وقد حذر الله عباده المؤمنين من فتنة الأموال، والأزواج، والأولاد، التي تشغلهم عن طاعة الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٤ - ١٥].
وأظلم الظلم الشرك بالله، ونبذ شريعة الله في الحياة، وإتباع شرع غيره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
فالأمة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره، ولا تقف في وجه الظالمين، ولا تأخذ الطريق على المفسدين، هي أمة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
стр. 8297
فالإسلام منهج كامل لابد من إقامته في حياة الناس، ولابد من حراسته، والدفاع عنه، ولابد من إبلاغه للبشرية كلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فالإسلام لا يسمح أن يقعد القاعدون، والظلم والفساد والمنكر، يشيع في الأرض، فضلًا عن أن يروا دين الله لا يُتبع، بل أن يروا إلوهية الله تُنكر، وتقوم ألوهية العبيد مكانها، وهم ساكتون، ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة، لأنهم في ذاتهم صالحون طيبون، إن هذا خلاف سنة الله الجارية، فليستجيبوا لله في كل ما أمرهم الله به، ويستعينوا به وحده، ويتوكلوا عليه وحده، وإلا أصابتهم فتنة تدع الحليم حيران: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].
ولما كانت مقاومة الظلم والفساد والمفسدين، تكلف الناس أنفسهم وأموالهم، فإن الله يُذكر العصبة المسلمة، ويطمئنهم بتأييده ونصره ورزقه لمن استجاب لله والرسول فيقول: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦].
стр. 8298
إن جوهرة الإيمان وقاعدته أزكى من كل شيء، وإن قيمة هذه الأرض لمن الزهادة والرخص، بحيث لو شاء الله لأغدقها إغداقًا على الكافرين به، لولا أن تكون فتنة للناس، تصدهم عن الإيمان بالله، ولولا خوف الفتنة على المؤمنين لبذلت الدنيا للكفار هكذا رخيصةً بلا تعب، لهوانها على الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
إن عرض الدنيا من مال، وزينة، ومتاع، ليفتن أكثر الناس، وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجَّار والكفار، ويرون أيدي الأبرار منه خالية، أو يرون هؤلاء في عسر ومشقة، وأولئك في قوة وثروة وسطوة، والله يعلم وقع هذه الفتنة في قلوب الناس، ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه، ويكشف لهم عن نفاسة ما يدخره للمؤمنين في الآخرة، والمؤمن يطمئن لاختيار الله للأبرار والفجار، وما في الدنيا كله متاع، وما في الآخرة أفضل وأعظم وأبقى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].
ألا ما أعظم الفتن، وما أشد خطرها على الأمة!.
стр. 8299
قال النبي ﷺ : «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّمَ هُوَ؟، قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ». متفق عليه (١).
ومكان ظهور الفتن من المشرق.
عن ابن عمر ﵄، أن الرسول ﷺ قال وهو مستقبل المشرق: «أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الّشَيْطَانِ». متفق عليه (٢).
وجماع معنى الفتنة الابتلاء، والامتحان، والاختبار.
والفتنة هي ما يبين به حال الإنسان من الخير والشر، والصدق والكذب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
والفرق بين الفتنة، والابتلاء، والاختبار.
أن الفتنة أشد الاختبار وأبلغه، وتكون في الخير والشر.
أما الفرق بين الابتلاء، والاختبار، فهو أن الابتلاء لا يكون إلا بتحمل المكاره والمشاق، والاختبار يكون بالخير والشر، والسراء والضراء، وقد يكون الإبتلاء باستخراج ما عند المبتلى من الطاعة والمعصية، والاختبار وقوع الخبر بحاله في ذلك.
والفتنة نوعان:
١ - فتنة من الله. ٢ - وفتنة من العبد.
فالفتنة من الله كالبلية والمصائب التي تصيب الناس، وغير ذلك من الأفعال المؤلمة، فهذا كله يقع من الله على عباده على وجه الحكمة كما قال
стр. 8300
سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
ومتى كان هذا من الإنسان بغير أمر الله كالقتل والتعذيب، فهو بضد ذلك، ولهذا يذم الله الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
وهذه الدنيا مملوءة بالفتن المضلة:
فتنة الأموال، وفتنة الشهوات، وفتنة النساء، وفتنة الأولاد، وفتنة الشبهات.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». أخرجه مسلم (١).
وهذه الفتن العظيمة المختلفة تهجم على العبد، وتغريه بحسنها وجمالها، وتخدعه بعاجل لذاتها، فيقع في شراكها فيهلك، فعليه بالمبادرة إلى الإيمان والأعمال الصالحة، ليحفظ نفسه منها كما قال النبي ﷺ : «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا». أخرجه مسلم (٢).
اللهم احفظنا، وجميع المسلمين والمسلمات، من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 8301
٣ - الخزانة الثالثة
فتنة الأموال والشهوات:
خلق الله الإنسان مركبًا من ثلاثة أشياء:
جسدًا ماديًا .. و نفسًا حيوانيًا .. وروحًا ملكيًا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
فجسد الإنسان يخلقه الله في بطن الأم، ثم يخرج إلى الدنيا، وفي نفس الإنسان بحار الشهوات، وفي روح الإنسان بحار الطاعات، والجسد للغالب منهما، والشهوات والطاعات ليس لها حد، والنفس تريد تكميل الشهوات كلها في الدنيا.
والله جعل الدنيا محل تكميل الأوامر والطاعات، وجعل الآخرة محل تكميل الشهوات، فمن أكمل طاعة الله في الدنيا، أكمل الله شهواته في الآخرة، فالذي يريد تكميل الشهوات في الدنيا إنما يطلب المحال؛ لأن الله جعل الدنيا ليست محلًا لتكميل الشهوات، وفي الدنيا طريقان:
طريق إلى الجنة .. وطريق إلى النار: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
стр. 8302
فالإيمان والعمل الصالح الطريق الوحيد إلى الجنة، والكفر والمعاصي الطريق الوحيد إلى النار: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ [الحج: ٥٦ - ٥٧].
فالذي يريد تكميل الشهوات عليه أن يبحث عن طريق الجنة، وهو الدين، ولا يضع قدمه في طريق النار، وأوامر الله كلها في مقابل شهوات النفس، فالإنسان إما أن يترك الشهوات بسبب الطاعات، أو يترك الطاعات بسبب الشهوات كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
ولا يمكن الجمع بينهما، كما لا يمكن الجمع بين الماء والنار، لكن على العبد أن يفعل الأوامر، ويأخذ من الشهوات بقدر الحاجة، فالطاعات من الرب، والشهوات من النفس، والنفس أمارة بالسوء، فالإنسان إما أن يكون عبدًا للرب، أو عبدًا للنفس، والشيطان زين للناس أن الشهوات ضرورة، فاتبع أكثر الناس الشهوات، فتركوا أوامر الله.
والله ﵎ خالق كل شيء، خالق الخلق، واسع الرزق، أنعم على العالمين بأنواع الأرزاق، وأصناف الأموال، وابتلاهم فيها بتقلب الأحوال، فهم بين العسر واليسر، والغنى والفقر، والطمع واليأس، والقناعة والحرص، والبخل والجود، والتبذير والتقتير: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
стр. 8303
كل ذلك ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وينظر من يؤثر الإيمان والأعمال الصالحة على الأموال والشهوات، ويرى من يؤثر الآخرة على الدنيا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وفتن الدنيا كثيرة الأنواع، وواسعة الأرجاء، ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه حظ عاجل أشغل عن طاعة الله ورسوله، والأموال أعظمها فتنة، وأطمها محنة، وأعظم فتنة فيها أنه لا غنى لأحد عنها، وإذا وجدت فلا سلامة منها، وإذا فُقد المال حصُل منه الفقر الذي يكاد أن يكون كفرًا، وإذا وُجد حصل فيه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خُسرًا كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
والأموال بوجه عام لا تخلو من الفوائد والآفات، وفوائدها من المنجيات، وآفاتها من المهلكات، وتمييز خيرها من شرها لا يدركه إلا أهل البصائر في الدين من العلماء الأبرار، فالدنيا فتنها كثيرة، والمال بعض أجزاء الدنيا، والجاه بعضها، وإتباع شهوة البطن والفرج بعضها، وأكل الحرام بعضها، ونحو ذلك: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
والغنى والفقر حالتان يبتلى بهما العباد في الدنيا، فللفقير حالتان:
القناعة .. والحرص.
فالقناعة محمودة، والحرص مذموم، وللحريص حالتان:
طمع فيما في أيدي الناس .. وتشمر للعمل.
стр. 8304
والطمع شر الحالين، وللغني حالتان:
إمساك بحكم البخل والشح .. وإنفاق بحكم الجود والكرم.
فالأولى مذمومة، والأخرى محمودة، وللمنفق حالتان:
تبذير .. واقتصاد.
والمحمود هو الاقتصاد كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].
والمذموم التبذير كما قال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
وقد خلق الله سبحانه الأموال لمصالح العباد، والمال لا يذم لذاته، بل يقع الذم لمعنى من الآدمي، وذلك المعنى إما شدة حرصه، أو أخذه من غير حِلِّه، أو حبسه عن حقه، أو إخراجه في غير وجهه، أو المفاخرة به، والتكبر على الخلق بسببه.
فالمال لا يذم لذاته، بل ينبغي أن يمدح، لأنه سبب للتوصل إلى مصالح الدين والدنيا، وهو سبب لأعمال خيرية كثيرة نافعة، وقد سماه الله تعالى خيرًا، وهو قِوام الآدمي، لكن الواجب فيه أخذه من حله، ووضعه في حله، فلابد من معرفة فوائده وغوائله، ليحترز العبد من شره، ويستكثر من خيره: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
стр. 8305
• فوائد المال:
فوائد المال تنقسم إلى قسمين:
فوائد دنيوية .. وفوائد دينية.
فالفوائد الدنيوية الخلق يعرفونها، ولذلك تهالكوا في طلبها.
وأما الفوائد الدينية فتنحصر في ثلاثة أنواع:
أحدها: أن ينفق المال على نفسه وأهله؛ إما في عبادة كالحج والجهاد في سبيل الله، وإما في الاستعانة به على العبادة كالمطعم والملبس والمسكن ونحوها من ضرورات المعيشة، فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر، لم يتفرغ القلب للدين، والتوجه في العبادة، وما لا يُتوصل إلى حسن العبادة وكمالها إلا به فهو عبادة، فأخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة به على الدين من الفوائد الدينية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
الثاني: ما يصرفه الغني للناس من الأموال كالصدقات والزكوات للفقراء والمساكين ونحوهم، والمروءة ببذل الأموال للأغنياء والأشراف، وإلى العلماء والدعاة، في ضيافة أو هدية أو إعانة، ونحو ذلك مما يكتسب به العبد الإخوان والأصدقاء، ووقاية عرضه كبذل المال لقطع ألسنة السفهاء، وكف شرهم، وما يعطيه أجرًا على الاستخدام، فإن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لمصالحه كثيرة، ولو تولاها بنفسه لضاعت أوقاته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 8306
الثالث: ما لا يصرفه الإنسان إلى معين، لكن يحصل به خيرًا عامًا كبناء المساجد، والأوقاف، والوصايا ونحوها كالإنفاق في سبيل الله على الدعاة والمجاهدين في سبيل الله، ويضاف إلى ذلك الخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر، والاستغناء عما في أيدي الغير: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
آفات المال:
غوائل المال وآفاته قسمان كذلك:
o آفات دينية.
o وآفات دنيوية.
أما الآفات الدينية فثلاث:
الأولى: أن المال يجر للمعاصي غالبًا، لأن من استشعر القدرة على المعصية قويت دواعيه إليها كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
والمال نوع من القدرة، يحرك داعية الإنسان إلى المعاصي، والاستكثار من الشهوات، فصاحب القدرة إن اقتحم ما يشتهيه هلك، وإن صبر لقي شدة في معاناة الصبر مع القدرة، وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء، ومن العصمة ألا تجد: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
стр. 8307
الثانية: أن المال يحرك الإنسان للتنعم في المباحات، حتى تصير له عادة وإلفًا فلا يصبر عنها، وربما لا يقدر على استدامتها، فيهم بكسب فيه شبهة، فيقتحم الشبهات، ويترقى إلى الكذب والنفاق، ثم يدخل في المحرمات من الغش والكذب، لتكميل شهواته، ثم يترقى إلى الكبائر كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
الثالثة: أن يلهيه ماله عن ذكر الله وعبادته، وهذا هو الداء العضال الذي لا ينفك عنه أحد، فإن أصل العبادات ذكر الله ، والتفكر في جلاله وعظمته، وذلك يستدعي قلبًا فارغًا يناجي ربه، لا يشغله شيء عنه، وصاحب الضيعة، يصبح ويمسي متفكرًا في أحوال ضيعته، وصاحب التجارة يمسي ويصبح متفكرًا في أحوال تجارته، وفي الخوف على ماله، هذا سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا من الخوف والحزن، والهم والغم، والعناء والتعب، في متاع يفنى، وخير من ذلك لو كان الجهد في أرباح تبقى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥].
стр. 8308
وقال النبي ﷺ : «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ الله بما آتاه». أخرجه مسلم (١).
وقال الرسول ﷺ : «اللّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً». متفق عليه (٢).
والسنة فيمن وجد المال أن يستعمله في السخاء، والإيثار، واصطناع المعروف، ومن فقد المال أن يستعمل القناعة، والاقتصاد في المعيشة.
وإذا تيسر للإنسان في الحال ما يكفيه، فلا يضطرب لأجل المستقبل، وإذا انسد عنه باب كان ينتظر منه الرزق، فلا ينبغي أن يضطرب قلبه، فلا ينقص رزقه الذي قدره الله له أبداً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
وقال النبي ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ». أخرجه ابن ماجه بسند صحيح (٣).
• المال النافع:
المال لا ينفع صاحبه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون حلالًا.
الثاني: أن لا يشغل عن ذكر الله، وطاعة الله ورسوله.
стр. 8309
الثالث: أن يؤدي حق الله فيه من زكاة ونحوها.
والمربي هو الله سبحانه، والرزاق هو الله وحده، فالتاجر يجلس في متجره لينفذ أوامر الله في التجارة، لا بنية أن المتجر يربيني أو يرزقني، لأن الرزاق والمربي هو الله وحده، والمتجر سبب للربح أو الخسارة، وقد أمرنا الله بالكسب كما أمرنا بالصلاة فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
فالتاجر في امتحان في تجارته، هل يلتزم بأوامر الله ورسوله في تجارته؟ هل ينفذ أوامر الله في أمواله كسبًا وإنفاقًا؟ هل يميز بين الحلال والحرام في تجارته؟ هل يحسن في تجارته؟ هل يغش في تجارته؟ هل يقينه على ربه أم على جهده؟ وهكذا فهو يجرب إيمانه، فهل ينفذ أوامر الله أم يتبع الهوى، فيأخذ ما حل وحرم؟.
فمن كانت تجارته وفق أوامر الله، بارك الله في تجارته وصارت تجارته عبادة، فبعد الإيمان تأتي حركات المسلم وأعماله، كلها على طريقة الرسول ﷺ عبادةً ودعوة، ومعاملةً، وتجارة، وجهاداً وغير ذلك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
لكن المسلم يعمل في الكسب بجوارحه، وقلبه معلق بالله والدار الآخرة، والمقصود من التجارة الإفادة لجميع الإنسانية بتوفير ما يحتاجه الناس من الحلال الطيب، وتنفيذ أوامر الله في التجارة، بأخذها من الحلال وإنفاقها في وجوه الخير النافعة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه:
стр. 8310
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
لكسب المال طريقان:
الأول: طريق لعامة الناس مؤمنهم وكافرهم، وهو طلب الرزق بالأسباب المشروعة في سائر البلاد كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
الثاني: طريق الخاصة، وهم المؤمنون المتقون، الذين يجتهدون في دين الله، وليس عندهم وقت أن يشتغلوا بالأسباب الكسبية، فهؤلاء عليهم أن يختاروا طريق الإيمان والتقوى، فيحصلوا على خمسة أشياء:
الأول: حصول البركات كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
الثاني: سهولة الحصول على الرزق كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
الثالث: تيسير الأمور، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤].
الرابع: تكفير السيئات، وعظمة الأمور كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥].
الخامس: دخول الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي
стр. 8311
السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والمال له أربع مراحل:
الأولى: مرحلة جمعه، والحصول عليه إما عن طريق الكسب والعمل، وإما عن طريق الهدية، أو الوصية، أو الميراث ونحو ذلك.
الثانية: مرحلة حفظه بعد حصوله.
الثالثة: مرحلة الاستفادة منه في الأكل، والشرب، واللباس، وقضاء الحاجات ونحو ذلك.
الرابعة: مرحلة الإنفاق منه في سبيل الله، وهي أعلاها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وأهل الأموال ثلاثة أصناف:
محسنون .. وظالمون .. وأهل العدل.
فالمحسنون هم المتصدقون، والظالمون هم أهل الربا، وأهل العدل هم المتبايعون حسب السنة، وقد ذكر الله أحكام الناس في الأموال، وبيّن أنها ثلاثة:
عدل .. وإحسان .. وظلم.
فالعدل البيع، والإحسان الصدقة، والظلم الربا، فمدح الله سبحانه المتصدقين، وذكر ثوابهم، وهم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
стр. 8312
وذم المرابين، وذكر عقابهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١].
وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وكما أن للصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها أحكامًا وأصولًا، فكذلك لكسب المال أصول، والإنفاق له أصول.
وإنفاق المال في عهد النبي ﷺ كان على النحو التالي:
الأول: الإنفاق في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، كما أنفق الرسول ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم من الصحابة ﵃: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
الثاني: الإنفاق لإكمال أركان الإسلام كالزكاة، وبذل المال للحج ونحوهما: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
الثالث: الإنفاق لقضاء حاجات الناس، ومواساة الفقراء والمساكين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
стр. 8313
الرابع: الإنفاق على حاجات النفس والأهل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وبسبب تغير الترتيب للجهد والمال، صار الجهد للدنيا لا للدين، وصار إنفاق المال للشهوات، فقلت الطاعات، وزادت المعاصي والمنكرات، وقل دخول الناس في الإسلام، بل بدأ الناس يخرجون من الدين، وبقي من الدين صورة الأعمال، فهان على الكفار استباحة ديار المسلمين، والتحكم في حياتهم، ونهب ثرواتهم، وإشغالهم بالألعاب والشهوات عن الإيمان والعبادات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].
وقد جعل الله سبحانه الدنيا دار كسب، تارةً للمعاش، وتارةً للمعاد، والتجارة لا تراد لذاتها، بل للاستغناء عن الناس، وإعفاف الأهل، ومواساة المحتاجين، وإفاضة الفضل على الإخوان، والإنفاق في سبيل الله.
أما إن كان المقصود نفس المال وجمعه والتفاخر به، فهو مذموم.
والكسب المحمود ما جمع أمورًا أربعة، وهي:
o الصحة ..
o والعدل ..
o والإحسان ..
o والنفقة على الدين ..
أما الصحة في البيع، فمنها ما يتعلق بالسلعة وصاحبها، فلا يشتري من مجنون ولا صغير، ولا يشتري ولا يبيع ما لا يقدر على تسليمه حسًا كالطير
стр. 8314
في الهواء، ولا شرعًا كالمرهون ونحو ذلك، وأن يكون البيع بإيجابٍ وقبول ومعاطاة ونحو ذلك.
وأما العدل، فيجتنب البائع والمشتري ما يتضرر به أحدهما كالاحتكار، والغش، والنجش، ولا يثني البائع على السلعة بما ليس فيها، أو يكتم بعض عيوبها، ويرجح الوزن، وتحقيقه أن يرجح إذا أعطى، وينقص إذا أخذ.
أما الإحسان في المعاملة فقد أمر الله بالعدل والإحسان، ومن الإحسان المسامحة في البيع، وألا يغبنه في الربح بما لا يتغابن به عادة.
وإذا أراد البائع استيفاء الثمن أو الدين فيحسن تارةً بالمسامحة، وتارةً بحط البعض، وتارةً بالإمهال، وتارةً بالتساهل، ومن الإحسان إقالة المستقيل.
أما نفقة التاجر على دينه، فلا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده، بل يراعي دينه، ويتم ذلك بأمور:
الأول: حسن النية في التجارة، فينوي بها الاستعفاف عن السؤال، وكف الطمع عن الناس، وكفاية العيال، والإفاضة على الإخوان، والإحسان للفقراء بالصدقات، وامتثال أوامر الله في التجارة، ليحصل له الأجر، ويكون من جملة المجاهدين العابدين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
الثاني: ألا يمنعه سوق الدنيا، عن سوق الآخرة، وسوق الآخرة المساجد، وطلب العلم وتعليمه، والدعوة إلى الله، وأنواع العبادة، وأعمال البر المختلفة، فيقسم الأوقات حسب حاله، ويرجح سوق الآخرة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
стр. 8315
الثالث: أن يلازم ذكر الله تعالى في السوق، ويشتغل بالتسبيح والتهليل، وغض البصر، وحفظ اللسان، والذكر، والفكر، والتذكير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠].
الرابع: ألا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، فلا يكون أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منه.
الخامس: ألا يقتصر على اجتناب الحرام، بل يتوقى مواقع الشبهات، ومواضع الريب.
السادس: أن يقصد بتجارته وصناعته ونحوهما القيام بفرض من فروض الكفايات التي يحتاجها المسلمون، ليؤجر على ذلك، فالأعمال بالنيات.
стр. 8316
٤ - الخزانة الرابعة
فتنة الأموال والشهوات:
شركاء الإنسان في المال ثلاثة:
الأول: القدر، فهو لا يستأمرك أو يستأذنك أن يذهب به عنك بهلاك أو موت.
الثاني: الوارث، ينتظر أن تموت وتدفن، ثم يستاقه، وأنت ذميم.
الثالث: أنت، فقدمه لما ينفعك، فستسأل عن مدخله ومخرجه كما قال النبي ﷺ : «لَا تَزُولَا قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عَنْ عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن شبابه فيما أبلاهُ، وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ بِه». أخرجه الترمذي (١).
والله خلق الخلائق، من طير، وحيوان، وإنس، وجان، وغيرهم وكتب أرزاقهم، وآجالهم، وآثارهم، وهم جميعًا يأكلون من رزق الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ [الروم: ٤٠].
стр. 8317
والله يرزق أحيانًا بالأسباب، وأحيانًا بدون الأسباب، وأحيانًا بضد الأسباب، كما رزق مريم طعامًا بلا شجر، وولدًا بلا ذكر، وفجَّر الماء لموسى وقومه من الحجر.
وكل مخلوق كتب الله له مقدار رزقه، ونوعية رزقه، وزمان رزقه، ومكان رزقه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
ولكل مخلوق رزقه الذي ينتظره، فلا يمكن أن يأخذ أحد منه شيئًا، وهو يطلبه، وإن لم يطلبه فالرزق يعرف عنوانك، وأنت لا تعرف عنوانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨].
• أبواب الرزق:
بنو آدم يحصلون على أرزاقهم من خمسة أبواب:
الباب الأول: باب المجاهدة والكد والتعب، وذلك بالبيع والشراء، والتجارة، والصناعة والزراعة ونحو ذلك من أبواب الرزق، وهذا الباب مفتوح لعموم الناس: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
الباب الثاني: باب الحقوق والواجبات كالوصية، والميراث، والزكاة، والصدقات، والهبة، والهدية، والأوقاف ونحو ذلك: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
стр. 8318
الثالث: باب الذل والهوان، كمن يسأل الناس، ويتذلل لهم ليعطوه.
الباب الرابع: باب المعاصي والمحرمات كمن يأكل الربا، ويسرق الأموال، ويقطع الطريق، ويغصب الأموال، أو يغش في المعاملات، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو يأخذها بطريق الميسر أو القمار، أو يحتكر المال، أو يأخذ الرشوة ونحو ذلك من الوسائل المحرمة.
فهذا وما قبله قد كتب الله له رزقه، ولكنه لم يصبر، واستعجل وأخذه بطريق الذل أو الحرام.
الخامس: باب الإيمان والتقوى والصلاح، وهذا العبد يحصل على رزقه بالإيمان والأعمال الصالحة كالاستغفار، وصلة الرحم، وحسن الخلق، والتقوى، والتوكل على الله، والإنفاق في سبيل الله، والإحسان إلى الخلق، والهجرة في سبيل الله ونحو ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله تعالى عن نوح ﷺ : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وهذا الباب خاص بالمؤمنين من الرسل وأتباعهم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
فالأول مباح مأمور به، والثاني من الإحسان والحقوق، وهو مشروع ومأمور به، والثالث أخس الأبواب وأدناها، والرابع أخطرها وأعظمها،
стр. 8319
وأشدها جرمًا، والخامس مأمور به، وهو طريق الأنبياء وأتباعهم، وهو أعلاها وأشرفها، وأزكاها وأعظمها بركة.
فسبحان الملك العظيم الذي بيده الخلق والأمر والرزق وحده: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
• فتنة الأموال والشهوات:
كسب المال مباح بل مأمور به، وإنما المذموم كسبه من غير وجهه، وصرفه في غير وجهه، ومنع الحق الواجب فيه.
والوسائل لها أحكام المقاصد، فالذي يجعل الدين مقصد حياته، ثم يستخدم الوسائل المشروعة لهذا المقصد، فهذا كله خير، فالأموال والتجارة خير، لأنها من الوسائل التي جعلها الله نصرة للدين، فأبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن عوف، وطلحة، والزبير وغيرهم ﵃، كل هؤلاء تجار وقد استخدموا تجارتهم للدين، فيؤجرون في الكسب الحلال، ويؤجرون في الإنفاق في سبيل الله، ويؤجرون في امتثال أوامر الله في تجارتهم، ويؤجرون في حسن الأخلاق في معاملاتهم، فتكون معاملاتهم سببًا لدخول الناس في الإسلام، لما يرونه من عدل الإسلام، وسماحته.
والصحابة ﵃ كلهم أهل عمل وتجارة، وأقلهم ليس لديه عمل كأهل الصُفة ونحوهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
стр. 8320
لكن المنهي عنه إن تشغل العبد تجارته عن ذكر ربه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].
وإذا جاء المال للإنسان بغير سؤال، فينبغي أن يلاحظ فيه ثلاثة أمور:
نفس المال .. وغرض المعطي .. وغرضه في الأخذ.
أما نفس المال فينبغي أن يكون خاليًا من المحرمات والشبهات كلها.
وأما غرض المعطي، فإن كان طلبًا للمحبة بالهدية، فلا بأس من قبولها إن لم تكن رشوة، وإن كان غرض المعطي الثواب وهو الزكاة والصدقة، فعليه أن ينظر في صفات نفسه، هل هو مستحق أم لا؟ وإن كان غرض المعطي الشهرة والرياء والسُمعة، فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد بردها.
وأما غرضه في الأخذ، فإن كان مستغنيًا عنه لم يأخذه، وإن كان محتاجًا إليه، وقد سلم من الشبهة، فالأفضل له الأخذ، لقول النبي ﷺ لعمر ﵁: «خُذْهُ وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». متفق عليه (١).
والله جعل في المال حقوقًا، وهذه الحقوق نوعان:
حقوق واجبة .. وحقوق مستحبة.
فالحقوق الواجبة كالزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة على من تلزمه نفقته من الأهل والبهائم وغيرهم.
والحقوق المستحبة كمكافأة المهدي، والصدقات، والهدايا، وما وقى به عرضه ونحو ذلك.
стр. 8321
فالجواد حكيم يضع العطاء مواضعه، ويتوخى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال، طيبةً بذلك نفسه، راضيةً، مؤملةً للخلف في الدنيا، والثواب في العقبى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩].
أما المسرف المبذر، فقد يصادف عطاؤه موضعه، وكثيرًا لا يصادفه، فإنه يبسط يده في ماله بحكم هواه وشهوته جزافًا، لا على تقدير ولا مراعاة مصلحة وإن اتفقت له: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
فالأول: بمنزلة من بذر حبًا في أرض خصبة، فأنبتت من كل زوج بهيج.
والثاني: بمنزلة من بذر حبه في أرض سبخة.
والله سبحانه هو الجواد على الإطلاق، بل كل جود في العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى جوده أقل من قطرة في بحار الدنيا، وهو من جوده، ومع هذا فالله إنما ينزل الرزق بقدر ما يشاء، وجوده لا يناقض حكمته، ويضع العطاء مواضعه وإن خفي على أكثر الناس أن تلك مواضعه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يضع فضله، وأعلم حيث يضع هداه وتوفيقه، وأي المحال أولى به: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فما أعظم حكمة الله في عطائه ومنعه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
стр. 8322
والله سبحانه هو الرزاق، الذي عند خزائن الأرزاق كلها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فالله هو الرزاق الذي يرزق من يشاء من عباده، ويحث على الإنفاق في سبيل الله، فيبدأ عبده بالحظ والتأليف والترغيب، لا بالفرض والتكليف، ويشعره بأن الله يضاعف له أجر ما أنفق، يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده، ويضاعف من رحمته التي لا يعلم أحد مداها، ويطمئنه أنه في إنفاقه لا يعطي بل يأخذ، وأن ماله لا ينقص، بل يزيد كلما أنفق، كما تعطي الحبة إذا أودعها في الأرض سبعمائة حبة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
والمن والأذى يحيل الإنفاق سمًا ونارًا، يمحق الإنفاق، ويمزق الشمل، ويثير السخائم والأحقاد، والمن عنصر كريه لئيم، النفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبةً في الاستعلاء، أو رغبةً في إذلال الآخر، أو رغبةً في لفت أنظار الناس، فالمن يحيل الصدقة أذىً للواهب وللآخذ على حد سواء، أذىً للواهب بما يثيره في نفسه من كبر وخيلاء، ورغبة في رؤية أخيه ذليلًا له، كسيرًا لديه، ربما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله، وهو أذى للآخذ بما يثيره في نفسه من انكسار وانهزام، ومن رد فعلٍ بالحقد والانتقام، ومن هنا يبطل الثواب والأجر بالمن والأذى كما قال سبحانه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا
стр. 8323
يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٣ - ٢٦٤].
والإسلام لا يريد بالإنفاق مجرد سد خلة الفقير، وملء بطن الجائع، وتلافي حاجة المعوز فقط، بل أراد فوق ذلك تهذيب نفس المعطي، وتزكيتها، وتطهيرها من الشح والحرص والبخل، واستجاشة مشاعر الإنسان تجاه أخيه الفقير المحتاج، وتذكيرًا له بنعمة الله عليه، وعهده معه في هذه النعمة أن يأكل منها في غير إسراف ولا مخيلة، وأن ينفق منها في سبيل الله في غير منع ولا مَنْ: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
والمال مال الله، والرزق الذي في خزائن الأغنياء إنما هو رزق الله، وهذه حقيقة لا يجادل فيها إلا جاهل بأسباب الرزق القريبة والبعيدة، فالذي خلق الإنسان، خلقه وساق رزقه إليه، فإذا أعطى الواجد شيئًا، فإنما يعطي من مال الله، وإذا فعل حسنة، فإنما هي قرض لله، يضاعفه له أضعافًا كثيرة، وليس الفقير الآخذ إلا أداة وسببًا لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال الله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
والصدقة ليس تفضلًا من المانح على الآخذ، إنما هي قرض لله، والله غني عن الصدقة المؤذية، والصدقة التي يتبعها أذى، لا ضرورة لها، وأحسن منها كلمة طيبة تضمد الجراح، ومغفرة تغسل أحقاد النفوس، وتحل محلها الإخاء والمحبة.
стр. 8324
فالقول المعروف والمغفرة في هذه الحالة يؤديان الوظيفة الأولى للصدقة، من تهذيب النفوس، وتأليف القلوب: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].
• صفة الإنفاق:
المنفقون قسمان:
الأول: من أنفق ماله رياءً، فهذا لا يثمر خيرًا، ولا يعقب مثوبة، وحظ صاحبه منه التعب في كسبه، والحسرة على فوته، والعذاب على فعله وإنفاقه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
الثاني: من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله، فهذا يثمر خيرًا، ويعقب مثوبة، وحظ صاحبه منه الأجر في كسبه، ومضاعفة أجره وماله، وتطهير نفسه وماله، والفوز بالجنة: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
والله ﷻ طيب لا يقبل إلا طيبًا، فينبغي أن يكون الجود بأفضل الموجود، فلا يكون بالدون والرديء الذي تعافه النفوس، والله غني عن الخبيث الذي يخرجه ضعيف الإيمان واليقين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
والأموال فيها خير من وجه، وفيها شر من وجه، وهي كالحية يأخذها الراقي فيستخرج منها الترياق، ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا
стр. 8325
يدري، ولا يخلو أحد من سم المال إلا بالمحافظة على خمس وظائف:
الأولى: أن يعرف الإنسان مقصود المال، وأنه لماذا خلق، فلا يحفظ إلا قدر الحاجة، ولا يعطيه من أراد فوق ما يستحقه.
الثانية: أن يراعي جهة دخل المال، فيجتنب الحرام المحض، وما الغالب عليه الحرام، ويجتنب الجهات والمعاملات المكروهة القادحة في المروءة كالهدية التي فيها شوائب الرشوة، وكسبها، الذي فيه الذلة، وهتك المروءة ونحو ذلك.
الثالثة: في المقدار الذي يكتسبه، فلا يستكثر منه ولا يستقل، بل القدر الواجب، ومعياره الحاجة، والحاجة مطعم وملبس، ومسكن ومركب، يميل فيها إلى جانب القلة، وإن جاوز ذلك وقع تدريجيًا في هاوية التعلق بغير الله، ومن تعلق بغير الله وكل إليه، وعذب به.
الرابعة: أن يراعي العبد جهة المخرج، ويقتصد في الإنفاق غير مبذر ولا مقتر، فيضع ما اكتسبه من حله في حقه، ولا يضعه في غير حقه.
الخامسة: أن يصلح نيته في الأخذ، والترك، والإنفاق، والإمساك، فيأخذ ما يأخذ، ليستعين به على العبادة، ويترك ما يترك زهدًا فيه، واستحقارًا له، فإذا فعل ذلك لم يضره وجود المال.
وكذلك ينبغي أن تكون نيته في كل ما يحفظه من قميص، وفراش، وآنية، ينوي به الاستعانة على العبادة، لأن كل ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وما فضل عن الحاجة ينبغي أن يقصد به أن ينتفع به عبد من عباد الله، ولا يمنعه منه عند حاجته، فمن فعل ذلك فهو الذي اخذ من حية المال جوهرها وترياقها، واتقى سمها، فلا تضره كثرة الأموال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي
стр. 8326
السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
ولكن لا يتأتى ذلك إلا لمن رسخ في الدين قدمه وعظم الله في قلبه.
ومن أخذ حية المال مستحسنًا صورتها وشكلها، ومستلينًا جلدها، قتلته في الحال، إلا أن قتيل الحية يدري أنه قتيل، وقتيل المال قد لا يعرف أنه قتيل، وتلك الفتنة الكبرى التي قلما يصحو منها أحد: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
فالأصل في المال إنفاقه في الواجبات والمستحبات، وفي كل ما يرضي الله، طلبًا للأجر، وتخلصًا من كل شاغل عن الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ٩ - ١١].
• فتنه الأهل والأولاد
النفوس مجبولة على محبه الأزواج والأولاد، وقد نصح الله عباده أن توجب لهم هذه المحبة الإنقياد لمطالب الأزواج والأولاد التي فيها محظور شرعي، ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته، لما عنده من الأجر العظيم والمحبة الغالية، وان يؤثروا الآخرة الباقية على الدنيا الفانية: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥].
стр. 8327
ورغبهم في العفو والصفح والمغفرة، والحد من الغلظة والقسوة في معاملتهم، ففي ذلك من المصالح ما لا يمكن حصره، فمن عفا عفا الله عنه ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٤ - ١٥].
وإن من الأزواج والأولاد ما يكون صديقًا معينًا على الطاعة، ومنهم ما يكون عدوًا معينًا على المعصية، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاه عن ذكر الله، كما أنهم قد يكونون دافعًا للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم.
فلو قام المؤمن بواجبه للقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله، والمجاهد في سبيل الله يتعرض لآلام كثيرة، كما يتعرض هو وأهله للعنت، وقد يحتمل العنت في نفسه، ولا يحتمله في زوجته وأولاده، فيبخل ويجبن، ليوفر لهم الأمن والقرار والمتاع والمال، فيكونون عدوًا له، لأنهم صدوه عن الخير، وعوقوه عن تحقيق غاية وجود الإنسان العليا، كما أنهم قد يقفون له في الطريق، ليمنعوه من النهوض بواجبه، اتقاء لما يصيبهم من جرائه، أو لأنهم يكونون في طريقٍ غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم، والتجرد لله، فيفتنوه ونحو ذلك من صور العداوة المتفاوتة.
فالله يريد من عبده أن يكون له، والأزواج والأولاد يريدونه لهم، والله يوقظ قلوب المؤمنون، ويحذرهم من تسلسل هذه المشاعر، وضغط هذه المؤثرات، فالأموال والأولاد فتنه كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٨].
стр. 8328
والفتنه هاهنا لها معنيان:
الأول: أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد ويختبركم كما يفتن الصائغ الذهب بالنار، ليخلصه من الشوائب.
الثاني: إن هذه الأموال والأولاد فتنه لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية، فاحذروا هذه الفتنه لا تجرفكم وتبعدكم عن الله.
ثم يبشر الله عباده المؤمنين بعد التحذير من فتنه الأموال والأولاد بالأجر العظيم، ويهتف للذين آمنوا بتقوى الله في حدود الطاقة والاستطاعة وبالسمع والطاعة بقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
فالطاعة في الأمر ليس لها حدود، يفعل العبد منها ما يستطاع، أما النهى فلا تجزئة فيه، فيحذر منه كله، ويتركه جملة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال النبي ﷺ : «ذروني مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشيء فَائْتُوا منه ما استطعتم، وإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فدعوه». متفق عليه (١).
إن الأموال والأولاد قد تكون نعمة يسبغها الله على عبد من عباده، حين يوفقه إلى الشكر على النعمة، والإصلاح بها في الأرض، وبذلها في سبيل الله ومرضاته، والإحسان بها إلى خلقه، فكلما انفق احتسب وشعر أنه قدم لنفسه ذخرًا، وكلما أصيب في ماله أو بنيه احتسب الأجر، فإن السكينة
стр. 8329
تغمره، والأمل في الله يعوض عنه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وقد تكون الأموال والأولاد نقمة، يصيب الله به عبدًا من عباده، لأنه يعلم من أمره الفساد و الدخن، فإذا القلق على الأموال والأولاد يحول حياته جحيمًا، وإذا الحرص عليها يؤرقه، ويتلف أعصابه، فإذا هو ينفق المال حين ينفقه فيما يتلفه ويعود عليه بالأذى والشر، وإذا هو يشقى كذلك بأبنائه إذا مرضوا، ويشقى بهم إذا صحوا، وكم من الناس يعذبون بأولادهم لسبب من الأسباب: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
فعلى المسلمين ألا يقيموا وزنًا لأموال وأولاد المنافقين، لأن الإعجاب بها نوع من التكريم الشعوري لهم، وهم لا يستحقونه، لا في الظاهر ولا في الشعور، إنما هو الاحتقار لهم ولما يملكون.
وكثره الأموال والأولاد لا تقرب من الله زلفى، ولا تدني إليه، وإنما الذي يقرب منه زلفى الإيمان بما جاءت به الرسل، والعمل الصالح الذي هو من لوازم الإيمان كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧].
стр. 8330
والكفار يستحقون النار بكفرهم، ولا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئًا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾ [آل عمران: ١٠].
وقد ابتلى الله بني آدم بالشهوات، وزين لهم حب الشهوات الدنيوية فتعلقت بها نفوسهم، ومالت إليهم قلوبهم، وانقسموا إلى قسمين:
قسم جعلوها مقصد الحياة، فصارت أفكارهم وأعمالهم لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله من عباده الله ، والدعوة إلى دينه، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها، ويتمرغون في أوحالها، ولا يبالون بأي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها، فهؤلاء كانت لهم زادًا إلى دار الشقاء والعناء والعذاب: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها، وأن الله جعلها ابتلاءً وامتحانًا لعباده، ليعلم من يقدم طاعة الله ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيله للدار الآخرة.
يستعينون بها على مرضات الله وطاعته، قد صحبوها بأبدانهم، وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها متاع، فأنفقوها في وجوه البر والإحسان، فهؤلاء صارت لهم زادًا إلى ربهم، ووسيلة إلى ورضوانه، والفوز بجنته: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
стр. 8331
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥].
والإنسان إذا اتبع هواه، وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمًا، وإذا كان كذلك افتتن وزال عنه نور الإيمان.
والقلب كالكوز، فإذا انصب ما فيه، لم يدخله شيء بعد ذلك كما قال الله ﷺ «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». أخرجه مسلم (١).
اللهم إن نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فخذنا إليك غير مفتونين.
стр. 8332
٥ - الخزانة الخامسة
العدو الرابع: المنافقون
النفاق: هو إظهار الخير، وإبطان الشر، وإظهار الإيمان، وإبطان الكفر.
والنفاق قسمان:
الأول: النفاق الأكبر، وهو النفاق الإعتقادي، بأن يظهر صاحبه الإسلام، ويبطن الكفر، وجميع ما ذكر في القران فالمقصود به النفاق الأكبر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
الثاني: النفاق الأصغر، وهو النفاق في الأعمال ونحوها، وصاحبه لا يخرج من ملة الإسلام، لكنه عاصٍ، وله علامات.
قال النبي ﷺ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه (١).
والنفاق لم يكن موجودًا قبل هجره الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة، وبعد أن هاجر، ولما كانت غزوة بدر، ونصر الله المؤمنين على الكفار، وأظهرهم وأعزهم ذل من في المدينة ممن لم يسلم، فأظهر بعضهم الإسلام خوفًا ومخادعةً، ولتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، وتحفظ مكانتهم، وليسهل عليهم كيد المسلمين، وتمزيق وحدتهم، والمكر بهم وخداعهم، فكانوا بين أظهر المسلمين، في الظاهر أنهم منهم، وفي الحقيقة أنهم ليسوا منهم، بل هم شر أعدائهم، فنال المسلمون منهم شراً عظيماً وبلاء
стр. 8333
مستطيراً، ومن لطف الله تعالى بالمؤمنين أن كشف أحوالهم، وجلى صفاتهم، لئلا يغتر بهم المؤمنون، وينجوا من كثير من فجورهم.
• أعظم صفات المنافقين:
من أعظم صفات المنافقين:
الصفة الأولى: الكذب:
فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كما قال الله عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٨ - ٩].
الثانية: الخداع:
فهم يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، مخادعة لله ولعباده المؤمنين، ولكنهم في الحقيقة لا يخدعون إلا أنفسهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩].
الثالثة: الشك والتردد:
ففي قلوبهم الشك والشبهات والنفاق كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
الرابعة: الإفساد في الأرض:
فلا أعظم فساداً ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله، وعمل بالكفر والمعاصي، وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح، وأي فساد فوق هذا الفساد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].
стр. 8334
الخامسة: تسفيه الناس:
فهم يزعمون أن الصحابة والمؤمنين سفهاء، وأن سفههم أوجب لهم الإيمان، وترك الأوطان، ومعادة الكفار، والتعرض للقتل، والفقر، والحرمان من الشهوات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣].
السادسة: الاستهزاء بالمؤمنين:
فهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين أظهروا لهم أنهم معهم، وإذا خلوا إلى شياطينهم وكبرائهم قالوا: إنا معكم في الحقيقة، وإنما نحن مستهزئون بالمؤمنين، فهذه حالهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥].
فهذه أهم صفاتهم القبيحة، والعلامات المميزة لهم، فلله ما أخسرهم، وما أعظم ضلالهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
فالمنافقون رغبوا في الضلالة، رغبة المشتري بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة، فالهدى غاية الصلاح، والضلالة غاية الشر والفساد، وهؤلاء المنافقون بذلوا الهدى رغبة منهم في الضلالة، فهذه تجارتهم، فبئس التجارة، وبئس الصفقة صفقتهم، فما أسفه وما أضل من بذل الهدى في مقابلة الضلالة، واختار السفاهة، واختار الشقاء على السعادة، ورغب في سافل الأمور عن أعاليها، فهل مثل هذا رابح في تجارته؟
стр. 8335
كلا بل هو خاسر فيها أعظم خسارة، حيث لا أمل في الربح هناك: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]
فهؤلاء المنافقون عاشوا بين المؤمنين، وهم غير مؤمنين، لكنهم انتفعوا بنور الإيمان، وحقنت بذلك دماؤهم وسلمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك، إذ هجم عليهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة المعاصي على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨].
فهم صم عن سماع الحق والخير، وبكم عن النطق به، وعمي عن رؤية الحق، فهم لا يرجعون، لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفو.
والمنافقون إن سمعوا القران، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده، ويزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، فيجعل أصابعه في أذنيه، خشيه الموت كما قال سبحانه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩].
هكذا حال المنافقين إذا سمعوا القران وأوامره ونواهيه.