← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

عليه وفضح، هذا لو صح زعمهم أن المسيح صلب، وأنى يصح هذا وقد أعلن الله نجاته وسلامته، ورفعه إليه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. فبأي وجه يستحق الصليب هذا التعظيم منهم، لولا أن القوم أضل من الأنعام، وإن كانوا يقصدون بتعظيمه التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم، وإغرائهم بهم، فقد حصل لهم ما هو أعظم من ذلك، فقد نفروا به الأمم عن النصرانية، وعن المسيح ودينه، أعظم تنفير، وكأنهم إنما عظموه، لأنه ثبت لصلبه إلههم، ولم ينشق ولم ينكسر من هيبته لما حمل عليه، فما أقبح الجهل والسفه، وما أشد ضلال وجرم أولئك: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. فأي إله هذا الذي يصلب، ويبصق في وجهه، وأي صليب يعظم ويذكر، وهو مكان الخزي والعار الذي صلب عليه الإله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. ومن مكر الشيطان وتلاعبه بالنصارى، أن زين لهم صيامًا لم يأت به المسيح كالصوم الذي وضعوه لملوكهم وعظمائهم، فلهم صيام الحواريين، وصيام لمريم، وصيام للميلاد، وتركهم أكل اللحم في صيامهم وغير ذلك مما أدخلوه في دين المسيح، فالمسيح يعلمون أنه كان يأكل اللحم، ولم يمنعهم منه في صوم ولا فطر.

стр. 8262

وأكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، بل هو مختلق مبتدع. فسبحان الله كم تلاعب الشيطان بهذه الأمة الضالة كل التلاعب، وكم دعاهم فأجابوه، وكم استخفهم فأطاعوه، فتلاعب بهم في شأن المعبود ﷻ حتى قالوا فيه ما لم يقله أحد من العالمين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وتلاعب بهم الشيطان في أمر المسيح، وتلاعب بهم في أمه مريم، وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته، وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها، فلا تكاد تجد كنيسة من كنائس النصارى إلا وفيها صورة مريم، وصورة المسيح مصلوبًا، وصورة جرجس وبطرس وغيرهم، وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى. ومن تلاعب الشيطان بهم في أعيادهم، أنهم وضعوا أعيادًا موضوعة مختلقة. كعيد ميكائيل، وعيد الصليب، وعيد الفصح وعيد الميلاد وغيرها. وأما تلاعب الشيطان بهم في صلاتهم، فصلاة كثير منهم بالنجاسة والجنابة، والمسيح بريء منهم، ومن هذه الصلاة. والله سبحانه أجل وأعلى من أن يُتقرب إليه بمثل هذه الصلاة. ومنها الصلاة إلى المشرق، وتصليبهم على وجوههم في الصلاة، والمسيح ﷺ بريء من كل ذلك، فصلاة مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها المشرق وشعارها الشرك، كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع البتة: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ

стр. 8263

اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. لما علمت الرهبان والأساقفة، أن مثل هذا الدين الذي تنفر عنه العقول أعظم نفرة وذلك لما فيه من التغيير والتبديل والتحريف شيدوه بالحيل والصور في الحيطان، وطلاء جدران الكنائس بالذهب، وبالأعياد المحدثة ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر. وساعدهم على ذلك ما عليه اليهود من القسوة والغلظة، والكيد والمكر، والكذب والبهتان، وما عليه كثير من المسلمين من الظلم والفواحش، والفجور والبدع والغلو في المخلوق، واعتقاد كثير من الجهال أن هؤلاء خواص المسلمين وصالحيهم، فتركب من هذا وأمثاله تمسك القوم بما هم عليه، ورويتهم له أنه خير من كثير مما عليه المنتسبون للإسلام من البدع، والشرك، والفجور والفواحش. فانظر كيف تلاعب الشيطان بهذه الأمة، في أصول الدين وفروعه، فجمعت بين الشرك، وعيب الإله، وتنقصه، وتنقص نبيهم وعيبه، ومفارقة دينه بالكلية، إنهم لم يتمسكوا بشيء مما كان عليه المسيح لا في صلاتهم، ولا في صيامهم، ولا في أعيادهم، ولا في سائر عباداتهم، بل هم في كل ذلك طبالون، أدخلوا في الشريعة ما ليس منها، وتركوا ما جاءت به، وقالوا أساس الدين واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، أو الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة. فوا عجبًا لأمة تضيع أوقاتها في مثل هذا الهراء، وهذا السخف، وهذا الضلال والمحال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي

стр. 8264

الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٦ - ٨]. ولم يقنعهم هذا القول في رب السموات والأرض، حتى اتفقوا بأسرهم على أن اليهود أخذوه وساقوه بينهم دليلًا، ثم صلبوه وطعنوه بالحربة حتى مات، ثم دفنوه وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام من قبره إلى السماء. فأين عقول هؤلاء، كيف كان حال هذا العالم العلوي والسفلي في هذه الأيام الثلاثة، ومن كان يدبر أمر السموات والأرض وما فيهما بتلك الأيام، ومن الذي خلق الرب سبحانه في تلك المدة، ومن الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، والإله مدفون في قبره، وكيف تمكن المخلوق من قتل الإله وصلبه ودفنه. ثم أي قبر يسع إله السموات والأرض، وهو الملك القدوس الكبير المتعال، وكيف يتحمل هذا الإله الذنوب والخطايا عن البشر، فليفعلوا ما شاءوا، وكيف تستقر حياة الناس بلا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. سبحانك هذا بهتان عظيم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٣].

стр. 8265

فهل يليق بعاقل أن يسمع لهؤلاء، وهل يليق بأمة حرفت دينها، وافترت على الله الكذب أن يقتدي العاقل بها، أو يدخل في دينها، وكيف يقتدي الإنسان ويهتدي بأمة حرفت وبدلت كتاب الله وشرعه، ولعنها الله، وغضب عليها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠]. فلما حصل من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، ما حصل من التحريف والتبديل، والنسيان والكذب، والابتداع والظلم، والكتمان، والحكم بغير ما أنزل الله، والبهتان والكبر، والضلال والغلو، والكفر والاستهزاء، وقتل الأنبياء، وسفك الدماء بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل، وتنقص الرب، وتعطيل شرعه، وقول الزور والبهتان في الأنبياء، والصد عن سبيل الله، لما حصل ذلك وغيره من أهل الكتاب ضل الناس عن طريق الهدى، وعاشوا في شقاء وعناء، فبعث الله العزيز الرحيم محمدًا ﷺ رسولاً للعالمين، ورحمة للبشرية أجمعين، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ

стр. 8266

اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وأكمل الله به للبشرية دينها، وأتم نعمته عليها كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. فدين النبي ﷺ أفضل الأديان، وكتابه أعظم الكنب، وشريعته أيسر الشرائع، وأمته أفضل الأمم، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، والذين كملت نعم الله عليهم هم المؤمنون به، الذين جمعوا بين معرفة الحق في ذاته، والخير لأجل العمل به، وهم المرادون بقوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة، وهم المغضوب عليهم ممن أخطأ في الأعمال الظاهرة كاليهود والفساق، وإن اختل قيد العلم فهم الظالمون ممن أخطأ من الاعتقاد من النصارى وأهل البدع، ومن أنعم الله عليه امتنع أن يكون من المغضوب عليهم أو من الضالين كما قال سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. وأهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية، ثم بمعرفة العبودية، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد، وهو عبادة الله ، ولا يتم ذلك إلا بالعلم والعمل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].

стр. 8267

وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. • ما يعتصم به العبد من الشيطان: الشيطان عدو للإنسان، وقد أشهر سلاحه، وأعلن عداوته للإنسان من أول يوم، وقعد على جميع الجهات التي يمر بها الإنسان، ليضل الناس عن الصراط المستقيم، ويغريهم بالكبائر والمنكرات، والفواحش والمعاصي؛ ليحرمهم من الجنة، ويوبقهم في النار كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وإذا علم العبد بعداوة الشيطان، فعليه أن يستعد له، ويواجهه، ويقف له، ويتحصن منه، لئلا يضره ويهلكه. وقد أخبرنا الذي علَّمنا بعداوة الشيطان، وهو الله تعالى، كيف نتحصن من الشيطان ونتقيه ونحترس من شره؟ وشَرَعَ لنا رسوله ﷺ من الأدعية والأذكار، ما فيه الشفاء والرحمة، والهدى والعصمة، من جميع شرور شياطين الجن والإنس، ومن ذلك: أولًا: الاستعاذة بالله العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦]. ثانياً: التسمية، فالتسمية حرزٌ من الشيطان، وعصمة من مخالتطه الإنسان في طعامه، وشرابه، وجماعه، ودخوله بيته، وسائر أحواله.

стр. 8268

قال النبي ﷺ : «إِذَا دَخَلَ الّرَجُلُ بَيْتَه، فَذَكَرَ الله عِنْدَ دُخُولِه وَعِنْدَ طَعَامِه، قَالَ الّشيْطَان: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاء، وإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ الله عِنْدَ دُخُولِه، قَالَ الّشَيْطَان: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيت، وإِذَا لَمْ يَذْكُرْ الله عِنْدَ طَعَامِهْ، قَالَ: أَدْرَكتُم الْمَبِيتَ والْعَشَاء». أخرجه مسلم (١). وقال النبي ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِي أَهْلَه، فَقَالَ: بِسْمِ الله، اللّهم جَنِّبْنَا الّشَيْطَان، وَجَنِّبْ الّشَيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِك لَمْ يَضُرَّهُ الشَيْطَانُ أَبَدًا». متفق عليه (٢). ثالثاً: قراءة المعوذتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١]. و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١]. وذلك عند النوم، وعند المرض، وعند شدة الرياح، وشدة الظلمة، وأدبار الصلوات الخمس ونحو ذلك. رابعاً: قراءة آية الكرسي عند النوم، وأدبار الصلوات الخمس. خامساً: قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، فمن قرأهما في ليلة كفتاه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦].

стр. 8269

سادساً: قراءة سورة البقرة. قال النبي ﷺ : «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الّشَيْطَان يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الذِي تُقْرَأ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَة». أخرجه مسلم (١). سابعاً: كثرة ذكر الله تعالى بتلاوة القرآن، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل ونحوها، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، فِي يَوْمٍ مَائَةَ مَرَّة كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَاب، وَكُتِبَتْ لَهُ مَائَةُ حَسَنَة، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مَائَةُ سَيِّئَة، وَكَانَت لَهُ حِرْزًا مِنَ الّشَيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكْ حَتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأْتِي أَحَدٌ بِأَفْضَلِ مِمَّا جَاءَ بِه إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْه». متفق عليه (٢). ثامناً: الدعاء عند الخروج من المنزل، كما قال النبي ﷺ : «إِذَا خَرَجَ الّرَجُلْ مِنْ بَيْتِه فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله تَوَكَلْتُ عَلَى الله، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَةَ إِلَّا بِاللّه، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الّشَيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آَخَر: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٣). تاسعاً: الدعاء إذا نزل منزلًا. قال النبي ﷺ : «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَامَات مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْه». أخرجه مسلم (٤).

стр. 8270

عاشراً: كظم التثاؤب، وضع اليد على الفم. قال النبي ﷺ : «إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكُ بِيَدِهِ على فمه، فَإِنَّ الّشَيْطَانَ يَدْخُلْ». أخرجه مسلم (١). الحادي عشر: الآذان، ودعاء دخول المسجد، والخروج منه. كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد قال: «أَعُوذُ بِاللّه الْعَظِيمِ وبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الّشَيْطَانِ الّرَجِيم، قَالَ: أَقَط؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الّشَيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ». أخرجه مسلم (٢). الثاني عشر: الوضوء والصلاة، ولاسيما عند الغضب والشهوة، وتجنب فضول النظر والكلام، واجتناب مساكن الجن والشياطين كالأماكن الخربة والنجسة كالحشوش، والمزابل، والأماكن الخالية من الإنس كالصحاري، وشواطئ البحار البعيدة، ومرابض الإبل ونحوها. الثالث عشر: تطهير البيوت من الصور، والتماثيل، والكلاب، والأجراس. قال النبي ﷺ : «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فيهِ تَمَاثِيلٌ أَوْ تَصَاوِيرٌ». أخرجه مسلم (٣). الرابع عشر: أمر الله بالاستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر، من حيوان أو غيره، إنسيًا، أو جنيًا، أو هامةً، أو دابةً، أو ريحًا، أو صاعقة، ومن أي نوع كان من أنواع البلاء فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].

стр. 8271

فالاستعاذة من شر ما خلق، تعم شر كل مخلوق به شر، وكل شر في الدنيا والآخرة، وشر شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام، وشر النار والهواء والماء وغير ذلك. قال النبي ﷺ : «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَامَات مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لمْ يَضُرُّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ». أخرجه مسلم (١). ومن هنا حسُنت الاستعاذة برب الفلق في ما جاء في هذه السورة من أنواع الشرور: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥]. ولهذا استعاذ من شر الغاسق الذي هو الظلمة، ومحل الشرور والظلام، بعد الاستعاذة برب الفلق الذي هو الصبح والنور الذي يطود جيش الظلام، وعسكر المفسدين في الأرض بالليل، من جن، أو إنس، أو حيوان، فيأوي كل خبيث، وكل مفسد، وكل لص، وكل قاطع طريق إلى سربٍ أو كِن أو غار، وتأوي الهوام إلى جحورها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها، فأمر الله عباده أن يستعيذوا برب النور والصبح، الذي يقهر الظلمة ويزيلها، ويكشف ويقهر عسكرها وجيشها الظالم؛ والكفر والشرك كله ظلمة، ومآله إلى الظلمات، ومستقره في القلوب المظلمة، والمقترن بها الأرواح المظلمة.

стр. 8272

والإيمان كله نور، ومآله إلى نور، ومستقره في القلوب المستنيرة، والمقترن بأهلها الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة، وهم الملائكة. والله بعث رسله ليخرجوا عباده من الظلمات إلى النور كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. واللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه، وإذا أنار الله قلب العبد بالإيمان، وأوقد سراج المعرفة في قلبه، فلا يمكن أن يقرب منه الشيطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].

стр. 8273

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٠ - خزائن أعداء الإنسان القسم الثاني ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 8274

٦٠ - خزائن أعداء الإنسان القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى العدو الثالث: الدنيا. • فقه حقيقة الدنيا: الله ﵎ خالق كل شيء، خلق الدنيا والآخرة، وجعل الأولى دار الإيمان والعمل، وجعل الآخرة دار الثواب والعقاب. والدنيا المذمومة هي كل ما شغل عن طاعة الله ورسوله، وقد عرف الله أولياءه بغوائل الدنيا وآفاتها، وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها، ليحذروها، ولا يركنوا إليها، ولا يغتروا بزينتها: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقد خلقها الله في صورة جميلة مليحة، تستميل الناس بجمالها، وتغرهم بزينتها، وتخدعهم بشهواتها، امتحانًا وابتلاءً ليعلم الله من يقدم أوامر الله على شهوات نفسه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٧ - ٨]. والدنيا شحيحة بإقبالها، وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها، وآفاتها على التوالي راشقة، وكل مغرور بها إلى الذل مصيره، لا يخلو صفوها عن

стр. 8275

شوائب الخدر، ولا ينفك سرورها عن المنغصات، سلامتها تعقِب السقم، ونعيمها لا يثمر غالبًا إلا الحسرة والندم؛ فهي خداعة، مكارة، بينما أصحابها منها في نعيم وسرور، إذ ولت عنهم صاروا كأنهم أضغاث أحلام: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤]. فالدنيا عدوة لله، وعدوة لأولياء الله، وعدوة لأعداء الله. أما عداوتها لله، فإنها قطعت الطريق على عباد الله، ولذلك لم ينظر الله إليها منذ خلقها، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء، ولكنها محل الابتلاء والاختبار. وأما عداوتها لأولياء الله سبحانه، فإنها تزينت لهم بزينتها، وغرتهم بزهرتها ونضارتها، وملكت قلوبهم بجمالها وشهواتها، وبساتينها وقصورها، حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. وأما عداوتها لأعداء الله، فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها، وصادتهم بشبكتها حتى وثقوا بها، فاجتنوا منها حسرة تقطع الأكباد، ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد، فهم على فراقها يتحسرون، ومن مكايدها يستغيثون، وفي طلبها يتعبون: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦]. ومن هوان الدنيا على الله، أنه لا يعصى إلا فيها، ولا يُنال ما عنده إلا بتركها، وكما يأكل المريض الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع، كذلك

стр. 8276

صاحب الدنيا لا يتلذذ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها، مادام حب الدنيا في قلبه، والدنيا المذمومة المأمور باجتنابها، هي القاطعة للعبد عن سلوك الصراط المستقيم، الموصل إلى الله، وإلى رضاه، وإلى الجنة. وما في هذه الحياة الدنيا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يصحب العبد في الآخرة، وتبقى معه ثمرته بعد الموت، وهو شيئان: العلم .. والعمل الصالح. فالعلم هو العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والعلم بدينه وشرعه، والعلم بثوابه وعقابه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والعمل الصالح هو امتثال أوامر الله في جميع الأحوال، وعبادة الله وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. الثاني: كل ما فيه حظ عاجل، ولا ثمرة له في الآخرة أصلًا، كالتلذذ بأنواع بالمعاصي كلها، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الحاجة، والتنعم والترفه بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، والغلمان، والجواري، والقصور، والدور، ورفيع الثياب، ولذائذ الأطعمة ونحوها من ألوان المتاع الذي تحبه النفوس كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].

стр. 8277

فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة، باستثناء ما يحتاجه من المباح الذي يستعين به على طاعة ربه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]. الثالث: كل حظ في العاجل، معين على أعمال الآخرة، كقدر القوت من الطعام، والحاجة من اللباس والسكن والمركب، وكل ما لابد منه، ليتأتى للإنسان البقاء والصحة التي يتوصل بها إلى العلم والعمل الصالح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. فهذا ليس من الدنيا، فهو كالقسم الأول، لأنه معين على القسم الأول، ووسيلة إليه، فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل، لم يكن به متناولًا للدنيا، ولم يصر به من أبناء الدنيا. وإن كان باعثه الحظ العاجل، دون الاستعانة به على العلم والعمل إلتحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا. فالأول محمود، والثاني مذموم، والثالث حسب نية صاحبه. وكل شيء في الدنيا يزول ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا أربع صفات: إيمان القلب، وأنسه بذكر الله، وحبه لربه، وعمله الصالح. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وهذه الصفات هي المنجيات المسعدات بعد الموت، فقوة الإيمان تفطم العبد عن شهوات الدنيا، وتنشطه للعمل الصالح الذي ينال به شهوات

стр. 8278

الآخرة، وتملأ قلبه بالأنس بالله، ولذة مناجاته، ومحبته، ونسيانه ما سواه. وليس الموت هو النهاية، إنما هو فراق لمحاب الدنيا، وقدوم على الله تعالى، فالقدر الذي لابد منه للحياة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة، لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة، وإن أخذه لحظ نفسه، وعلى قصد التنعم، صار من أبناء الدنيا، والراغبين في حظوظها. والرغبة في حظوظ الدنيا قسمان: الأول: ما يُعرض صاحبه لعذاب الآخرة، ويسمى ذلك حرامًا. الثاني: ما يحول بين العبد، وبين الدرجات العلى، ويُعرضه لطول الحساب، ويسمى ذلك حلالًا. فالدنيا حلالها حساب، وحرامها عذاب، ومن نوقش الحساب هلك. عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، قَالَتْ: قُلْتُ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قَالَ: ذَلِكِ الْعَرْضُ». متفق عليه (١). والدنيا قليلها وكثيرها، وحلالها وحرامها، كل ذلك مذموم إلا ما أعان على تقوى الله وطاعته مما أمر الله ورسوله به، وكل من كانت معرفته أقوى كان حذره من نعيم الدنيا أشد، ولهذا زوى الله كل ما يشغل عن الآخرة من اللذات والشهوات، عن الأنبياء والمرسلين، والأولياء والمتقين، ليتفرغوا للأعمال الصالحة، وسلط عليهم البلاء والمحن، كل ذلك امتنانًا عليهم،

стр. 8279

ليتوفر من الآخرة حظهم، ويعظم أجرهم، كما يمنع الوالد ولده من لذة الفواكه، ويلزمه الدواء الكريه المذاق، شفقةً عليه، وحبًا له، لا بخلًا عليه. سُئل النبي ﷺ أي الناس أشد بلاءً؟، فقال: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي على الأرض ما عليه خطيئة». أخرجه الترمذي (١). وقال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩] • فقه حقيقة الدنيا: الدنيا مَرْكَبُ الآخرة، وبها تُقطع المسافة إلى الآخرة، والبدن مركب النفس، وبه تقطع مسافة العمر، فتعهد البدن بما تبقى به قوته على سلوك الطريق بالعلم والعمل، هو من الآخرة لا من الدنيا، فهذه حقيقة الدنيا في حق الإنسان. وأما حقيقة الدنيا في نفسها، فالدنيا عبارة عن أعيان موجودة، وللإنسان فيها حظ، وله في إصلاحها شغل، وقد جمع الله الأعيان التي يُعبَّر عنها بالدنيا في قوله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].

стр. 8280

فهذه هي أعيان الدنيا السبع، ولها مع العبد علاقتان: الأولى: علاقة الأعيان مع القلب، وهو حبه لها، وحظه منها، وانصراف همه إليها، حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا، ويدخل في هذا جميع صفات القلب الباطنة كالكبر، والرياء، والعُجب، وحب الثناء، وحب التكاثر، وحب التفاخر، وهذه هي الدنيا الباطنة. وأما الدنيا الظاهرة فهي الأعيان المذكورة. الثانية: علاقة الأعيان مع البدن، وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان، لتصلح حظوظه، وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي يشتغل بها الخلق. والخلق إنما نسوا أنفسهم، ومآبهم، ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بحب الدنيا، وعلاقة البدن بالشغل فيها، ولو عرف العبد نفسه، وعرف ربه، وعرف حكمة الدنيا وسرها، وعرف حكمة الآخرة ونعيمها، علم أن هذه الأعيان التي تسمى دنيا لم تُخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى، والدابة البدن، فإنه لا يبقى ليعمل إلا بمطعمٍ، ومشرب، وملبس، ومسكن، كما لا يبقى ولا يسير الجمل إلا بعلفٍ وماء، والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي، فيتعهده، وقلبه معلق بالكعبة والحج، فكذلك البصير في السفر إلى الآخرة، لا يشتغل بتعهد البدن، بل يشتغل بالعمل الموصل إلى الله، مع العناية بالبدن الذي لا يتم العمل إلا بسلامته: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].

стр. 8281

والمؤمن يستعين بما أعطاه الله في هذه الدنيا من الرزق على العمل للآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقد اختلف الناس اختلافًا كبيرًا في الإقبال على الدنيا، والتجافي عنها، وأوسط الأمور، وأحبها إلى الله، ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهو ألا يترك الدنيا بالكُلية، ولا يقمع الشهوات بالكُلية، فيأخذ من الدنيا قدر الزاد، ويقمع من الشهوات ما يخرج عن طاعة الشرع، وعن العقل، ولا يتبع كل شهوة، ولا يترك كل شهوة، بل يتبع العدل، ولا يترك كل شيء من الدنيا، ولا يطلب كل شيء من الدنيا، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا، ويحفظه على حد مقصوده، فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة، ومن السكن ما يحفظ من اللصوص، ويكن من الحر والبرد، ومن الكسوة ما يستر العورة، ويحفظ الإنسان من الحر والبرد، حتى إذا فرغ القلب من شغل الدنيا وحاجاته، أقبل على طاعة مولاه بكل همته، واشتغل بالذكر والفكر والعمل الصالح طول العمر. وتلك سيرة أهل القرن الأول، فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدين، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية، وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط، بل كان أمرهم بين ذلك قوامًا، وذلك هو العدل الوسط بين الطرفين وأحب الأمور إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]. وطلب الدنيا كظل الإنسان، لا يمكن أن يدركه، ولو مشى الدهر كله، فالعاقل إنما يأخذ منها بقدر الحاجة، فإن ابتُلي بسعة المال أنفقه فيما يرضي الله، وأخذ منه بقدر حاجته، واستعان به على طاعة ربه: ﴿إِنَّمَا

стр. 8282

الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والدنيا هي وما فيها ليست دارًا للعباد، وإنما أسكنهم الله فيها، واستخلفهم فيها، إلى أجل مسمى، لينظر كيف يعملون، وابتلاهم بما فيها من الشهوات، ليعلم من يقدم أوامر ربه على شهوات نفسه، ومن يطيع الرحمن ممن يطيع الشيطان، ومن يشتغل بجمع الحسنات ممن يشتغل بالاستكثار من الأموال والسيئات، ومن يعمر أخراه ممن يعمر دنياه، وممن يتبع الهُدى ممن يتبع الهوى كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. والجمع بين تحصيل الأسباب التي تحصل بها لذات الدنيا، والأسباب التي تحصل بها لذات الآخرة، ممتنع غير ممكن، والله مكن الإنسان من تحصيل أيهما شاء أو أراد، فمن اشتغل بتحصيل أحدهما فلابد أن يفوت الآخر، والعاقل يقدم العمل للآخرة على العمل للدنيا، ويؤثر الباقية على الفانية: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩] وقال : ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤].

стр. 8283

والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة، والفانية على الباقية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ويعلم من يستحق الكرامة ممن يستحق الإهانة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٢]. فالحياة الدنيا جُبِلت على الكد والنكد، والبلاء والكبد، والضنك والتعب. وقد أقسم الله الذي خلق كل شيء، وعلم كل شيء، بالبلد الأمين، ورسوله الذي حلَّ فيه، وبكل ما خلق، أن هذه الحياة الدنيا لا تصفو لأحد، وأنها في الغالب شقاء وتعب ومجاهدة كما قال سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ١ - ٤] فعلينا أن نأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعطي للدين بقدر الطاقة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].

стр. 8284

٢ - الخزانة الثانية • فقه الفتن: الدنيا دار الابتلاء والفتن: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. والفتنة في كتاب الله تطلق ويُراد بها الامتحان والابتلاء، سواءً خلُصِ صاحبه من الافتتان، أو حصل له افتتان كما قال سبحانه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وتطلق الفتنة على ما هو أعم من ذلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥]. ففي الأموال والأولاد شغل عن الآخرة، فلا نطيعهم في معصية الله، والإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله بسببه، وربما تناول الحرام لأجله إلا من عصمه الله. والقصد من الفتنة امتحان العباد، هل يصبرون فيقومون بما أمرهم الله به، فيثيبهم مولاهم، أم لا يصبرون فيستحقون العقوبة؟. وقد فتن الله العباد فتنة عامة، وامتحن بعضهم ببعض كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠].

стр. 8285

فامتحن الله الرسل بالمرسل إليهم، ودعوتهم إلى الحق، والصبر على آذاهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، هل يطيعونهم، ويرضونهم، ويصدقونهم ويجاهدون معهم، أم يكفرون بهم، ويقاتلونهم؟. وامتحن العلماء بالجهَّال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم وتربيتهم، أم يضجرون منهم، ويتركونهم في غيهم وضلالهم؟. وامتحن الجهَّال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بعلمهم، أم يعرضون عنهم، ويتركون مجالسهم؟. وامتحن الملوك بالرعية، وامتحن الرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، وامتحن الفقراء بالأغنياء، وامتحن سبحانه الأقوياء بالضعفاء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، وامتحن الرجل بزوجته، وامتحن الزوجة بزوجها، وامتحن الرجل بأولاده، وامتحن الأولاد بأبيهم، وامتحن الرجال بالنساء، وامتحن النساء بالرجال، وامتحن المؤمنين بالكفار، وامتحن الكفار بالمؤمنين، وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المسلمين وضعفائهم من أتباع الرسل فتنة لأغنياء الكفار ورؤسائهم، امتنعوا عن الإيمان بسببهم مع معرفتهم بصدق الرسل، فتنة كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والطيب من الخبيث، فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٣].

стр. 8286

فالفتنة لابد منها في الدنيا، ليعلم الله الصادق من الكاذب، وكذلك لابد منها في الآخرة، لكل من سقط في الفتنة، كما قال سبحانه عن الكفار والعصاة: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ [الذاريات: ١٣ - ١٤]. والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون بالكافر، ولذلك سأل المؤمنون ربهم ألا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال سبحانه عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾ [الممتحنة: ٤ - ٥] وقال أصحاب موسى ﷺ : ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس: ٨٥ - ٨٦]. أي لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم بهذا، ولا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق، فيفتنوا بذلك فيهلكوا، ولا تقتر علينا الرزق، وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم. والإنسان في هذه الدنيا محل الفتنة، فهو مفتون لا محالة، إما بالخير وإما بالشر، فهو مفتون بشهواته، ونفسه الأمارة بالسوء، وشيطانه المُغوُي المُزين له، وقرناء السوء، وما يراه، وما يشاهده، وما يسمعه، وغير ذلك مما يعجز صبره عنه من الأموال والأولاد والشهوات كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].

стр. 8287

• أنواع الفتنة: الفتنة نوعان: فتنة الشهوات .. وفتنة الشبهات. وقد تجتمعان للعبد، وقد ينفرد بأحدهما. النوع الأول: فتنة الشبهات ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، لا سيما مع وجود فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، فهذا من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣]. وهذه الفتنة أعظم الفتنتين، ومآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتبهم، وهذه الفتنة تنشأ من عدة أسباب: تارة تنشأ من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق خَفِيَ على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد، وتارة من هوى متبع، ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد إتباع الرسول ﷺ ، وتحكيمه في كل شيء، في أصول الدين وفروعه، وظاهره وباطنه، وعقائده وأحكامه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. فيتلقى العبد عنه حقائق الإيمان، وشرائع الإسلام، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات، وأوقاتها، وأعدادها، ووجوب الوضوء والغُسل من الجنابة، ومقادير الزكاة، وغيرها من أحكام الدين: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ

стр. 8288

عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. فلا يجعل الرسول ﷺ رسولًا في شيء دون شيء من أمور الدين، بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل، لا يتلقى إلا عنه، ولا يُؤخذ إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله وأخلاقه، وكل ما خرج عنها فهو ضلال كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والشبهات تأتي من أحد شخصين: إما عدو حاقد على الإسلام والمسلمين. وإما إنسان جاهل قذف الشيطان في قلبه ما جعل الحق يلتبس عليه. فالأول أخطر النوعين وأخبثهم، وكلاهما خبيث، يؤثر على ضعاف النفوس والهمج الرعاع، ويحدث بلبلة في أفكارهم، وتصرفاتهم، ولهذا يجب كشف هذه الشبهات الباطلة، لئلا تصد الناس عن دين الله. لكن يجب في فتنه الشبهات أمران: الأول: ألا يتصدى لرد الشبهات، وكشف زيفها، إلا عالم متمكن من معرفة الحق والباطل بالأدلة الشرعية، حتى يحسن ويحكم إغلاق هذه الثغرات، ويزيل هذه الشبهات، وهذه لا يستطيعه إلا العلماء الراسخون: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. الثاني: ينبغي على طالب العلم ألا يشغل كل وقته بهذه الشبهات وردها؛ لأن الأعداء يريدون إشغال العلماء وأهل الإسلام عن الإسلام، والعمل به،

стр. 8289

وتعليمه، والدعوة إليه، فيقذفون اليوم بشبهة وغدًا بشبهة، فتكثر الردود، وتتنوع الإجابات، وتختلف الفتاوى، فيحصل الشك، ويقع الجدل، وإذا بالعلماء بعد مدة لا يستطيعون ولا يتفرغون لنشر الإسلام، ولا يجدون فرصة لتعليم الناس أحكام دينهم. وقد جاء البلاء من عدم الفقه بدين الله من صنفين من الناس: من اناس يتصدرون لرد الشبهات بلا علم. أو أناس يتصدون للشبهات حتى تضيع أوقاتهم فيها. وحينئذٍ يحقق أعداء الإسلام ما يريدون بإقحام العامة، ليقولوا ما شاءوا بلا علم، وإشغال العلماء عن الواجبات والأصول، وضبط العلم وفقهه، وتعليمه الناس. فالاشتغال بالشبهات ودراستها له قيمة في الدين، وهو من الحق الذي يزال به الباطل، لكن الاشتغال به أكثر من اللازم، تضيع به حقوق وواجبات كبرى أكد عليها الشرع، وألزم بها عباده، ومن ذلك الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وتعليم شرع الله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وليس المراد قفل باب الرد على الشبهات، فإنه من الدين، وإنما عدم المبالغة فيه، وعدم فتح الباب لكل أحد لأن يقول ما شاء، وإنما ذلك للعلماء الراسخين في العلم، وكل ما نرى من الكذب والإفتراء، والصخب واللغط، والشبهات والتلبيسات، كلها منتهية مقطوع دابرها، ودابر أهلها،

стр. 8290

ودابر من دافع عنها عاجلًا أو آجلًا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]. أما الحق فهو باقٍ ما بقي الزمان، وتعاقب الليل والنهار، لأن الله تكفل بحفظه، وحيثما حلَّ الحق والإيمان، كان هناك الأمن والطمأنينة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. فالشريعة ليس فيها خلط، ولا شبه، ولا أهواء، ولا ظلم كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ [الأنعام: ٥٧]. فالحق والعدل في أبهى صوره، وأجمل حُلله، في الإسلام لا في غيره كما قال سبحانه: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ [الإسراء: ١٠٥]. وكذلك وكلما جاءت شبهة زادت ولي الله تمسكًا بالحق، وزهدًا في الباطل: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣]. النوع الثاني: فتنة الشهوات. وقد جمع الله بين الفتنتين في قوله سبحانه: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي

стр. 8291

خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ [التوبة: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل، فالأول أصل فتنة الشبهات، والثاني أصل فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات تُدفع باليقين، وفتنة الشهوات تُدفع بالصبر. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. وجمع الله بينهما في قوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. أي تواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات، فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوات، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهات. وإذا سلِم العبد من فتنة الشبهات والشهوات، حصلت له الإمامة في الدين، وحصلت له أعظم غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله، وهما: الهدى والرحمة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. والشيطان في كل يوم، بل في كل لحظة، يبعث ويوجه ويحرك آلاف الأفراد، والجماعات، لعمارة الدنيا، والإفساد في الأرض، وإثارة الشبهات،

стр. 8292

والاستمتاع بالشهوات والمحرمات، وغشيان الفواحش والآثام، ومزاولة السرقات، والزنا، وشرب الخمور، وأكل أموال الناس بالباطل، وظلم الناس، وإيذاء المسلمين، ولا يفتر عن ذلك ليلًا ونهارًا، وأوقع في فتنة الشهوات ما لا يحصى من البشر من مسلم وكافر، فأعرضوا عن أوامر الله، واشتغلوا بتكميل شهواتهم من المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والمناكح: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وكذلك الشيطان يوجه ويحرك آلافاً من العلماء، والدعاة، وطلبة العلم، ويزين لهم الإنتصار للنفس لا للدين، ويستعملهم في الجدل والمراء، ويغمسهم في السُمعة والرياء، ويزين لهم الفتاوى الشاذة، ويحسن لهم أكل الدنيا بالدين، والازدحام على أبواب المناصب، وبذل الجهود من أجلها، لنفع الدين من خلالها، وهيهات أن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها بالهدى، والرحمة، والشفقة، والتواضع، والعدل، والإحسان، والبر، والتقوى، وغير ذلك من شعب الإيمان، ومحاسن الأخلاق: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣]. وكل ما اوجب فتنة وفرقة فليس من الدين، سواء كان قولًا أو فعلًا، ولا تقع الفتنة إلا من ترك ما أمر الله به، فالله سبحانه أمر بالحق، وأمر بالصبر، والفتنة إما من ترك الحق، وإما من ترك الصبر، فالمظلوم إذا صبر واتقى كانت العاقبة له كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠].

стр. 8293

وقد أمر الله بالصبر على البلاء، والصبر على أذى أهل الكتاب والمشركين؛ تنبيهًا على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم على بعض كما قال سبحانه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وقد أمرنا الله بالعدل مع الكفار، فكيف إذا كان البغض فاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان، فاتقوا الله أيها المؤمنون: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨]. والكفر والفسوق والعصيان، سبب لكل شر وعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه، فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل بسبب ذلك التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن قديمًا وحديثًا، إذ الإنسان ظلوم جهول كفَّار، ومن تدبروا الفتن الواقعة، رأى أسبابها ذلك، ورأى أن ما وقع بين علماء الأمة وأمرائها، ومن دخل في ذلك من ملوكها، ومشايخها، ومن تبعهم من العامة، هذا أصلها، ومنه تُفجَّر براكينها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].

стр. 8294

• أقسام الفتن: الفتن أقسام: الأولى: فتنة الرجل في نفسه، بأن يقسو قلبه، فلا يجد حلاوة الطاعة، ولا لذة المناجاة، وهذه هي أعظم فتنة: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. الثانية: فتنة الرجل في أهله، وهي فساد تدبير المنزل، وقد تولى ذلك الشيطان وذريته كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ». أخرجه مسلم (١). الثالثة: فتنة تموج كموج البحر، وهي فساد تدبير المدينة، وطمع الناس في الخلافة والولاية من غير حق كما قال النبي ﷺ : «إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ». أخرجه مسلم (٢). الرابعة: فتنة مليِّة بأن يموت الصالحون، ويسند الأمر إلى غير أهله ونحو ذلك. قال النبي ﷺ : «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ومَنْ يُشرِفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ». متفق عليه (٣).

стр. 8295

والفتن إذا جاءت كان ضررها على أهل الإيمان أكثر من غيرهم كاللصوص إذا دخلوا بلدًا، فأول من يخاف منهم أصحاب الأموال، يتسلحون للدفاع عن أموالهم، أما غيرهم فلا يهتمون، لأنه ليس عندهم ما يخافون عليه، وكذلك أهل الإيمان والأعمال الصالحة، إذا جاءت الفتن تسلحوا وتحصنوا بالإيمان، والأذكار، والدعاء والعبادة، فذلك حصنهم من أعدائهم، أما من ليس عنده إيمان وأعمال فلا يبالي، لأن حياته لم تقم على الإيمان والأعمال الصالحة، فليس عندهم ما يخافوا عليه، كالفقير الذي ليس عنده مال يخاف عليه من اللصوص. والفتنة تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سمى الله الكفر فتنة كما قال سبحانه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. فالكفار فتنوا أولًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثم فتنوا بإرسال رسل الله إليهم، ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثم فتنوا بعذاب الدنيا: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ثم فتنوا بعذاب القبر، ثم يفتنون في موقف القيامة، ثم إذا حشروا إلى النار، وأوقفوا عليها، وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾ [الأحقاف: ٣٤]. ثم تحصل لهم في النهاية الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها، وهي دخول النار، وتعذيبهم بها، وخلودهم فيها: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ [الذاريات: ١٣ - ١٤].

стр. 8296

وقد حذر الله عباده المؤمنين من فتنة الأموال، والأزواج، والأولاد، التي تشغلهم عن طاعة الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٤ - ١٥]. وأظلم الظلم الشرك بالله، ونبذ شريعة الله في الحياة، وإتباع شرع غيره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. فالأمة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره، ولا تقف في وجه الظالمين، ولا تأخذ الطريق على المفسدين، هي أمة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].

стр. 8297

فالإسلام منهج كامل لابد من إقامته في حياة الناس، ولابد من حراسته، والدفاع عنه، ولابد من إبلاغه للبشرية كلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فالإسلام لا يسمح أن يقعد القاعدون، والظلم والفساد والمنكر، يشيع في الأرض، فضلًا عن أن يروا دين الله لا يُتبع، بل أن يروا إلوهية الله تُنكر، وتقوم ألوهية العبيد مكانها، وهم ساكتون، ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة، لأنهم في ذاتهم صالحون طيبون، إن هذا خلاف سنة الله الجارية، فليستجيبوا لله في كل ما أمرهم الله به، ويستعينوا به وحده، ويتوكلوا عليه وحده، وإلا أصابتهم فتنة تدع الحليم حيران: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥]. ولما كانت مقاومة الظلم والفساد والمفسدين، تكلف الناس أنفسهم وأموالهم، فإن الله يُذكر العصبة المسلمة، ويطمئنهم بتأييده ونصره ورزقه لمن استجاب لله والرسول فيقول: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦].

стр. 8298

إن جوهرة الإيمان وقاعدته أزكى من كل شيء، وإن قيمة هذه الأرض لمن الزهادة والرخص، بحيث لو شاء الله لأغدقها إغداقًا على الكافرين به، لولا أن تكون فتنة للناس، تصدهم عن الإيمان بالله، ولولا خوف الفتنة على المؤمنين لبذلت الدنيا للكفار هكذا رخيصةً بلا تعب، لهوانها على الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. إن عرض الدنيا من مال، وزينة، ومتاع، ليفتن أكثر الناس، وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجَّار والكفار، ويرون أيدي الأبرار منه خالية، أو يرون هؤلاء في عسر ومشقة، وأولئك في قوة وثروة وسطوة، والله يعلم وقع هذه الفتنة في قلوب الناس، ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه، ويكشف لهم عن نفاسة ما يدخره للمؤمنين في الآخرة، والمؤمن يطمئن لاختيار الله للأبرار والفجار، وما في الدنيا كله متاع، وما في الآخرة أفضل وأعظم وأبقى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. ألا ما أعظم الفتن، وما أشد خطرها على الأمة!.

стр. 8299

قال النبي ﷺ : «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّمَ هُوَ؟، قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ». متفق عليه (١). ومكان ظهور الفتن من المشرق. عن ابن عمر ﵄، أن الرسول ﷺ قال وهو مستقبل المشرق: «أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الّشَيْطَانِ». متفق عليه (٢). وجماع معنى الفتنة الابتلاء، والامتحان، والاختبار. والفتنة هي ما يبين به حال الإنسان من الخير والشر، والصدق والكذب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. والفرق بين الفتنة، والابتلاء، والاختبار. أن الفتنة أشد الاختبار وأبلغه، وتكون في الخير والشر. أما الفرق بين الابتلاء، والاختبار، فهو أن الابتلاء لا يكون إلا بتحمل المكاره والمشاق، والاختبار يكون بالخير والشر، والسراء والضراء، وقد يكون الإبتلاء باستخراج ما عند المبتلى من الطاعة والمعصية، والاختبار وقوع الخبر بحاله في ذلك. والفتنة نوعان: ١ - فتنة من الله. ٢ - وفتنة من العبد. فالفتنة من الله كالبلية والمصائب التي تصيب الناس، وغير ذلك من الأفعال المؤلمة، فهذا كله يقع من الله على عباده على وجه الحكمة كما قال

стр. 8300

سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. ومتى كان هذا من الإنسان بغير أمر الله كالقتل والتعذيب، فهو بضد ذلك، ولهذا يذم الله الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. وهذه الدنيا مملوءة بالفتن المضلة: فتنة الأموال، وفتنة الشهوات، وفتنة النساء، وفتنة الأولاد، وفتنة الشبهات. قال النبي ﷺ : «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». أخرجه مسلم (١). وهذه الفتن العظيمة المختلفة تهجم على العبد، وتغريه بحسنها وجمالها، وتخدعه بعاجل لذاتها، فيقع في شراكها فيهلك، فعليه بالمبادرة إلى الإيمان والأعمال الصالحة، ليحفظ نفسه منها كما قال النبي ﷺ : «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا». أخرجه مسلم (٢). اللهم احفظنا، وجميع المسلمين والمسلمات، من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
следующие страницы →