الواجبات يشترط فيها العلم بها، والقدرة على فعلها كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ويكون الجهاد في سبيل الله فرض عين على كل أحد في أربع حالات:
١ - إذا حضر المسلم صف القتال.
٢ - وإذا حاصر بلده العدو.
٣ - وإذا استنفره الإمام.
٤ - وإذا احتاج المسلمون إليه بنفسه كطبيب وطيار ونحوهما كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
• أقسام الجهاد في سبيل الله:
الجهاد نوعان:
جهاد طلب.
وجهاد دفاع.
فجهاد الدفاع يجب من كل حال، وأما جهاد الطلب والهجوم فلا يجب إلا إذا غلب على الظن أننا سننتصر على العدو، وأما إذا غلب على الظن الهزيمة، فلا يجوز أن يُغرر بالمسلمين، فيساقون إلى المصارع لما فيه من المخاطرة والذل المسلمين، لكن لو اضطر الإمام لذلك جاز، لما فيه من
стр. 8472
المصلحة واجتماع الكلمة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
و الحروب التي تقع بين الناس ثلاث:
حرب لا تكون، وحرب لا تطول، وحرب لا تنتهي.
فالحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق واحد، والحرب بين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، والله ينصر أهل الحق. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
والحرب بين باطلين لا تنتهي، فمن كان أقوى وأذكى وأكثر في الغالب ينتصر.
• حكم قصد المشقة في العمل:
السنة للمسلم أن يقصد العمل الذي يعظم أجره، لعظم مشقته من حيث هو عمل كالجهاد والحج مثلًا، فإن قصد نفس المشقة، فقد خالف الشرع؛ لأن الله لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، ولا يجوز التقرب إلى الله بالمشاق، لأن القرب كلها تعظيم للرب سبحانه، وليس عين المشقة تعظيمًا ولا توقيرًا له، والأجر على قدر منفعة العمل، لا على قدر المشقة والتعب وكثرة الثواب مع المشقة، لا لأن المشقة مقصودة بذاتها، بل لأن العمل مستلزمٌ للمشقة، كالجهاد والحج مثلًا: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ
стр. 8473
وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
وعن عائشة ﵂ قالت: «يا رسول الله يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ فقال لها: انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي مِنْهُ ثُمَّ الْقَيْنَا بمكان كذا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ فَقَتِكِ أو نَصَبِك». متفق عليه (١).
• وقت الخروج للجهاد في سبيل الله:
السنة أن يخرج الأمام بالجيش يوم الخميس، فإن كانت مصلحة أو حاجة أو عذر، خرج بهم بحسبها في أي يوم.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ». أخرجه البخاري (٢).
• حكم توديع المجاهدين في سبيل الله:
من السنة توديع المسافرين والمجاهدين في سبيل الله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «بَعَثنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَ لَنَا: إِنْ لَقِيتُمْ فُلانًا وَفُلانًا، لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا، فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلانًا وَفُلانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إِلا اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا». أخرجه البخاري (٣).
стр. 8474
• حكم من حبسه العذر عن الغزو:
عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا، وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ». أخرجه البخاري (١).
وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (٢).
• أحوال المجاهدين في سبيل الله:
المجاهد في سبيل الله له أربع حالات:
الأولى: المسلم القادر ماليًا وبدنيًا، فهذا يجب عليه الجهاد بنفسه وماله.
الثاني: القادر بدنيًا، العاجز ماليًا، فهذا يجب عليه الجهاد بنفسه فقط.
الثالث: القادر ماليًا، العاجز بدنيًا، هذا يجب عليه الجهاد بماله دون نفسه.
الرابع: العاجز بدنيًا وماليًا، فهذا لا يجب عليه الجهاد، فعليه بالدعاء للمسلمين المجاهدين.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢].
• حكم جهاد النساء:
القتال في سبيل الله، والإغارة، والكر والفر، والضرب بالسيوف والبنادق ونحوها من وسائل الجهاد، من خصائص الرجال.
ويجوز عند الحاجة خروج النساء مع الرجال لخدمة المجاهدين في سبيل الله، ومداواة الجرحى، وسقي الماء ونحو ذلك مع الاحتشام، وعدم الخلوة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣٠ - ٣١].
وعَنْ أَنَسٍ بن مالك ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ، وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى». أخرجه مسلم (١).
• حكم استئذان الوالدين في الجهاد في سبيل الله:
أولاً: لا يجاهد المسلم تطوعًا إلا بإذن والديه؛ لأن الجهاد فرض كفاية، وبر الوالدين فرض عين، في كل حال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
أما إذا وجب الجهاد كما سبق فيجاهد بلا إذنهما.
стр. 8477
ثانيًا: إذا كان التطوع فيه منفعة للإنسان، ولا ضرر على والديه فيه، فلا يحتاج إلى إذنهما فيه كقيام الليل، وصيام التطوع ونحوهما، فإن كان فيه ضرر على الوالدين أو أحدهما كجهاد التطوع فلهما منعه، وعليه أن يمتنع، لأن طاعة الوالدين في غير معصية الله واجبة، والتطوع ليس بواجب.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». متفق عليه (١).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». متفق عليه (٢).
• حكم استئذان صاحب الدين عند الجهاد في سبيل الله:
لا يتطوع بالجهاد مدين لا وفاء له إلا أن يستأذن من صاحب الدين، أما إذا وجب الجهاد فيخرج بلا إذنه.
عَنْ أَبِيْ قَتَادة ﵁ أن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ له الرسول ﷺ : نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ الرسول ﷺ : كَيْفَ قُلْتُ؟ قال: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِك». أخرجه مسلم (٣).
стр. 8478
• حكم الكافر إذا قتل مسلماً ثم أسلم وقتل:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فيستشهد». متفق عليه (١).
• عقوبة ترك الجهاد في سبيل الله:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وعن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ يقول: «إذا ضَنَّ الناس بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعَيْنِ وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ في سَبِيلِ اللَّهِ انزل الله بِهِمْ بَلَاءً فلم يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حتى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ». أخرجه أحمد وأبو داود (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 8479
• حكم الاستعانة بالكفار والمشركين في الجهاد:
الجهاد في سبيل الله عبادة من العبادات فلا يصح إلا من مسلم، وتجوز الاستعانة بالمنافقين والفساق على قتال الكفار.
وقد كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون للقتال مع رسول الله ﷺ ، وأما قتال الكفار مع المسلمين ضد أعدائهم فلا يجوز إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن تدعوا الحاجة إلى ذلك كقلة المسلمين أو كثرة الفجار.
الثاني: أن يعلم من الكفار حسن الرأي في الإسلام، وميلهم إليه.
الثالث: أن يكون الأمر والتدبير بيد المسلمين، ومتى استعان بهم إمام المسلمين أسهم لمن شارك معهم من الغنيمة كالمسلم، لأن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أميه وهو مشرك، وأعطاه من الغنيمة وأكثر، فكان ذلك سببًا في إسلامه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١].
وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ، وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟. قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ.، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ.، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ
стр. 8480
فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟. قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَانْطَلِقْ». أخرجه مسلم (١).
• ما يجب على قائد جيش المسلمين:
يجب على إمام المسلمين أو من ينوب عنه ما يلي:
أولًا: أن يتفقد الجيش والأسلحة عند المسير إلى العدو.
ثانيًا: أن يرغب الناس في الجهاد، ويمنع المخذل والمرجف، وكل من لا يصلح للجهاد في سبيل الله، ولا يستعين بكافر إلا لضرورة كما سبق.
ثالثًا: أن يعد الزاد، وما يحتاجه في الجهاد، وأن يسير بالجيش برفق، ويطلب لهم أحسن الطرق والمنازل.
رابعًا: أن يمنع الجنود من الفساد والمعاصي، ويحدثهم بما يقوي نفوسهم، ويرغبهم في الشهادة في سبيل الله، ويأمرهم بالصبر، والاحتساب، والمحافظة على الطاعات.
خامسًا: أن يقسم الجيش، ويعين عليهم العرفاء والحراس، ويعقد الألوية والرايات، ويسبقهم إلى العدو عند الفزع.
سادسًا: أن يشاور في الجهاد أهل الدين والرأي والخبرة
سابعًا: أن يبث العيون على الأعداء، ليعرف عددهم وأخبارهم.
ثامنًا: أن يوصي جنوده بالتوكل على الله، وكثرة ذكره والثناء عليه، ولزوم الاستغفار، والرحمة فيما بينهم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولزوم تقوى الله .
стр. 8481
تاسعًا: أن يكون قدوه حسنة للمجاهدين ومن معه، وينزلهم منازلهم، ولا يستأثر عليهم بشيء، ولا يأمرهم بمعصية الله.
عاشرًا: أن يزور مرضاهم، ويواسي مصابهم، ويجازي المحسن، ويعاقب المسيء، ويحسن إلى الضعيف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠ - ١١].
وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وعن معقل بن يسار المزني ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». متفق عليه (١).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلقَدْ فُزِّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فكان رسول الله ﷺ سبقهم على فَرَسٍ وقال: وجدناه بحرًا». متفق عليه (٢).
стр. 8482
٥ - الخزانة الخامسة
• ما يجب على المجاهدين في سبيل الله:
يجب على المسلمين المجاهدين في سبيل الله ما يلي:
أولًا: طاعة الإمام أو نائبه في غير معصية الله.
ثانيًا: الصبر على تحمل المشاق في سبيل الله، وعدم الفرار من الزحف، والثبات أمام العدو.
ثالثًا: الإخلاص في العمل، ولزوم التقوى في كل حال.
رابعًا: التعاون على البر والتقوى، وإظهار القوة والجَلَد أمام الأعداء، والتراحم فيما بينهم.
خامسًا: اجتناب المعاصي، فإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله.
سادسًا: الاستعانة بالله وحده في جميع الأمور، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
سابعًا: الاستعداد لامتثال جميع أوامر قائد الجيش المشروعة، ليحصل له جزيل ثوابها.
ثامنًا: عدم الحمل على العدو إلا بإذن القائد، وإن فاجأ المسلمين عدو يخافون شره، فلهم أن يدافعوا عن أنفسهم.
تاسعًا: الاشتغال بالطاعات من ذكر وصلاة وتلاوة قرآن، وخدمة المجاهدين، والنصح لهم.
عاشرًا: اجتناب الغيبة والنميمة، والقيل والقال، والإشاعات والإرجاف، وإساءة الظن ونحو ذلك مما يقلب الأمور، ويغرق الجنود: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
стр. 8483
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وَعَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذاً وَأبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ، قالَ: «يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا». متفق عليه (١).
• حكم من هاجم العدو وحده:
من ألقى نفسه في أرض العدو، أو اقتحم في جيوش الكفار المعتدين، بقصد التنكيل بالأعداء، وزَرْع الرعب في قلوبهم، خاصة مع اليهود المعتدين، ثم قُتل، فقد نال أجر الشهداء الصادقين، والمجاهدين الصابرين.
وهذا أقل خسارة، وأكثر نكاية بالأعداء.
ومن خشي الأسر من المسلمين، ولا طاقة له بعدوه، فله أن يُسلِّم نفسه، ويجعل الله له فرجًا، وله أن يقاتل حتى يُقتل أو يغلب، وذلك يختلف
стр. 8484
باختلاف الإيمان والقدرة في كل إنسان: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤].
• نوم المجاهد بجوار سلاحه:
عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ «أنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أعْرَابِيٌّ، فَقال: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً، فَقال: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللهُ ثَلاثاً وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ». متفق عليه (١).
• آداب الجهاد في سبيل الله:
أهم آداب المجادين في سبيل الله ما يلي:
أولًا: التوكل على الله، وحسن تقواه، وطلب النصر منه وحده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
ثانيًا: الدعاء والصبر والإخلاص لله في العمل، وذكر الله وتكبيره.
стр. 8485
ثالثًا: اجتناب المعاصي، فهي أعظم سبب لتسلط الكفار على المسلمين.
رابعًا: عرض الإسلام على الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا حل قتالهم كما سبق.
خامسًا: البعد عن الفخر والعجب والرياء.
سادسًا: سؤال الله العافية، وعدم تمني لقاء العدو، والصدق في القتال.
سابعًا: عدم تحريق الآدمي والحيوان بالنار.
ثامنًا: عدم الغدر، وعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ الكبار والرهبان إذا لم يقاتلوا، وكل من اجتنب الحرب لا يحل قتله، فإن قاتلوا، أو حرَّضوا، أو كان لهم رأي وتدبير في الحرب قُتلوا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧].
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أمَّرَ أمِيراً عَلَى جَيْشٍ أو سَرِّيَةٍ أوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بِتَقَوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا باسْمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ». أخرجه مسلم (١).
• حكم الخدعة والكذب في الحرب:
يجوز في الحرب الخداع والكذب من أجل تضليل العدو، بشرط ألا يشتمل ذلك على نقض عهد، أو إخلال بأمان.
ومن الخداع أن يوهم العدو بأن جنود المسلمين كثرة كاثرة، وأسلحته قوة لا تقهر.
ومن الخداع أن الإمام إذا أراد غزو بلد في الشمال مثلًا، أظهر أنه يريد الجنوب، فالحرب خدعة.
وفي هذا الفعل فائدتان:
الأولى: أن خسائر الأموال والأرواح تقل بين الطرفين، فتحل الرحمة محل القسوة.
الثانية: توفير طاقة جيش المسلمين لمعركة لا تجدي فيها الخدعة.
عَنْ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلاَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ، لِيَتَأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ». متفق عليه (٢).
• فضل الطليعة في الحرب:
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ». يَوْمَ الأحْزَابِ، قال الزُّبَيْرُ: أنَا، ثُمَّ قالَ: مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ. قال الزُّبَيْرُ: أنَا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيّاً، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ». متفق عليه (١).
• فضل الجهاد على الخيل:
عَنْ عُرْوَةَ البَارِقِي ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ الأَجْرَ وَالمَغْنَمَ». متفق عليه (٢).
• حكم البيعة عند القتال:
من السنة أن يبايع الإمام المجاهدين على الصبر أو الموت؛ تشجيعًا لهم، وتقوية لمعنوياتهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ قَالَ: «قُلْتُ لِسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ: عَلَى أيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى المَوْتِ». متفق عليه (٣).
стр. 8491
• ما يقوله إذا رأى ملامح النصر:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٧].
وَعَنْ أنَسٍ ﵁ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهَا لَيْلاً، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْماً بِلَيْلٍ لا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَلَمَّا أصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللهُ أكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ». متفق عليه (١).
• أثر اليقين والصبر في النصر:
بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
فإذا قام المسلم بالحق، وكان قيامه بالله، ولله، لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض وما فيهن لكفاه الله مؤنتها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وإنما يؤتى العبد من تفريطه أو تقصيره في هذه الأمور الثلاثة أو في بعضها.
فمن قام في باطل لم يُنصر، وإن نُصر فلا عاقبة له، فهو مذموم لا حامد له، مخذول لا ناصر له كما قال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
стр. 8492
وإن قام في حق، لكن لم يقم لله، وإنما قام لطلب الجاه والحمد من الناس، فهذا لا يُنصر؛ لأن النصر لمن جاهد، لتكون كلمة الله هي العليا.
والله يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وإن نُصر فبحسب ما معه من الحق والصبر، فالصبر منصور أبدًا؛ فإن كان الصابر محقًا كانت له العاقبة الحسنة، وإن كان مبطلًا لم تكن له عاقبة.
وإن قام بالحق معتمداً على غير الله من الأسباب لم يُنصر: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
• أقسام القتال:
ينقسم القتال بين الناس إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قتال بين المسلمين والكفار.
الثاني: قتال بين المسلمين مع بعضهم.
الثالث: قتال بين الكفار مع بعضهم.
فإذا كان القتال بين المسلمين والكفار، نَصَر الله المسلمين على الكفار بعد استكمال ما يستطيعون من قوة مقرونة بالإخلاص، والتوكل على الله وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].
стр. 8493
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
أما قتال المؤمنين مع بعضهم، فيجب الإصلاح بينهم، فإن لم يمكن الصلح قاتلْنا الفئة الباغية لتعود إلى الحق الذي عليه الأمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
أما قتال الكفار مع بعضهم، فهؤلاء يهلك الله الظالم بالظالم، ويَكِلهم إلى أسبابهم، وينصر الدولة الكافرة العادلة على الظالمة، ويسلط بعضهم على بعض، وقتلاهم جميعًا في النار: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦].
стр. 8494
• وقت القتال في سبيل الله:
أفضل أوقات القتال في سبيل الله أول النهار، فإن لم يكن فبعد زوال الشمس، أما إذا فاجأ العدو المسلمين، وأغار عليهم، فيجب رده وصده في أي وقت أغار فيه.
عَنْ النُّعْمَان بن مُقَرِّنٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
• حكم الإغارة ليلًا:
تجوز الإغارة على الكفار ليلًا، ويجوز قتل الكفار مع صبيانهم ونسائهم في حال البَيَات، ولا يجوز قتل النساء والصبيان حال التميُّز، أما النساء فلضعفهن، وأما الصبيان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعًا من الانتفاع بهم إما بالرق، أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى به الأسرى.
عَنِ الصّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ النّبِيُّ ﷺ عَنِ الذّرَارِيّ مِنَ المُشْرِكِينَ يُبَيّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ. فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ». متفق عليه (٢)
• حكم القتال في الأشهر الحُرم، وعند المسجد الحرام:
لا يجوز أن نبدأ الكفار بالقتال في الأشهر الحرم، ولا عند المسجد الحرام، إلا عند الحاجة، فإن قاتلونا فيهما قاتلناهم.
• فضل الرمي في سبيل الله:
عَنْ سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أبَاكُمْ كَانَ رَامِياً، ارْمُوا وَأنَا مَعَ بَنِي فُلانٍ. قالَ: فَأمْسَكَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأيْدِيهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا لَكُمْ لا تَرْمُونَ. قالوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأنْتَ مَعَهُمْ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْمُوا فَأنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ». أخرجه البخاري (١).
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، يَقُولُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. أَلَا إِنّ القُوّةَ الرّمْيُ، أَلَا إِنّ القُوّةَ الرّمْيُ، أَلَا إنّ القُوّةَ الرّمْيُ». أخرجه مسلم (٢).
وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ ﵁ قَالَ: «حَاصَرْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ حِصْنَ الطَّائِفِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الجَنَّة، قَالَ: فَبَلَغْتُ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْماً، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ عِدْلُ مُحَرَّرٍ». أخرجه أحمد وأبو داود (٣).
• أسباب النصر على الأعداء:
كتب الله على نفسه النصر لأوليائه، ولكنه ربط هذا النصر بأمور:
الأول: كمال حقيقة الإيمان بالله في قلوب المجاهدين في سبيل الله.
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
стр. 8498
الثاني: استيفاء مقتضيات الإيمان في حياتهم، وهي الأعمال الصالحة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
الثالث: استكمال عدة الجهاد التي يستطيعونها.
قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠].
الرابع: بذل الجهد الذي في وسعهم، وبحسب كمال الإيمان يكون كمال الجهد، وكمال النصر.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
الخامس: الثبات، وكثرة ذكر الله، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، ولزوم الصبر في كل حال.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
стр. 8499
السادس: اجتناب المعاصي، وعدم العجب والبطر والرياء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢].
السابع: كمال اليقين على أن النصر بيد الله وحده لا شريك له.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
الثامن: كمال اليقين على أن الله لا ينصر الكفار على المسلمين أبدًا، ولا يخذل المؤمنين به أبداً.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
стр. 8500
• أسباب إبطاء النصر:
قد يؤخر الله النصر للمؤمنين لأسباب لابد من توفرها، منها:
أولًا: أن تكون بُنْية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد، ولم تحشد بعد طاقتها اللازمة.
ثانياً: قد يبطئ النصر، حتى يبذل المؤمنون آخر ما في وسعهم من طاقة وقوة، فلا يبقى عزيز ولا غالٍ إلا بَذَلته نفوسهم رخيصًا في سبيل الله.
ثالثًا: وقد يتأخر النصر، حتى تجرب الأمة آخر ما في طوقها من قوة، لتدرك أن قوتها وحدها لا تكفل النصر بدون سند من الله.
رابعًا: وقد يبطئ النصر، لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله.
خامسًا: وقد يبطئ النصر لأن في الشر الذي يكافحه المؤمنون بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ثم يهلكه.
سادسًا: وقد يبطئ النصر، لأن المؤمنين لم يتجردوا بإخلاص في بذلهم وتضحياتهم لله ولدعوته.
سابعًا: وقد يبطئ النصر، لأن الباطل الذي يحاربه المؤمنون لم ينكشف زيفه للناس، ولم يقتنعوا بعد بفساده.
ثامنًا: وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعدُ لاستقبال الحق والخير، فيبقى الصراع قائمًا، حتى تتهيأ النفوس لاستقباله ونحو ذلك من الأسباب.
والله حكيم عليم، لا يفعل إلا ما هو عدلٌ وإحسان، وحكمةٌ ورحمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 8501
• روح القتال في سبيل الله:
القتال تكرهه النفوس، ولكن النفوس المؤمنة تستلذه إذا كان في سبيل الله؛ لما فيه من إحقاق الحق، ودفع الباطل، ورفع الظلم، وحفظ الأمة، وإقامة العدل، ولما فيه من الثواب العظيم، ورضوان الله، ومحبة الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤].
• حكم الفرار من الزحف:
يجب على المسلم الثبات أمام الكفار عند القتال.
وإذا التقى الجيشان فيحرم الفرار من الزحف إلا في حالتين:
التحرف للقتال
стр. 8502
والتحيز إلى فئة
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
• حكم التدمير والتخريب لممتلكات الأعداء:
يجوز عند الضرورة أو الحاجة أو المصلحة إحراق حصون الأعداء بالنار، وتخريب بيوتهم، وهدمها عليهم، وقطع أشجارهم، وإفساد زروعهم؛ لما في ذلك من كسر شوكتهم، وتوهين عزيمتهم، وتفريق جمعهم.
ويجوز ضرب الكفار بالسلاح ولو تترسوا بالمسلمين؛ للضرورة، وسدًا لذريعة الفساد التي قد تترتب على ترك قتلهم: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥].
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢].
• الاستعداد لمواصلة الغزو:
ينبغي للمسلم أن يكون مستعدًا للقتال كل وقت، ولو كان حديث عهد به.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَوَضَعَ السِّلاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ فِي الغُبَارُ، فَقال: وَضَعْتَ
стр. 8503
السِّلاحَ، فَوَالله مَا وَضَعْتُهُ. فَقال رَسُولُ الله ﷺ : فَأيْن؟ قال: هَا هُنَا، وَأوْمَأ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قالتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ ». متفق عليه (١).
• قتال اليهود في آخر الزمان:
سيقاتل المسلمون اليهود، ويهزمونهم كما هزمهم النبي ﷺ وأصحابه ﵃.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ». متفق عليه (٢).
• حكم الجهاد في سبيل الله -:
الجهاد في سبيل الله إذا وجب، حق واجب على كل مسلم قادر بنفسِه وماله، ومن لم يقدر على الجهاد بنفسه، فعليه أن يجاهد بماله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
ومن كنز الأموال عند الحاجة إلى إنفاقها في سبيل الله، أو قعد عن الجهاد وهو قادر عليه عذبه الله عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة.
في الدنيا بالذل وغيره، ونزع الأمر منه، وإعطاؤه لغيره، فإن هذا الدين لمن ذبَّ عنه، وفي الآخرة يُعذب في جهنم.
وإذا جاهدت الأمة عدوها، ألَّف بين قلوبها، وجمع كلمتها، وإن تركت الجهاد في سبيل الله، شغل الشيطان بعضها ببعض.
стр. 8504
وليس من شريعة الإسلام انتظار العدو حتى يدخل البلاد، فما غُزِيَ قوم في عُقر دارهم إلا ذَلُّوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
• المعذورون في الجهاد في سبيل الله:
الجهاد في سبيل الله واجب بشروطه المعتبرة السابقة
والمعذورون في التخلف عن الجهاد في سبيل الله ثلاثة أصناف:
стр. 8505
الصنف الأول: الضعفاء، وأولوا الضرر، والمرضى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
الصنف الثاني: الذين لا يجدون مالًا، ولا يجدون ما يركبون عليه للجهاد في سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢].
الصف الثالث: من قعدوا ليتفقهوا في الدين لحاجة الأمة لهم ولعلمهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].
فهؤلاء هم المعذورون عن الجهاد والقتال في سبيل الله.
• حكم القتال في الفتنة:
يجوز للإنسان أن يدافع عن نفسه ممن يريد قتله، أو أخذ ماله، وهذا إذا لم تكن فتنة بين المسلمين، كقتال على مُلك، أو رئاسة، أو إتباع أهواء، أو عصبية، لما يفضي إليه ذلك من الشرور، وسفك الدماء، فلا يجوز ذلك.
стр. 8506
عن أبي بكرة ﵁ قال سمعت الرسول ﷺ يقول: «إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ" فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ هذا الْقَاتِلُ فما بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قال: إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ». متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ». متفق عليه (٢).
وعن جابر بن عبد الله قال: «كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». متفق عليه (٣).
• فقه نصر المؤمنين:
الله قوي عزيز، قوي الجانب، غالب قاهر، هو القوي المنيع الذي لا يضام من توكل عليه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
هو الحكيم الذي له الحكمة البالغة، ولا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه، هو العالم بخفايا الأمور، وما تؤول إليه، الذي لا يخفى عليه مثقال ذرة في ملكه العظيم.
فاقتضت عزته وقهره وسلطانه ألا يضام وليه المؤمن، المتوكل عليه، وألا يهان ويقهر مادام منتسبًا إليه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
стр. 8507
واقتضت حكمته البالغة ألا يجعل وليه كعدوه، وألا يسوي بينهما، بل ينصر وليه على عدوه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
والحكمة لا تتم إلا بالعلم بكل شيء: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ [الأنفال: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠].
والله هو المؤمن الذي يؤمِّن أولياءه المؤمنين من الخوف، والناصر النصير الذي ينصر المؤمنين على الكافرين: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
ومن سنة الله أن ينصر الكثير على القليل، وينصر الفئة القليلة، ولو كانت على باطل، على الفئة الكثيرة ولو كانت على حق، إذا أصابهم العجب، وتغير يقينهم كما حصل للمسلمين في غزوة حنين في بداية المعركة، فهُزم المسلمون في بداية الغزوة مع كثرتهم، بسبب عجبهم وكثرتهم، وافتخارهم بكثرتهم، وولوا مدبرين، ولكن الله جعل العاقبة لهم، لما تابوا وأنابوا، فناداهم النبي ﷺ ، فأقبلوا إليه، وقاتلوا الكفار، فهزموهم وغنموا
стр. 8508
منهم غنائم كثيرة، فكما أن الرزق من الرزاق وحده، فكذلك النصر ينزل من الناصر وحده: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٧].
• أركان نصرة الدين:
أركان نصرة الدين ثلاثة:
الأول: الدعاء كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
الثاني: الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٤].
الثالث: الجهاد في سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩].
стр. 8509
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
والدعوة إلى الله هي وظيفة الأنبياء والرسل، وهذه الأمة، وهي أم الأعمال كلها، ولها كل الوقت كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وإذا قامت الدعوة إلى الله، جاءت أوامر الله في حياة الأمة، وهذا هو مقصود الله من خلقه، وجامع أبواب الخير في شرعه، أن تعبد الأمة الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه.
فالدعوة إلى الله لها كل الأوقات، فالصلاة لها وقت محدود، والزكاة لها وقت محدود، والصيام له وقت معلوم، والحج له وقت معلوم، وهكذا سائر العبادات لها أوقات محدودة.
أما الدعوة إلى الله فلها كل الأوقات، لأنها مقصد بعثة الأنبياء والرسل، وهذه الأمة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 8510
• عدد الشهداء في سبيل الله:
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله». متفق عليه (١).
وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». متفق عليه (٢).
وَعَنْ جَابر بن عَتِيكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ فِي سَبيلِ الله ، المَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ الهَدَمِ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذاتِ الجَنْب شَهِيدٌ وَصَاحِبُ الحَرَقِ شَهِيدٌ وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بجُمْعٍ شَهِيدَةٌ». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (٣).
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيد». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٤).
• فضل الشهادة في سبيل الله:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].