← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

عن أبي بكرة ﵁ قال سمعت الرسول ﷺ يقول: «إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ" فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ هذا الْقَاتِلُ فما بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قال: إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ». متفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ». متفق عليه (٢). وعن جابر بن عبد الله قال: «كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». متفق عليه (٣). • فقه نصر المؤمنين: الله قوي عزيز، قوي الجانب، غالب قاهر، هو القوي المنيع الذي لا يضام من توكل عليه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. هو الحكيم الذي له الحكمة البالغة، ولا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه، هو العالم بخفايا الأمور، وما تؤول إليه، الذي لا يخفى عليه مثقال ذرة في ملكه العظيم. فاقتضت عزته وقهره وسلطانه ألا يضام وليه المؤمن، المتوكل عليه، وألا يهان ويقهر مادام منتسبًا إليه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].

стр. 8507

واقتضت حكمته البالغة ألا يجعل وليه كعدوه، وألا يسوي بينهما، بل ينصر وليه على عدوه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. والحكمة لا تتم إلا بالعلم بكل شيء: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ [الأنفال: ٤٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠]. والله هو المؤمن الذي يؤمِّن أولياءه المؤمنين من الخوف، والناصر النصير الذي ينصر المؤمنين على الكافرين: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. ومن سنة الله أن ينصر الكثير على القليل، وينصر الفئة القليلة، ولو كانت على باطل، على الفئة الكثيرة ولو كانت على حق، إذا أصابهم العجب، وتغير يقينهم كما حصل للمسلمين في غزوة حنين في بداية المعركة، فهُزم المسلمون في بداية الغزوة مع كثرتهم، بسبب عجبهم وكثرتهم، وافتخارهم بكثرتهم، وولوا مدبرين، ولكن الله جعل العاقبة لهم، لما تابوا وأنابوا، فناداهم النبي ﷺ ، فأقبلوا إليه، وقاتلوا الكفار، فهزموهم وغنموا

стр. 8508

منهم غنائم كثيرة، فكما أن الرزق من الرزاق وحده، فكذلك النصر ينزل من الناصر وحده: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٧]. • أركان نصرة الدين: أركان نصرة الدين ثلاثة: الأول: الدعاء كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. الثاني: الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٤]. الثالث: الجهاد في سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩].

стр. 8509

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. والدعوة إلى الله هي وظيفة الأنبياء والرسل، وهذه الأمة، وهي أم الأعمال كلها، ولها كل الوقت كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وإذا قامت الدعوة إلى الله، جاءت أوامر الله في حياة الأمة، وهذا هو مقصود الله من خلقه، وجامع أبواب الخير في شرعه، أن تعبد الأمة الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه. فالدعوة إلى الله لها كل الأوقات، فالصلاة لها وقت محدود، والزكاة لها وقت محدود، والصيام له وقت معلوم، والحج له وقت معلوم، وهكذا سائر العبادات لها أوقات محدودة. أما الدعوة إلى الله فلها كل الأوقات، لأنها مقصد بعثة الأنبياء والرسل، وهذه الأمة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 8510

• عدد الشهداء في سبيل الله: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله». متفق عليه (١). وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». متفق عليه (٢). وَعَنْ جَابر بن عَتِيكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ فِي سَبيلِ الله ، المَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ الهَدَمِ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذاتِ الجَنْب شَهِيدٌ وَصَاحِبُ الحَرَقِ شَهِيدٌ وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بجُمْعٍ شَهِيدَةٌ». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (٣). وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيد». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٤). • فضل الشهادة في سبيل الله: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].

стр. 8511

وقال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤]. وَعَنْ أنَس بن مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: «مَا أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأرْض مِنْ شَيْءٍ إِلا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ». متفق عليه (١). وَعَنْ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ الله خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أخْرَى». متفق عليه (٢). • كرامات الشهيد في سبيل الله -: عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «سَأَلْنَا عَبْد الله ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِه الآيةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].، قَالَ: أَمَا إِنّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلّقَةٌ بِالعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الجَنّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمّ تَأْوِي إلَىَ تِلْكَ القَنَادِيلِ، فَاطّلَعَ إلَيْهِمْ رَبّهُمُ اطّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئاً؟ قَالُوا: أَيّ شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا رَأَوْا أَنّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتّىَ نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرّةً أُخْرَىَ، فَلَمّا رَأَىَ أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا». أخرجه مسلم (٣).

стр. 8512

وَعَنْ أنَس بن مَالِكٍ ﵁ «أنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ، وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالتْ: يَا نَبِيَّ الله، ألا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ؟ قال: يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأعْلَى». أخرجه البخاري (١). وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله خِصَالاً: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيْمَانِ، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذاب القَبْرِ، وَيَأْمَنُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ؛ اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إنْسَاناً مِنْ أَقَارِبه». أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح (٢). وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشّهِيدِ كُلّ ذَنْبٍ، إلاّ الدّيْنَ». أخرجه مسلم (٣). وَعَنْ جَابِر بن عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي، جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ». متفق عليه (٤).

стр. 8513

٧ - الخزانة السابعة • أحكام الشهداء في سبيل الله: الشهداء في سبيل الله قسمان: الأول: من قُتِل في سبيل الله أمام العدو، فهذا لا يغسل، ويكفن في ثيابه التي استُشهد فيها، ويستحب تكفينه بثوب أو أكثر فوق ثيابه. وشهداء المعركة في سبيل الله الإمام مخير فيهم: إن شاء صلى عليهم صلاة الجنازة، وإن شاء ترك، والصلاة أفضل، والسنة دفنهم في مصارعهم، كما فعل رسول الله ﷺ في شهداء بدر وأحد. الثاني: كل ما سوى الشهيد في المعركة في سبيل الله كالغريق، ومن مات دفاعًا عن ماله ونحوهم من الشهداء في ثواب الآخرة، فهؤلاء الشهيد منهم يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين كغيره من الأموات. والشهيد هو المقتول في سبيل الله، ويسمى شهيدًا، ولكنه في الحقيقة حيٌ لا ميت، لأنه أشهد الله وعباده على صدق إيمانه، وأشهد الأعداء أن هذا الدين حق، وأنه عرَّض نفسه للهلاك، ليبقى الدين حيًا في الأمة. وقد نهى الله المؤمنين أن يقولوا للشهيد أنه ميت؛ لئلا يظن الإنسان أن الشهيد يموت، فينفر من الجهاد خوفًا من الموت، ولئلا ينكل الناس عن الجهاد، لفرار الناس من الموت طبيعة. وقد نهى الله عن تسمية الشهيد ميتًا، أو اعتقاده ميتًا، لئلا يكون ذلك منفرًا عن الجهاد في سبيل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].

стр. 8514

وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة: ١٥٤]. والشهيد الذي قتل في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، وقتاله لتكون كلمة الله هي العليا، فهذا الشهيد ثبت أنه يشفع في اثنين وسبعين من أهل بيته. أما بقية الشهداء كالمبطون، والغريق، والمطعون، والحريق، ومن مات بالهدم، وصاحب ذات الجنب، والمرأة تموت بالطلق، ومن مات دون ماله، ودون دينه، ونحو ذلك، فهؤلاء إن كان أحدهم مذنبًا، فيرجى أن الشهادة يُغفر له بها ذنبه، أما حقوق الآدميين فلابد من استيفائها: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. • فضل الجرح في سبيل الله: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يُكْلَمُ أحَدٌ فِي سَبِيلِ الله، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْك». متفق عليه (١). والشهيد في سبيل الله هو الذي يتقرب إلى الله بفعل ما أمر الله، لا بفعل ما نهى الله عنه، ويقتل في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، راجيًا بذلك أن تكون كلمة الله هي العليا. ومن الناس من يحزم على نفسه قنابل أو متفجرات، ثم يذهب إلى فئة من العدو فيطلقها، فيكون هو أول من يموت، فهذا يعتبر قاتلًا لنفسه،

стр. 8515

ويُعذب بما قتل به نفسه في جهنم، وليس بشهيد، لأنه فعل فعلًا محرمًا، وهو قتل نفسه قبل غيره، لكن إن كان جاهلًا فقد لا يعذب، ولا أجر له، وليس بشهيد، لأنه فعل ما نهى الله ورسوله عنه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وما فعله الصحابة ﵃ من المغامرة، ودخول صف العدو، فليس بقتل للنفس، وإنما هو مخاطرة فيها احتمال النجاة، كما فعل البراء بن مالك في اقتحام حصن مسيلمة الكذاب، ثم فتحه، ونجا بنفسه. ومن قتل نفسه بالحزام الناسف ومثله، فإنه يدخل النار، ويعذب بمثل ما قتل به نفسه، ولكنه ليس بكافر، فيغسل ويكفن ويصلى عليه لأنه معذور بجهله، لأن النبي ﷺ أمر الصحابة ﵃ أن يصلوا على من قتل نفسه بمشاقص، ولعله فعل بهذا التفجير والأحزمة الناسفة يريد الحق، وفعله متأولًا، فنسأل الله أن يرحمه. • حكم من هاجم العدو وحده: من ألقى نفسه في أرض العدو، أو اقتحم في جيوش الكفار المعتدين، بقصد التنكيل بالأعداء، وزَرْع الرعب في قلوبهم، ثم قاتلهم وقتل، فقد نال أجر الشهداء في سبيل الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤]. • حكم المقتول في سبيل الله:

стр. 8516

من قتل في سبيل الله فهو شهيد، والله أعلم بمن يقتل في سبيل الله. ولا يطلق اسم شهيد على أحد بعينه، لكن يقال نسأل الله أن يجعله شهيدًا، لأن الشهادة أمر غيبي لا يعلمه إلا الله . وسُمي الشهيد شهيدًا، لأنه أشهد الله والناس على صدق إيمانه، وأثبت باستشهاده أن هذا الدين حق، ومحيى حياته، ليحيا الدين، فأكرمه الله بالحياة الأبدية. والشهيد في الحقيقة حي لا ميت، وقد نهى الله المؤمنين أن يقولوا للشهيد أنه ميت؛ لئلا يظن الإنسان أن الشهيد يموت، فينفر من الجهاد خوفًا من الموت: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. • حكم نقل الدم من إنسان لآخر: يشرع للمسلم بذل الدم لأخيه المسلم المحتاج إليه بدون عوض، وفي ذلك أجر وثواب، لما فيه من نفع المحتاج إليه، والإحسان إليه، والله يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقد يكون في نقل الدم إنقاذ لحياة مسلم من موت محقق كما يحصل في الحروب من نزيف الدماء بسبب الجراح، وعند ولادة النساء ونحو ذلك. وقد يكون في خروجه من جسمه عافية حميدة له. فبيع الدم وأخذ ثمنه حرام، فإن أُعطي المتبرع هدية مجازاة على معروفه وإحسانه، فلا بأس بأخذها.

стр. 8517

كما قال النبي ﷺ : «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ». أخرجه أبو داوود (١). • حكم نقل الأعضاء: زراعة الأعضاء ونقلها لها أربع حالات، وهي: الأولى: نقلها من الإنسان نفسه إلى بدنه، كنقل عظم أو جلد من مكان إلى آخر، فهذا جائز. الثانية: نقل الأعضاء من آدمي لآدمي آخر، سواء كان المنقول منه مسلمًا أو كافرًا، حيًا أو ميتًا، فله حالتان: الأولى: إن كان النقل يؤدي إلى ضرر بالغ بتفويت أصل الانتفاع أو جله، كقطع يد أو رجل أو كلية، فهذا محرم، لأنه تهديد لحياة متيقنة بعملية ظنية موهومة. وإن كان النقل يؤدي إلى الموت، كنزع القلب أو الرئة، فهذا قتل للنفس وهو من أشد المحرمات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]. الثانية: نقل عضو أو جزء من إنسان ميت إلى حي، فإن كانت مصلحة الحي ضرورية تتوقف حياته عليها، كنقل القلب أو الرئة أو الكلية، فهذا يجوز عند الضرورة، إذا كان الميت قبل وفاته قد أذن بذلك، ورضي المنقول إليه، وتعذر التداوي إلا به، وقام بذلك طبيب ماهر.

стр. 8518

الثالثة: نقل من حيوان طاهر إلى آدمي، فهذا جائز. الرابعة: نقل من حيوان نجس ككلب أو خنزير، فهذا لا يجوز. وفي الجهاد في سبيل الله بين المسلمين والكفار تكثر الجراحات، ويكثر الأموات، ويكثر الجرحى، والمؤمن مطلوب منه أن ينفع أخيه المؤمن. والنبي ﷺ يقول: «إن الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». متفق عليه (١). وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] • أحكام الغنائم والأنفال: الغنيمة: هي المال المأخوذ من الكفار عن طريق الحرب والقتال. • أنواع الغنائم: الغنائم التي يأخذها المسلمون من الكفار ثلاثة أنواع: الأول: الأموال المنقولة كالنقود والطعام والحيوان. الثاني: الأسرى والسبايا كالنساء والأطفال. الثالث: الأرض، وتسمى الأنفال، لأنها زيادة في أموال المسلمين. • حكم الغنائم: أحل الله الغنائم لهذه الأمة، ولم يحلها للأمم السابقة، لأن الله علم ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩].

стр. 8519

وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيتُ خمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ قبلي: كان كلُّ نبيٍّ يُبعَثُ إلى قومه خاصَّة، وبُعثتُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ، وأُحلَّت لي الغنائِمُ، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلي، وجُعِلَت لي الأرضُ مسجداً وطهورًا، فأيُّما رجلٍ أدركتْه الصَّلاةُ، صلَّى حيث كان، ونُصِرتُ بالرُّعب مسيرةِ شهرٍ، وأُعطيتُ الشَّفاعةَ». متفق عليه (١). • من يُعطى من الغنيمة: الغنيمة لمن شهد الواقعة سواء قاتل أو لم يقاتل، ولا يسهم من الغنيمة إلا لمن توفرت فيه خمسة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، فإذا اختل شرط رُضخ له ولم يقسم له، لأنه ليس من أهل الجهاد. سأل نجدة بن عباس هل كان رسولُ اللهِ ﷺ يغزو بالنساءِ؟ وهل كان يضرب لهنَّ بسهمٍ؟ فكتب إليه العباسُ: كتبتَ تسألُني هل كان رسولُ اللهِ ﷺ يغزو بالنساءِ؟ وقد كان يغزو بهن فيداوينَ الجَرْحى ويُحذَين من الغنيمةِ. وأما بسهمٍ، فلم يَضرِبْ لهنَّ». أخرجه مسلم (٢). • كيفية قسمة الغنائم: الغنيمة لمن شهد الوقعة من أهل القتال، وكيفية قسمة الغنائم كما يلي: أولًا: يُخرج الإمام خمس الغنيمة ويقسمه على خمسة: سهم لله ولرسوله يُصرف في مصالح المسلمين العامة، وسهم لذوي القربة، وهم بنو هاشم

стр. 8520

وبنو المطلب، الذين آزروا النبي ﷺ وناصروه، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. ثانيًا: الباقي من الغنيمة، وهو أربعة أخماس، يقسم بين الغانمين، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]. وعن عبد الله بن عمر ﵄: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قسم في النَّفلِ: للفرسِ سهمَينِ وللرجلِ سهمًا». متفق عليه (١). • حكم تنفيل بعض المجاهدين: النفل ما يُعطاه المجاهد زيادة على سهمه تشجيعًا له، كأن يقول الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه، أو من أصاب شيئًا فله ربعه، أو يقول للسرية ما أصبتم فهو لكم، وذلك كله جائز، لما فيه من التحريض على القتال وتشجيع النفوس على الإقدام.: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنفال: ٦٥]. • أنواع التنفيل: يكون التنفيل للمجاهدين بحسب المصلحة كما يلي:

стр. 8521

أولًا: ما يعطيه الإمام لبعض الجيش كالربع بعد إخراج خمس الغنيمة في بداية الغزو، وفي الرجوع من الغزو الثلث بعد الخمس، لأن هؤلاء رجع عنهم الجيش، بخلاف البداية، لأن الجيش يعاونهم. عن حبيب بن مسلمة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إِذَا قَفَلَ». أخرجه أبو داود وابن ماجة بسند صحيح (١). ثانيًا: ما يعطيه الإمام لمن هو أشد نكاية في العدو، أو حصل له بلاء في القتال، من زيادة على سهمه بعد إخراج الخمس. عن بن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا». متفق عليه (٢). ثالثًا: الجعل كان يقول الإمام من قتل فلانًا فله سلبه ونحو ذلك. عن سلمة ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ عَيْنٌ منَ المُشركينَ وهو في سفرٍ، فجلسَ عِنْدَ أصحابهِ يَتَحَدَّثُ ثم انْفَتَلَ، فقال النبيُّ ﷺ : «اطْلُبوهُ واقْتُلوهُ». فقَتَلهُ فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ». أخرجه البخاري (٣). • حكم السلب: السلب هو ما وُجد على المقتول من لباسه، وسلاحه، وعدة حرب، ويستحق القاتل سلب المقتول الكافر بدون تخميس، إذا قتله وحده بمبارزة أو طلب ونحوهما.

стр. 8522

عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنَ الْعَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟». قَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «ادْفَعْهُ إِلَيْهِ».، فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ، فَجَرَّه بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتُغْضِبَ، فَقَالَ: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلًا، أَوْ غَنَمًا، فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدْرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ». أخرجه مسلم (١). وعن عوف بن مالك الأشجعي وخادم الوليد ﵄: «أن النبي ﷺ قضى بالسلبِ للقاتلِ ولم يخمس». أخرجه أبو داود بسند صحيح (٢). • حكم الانتفاع بالطعام قبل قسمة الغنائم: يجوز للمجاهدين في سبيل الله أن يأكلوا من الطعام، ويعلفوا دوابهم قبل الخمس والقسمة، ما داموا في أرض العدو. عن عبد الله بن المغفل ﵁ قال: «أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ، يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، قَالَ: «فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَبَسِّمًا». أخرجه مسلم (٣). وعن إبن عمر ﵄ قال: «كُنَّا نُصيبُ في مغازينا العسلَ والعنبَ، فنأكلُهُ ولا نرفعُهُ». أخرجه البخاري (٤).

стр. 8523

• حكم الغلول من الغنائم: الغلول هو السرقة من الغنائم، والغلول محرم، وهو من كبائر الإثم قل أو كثر، لأنه أكل لأموال الناس بالباطل، وإشغال للمقاتلين بالانتهاب عن القتال، وذلك يُفضي إلى اختلاف الكلمة ثم الهزيمة، ومن غل من الغنيمة فللإمام أن يؤدبه بما يرى فيه المصلحة له ولغيره، من ضرب أو تحريق ما غل ونحو ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾ [آل عمران: ١٦١ - ١٦٢]. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ فِي النَّارِ».، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: كَرْكَرَةُ يَعْنِي بِفَتْحِ الكَافِ: وَهُوَ مَضْبُوطٌ كَذَا». أخرجه البخاري (١). • مكان قسمة الغنائم: يقسم الإمام الغنائم حسب المصلحة، فله أن يقسمها بين المسلمين المقاتلين في دار الحرب بعد انهزام العدو، كما قسم النبي ﷺ غنائم بني المصطلق في بلادهم، وكما قسم غنائم خيبر فيها. وله أن يقسم الغنائم في طريقه إلى بلده كما قسم النبي ﷺ غنائم حنين في الجعرانة، وهي قرب مكة، وكما قسم ﷺ الغنائم بذي الحليفة قرب المدينة.

стр. 8524

• حكم مال المسلم إذا وجده عند العدو: إذا استرد المسلمون أموالًا لهم بأيدي الأعداء، فأربابها أحق بها، وليس للمقاتلين منها شيء، لأنها ليست من المغانم، وإذا أسلم الحربي وبيده مال مسلم رده إلى صاحبه، لأن صاحبه أحق به. وإذا أسلم الحربي، وهاجر إلى دار الإسلام، واستولى المسلمون على زوجته وذريته وأمواله، فليس للمسلمين قسمة ذلك مع الغنائم، لأن للمسلم حرمة نفسه وماله وأهله. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمن قال: لا إلهَ إلا اللهُ، عصَم منِّي نفسَه ومالَه إلَّا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ». متفق عليه (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ دمائكم وأموالَكُم وأحسبُهُ قالَ: وأعراضَكُم علَيكم حرامٌ كحُرمةِ يومِكُم هذا في شَهْرِكُم هذا في بلَدِكُم هذا». متفق عليه (٢). • حكم استيلاء الكفار على أموال المسلمين: يملك الكفار أموال المسلمين إذا استولوا عليها بطريق القتال والقهر والغلبة، لأنه زال ملك المسلم عنها باستيلاء العدو عليها، ولا يثبت تملكهم لها إلا بإحرازها في دار الحرب، فإذا تمكن المسلمون من هزيمتهم، وأخذوا ما في أيديهم، فإنه يرد إلى صاحبه، لأن صاحبه أحق به. • حكم وطء المسبيات:

стр. 8525

النساء المسبيات ينفسخ نكاحهن بمجرد السبي، ولا يجوز وطؤهن إلا بعد قسمتهن، ثم تستبرأ الحامل بوضع الحمل، وغير ذات الحمل بحيضة واحدة، وذلك لتُعلم براءة رحمها. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال في سبايا «لا تُوطَأُ حاملٌ حتى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حملٍ حتى تَحِيضَ حَيْضَةً». أخرجه أبو داود وأحمد (١). • حكم الأرض المغنومة: إذا كانت الغنيمة أرضًا فتحها المسلمون عنوة، فيُخير الإمام فيها بين أمرين: الأول: قسمها بين الغانمين. عن سعد بن أبي حثمة ﵁ قال: «قسم رسول الله ﷺ خيبر قسمين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا». أخرجه أبو داود بسند صحيح (٢). الثاني: أن يقفها على المسلمين، فيقرها بحالها، ويضرب عليها خرجًا مستمرًا يدوم نفع المسلمين به، يُؤخذ ممن هي بيده، يكون أجرة لها كل عام، كما فعل عمر ﵁ بما فتحه من أرض الشام ومصر العراق. عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا». أخرجه البخاري (٣). • حكم الفيء:

стр. 8526

الفيء هو ما أخذ من الكفار بلا قتال، كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركوه فزعًا ونحو ذلك مما لم يتعب المسلمون في تحصيله. ومصرف الفيء مصرف خُمس الغنيمة، فيصرف في مصالح المسلمين العامة، حسب المصلحة والحاجة، لأن نفعه عام للمسلمين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٦ - ٧]. • أحكام الأسرى والسبي: الأسرى هم الرجال المقاتلون من الكفار، إذا ظفر المسلمون بأسرهم أحياء، والسبي هم نساء وصبيان الكفار إذا ظفر بهم المسلمون أحياء. • أقسام الأسرى: أسرى الحرب من الكفار من جملة الغنائم، وهم على قسمين: القسم الأول: النساء والصبيان، وهؤلاء يُسترقون بمجرد السبي، ويقسمون مع الغنائم كما يقسم المال. القسم الثاني: الرجال المقاتلون، وهؤلاء يخير فيهم الإمام بين أربعة أمور: المن عليهم، أو الفداء بمال أو بأسرى، أو بقتلهم، أو استرقاقهم. يفصل الإمام بما هو الأصلح والأنفع للإسلام والمسلمين، وتقدير المصلحة يتم حسبما يُرى في الأسير من قوة بأس، وشدة نكاية، أو أنه مرجو إسلامه، أو مأمون الخيانة، أو مطاع في قومه، أو أن المسلمين في

стр. 8527

حاجة إلى المال أو المهنة ونحو ذلك: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ [الأنفال: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾ [محمد: ٤]. • هدي النبي ﷺ في الأسرى: فعل النبي ﷺ بالأسرى حسب المصلحة كما يلي: أولاً: قتل النبي ﷺ رجال بني قريظة، وقتل بعض أسرى بدر، النظر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيب، وقتل في أحد أبا عزة الجمحي، وذلك لشدة أذاهم وخطرهم على الإسلام وأهله. ثانيًا: استرق النبي ﷺ بني المصطلق، واسترق هوازن، واسترق بعض أسرى بدر وخيبر وقريظة وحنين، وكل ذلك تمت به مصالح عظيمة. ثالثًا: فدى النبي ﷺ رجلين من أصحابه برجلين من المشركين من بني عقيل، وفدى مسلمين بمكة بامرأة من فزارة، وفدى بعض أسرى بدر بمال. رابعاً: منَّ ﷺ على أهل مكة عام الفتح، ومنَّ على ثمامة بن آثال الحنفي سيد أهل اليمامة فأسلم، ومنَّ على بعض أسرى بدر، وهو أبو العاص بن الربيع، والمطلب بن حنطب.

стр. 8528

عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ». أخرجه البخاري (١). • صفة معاملة الأسرى والأرقاء: الإسلام دين العدل والرحمة والإحسان مع المسلم والكافر، فيجب الإحسان للأسير، وإكرامه، والعناية به، وإطعامه، وعدم إهانته، أو إذلاله، أو الإساءة إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]. وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فُكُّوا العَانِيَ، يعني الأسير وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ، وَعُودُوا المَرِيضَ». أخرجه البخاري (٢). وعن المعرور بن سويد ﵁ قال: «لقيت أبا ذرٍّ بالرَّبذة وعليه حلَّة، وعلى غلامه حلَّة، فسألته عن ذلك فقال: إنِّي سببت رجلًا فعيَّرته بأمِّه، فقال لي النَّبي ﷺ : يا أبا ذر أعيَّرته بأمِّه؟ إنَّك امرؤ فيك جاهليَّة، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممَّا يأكل، وليلبسه ممَّا يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلَّفتموهم فأعينوهم». متفق عليه (٣). • حكم الرق: جاء الإسلام وأبواب الرق مفتوحة فأغلقها إلا باب الأسر في الحرب، وفتح الإسلام أبواب العتق للتخلص من الرق في كفارة الظهار، واليمين، والفطر

стр. 8529

في رمضان بالجماع وغيرها من الكفارات: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البلد: ١١ - ١٣]. وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: «كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ».، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ».، أَوْ «لَمَسَّتْكَ النَّارُ». أخرجه مسلم (١). • ما يُفعل بجيف الكفار: عن عبد الله ﵁ قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: " اللهُمَّ، عَلَيْكَ بالْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ

стр. 8530

رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ - أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ شُعْبَةُ الشَّاكُّ - "، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ - أَوْ أُبَيًّا - تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ». متفق عليه (١). ومن كرامة الله للمؤمن أنه يُغسل إذا مات، ويُصلى عليه، ويُدفن كما ورد في السنة، أما الكافر، فلئلا ينتن، وتؤذي رائحته الناس يوارى بالتراب. • انتهاء الحرب بالإسلام أو المعاهدات: ينتهي القتال بين المسلمين والكفار بطرق متعددة: منها: الدخول في الإسلام، أو عقد الأمان، أو عقد الهدنة، أو عقد الذمة. أولًا: انتهاء القتال بالإسلام، إذا دخل الكفار في الإسلام عصمت دماؤهم وأموالهم، وصار لهم حكم المسلمين في كل شيء. وإعلان الإسلام يكون بنطق الشهادتين بأن يقول الكافر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمن قال: لا إلهَ إلا اللهُ، فقدْ عصَم منِّي نفسَه ومالَه إلَّا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ». متفق عليه (٢). الثاني: انتهاء القتال بالأمان. والأمان عقد يفيد ترك القتال بين الحربيين، وفائدته ثبوت الأمن والطمأنينة للمستأمنين، فيحرم قتال رجالهم، وسبي نسائهم، ويحصل من كل مسلم بالغ عاقل مختار، وفي الحرب لا يعقده إلا الإمام أو نائبه.

стр. 8531

قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال في خطبته وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة: «المسلمونَ تتكافأُ دماؤهم، ويسعى بذمَّتِهم أدناهم». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (١). ثالثًا: انتهاء الحرب بالهدنة: والهدنة هي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو بدون عوض، وتسمى الصلح أو الموادعة ويعقدها إما الإمام أو نائبه، يعقدها مع الكفار حسب المصلحة أو الحاجة، والأمان والهدنة عقود أمان يترتب عليها انتهاء الحرب، وحصول الأمن والطمأنينة بين الطرفين، وقد رغب فيها الإسلام لما فيها من المصالح. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١]. رابعاً: انتهاء القتال بعقد الذمة. وعقد الذمة التزام إقرار الكفار في ديار المسلمين، وحمايتهم، والدفاع عنهم، مقابل الجزية التي تؤخذ منهم، ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه، ويحرم قتال أهل الذمة وقتلهم، ما داموا ملتزمين بالعهد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].

стр. 8532

وعن فُريضة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سَريَّةٍ، أوصاه في خاصَّتِه بتقوَى اللهِ، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغْزُوا باسمِ اللهِ في سبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتُلوا وليدًا، وإذا لقِيتَ عدوَّك مِنْ المشركين فادعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ- أو خِلالٍ-، فأيَّتهنَّ ما أجابوك، فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم». أخرجه مسلم (١).

стр. 8533

٨ - الخزانة الثامنة • حكم الهجرة من بلاد الكفر: المسلم المقيم في بلاد الكفر له ثلاث حالات: الأولى: من لا يمكنه إظهار دينه، ولا أداء واجباته، وهو قادر على الهجرة، فهذا تجب عليه الهجرة إلى بلاد المسلمين. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. الثانية: من يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، وهو قادر على الهجرة، فهذا تستحب له الهجرة لتكثير سواد المسلمين، والأمن من غدر الكفار، والسلامة من رؤية المنكرات. الثالثة: عاجز معذور بأسر أو مرض أو غيره، فهذا تجوز له الإقامة، ومتى تيسرت له الهجرة هاجر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤]. • الأنفس المعصومة: الأنفس التي حرم الله قتلها أربع، وهي نفس المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، فالمسلم هو الذى أقر بلا إله إلا الله، وعمل بموجبها. والذمي هو الكافر الذي يقيم بيننا، ويدفع الجزية، مقابل حمايته. والمعاهد، المعاهدون هم الكفار الذين بيننا وبينهم عهد، سواء كانوا في بلادنا أو بلادهم، فأنفسهم معصومة.

стр. 8534

والمستأمن الكافر الذي يدخل بلادنا بأمان لتجارة أو للتعرف على الإسلام، فهذا نفسه معصومة. أما الكافر الحربي الذي بيننا وبينه حرب، فهذا يحل قتله، لأنه محارب لنا. والنفوس المحترمة قد يكون من الحق أن تقتل وهى محترمة، إذا ارتكبت جرمًا يوجب القتل كالثيب الزاني، وقتل النفس بغير حق، والتارك لدينه ونحوهم. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ». متفق عليه (١). • أقسام الكفار: الكفار ينقسمون إلى قسمين؛ أهل حرب، وأهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف؛ أهل ذمة، وأهل أمان، وأهل هدنة. الأول: أهل الذمة هم الكفار المقيمون في دار الإسلام، ويقرون في دار الإسلام، إذا دفعوا الجزية، والتزموا أحكام الإسلام. الثاني: أهل الأمان، وهم الكفار الذين يقدمون إلى بلاد المسلمين من غير استيطان لها بقصد التجارة أو الزيارة ونحو ذلك، فهؤلاء وأمثالهم يعرض عليهم الإسلام فإن أجابوا وإلا وجب ردهم إلى مأمنهم. الثالث: أهل الهدنة، وهم الكفار الذين في دارهم، وقد عاهدوا المسلمين وصالحوهم على ترك القتال مدة معلومة.

стр. 8535

وهذه أقسام الناس من غير المسلمين وأحكامهم: الأول: أهل الذمة عقد الذمة هو إقرار الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الإسلام. • حكم عقد الذمة: عقد الذمة لا يعقده إلا الإمام أو نائبه، ويجوز عقد الذمة لليهود والنصارى والمجوس وكل كافر أو مشرك: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. وعن المغيرة بن الشعبة ﵁ أنه قال لعامل كسرى: «فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا ﷺ «أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ». أخرجه البخاري (١). • شروط عقد الذمة: يشترط لصحة عقد الذمة ما يلي: أولًا: أن يكون المعقود لهم من الكفار. ثانيًا: يكون العقد من الإمام الأعظم أو نائبه. ثالثًا: أن يدفع الكفار الجزية. رابعًا: أن يلتزموا أحكام الإسلام.

стр. 8536

فإذا توفرت هذه الشروط أعطاهم الإمام عهدًا مستمرًا للبقاء في دار الإسلام أو البقاء في ديارهم كما عاهد النبي ﷺ نصارى نجران في بلادهم. • كيفية التزام أهل الذمة بأحكام الإسلام: يتضمن هذا الالتزام خمسة أمور هي: أولا: الخضوع لولاية القضاء الإسلامي، والتحاكم إليه في أمورهم. ثانيا: التميز عن المسلمين بما يدل عليهم، لئلا يغتر بهم الناس، وللإمام الإلزام به أو تركه، حسب المصلحة. ثالثاً: اجتناب ما فيه غضاضة على المسلمين في دينهم، كالتعرض لأحكام الإسلام والقرآن بالنقد والسخرية أو الاستهزاء ونحو ذلك. رابعاً: اجتناب ما فيه ضرر على المسلمين، كالاجتماع على قتال المسلمين، أو التجسس عليهم، أو الزنا أو شرب الخمور ونحو ذلك. خامسا: عدم إظهار المنكرات كأحداث البيع والكنائس، وإظهار الخمر والخنزير، والضرب بالناقوس، وتعلية البنيان على المسلم، والتعري وعدم الحشمة ونحو ذلك. • حكم أخذ الجزية من الكفار: الجزية: هي المال المأخوذ من الكفار، مقابل الكف عن قتالهم، وإسكانهم دار الإسلام، فالذمي يتمتع بحماية الدولة الإسلامية له، ويعفى من الخدمة العسكرية، وينعم بأمن البلاد وخيراتها، مقابل استقراره في دار الإسلام، وحقن دمه والكف عن قتاله. وسر أخذ الجزية من الكفار، وإقامتهم مع المسلمين، تهيئة الجو الإسلامي لهم، لعلهم يسلمون باختيارهم، ولهذا أوجب الإسلام حسن معاملتهم، والإحسان إليهم، وعدم الإساءة إليهم: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي

стр. 8537

الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من قتل مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجدُ من مَسيرةِ أربعينَ عامًا». أخرجه البخاري (١). • مقدار الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة: مقدار الجزية يفرضه الإمام أو نائبه حسب العسر واليسر، وحسب اختلاف الزمان والمكان والبلاد، وتؤخذ من الذهب أو الفضة، أو الأشياء المباحة كالثياب والطعام والحيوان وغيرها مما ينتفع به الإنسان في حياته مما أحله الله، وما بذلوه وجب قبوله، وتؤخذ من الذمي في نهاية العام. • من تجب عليه الجزية: تجب الجزية على كل من يجب قتله، مقابل الكف عنه، وهو كل كافر بالغ عاقل ذكر حر صحيح قادر، وتسقط الجزية عن الكافر بإسلامه. • من لا تؤخذ منه الجزية: لا تؤخذ الجزية من الصبي والمجنون، والمرأة والرقيق، والمريض والفقير، والأعمى والهرم والراهب ونحوهم مما لا قدرة لهم على العمل. • أحكام أهل الذمة: أولاً: إذا أدى أهل الذمة الجزية، وجب قبولها منهم، وحرم قتالهم أو إهانتهم، أو الإساءة إليهم. ثانيًا: تظهر لهم عند استلام الجزية القوة والعزة ونستلمها من أيديهم وهم صاغرون.

стр. 8538

ثالثًا: نحترمهم كلٌ بحسبه تأليفًا لقلوبهم على الإسلام. رابعًا: تجوز عيادتهم وتعزيتهم والإحسان إليهم، تأليفًا لقلوبهم، وطمعًا في إسلامهم. خامسًا: لا يجوز تصدير أهل الذمة في المجالس، ولا القيام لهم، ولا بدأهم بالسلام، فإن سلموا علينا وجب الرد عيهم بقولنا وعليكم. سادسًا: لا تجوز تهنئة أهل الذمة بأعيادهم ولا حضور حفلاتهم. سابعًا: إجراء أحكام الإسلام عليهم في المعاملات والعقوبات الجنائية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «لا تبدَؤوا اليهودَ ولا النصارى بالسلامِ. فإذا لقِيتُم أحدَهم في طريقٍ فاضطَرُّوه إلى أضيَقِهِ». أخرجه مسلم (١). وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا سَلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقُولُوا وعليكم». متفق عليه (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄: «أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى النَّبيِّ ﷺ بِرَجُلٍ منْهُمْ وامْرَأةٍ قد زَنَيا، فَأَمَرَ بهِما فَرُجِما، قريبًا من موضعِ الجنائزِ عندَ المْسجِدِ». متفق عليه (٣).

стр. 8539

وعن أنس ﵁ قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخْدُمُ النبيَّ ﷺ ، فمَرِض، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودُه، فقعد عند رأْسِه، فقال له: أَسْلِمْ، فنظَرَ إلى أبيه وهو عِندَه، فقال له: أطِعْ أبا القاسِمِ ﷺ ، فأسْلَمَ، فخرج النبيُّ ﷺ وهو يقول: الحَمْدُ للهِ الذي أنقَذَه مِنَ النَّارِ». أخرجه البخاري (١). • فضل من أسلم من أهل الكتاب وغيرهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثةٌ لهم أجرانِ: رجلٌ من أهلِ الكتابِ، آمن بنبيهِ وآمن بمحمدٍ ﷺ ، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ اللهِ وحقَّ مواليهِ، ورجلٌ كانت عِندَهُ أمةٌ يطؤها، فأدَّبها فأحسنَ أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فلهُ أجرانِ». متفق عليه (٢). • حكم بقاء الكفار في جزيرة العرب: لا يجوز إقرار اليهود والنصارى وسائر الكفار في جزيرة العرب للسكنى، لئلا يجتمع في جزيرة العرب دينان، أما استخدامهم للعمل فيجوز عند الضرورة والحاجة، بشرط أن نأمن شرهم، وإذا زالت الحاجة أُخرجوا منها. عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأُخرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارى مِنْ جزيرةِ العربِ حتى لا أدع إلا مسلمًا». أخرجه مسلم (٣). • حكم دخول الكافر المسجد: لا يجوز لكافر دخول المسجد الحرام بمكة، وهو الحرم كله.

стр. 8540

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨]. ثانيًا: لا يجوز للكفار دخول بقية المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة أو مصلحة تُرجى كإسلامه. عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسولُ اللهِ ﷺ خيلًا قبل نجدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حنيفةَ يقال له ثمامةُ بن أثالٍ، سيدُ أهلِ اليمامةِ، فربطوه بسارية من سواري المسجدِ، فخرج إليه رسولُ اللهِ ﷺ ، قال: ما عندك يا ثمامةُ. قال: عندي يا محمدٌ خيرٌ، فذكر الحديث. قال: أطلِقوا ثُمامة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». متفق عليه (١). • حكم بناء الكنائس والبيع: المساجد بيوت الإيمان والتوحيد والتقوى، والكنائس والبيع بيوت الشرك، والمساجد بيوت عبادة الله للمسلمين، والكنائس والبيع معابد اليهود والنصارى، يعبدون فيها غير الله، والأرض لله ، وقد أمر ببناء المساجد، وإقامة العبادة فيها لله وحده لا شريك له، ونهى سبحانه عن كل ما يُعبد فيه غير الله، لما فيه من إقرار الباطل، وتهيئة الفرصة للقيام به، وغش الناس بوضعه بينهم: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 8541

• الأشياء التي ينتقض بها عهد الذمي: ينتقض عهد الذمي بواحد مما يلي: أولاً: الامتناع من بذل الجزية. ثانيًا: عدم التزام أحكام الإسلام. ثالثًا: أن يقاتل المسلمين سواء كان منفردًا أو مع أهل الحرب. رابعًا: أن يلتحق الذمي بدار الحرب مقيمًا بها. خامسًا: أن يتجسس على المسلمين، وينقل أخبارهم إلى الأعداء. سادسًا: الزنا بالمرأة المسلمة. سابعًا: أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بسوء. وإذا انتقض عهد الذمي حلَّ دمه وماله، وصار حربيًا يخير فيه الإمام بين الأمور الآتية: القتل، أو الاسترقاق، أو المنَّ بلا فدية، أو الفداء، يفعل الإمام ما فيه المصلحة حسب حجم الجريمة. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ بني قُرَيظةَ نزَلوا على حُكْمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى سعدٍ فجاء على حمارٍ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «قوموا إلى خيرِكم أو إلى سيِّدِكم، قال: إنَّ هؤلاءِ قد نزَلوا على حُكْمِكَ، قال: فإنِّي أحكُمُ فيهم أنْ تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، وتُسبَى ذرِّيَّتُهم فقال رسولُ اللهِ ﷺ : لقد حكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ، وقال مرَّةً: لقد حكَمْتَ بحُكْمِ المَلِكِ». متفق عليه (١).

стр. 8542

الثاني: أهل العهد • أهل العهد ثلاثة أصناف: أهل الذمة، وأهل الهدنة، وأهل الأمان. عقد الهدنة هو عقد الإمام أو نائبه على ترك قتال العدو مدة معلومة. • حكم عقد الهدنة: عقد الهدنة يجوز بعوض أو بدون عوض، يعقده الإمام أو نائبه عند الحاجة، حيث جاز تأخير الجهاد لعذر كضعف المسلمين، وعقد الهدنة عقد لازم بين الطرفين، ويُسن هذا العقد عند المصلحة أو الحاجة، ولا يعقده إلا الإمام أو نائبه، وتجوز الهدنة عند تكالب الأعداء ونحو ذلك من الأعذار. • الأحوال التي يجب فيها عقد الهدنة: يجب عقد الهدنة في حالتين: الأولى: إذا طلب العدو عقد الهدنة أجبناه، حقنًا للدماء، ورغبة في السلم، كما هادن النبي ﷺ مشركي قريش، ووأدعهم في صلح الحديبية على ترك القتال عشر سنين: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال: ٦١ - ٦٢]. الثانية: البدء بالقتال في الأشهر الحرم، ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم ورجب، فنعاهد العدو على ترك القتال في هذه الأشهر، فإن بدأ العدو بالقتال قاتلناه دفاعًا عن أنفسنا وديارنا، وكذا لو دخلت الأشهر الحرام والحرب قائمة ولم يستجب العدو للموادعة نقاتله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

стр. 8543

مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]. والعرب قبل الإسلام كان يقاتل بعضهم بعضا في أي وقت، ولهذا جعل الله الأشهر الحرم من بين الأشهر، تطمينًا للنفوس، وإغلاقًا لباب سفك الدماء مدة معلومة في تلك الأشهر المعلومة. • ما يترتب علي عقد الهدنة: يترتب على عقد الهدنة ما يلي: إنهاء الحرب بين الطرفين المتحاربين، أمن الناس على أنفسهم، وأموالهم، وأهلهم، وكف الأذى عنهم. • شروط صحة الهدنة: يشترط لصحة الهدنة ما يلي: أولاً: أن يعقدها مع الأعداء الإمام أو نائبه. ثانيًا: أن تعقد لمصلحة إسلامية كرجاء الإسلام للعدو. ثالثًا: أن تكون مؤقتة لمدة معينة. وتنتقض الهدنة إذا نقضها العدو بقتال أو بمناصرة عدو آخر، وبما ينتقض به عقد الذمة كما سبق: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ [التوبة: ١٢].

стр. 8544

• ما يفعله الإمام إذا علم بغدر المعاهدين: إذا علم إمام المسلمين خيانة أو غدراً ممن عاهدهم، فلا يحل له محاربتهم إلا بعد إعلامهم بنبذ العهد حتى لا يؤخذوا على غرة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨]. • حكم الوفاء بالعهد: يجب الوفاء بالعهد مع العدو، ولا يجوز نقضه إلا إذا نقض العدو العهد أو لم يستقيم لنا، أو خفنا منه خيانة، فهنا انتقض العهد، ولا يلزمنا البقاء عليه، ولنا إذا خفنا منهم خيانة أن نقاتلهم بعد إعلامهم بنبذ العهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ٣ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ [التوبة: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨].

стр. 8545

الثالث: أهل الأمان • أهل العهد ثلاثة أصناف: أهل الذمة، وأهل الهدنة، وأهل الأمان. الأمان هو تأمين الكافر في دار الإسلام مدة محدودة، وهذا الأمان ليس عقدًا، فالأمان فقط حتى يبيع المستأمن تجارته في بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يشاهد الكافر بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع. فعقد الأمان هو تأمين الكفار الذين يقدمون إلى بلاد المسلمين لمدة محدودة من غير استيطان لها بقصد التجارة ونحوها حتى يرجعون إلى بلادهم. • حكم عقد الأمان: يجوز تأمين الكافر لمدة محدودة، حتى يبيع تجارته، أو يسمع كلام الله ويرجع ونحو ذلك، من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ما لم يُخشى ضرره. ويصح عقد الأمان من الإمام لجميع المشركين، فإذا أُعطي الكافر العهد، حرم قتله و أسره وأذيته: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]. • حكم بقاء الكفار في جزيرة العرب: أولاً: حدود جزيرة العرب غربًا البحر الأحمر، وشرقًا الخليج العربي، وشمالًا نهاية البحر الأحمر من الشمال، وما يساوي نهايته شرقًا من مشارف الشام والعراق، أما العراق وسوريا والأردن فليست منها، وجنوبًا بحر العرب. ثانيًا: لا يجوز إقرار اليهود والنصارى وسائر الكفار في جزيرة العرب للسكنى، أما على وجه العمل فيجوز للضرورة بشرط أن نأمن شرهم، ولا يوجد غيرهم من المسلمين.
следующие страницы →