، وعند الناس، لا يسود أبدًا، فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم.
стр. 8177
الثالثة: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير تمني زوال النعمة عنه، وهذا لا بأس به، ولا يُعاب صاحبه، وهو محمود يتمنى ما فيه خير من النعم ليستعين بها على طاعة الله، وينفع بها الناس وأعمال صالحة يكسب بها الأجر، وينال عليها الثواب في الآخرة وهذا قريب من المنافسة في الخيرات فقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦].
وقد قال النبي ﷺ : «لا حسدَ إلَّا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا؛ فسلَّطَه على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ آتاه اللهُ الحِكمةَ؛ فهو يَقضي بها ويُعلِّمُها». متفق عليه (١).
فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه شرف نفسه، وحبه خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم.
والحسد المذموم من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويسبب العداوة والبغضاء، وقطع صلة الأرحام، والفرقة بين الناس كما قال ﷺ : «إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا». متفق عليه (٢).
واليهود أسحر الناس، وأحسدهم للناس: كما قال الله عنهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].
стр. 8178
والفرق بين الغبطة والحسد؛ أن الغبطة تمني المرء أن يكون له مثل الذي لغيره من غير إرادة إذهاب ما لغيره من الخير، وهي من صفات المؤمنين.
أما الحسد، فهو إرادة زوال النعمة عن الغير، وهي من صفات المنافقين والكفار، وشر الحاسد مؤلم ومؤذي وموجع.
• وسائل دفع الحسد:
يندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:
الأول: التعوذ بالله من شر الحاسد، والتحصن به، واللجوء إليه سبحانه.
الثاني: تقوى الله ، فمن اتقى الله تولى حفظه، ولم يكله إلى غيره.
الثالث: تجديد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة.
الرابع: التوكل على الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به، والفكر فيه، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه وبذلك يندفع عنه شره.
السادس: الإقبال على الله بكليته، والإخلاص له، وجعل المحبة لله، ورضاه، والإنابة إليه، في محل خواطر نفسه حتى تقهرها وتُذيبها بالكلية.
السابع: الصبر على عدوه، وألا يقاتله، ولا يشكوه، وألا يُحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصر على حاسده وعدوه كمثل الصابر عليه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
الثامن: الصدقة والإحسان إليه ما أمكنه، فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء، ودفع العين، ودفع شر الحاسد.
стр. 8179
التاسع: إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، وكلما ازداد أذى وشرًا، وبغيًا وحسدًا، ازددت إليه إحسانا، وإكراماً، وعليه شفقة، وهذا من أعظم الأسباب، وأصعبها على النفس ولا يوفق لها إلا من عظم حظه من الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
العاشر: تجريد التوحيد، والتحول عن الفكر بالأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه أسباب بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وباريها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذن الله كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].
وهذا السبب جامع لما سبق كله، وعليه مدار كل شيء: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
• آفة الغضب:
الغضب: هو غليان دم القلب طلبًا للانتقام.
وقوة الغضب محلها القلب، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها، وفيه لذتها ولا تسكن إلا به.
стр. 8180
والغضب شعلة نار من نار الله الموقدة، وهي مستكنة في الفؤاد، ويستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد، كاستخراج الحجر النار من الحديد، والشيطان يكون أقدر على ابن آدم حين يغضب: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٧].
ومن نتائج الغضب، الحقد والحسد، وبهما هلك من هلك، وفسد من فسد، والحلم مفتاح كل خير، والغضب مفتاح كل شر، ويُسير صاحبه إلى ذلة الاعتذار.
وقد خلق الله سبحانه طبيعة الغضب من النار، وغرزها في الإنسان، فمهما صُد عن غرض من أغراضه وحوائجه اشتعلت نار الغضب، وثارت ثورانًا يغلي به دم القلب، ثم ينتشر في العروق، ثم يمتد إلى أعالي البدن كما ترتفع النار، وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، فلذلك ينصب إلى الوجه، فيحمر الوجه والعين، والبشرة لصفائها، تحكي ما وراءها من حمرة الدم، فنعوذ بالله من الغضب ومن أسبابه.
• درجات الغضب:
الناس في الغضب على ثلاث درجات:
تفريط، وإفراط، واعتدال.
أما التفريط: فيفقد هذه القوة أو ضعفها، وذلك مذموم، فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلاً فهو ناقص جدًا، وقد وصف الله رسوله والمؤمنين معه بالشدة والحمية كما قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
стр. 8181
وأما الإفراط: فهو أن تغلب صفة الغضب، حتى تخرج العبد عن سياسة الدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر، وإذا اشتدت نار الغضب وقويت أعمت صاحبها، وأصمته عن كل موعظة، فإذا وعظه أحد لم يسمع له، بل زاده ذلك غضبًا، فينطفئ نور العقل من دخان الغضب، ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون، وشدة الرعدة في الأطراف، واضطراب الحركة والكلام، وخروج الأفعال والحركات عن المعتاد، حتى يظهر الزبد على الأشداق، وتحمر الأحداق.
وقبح باطن الغضبان أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، وإنما قبحت صورة الباطن أولاً، ثم انتشر قبحها على الظاهر ثانيًا، وظهر في اللسان انطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل الرشيد.
وأما أثر الغضب على الأعضاء فالضرب والتهيب، والتمزيق والقتل والجرح، عند التمكن من غير مبالاة، فإن هرب منه المغضوب عليه، أو عجز عن التشفي منه، رجع الغضب على صاحبه، فمزق ثوبه، ولطم نفسه، أو سقط على الأرض، أو كسر ما باليد ونحو ذلك مما هو واقع.
وأما أثره في القلب على المغضوب عليه فالحقد عليه، والحسد له، وإظهار السوء والشماتة بالمساوئ والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر، وهتك السر وغير ذلك من القبائح فهذه مضار الغضب المفرط.
وأما مضار الحمية الضعيفة، فقلة الأنفة مما ينوح منه من التعرض للمحارم والزوجة، واحتمال الذل من الأخساء، وعدم الغيرة على الحرام.
стр. 8182
وأما الاعتدال: فالمحمود من الغضب هوالغضب الذي ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفئ حيث يجب الحلم.
وحفظه على حد الاعتدال، هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط بين الطرفين: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
فمن مال غضبه إلى الفتور، حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة، وخسة النفس، واحتمال الذل في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه.
ومن رقى غضبه إلى الإفراط، حتى جره إلى التهور، واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه، لينقص من ثورة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، وهو الصراط المستقيم وهو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، فإن عجز عنه، فليطلب القرب منه كما قال النبي ﷺ : «ليس الشَّديد بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغَضَب». متفق عليه (١).
والأسباب المهيجة للغضب في النفس، هي الزهو والعُجب، والمزاح والهزل، والهُزء والتعيير، والمماراة والغدر، وشدة الحرص على فضول المال والجاه ونحو ذلك من الأخلاق الرديئة المذمومة شرعًا، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب، وتُزال هذه الأسباب بأضدادها.
فيُميت الإنسان الزهو بالتواضع، والعُجب بمعرفة ما في النفس من النقص، والفخر بأنك من جنس عبدك، وتُزيل المزاح بالتشاور بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر، وتنفع العبد.
стр. 8183
وأما الهزل فتُزيله بالجد في طلب الفضائل، والأخلاق الحسنة، والعلوم الدينية النافعة التي تبلغك إلى سعادة الآخرة.
وأما الهُزء فتُزيله بالترفع عن إيذاء الناس، وبصيانة النفس عن أن يُستهزئ بك.
والتعيير يُزال بالحذر من القول القبيح، وصيانة النفس عن مر الجواب.
وأما شدة الحرص فتُزال بالقناعة بقدر الضرورة، طلبًا لعز الاستغناء، والترفع عن ذل الحاجة.
وإذا عرف الإنسان غوائل هذه الأخلاق الرديئة بعدت النفس ونفرت عن قبحها، فإذا واظب على مباشرة أضدادها مدة مديدة، صارت بالعادة مألوفة هينة على النفس، فإذا انمحت عن النفس، فقد زكت وتطهرت من هذه الرذائل، وتخلصت من الغضب الذي يتولد منها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
• علاج الغضب:
إذا هاج الغضب فعلاجه بأمرين: العلم والعمل:
أما العلم: فيكون بمعرفة ستة أمور:
الأول: أن يعلم ما في كظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصبر، من الأجر والثواب، والإلفة والمودة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 8184
الثاني: أن يخوف العبد نفسه بعقاب الله، فيقول: قدرة الله عليّ أعظم من قدرتي على هذا الإنسان، فلو أمضيت غضبي عليه، لم آمن أن يُمضي الله غضبه عليّ يوم القيامة، أحوج ما أكون إلى العفو هناك.
الثالث: أن يحذر النفس عاقبة العذاب والانتقام، وتشمر العدو لمقابلته، والسعي في أذاه، ويخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا، وما يجر إليه من مصائب في الآخرة.
الرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب، بينما يتذكر صورة غيره عند الغضب.
الخامس: أن يتفكر في السبب الذي يدعوه للانتقام، ويمنعه من كظم الغيظ، فيرده ولا يبالي، كأن يقول له الشيطان: إن عدم الانتقام يُحمل منك على العجز، وتصير حقيرًا في أعين الناس، فيقول لنفسه التأنى فيه من الاحتمال الآن، ولا تأنى فيه من الخزي يوم القيامة، إذا أخذ هذا بيدك، وانتقم منك، وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس، ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين.
السادسة: أن يعلم أن غضب الله عليه يوشك أن يكون أعظم من غضبه، لأنه خالف مراده الله منه.
وأما العمل: فأن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما يغضب، ويحمر وجهه، فنظر النبي ﷺ فقال: «إني لَأعلمُ كلمةً لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذُ بالله من الشيطانِ الرجيمِ». متفق عليه (١).
стр. 8185
فإن لم يذهب بذلك، فاجلس إن كنت قائمًا، واضطجع إن كنت جالسًا، لأن سبب الغضب الحرارة، وسبب الحرارة الحركة، والقائم والقاعد متهيئ للانتقام، وإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل، فإن النار لا يطفئها إلا الماء، والسكوت عند الغضب مما يزيل أثر الشر عنه كظم الغيظ كذلك.
اللهم أت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك نفوسًا مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتصبر على بلائك.
стр. 8186
٥ - الخزانة الخامسة
العدو الثاني: الشيطان
• فقه عداوة الشيطان:
لعن الله الشيطان وطرده، بسبب أنه عصى أمر ربه، حين أمره بالسجود لآدم ﷺ ، فأبى واستكبر وكان من الكافرين كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فحقت عليه لعنه الله إلى يوم الدين كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥].
ووعد الله الشيطان وذريته وأتباعه بنار جهنم يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٣ - ٤٤].
ولما علم الشيطان أن ما حصل له من الطرد، واللعن، والإغواء، والعذاب بجهنم، كله بسبب آدم، أعلن حربًا صريحة على آدم وذريته من جميع الجهات، وفي جميع الأوقات، وفي جميع الأماكن، وبكل الطاقات، وبشتى الوسائل، مصرًا على ملاحقة الإنسان ذكرًا كان أو أنثي، في كل لحظه، وفي كل حال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٨].
стр. 8187
واختار هذا اللعين أن يزاول هذا الكيد للإنسان على المدى الطويل، واختار هذا على أن يضرع إلى الله أن يغفر له خطيئته في معصيته عيانًا، وقد سمع أمره مواجهة: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨].
فما أعظم عداوة الشيطان للإنسان، وأصالتها، وضراوتها، واستمرارها، فعلينا أن نقابل عداوته لنا، بعداوتنا له: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
إن الشيطان سيقعد للبشرية على صراط الله المستقيم، لا يمكنهم من سلوكه، وسيأتيهم من كل جهة، ليصرفهم عن هداه، وهو إنما يأتيهم من ناحية نقطة الضعف فيهم، ومداخل الشهوة الجاذبة كما قال لآدم ﷺ من قبل: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢٠ - ١٢١].
فالشيطان عدو للإنسان، أما وقد نزل آدم ﷺ والشيطان إلى الأرض، فالحرب بينهما قائمة، والمعركة مع الشيطان هي المعركة الكبرى، إنها المعركة مع الهوى، بإتباع الهدى، والمعركة مع الشهوات باستعلاء الإرادة، والمعركة مع الشر والفساد في الأرض، الذي يقود الشيطان أولياءه إليه، بإتباع شريعة الله المصلحة للأرض ومن فيها، والمعركة مع النفس والحياة الواقعية، فالشيطان وراءهما جميعًا، والطواغيت التي تقوم في الأرض لتخضع الناس لحاكميتها وشرعها ونظمها، وتستبعد حاكمية الله وشرعه، إنما هي شياطين الإنس التي توحي لها شياطين الجن، والمعركة معها هي المعركة مع الشيطان نفسه كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا
стр. 8188
شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢].
فالمعركة الكبرى الطويلة الضارية، تتركز مع الشيطان ذاته، ومع ذريته، ومع أوليائه ومع جنوده، وهي حرب طويلة المدى، لابد أن يخوضها المسلم مع الشيطان، وقد استعد لها الشيطان بخيله ورجله كما قال سبحانه له: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾ [الإسراء: ٦٤].
والله حافظ عباده وأولياءه من كيده كما قال سبحانه للشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥]
ويشعر المسلم وهو يخوض هذه المعارك مع هواه، وشهواته، وهو يخوضها كذلك مع أولياء الشيطان من الطواغيت في الأرض وأتباعهم وأجنادهم، وهو يخوضها مع الشر والفساد والانحلال الذي ينشئونه في الأرض من حولهم، يشعر وهو يخوض هذه المعارك العظيمة كلها، أنه إنما يخوض معركة واحدة، جدية صارمة ضارية، لأن عدوه فيها مصرٌ ماض في طريقه، وأن الجهاد من ثم ماض إلى يوم القيامة في كل صوره ومجالاته، جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار فمكرم ومهان، ورابح وخاسر، ومنتصر ومهزوم.
فلا يقعد المسلم عن جهاد عدوه الشيطان، فهو ماض في إغوائه وإضلاله، وساعٍ في جر الناس إلى جهنم بكل ما يغضب الله من كفر وشرك، وبدعة ومعصية: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ
стр. 8189
فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٨ - ٢٢١].
والمشركون إنما يعبدون صورة الأوثان والأصنام، وفي الحقيقة إنما يعبدون الشيطان الذي زينها لهم، وغرهم بها، وهو عدوهم الذي يريد إهلاكهم بكل ما يقدر إليه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وكما أبعده الله من رحمته ولعنه، فهو يسعى في إبعاد العباد من رحمة الله، وجرهم إلى عقوبة الله كما قال سبحانه عنه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
• فقه عداوة الشيطان للإنسان:
الشيطان عدو مبين للإنسان، وقد وقع ما ظنه الشيطان بالناس، فتبعوه كلهم إلا القليل كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
فأضلهم الشيطان عن العلم الإلهي، والعمل الصالح، وزين لهم ما هم فيه من الضلال، ومناهم أن ينالوا ما ناله المهتدون، وهذا هو الغرور بعينه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
وهذه زيادة إلى شر، حيث زين لهم ما هم فيه من الضلال، فعملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة، وحسبوا أنها موجبة للجنة كما غر اليهود
стр. 8190
والنصارى حين أعرضوا عن دينهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].
وكما غر الكفار فكفروا: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ [سبأ: ٣٥].
فما أخسر هؤلاء وهؤلاء حين أطاعوا الشيطان، وعصوا الرحمن: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
ومن الإضلال ما زينه الشيطان لبعض الناس، حتى حرموا ما أحل الله، وأحلو ما حرم الله، من الاعتقادات الفاسدة، والأحكام الجائرة مما هو من أكبر الضلال.
ومن ذلك ما غراهم به الشيطان من تغيير خلقة الرحمن الحسنة، بالوشم والوشر والنمص ونحو ذلك، وذلك يتضمن التسخط من خلقته، والقدح في حكمته سبحانه، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم، أحسن من خلقة الرحمن وعدم الرضا بتقديره.
وكذلك ما غرتهم الشياطين بتغيير خلق الله بتغيير الخلق الباطن، فالله تعالى خلق عباده حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل وزينت لهم الشرك والكفر، والشر والإثم، والفسوق والعصيان كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩].
стр. 8191
فالشيطان يعد أولياءه الفقر إذا أنفقوا في سبيل الله، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره ويخوفهم من طاعة الله بحصول الأذى لهم ليكسلوا عن فعل الخير، ويمنيهم الأماني الباطلة: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠].
وما أكثر من غرهم الشيطان، فصاروا من إتباع إبليس وحزبه: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ٢٢١].
وقد حذر الله بني آدم عامة أن يستسلموا للشيطان، فيما يتخذونه في أنفسهم من مناهج وشرائع، فيسلمهم إلى الفتنة والبلاء كما فعل مع أبويهم من قبل، إذ نزع عنهما لباسهما، وأخرجهما من الجنة، فالعري والتكشف عمل من أعمال الشيطان في بني آدم، وهو طرف من المعركة الطويلة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه الشيطان، فلا يدع بنو آدم لعدوهم الشيطان أن يفتنهم، وأن ينتصر عليهم، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٢٨].
وزيادة في التحذير منه ينبههم ربهم أن الشيطان يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم، وإذا اجتهدوا وعقدوا العزم على فتنتهم بوسائله الخفية، وكيده الخفي، فعلى المؤمنين الحذر، حتى لا يأخذهم علي غرة، ومعرفة الثغور التي يدخل منها وسدها في وجهه.
стр. 8192
وقد قدر الله أن يكون هو ولي الذين آمنوا، وقدر كذلك أن يجعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، ويا ويل، ويا خسارة، من كان عدوه وليه، إنه يسيطر عليه، ويقوده حيث شاء: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فلا إله إلا الله، كم أضل الشيطان وجنوده من الخلق: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقد طلب الشيطان من ربه أن ينظره إلى يوم القيامة، لا ليندم علي معصيته وخطيئته أمام الخالق العظيم، من الامتناع عن السجود لآدم، ومخالفة أمر الله، ولا ليتوب إلى الله، ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم، ولكن لينتقم من آدم وذريته، جزاء ما لعنه الله، وطرده من هداه، إنه يربط لعنة الله بآدم، ولا يربطها بعصيانه لله في تبجح نكير: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
فلما أنظره الله، أعلن خليقة الحقد، وخليقة الشر، وخليقة العداوة، على البشرية في الأرض وحدد عدته فيها، وهي تزيين القبيح وتجميله، والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
وهكذا لا يقترف الإنسان الشر إلا وعليه مسحة من الشيطان تزينه وتجمله، وتظهره في غير حقيقته وردائه، وتغري بارتكابه، فليفطن المسلمون إلى عدة الشيطان، وليحذروا كلما وجدوا في أمره تزيينًا، وكلما وجدوا في نفوسهم اشتياهًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ
стр. 8193
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
شرط الشيطان أن يغوي الناس أجمعين إلا عباد الله المخلصين: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
وقد شرط هذا الشرط، لأنه يدرك أن لا سبيل إلا سواه، لأن سنة الله أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه وأن يحميه ويرعاه، ومن ثم كان الجواب: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤١ - ٤٢].
هذه سنة الله التي لا تتبدل، المؤمنون لا سبيل لك عليهم، ولا تملك أن تزين لهم، لأنك عنهم محصور، ولأنهم منك في حماية الله، ومداخلك إلى نفوسهم مغلقة، إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين، فالشيطان لا يتلقف إلا الشاردين، كما يتلقف الذئب الشارد من الغنم.
وأما عاقبة الغاوين فهي معلنة في الساحة منذ البدء، وأن جهنم هي موعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤١ - ٤٤].
إن حسد إبليس لآدم ﷺ يجعله يذكر الطين، ويغفل نفخة الله في هذا الطين كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١].
стр. 8194
ويُعرض إبليس بضعف هذا المخلوق، واستعداده لإغوائه بلا حياء، فيقول: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء: ٦٢].
ويغفل الشيطان عن استعداد الإنسان للخير والهداية، واستعداده للشر والغواية، وعن حالته التي يكون فيها متصلاً بالله القوي الذي يستمد منه القوة، العزيز الذي يستمد منه العزة، فيرتفع ويسمو ويعتصم من الشر والغواية، ويغفل عن أن هذه هي مزية هذا المخلوق الذي ترفعه على ذوي الطبيعة المفردة التي لا تعرف إلا طريقًا واحدًا تسلكه بلا إرادة كالملائكة، ويشاء الله أن يطلق لرسول الشر و الغواية الزمام، يحاول محاولته مع بني آدم امتحانًا وابتلاءً: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ [الإسراء: ٦٣].
اذهب وحاول محاولاتك، اذهب مأذونًا لك في إغوائهم، فهم مزودون بالعقل والإرادة، يملكون أن يتبعوك، ويملكون أن يعرضوا عنك ويعصوك، فمن تبعك منهم مغلبا جانب الغواية في نفسه على جانب الهداية، معرضا عن نداء الرحمن إلى نداء الشيطان، غافلا عن آيات الله في الكون، وآيات الله المصاحبة للرسالات، فإن جهنم جزاؤكم أنت وتابعك، واستخدم في إضلالهم جميع وسائل الغواية والإضلال للاستيلاء على القلوب والعقول والمشاعر.
وعدهم بما يغريهم بما تريد من المعاصي، كالوعد بالإفلات من العقوبة والقصاص، والوعد بالغنى من الأسباب الحرام، والوعد بالغلبة والفوز بالوسائل القذرة والخسيسة، والوعد بالعفو والمغفرة بعد الذنب والخطيئة، فالشيطان يزين للإنسان المعصية، وهو يلوح له بسعة الرحمة
стр. 8195
الإلهية، وشمول العفو والمغفرة، ولكن هناك من لا سلطان لك عليهم، لأنهم مزودون بحصانة تمنعهم منك، ومن خيلك ورجلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢].
فمتى اتصل القلب بالله ، واتجه إليه بالعبادة وحده لا شريك له، وارتبط بالعروة الوثقى، فلا سلطان حينئذ للشيطان عليه، وكفى بربك وكيلا، يعصم وينصر ويبطل كيد الشيطان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
وانطلق الشيطان ينفذ وعيده، ويستزل عبيده، ولكنه لا يجرؤ على عباد الرحمن: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
حقًا إن وعد الله حق، وإنه لآتٍ لا ريب فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
إن الحياة تغر وتخدع: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣].
وإن الشيطان يغر ويخدع، فلا تمكنوه من أنفسكم، والشيطان قد أعلن عن عداوته للبشرية من أول يوم فليتخذوه عدوا، ولا يركنوا إليه، ولا يقبلوا منه نصيحة، ولا يتبعوا خطاه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].