كل شيء، وبعزتك التي لا يقوم لها شيء، وبعظمتك التي ذل لها كل شيء، وبوجهك الباقي بعد فناء كل شيء أن تنصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين، وأن ترزقنا الجنة، وتنجينا من النار، يا أكرم الأكرمين.
• فقه الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان.
وأصحاب العقول والفطر السليمة يؤمنون أن هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن تبلغ فيها الإنسانية كمالها وسعادتها، ولا يمكن أن يبلغ فيها العدل تمامه، مهما اجتهد الناس في العدل والفضائل.
بل لابد من حياة أخرى يتحقق فيها الكمال المقدر للإنسان والعدل المطلق على الأعمال، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فليس الموت هنا هو نهاية المطاف، بل إن الموت ما هو إلا مرحلة من المراحل التي يمر بها الإنسان؛ فقد كان في عالم الغيب قبل أن يستقر في رحم أمه، ثم انتقل إلى عالم الشهادة في الدنيا، ومنها إلى رحم الأرض في القبر، ثم الانتقال إلى عالم الغيب عند قيام الساعة وهناك يستقر في دار القرار، في الجنة أو النار.
وعلم الساعة غيبٌ من جملة الغيب، الذي استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه لا ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل، ولا ذكىٌ فطن، ليبقى الناس من الساعة على حذر دائم، وتوقع دائم، واستعداد كامل، لاتخاذ الزاد المناسب ليوم القيامة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٦].
стр. 912
ومن رحمة العزيز الرحيم أن وضع لها أمارات، وعلامات تدل على قرب حدوثها تذكيرًا بليغًا مُشاهدًا للعباد، مؤذنًا بدنوها، ودعوة لهم للتأهب لما بعد الموت بالإيمان والعمل الصالح.
وبقيام الساعة ينتهي عالم الشهادة الحاضر، ويبدأ يوم القيامة بكل أهواله، فالساعة هي موعد الحكم العدل بين الخلق، والموعد المرتقب للجزاء الكامل على الأعمال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٥ - ١٦].
ولا ريب في وقوع الساعة ومحاسبة الخلق كما أكده بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن/ ٧].
وفى قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر: ٥٩].
وقد بين الله أن وقت قيام الساعة قريبٌ، لنستعد لها بطاعة الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١].
ولقربها الشديد أخبر الله تعالى عنها كأنها قد وقعت فقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ [النحل: ١].
وقال النبي ﷺ : «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ». متفق عليه (١).
وما بقى من الزمن بعد بعثة النبي ﷺ بمقدار ما تزيد الأصبع الوسطى عن السبابة، ولكن مقياس الزمن عند الله فلا نستعجل، فكل آتِ قريب:
стр. 913
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧].
والساعة جزءٌ من أربعة وعشرين جزءاً من الليل أو النهار، وجمعها ساعات، هذا هو المعروف عُرفًا.
والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سميت بذلك لقربها، وسرعة الحساب فيها.
• والساعة تطلق على ثلاث معاني:
الأولى: الساعة الصغرى، وهى موت الإنسان، فمن مات فقد قامت قيامته.
الثانية: الساعة الكبرى، وهى القيامة الكبرى التي يُبعث فيها الناس من قبورهم للحساب والجزاء ثم القرار في دار القرار في الجنة أو النار.
الثالثة: الساعة تطلق أحيانًا ويراد بها موت أهل القرن الواحد.
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان.
• والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بأن اليوم الآخر لابد كائن.
الثاني: الإيمان بما سيكون في هذا اليوم العظيم من الأهوال، والحساب والموازين، والصراط والحوض، والجنة والنار.
الثالث: الإيمان بما سيكون في القبر من فتنة القبر، وسؤال الملكين الميت عن ثلاثة أشياء:
من ربك؟ .. وما دينك؟ .. من نبيك؟.
والساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، فيقُبض الصالحون الأمثل فالأمثل، حتى ينعدم أصل التوحيد في العالم؛ ولا يقال في الأرض الله الله، ويعود
стр. 914
الناس إلى جاهليتهم الأولى، ويصبحون عبيدًا لشهواتهم، ويتلاعب بهم الشيطان، ثم يأمرهم بعبادة الأوثان، والتسافد في الطرقات، فالساعة تقوم على شرار الخلق.
أما أهل الإيمان فتأتى ريح تهب عليهم، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويُحشر الناس إلى ربهم في يوم القيامة.
• صفة الحشر يوم القيامة:
الحشر على قسمين:
أحدهما: حشر المؤمنين.
الثاني: حشر الكافرين.
حشر المؤمنين: يحشر المؤمنون إلى ربهم وفداً مكرمين: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
ويحشر الكفار إلى نار جهنم، ويحشر الكفار على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا في مبدأ الأمر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧].
ثم يرد الله على الكفار سمعهم وأبصارهم ونُطقهم زيادة في عذابهم فيرون النار كما قال سبحانه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف: ٥٣].
ويتكلمون، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة: ١٢].
وبعد الحشر يكون الحساب، فقد جعل الله الدنيا دار الإيمان والعمل، وجعل الآخرة دار الجزاء والحساب، والله وحده مالك يوم الدين؛ إذ لابد
стр. 915
من يوم يظهر الله فيه عدله في التفريق بين المحسن والمسيء، وبين المطيع والعاصي، وبين المؤمن والكافر، وبين الظالم والمظلوم، وذلك هو يوم البعث والجزاء، يوم العدل الذي يحكم الله فيه بين العباد فلا ظلم ولا جور.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١].
ومن سلط الظالم على المظلوم وآذن له ثم إنه لا ينتقم منه، فذلك أما للعجز أو للجهل أو لكونه راضيًا بذلك الظلم، وهذا كله مُحالٌ في حق الله ﷻ ، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين ويجازى المحسن على إحسانه، ويحاسب المسيء على إساءته، فلما لم يحصل ذلك في الدنيا؛ وجب أن يحصل في الدار الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
стр. 916
٩ - الخزانة التاسعة
• براهين البعث:
ذكر الله في القرآن الكريم أربعة براهين تدل على بعث الإنسان بعد الموت وهى مذكورة في سورة البقرة وهى كالتالي:
١ - برهان بدأ خلق الإنسان.
٢ - وبرهان خلق السموات والأرض.
٣ - وبرهان إحياء الأرض بعد موتها.
٤ - وبرهان إحياء بعض الأموات في الدنيا والناس ينظرون.
• وتكرر هذا في سورة البقرة خمس مرات:
أولًا: برهان بدأ خلق الإنسان.
فالذي خلقه أولًا قادرٌ على إعادته ثانيًا.
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩]
الثاني: برهان خلق السماوات والأرض.
فمن خلق هذه الأجرام العظيمة، قادرٌ على إعادة هذا الإنسان الضعيف المسكين، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف: ٣٣].
стр. 917
الثالث: برهان إحياء الأرض بعد موتها.
فمن أحيا الأرض بعد موتها، فأنبتت من كل زوجٍ بهيج، قادر على إحياء الإنسان بعد الموت، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩].
وقال الله : ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧]
الرابع: برهان إحياء بعض الأموات.
وقد ورد في خمسة مواضع من سورة البقرة، فمن أحيا نفسًا في الدنيا بعد أن ماتت، قادرٌ على أن إحياء جميع الأنفس في أي وقت، وهذه المواضع:
أولًا: بعث بني إسرائيل بعد موتهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].
ثانيًا: قتيل بني إسرائيل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣].
الثالث: الألوف الذين خرجوا خوفًا من الطاعون من بني إسرائيل، فأماتهم الله ثم أحياهم، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]
стр. 918
الرابع: عزير وحماره، كما قال سبحانه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة: ٢٥٩].
الخامس: طيور إبراهيم ﷺ التي أحياها الله بعد موتها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠].
• فقه الإيمان باليوم الآخر:
هل عرفت أحدًا غير الله خلقك؟
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
هل عرفت أحدًا غير الله ينعم عليك ويرزقك؟: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هل عرفت أحدًا غير الله هداك؟
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].
والله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، لو عرفت أحداً قادراً على عقوبتك لما عصيته، والله سبحانه عليمٌ بكل شيء، قديرٌ على كل شيء، يسمع كل شيء، ويرى كل شيء، وأنت عبده تحت قدرته وتصرفه، وهو عليمٌ بك لا يخفى عليه شيء من أمرك ولا شأنٌ من شئونك: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا
стр. 919
بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
فيا أيها الإنسان الغافل لو حذرك الطبيب من أكله تحبها؛ فإنك سوف تمتنع عنها حفاظاً على صحتك، فهل يكون الطبيب أصدق وأرحم عندك من الله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
فما أجهل وما أسفه من لم يؤمن بالله، ولم يؤمن باليوم الآخر: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ [المؤمنون: ٧٤].
والإيمان باليوم الآخر من أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله، فمن آمن باليوم الآخر آمن بأنه سوف يقف بين يدي الله يوم القيامة، سيقف بين الذي خلقه ورزقه، وهداه وأسكنه في ملكه، وأطعمه من رزقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وسوف تُسأل أيها الإنسان عن كل شيء فعلته لمَ فعلته؟، وعن كل شيء لمَ تفعله لمَ لم تفعله؟: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
ماذا سمعت؟، وماذا رأيت؟، وماذا أعطيت؟، ولما أعطيت؟ ماذا أجبتم المرسلين؟ وماذا كنتم تعبدون؟.
ماذا قلت؟
فإذا تيقنت أن الله سوف يسألك، وسوف يحاسبك، وسوف يثيبك أو يعاقبك حسب عملك، فإنك لابد أن تستقيم على أوامر الله، وتُخلص عملك لله، لتنال ثوابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)
стр. 920
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والكفار ليس لهم همٌ إلا الدنيا، ولا شأن لهم بالآخرة، فهمهم في الدنيا الغنى والجاه والمناصب، لماذا؟ لأنهم لا يعرفون الآخرة، ولا يؤمنون بها لذا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ [المؤمنون: ٣٧].
إنهم يعصون الله، ويتمرغون في الشهوات فقط لماذا؟: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ: ٢٧].
فيا أيها المسلم احذر أن تكون كالكفار الذين لا يرون إلا الدنيا، لا يرون إلا المال، لا يرون إلا التمرغ في الشهوات المختلفة في كل وقت: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧].
والمصيبة أن الشيطان غر أكثر المسلمين وجرهم إلى حياة الشهوات والبهائم، وزهدهم في الآخرة: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
والدنيا محسوسة نراها بالحواس الخمس:
السماء والأرض، والشمس والقمر، والنبات والحيوان والإنسان، والجبال والبحار، وكلها آيات: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢].
ومن تفكر في هذه المخلوقات وصل إلى ربه الذي خلها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
стр. 921
أما الآخرة فهي خبرٌ ورد في القرآن، وهى من علم الغيب، فالمؤمن انتفع بالمحسوسات، وآمن بالخبر عن الغيب، والكافر يعيش في الدنيا ولا يؤمن بالآخرة: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن/ ٧].
• كيف يدخل الإيمان في القلب:
يدخل الإيمان إلى القلب من ثلاثة أبواب، أو من أحدهما:
باب المحسوسات .. وباب المعقولات .. وباب الإخباريات.
فأولاً: الأشياء المادية التي ظهرت عينها، وظهرت آثارها، دائرة الإيمان بها الحواس الخمس كالشمس والقمر، والجبال والأشجار و غيرها من الأشياء المحسوسة، فهذه تُدرك كُلها بالحواس الخمس، والنظر والتدبر فيها من أعظم وسائل الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
ثانيًا: الأشياء التي غابت عينها، وبقيت آثارها، أداة الإيمان بها العقل، ومهمة العقل أن يرى أو يسمع شيئًا محسوسًا، ثم يحكم على صانعه كالبناء يدل على الباني، فيرى المحسوس، ويستنبط منه شيئًا غائبًا عنه.
فالأثر يدل على المؤثر، والصور تدل على المصور، والخلق يدل على الخالق، والنعم تدل على المُنعم وهكذا، والله سبحانه لا يُرى وهو يرى كل شيء من مخلوقاته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ
стр. 922
شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فالله سبحانه لا تُرى ذاته، ولكن نرى آياته ومخلوقاته، ونرى آثار أفعاله.
فالمخلوقات كلها تدل على الخالق، والنعم كلها تدل على المُنعم، والصور تدل على المُصور، فكل الكون أثرٌ من أفعال الله ، فيمكن أن تؤمن بالله بعقلك: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
فخلق الله في الإنسان العقل، ليكون أداة للإيمان بالله، فالكون كله يدلك على الله الذي خلقك، فإذا أعملت عقلك في الكون قال لك العقل: لابد لهذا الكون من مُكون، ولابد لهذا الخلق من خالق وهنا انتهى دور العقل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة/ ١٦٤].
ثالثًا: الشيء الذي غابت عنك عينه، وغابت عنك آثاره، فأداة الإيمان به هو الخبر الصادق عن الله ورسوله كأخبار اليوم الآخر والجنة والنار، فالقرآن أخبرك عن اليوم الآخر، والوعد والوعيد، فكل شيءٍ عجز عنه العقل أخبرك الله به بالنقل والوحي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢ - ٣].
стр. 923
فالإيمان باليوم الآخر إيمانٌ إخباري، والإيمان بالله ورسوله إيمانٌ عقلي، والإيمان بالله عن طريق الأشياء إيمانٌ حسي.
والحقيقة أن الإيمان بالآخرة إيمانٌ إخباري وعقلي، ففي هذه الدنيا الحظوظ موزعة بين الناس فشقيٌ وسعيد، وغني وفقير، وظالمٌ ومظلوم، فالعقل يقول: لابد من يوم يُثاب فيه المُحسن على إحسانه، ويُعاقب الظالم على ظلمه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وأعقل الناس من جعل له في الآخرة مُلكًا ينعم به، في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
أعقل الناس من عمر دنياه بما يحبه الله ويرضاه، فإذا قدم على ربه وجده ولقاه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن/ ٧].
стр. 924
١٠ - الخزانة العاشرة
• فقه الإيمان باليوم الآخر:
الدنيا دار الإيمان والعمل، و الآخرة دار الثواب والعقاب، فالآخرة خافضة رافعة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ [الواقعة: ١ - ٣]
والدنيا دار تكليف، و الآخرة دار تشريف، والدنيا دار تكميل محبوبات الرب من الإيمان، والتقوى، وأنواع العبادات والطاعات، و الآخرة دار تكميل محبوبات العبد من رؤية الرب، والقرب منه، وسماع كلامه، وأنواع الشهوات في الجنات.
إن الجسد وعاءٌ للنفس التي تسعد إذا آمنت وتشقى إذا كفرت، أما الروح فهي أداة تشغيل هذا الإنسان إذا وجدت في الجسم نطق اللسان وسمعت الأذن، وتحركت اليد، وأبصرت العين، فإذا خرجت تعطلت هذه الأجهزة عن العمل فمات الإنسان، وصار مجموعة من اللحم الذي يتعفن إن لم يُدفن: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ففي الإنسان نفسٌ هي الخالدة التي تسعد بالإيمان بالله، وتشقى بالكفر والبعد عن الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
أما الأجسام فهي أوعية تتشابه، فجسد النبي كجسد فرعون، وجسد المؤمن كجسد الكافر، من ناحية أعضاء الجسد، فالتشابه موجود، يدٌ كيد، ورجلٌ كرجل، ووجهٌ كوجه، فالأجساد البشرية متشابهة؛ لأنهم بنو رجلٌ واحد، وامرأةٌ واحدة.
والذي يميز بين النبي وفرعون، وبين المؤمن والكافر، هو الإيمان والتقوى، والذي يميز بين النبي وفرعون أن نفس النبي ﷺ آمنت بالله،
стр. 925
وعرفت الله وتزكت بعبادة الله، واتصفت بالصفات التي يحبها الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
أما نفس فرعون، فنفسه بعيدة عن الله، وانقطاعها عن ربها جعلها تسفُل وتشقى، وتتألم وتتعذب، ونفس النبي علت وسعُدت بإيمانها بالذي خلقها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)(٥)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨].
أما الكافر فشقي بكفره؛ لأنه لم يستعمل ما وهبه الله من آلاتٍ يعرف بها ربه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والروح من عالم الغيب لا يعلم ماهيتها إلا الله، ولكن تُعرف آثارها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
والنفس البشرية هي التي تُحاسب يوم القيامة على ما تعمل وتختار.
قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
стр. 926
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
والدنيا فيها للإنسان عدة خيارات: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ١ - ٣].
فإذا مات الإنسان فليس هناك في الآخرة إلا جنة أو نار: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
فليس من بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، وكل مسلم يدخل المسجد طول عمره ليصلي، وسوف يدخل يومًا من الأيام، مرًة واحدة ليصلى عليه، وهناك تبدأ أحكام الدار الآخرة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ومن مات فقد قامت قيامته، وبدأت في حقه أحوال الآخرة في القبر من نعيم أو عذاب، فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤].
واليوم الآخر يبدأ لكل إنسان من حين موته، فمن مات فقد قامت قيامته، وينتهي بالاستقرار في الجنة أو النار حسب إيمان الإنسان أو كفره. ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧].
стр. 927
ويبدأ اليوم الآخر بفناء هذا العالم بنفخة إسرافيل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
ثم بعد الحساب يكون القرار في دار القرار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
• آثار الإيمان باليوم الآخر:
من آمن بالله واليوم الآخر أطاع ربه فيما أمر به، واجتنب ما نهى الله عنه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
والذي يكَذب باليوم الآخر لا يخرج منه خير: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وقد أكثر الله من ذكر الإيمان باليوم الآخر لعظمة هوله، وأنه مستقر الخلق إما في النعيم أو العذاب، ولأن من آمن به سارع إلى الطاعات، وابتعد عن المعاصي؛ ولأن الكفار كانوا ينكرون البعث بعد الموت، فكرر الله
стр. 928
ذلك في القرآن، وكرره ليؤكد وقوعه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤].
وقال الكفار: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣].
وكذا أهل الكتاب يؤمنون باليوم الآخر، ولكن تصوراتهم عنه غير صحيحة، ففصل الله أحوال اليوم الآخر، واليهود، والنصارى أسقطوا من التوراة والإنجيل كل ما يتعلق باليوم الآخر، فجاء القرآن ببيان كل ما يجري في ذلك اليوم من البعث والحساب والجزاء والصراط وغير ذلك.
ولأن النصارى يؤمنون بأن المسيح عيسى بن مريم هو الذي يحاسب الناس، ولأن إنكار البعث شائعٌ في الأمم السابقة فأكثر الله من ذكر البعث، وفصل أحواله من أجل ذلك: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
ولكثرة نسيان الخلق للموت وما بعد الموت، أكثر الله من ذكره ليتذكر الناس الموت، ويقوموا بالمسارعة إلي الطاعات، وكسب الحسنات، والحذر من المعاصي، فالحياة ساعة، وكل إنسانٍ يصبح على ظهر الأرض، ويمسي في بطنها: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦].
ولا تكاد سورةٌ، أو صفحةٌ في القرآن إلا ذكر الله فيها اليوم الآخر، ويقرنه كثيرًا بالإيمان بالله، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وليس مع من أنكر البعث، واليوم الآخر، أي دليلٌ سوى قصور عقله، وجهله بربه، وسفاهته، فأنى للجاهل الفاني، أن يحيط بقدرة الملك، الحكيم، القادر، فماذا قال الكافر؟.
стр. 929
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣].
والإيمان باليوم الآخر دل عليه القرآن والسنة، والعقل والفطرة والحس: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
فسبحان القادر على خلق الصغير والكبير، وإخراج الضد من الضد، وإعادة ما شاء، متى شاء مرةً أخري: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
فما أجهل الكافر بقدرة الله القوي الجبار: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥].
والله سبحانه رءوفٌ بالعباد، لا يترك الناس هملاً يفعلون ما يشاؤون من خير أو شر، ويظلم بعضهم بعضًا، ثم لا يحاسبون، ويبقون في هذه الدنيا كالبهائم بلا حدٍ ولا قيد، ولا أمرٍ ولا نهي، هذا ينافي حكمة الله العزيز الحكيم، وينافي عدله، وإحسانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
стр. 930
وقد نزه الله نفسه أن يخلق خلقه هكذا هملًا: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وقد وصف الله الجنة، وأكثر من وصفها، ليُقبل الناس على الطاعات، وينفروا من المعاصي، وصف الله الجنة بالعلو والصفاء، والسرور والفُسحة، والسلام والسعادة، وحضور الملائكة المقربين، والخلود والنعيم، وغير ذلك من صفات الكمال والعزة: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ١٨ - ٢٦].
ووصف الله النار بالسفول، والظُلمة والضيق، ودار اللعنة والشقاء، وحضور إبليس والشياطين، وغير ذلك من صفات النقص، والذلة، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففين: ٧ - ١٧].
فسجين كتابٌ مرقوم، سجين هي النار، ومكانها تحت الأرض السابعة السفلى، وفيها إبليس وذريته وأتباعه، فسجين كتابٌ مرقوم فيه جميع أعمال الفجار: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ [المطففين: ٨ - ٩].
وكتاب الأبرار فوق السموات مرقومٌ فيه جميع أعمال الأبرار.
стр. 931
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٦ - خزائن الإيمان بالقضاء والقدر
وتشمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 932
٦ - خزائن الإيمان بالقضاء والقدر
١ - الخزانة الأولى
• أركان الإيمان ستة وهي:
أن تؤمن بالله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الآخر .. والقدر خيره وشره.
• فقه الإيمان بالقضاء والقدر:
القدر هو: علم الله ﵎ بكل شيء، وبكل ما أراد إيجاده أو وقوعه من العوالم والخلائق، والأحداث والأشياء، وتقدير ذلك وكتابته كله في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
والقدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ذكي فطن.
والإيمان بالقدر: هو التصديق الجازم بأن كل ما يقع في هذا الكون، وكل ما يقع من الخير والشر فهو بقضاء الله وقدره وإذنه، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو الحكيم العليم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
• وأحكام الله على عباده ثلاثة أقسام:
أحدها: الحكم الكوني القدري الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه، ولا حيلة له في منازعته، كطوله، ولونه، وكونه ذكرًا أو أنثى، والأحداث والمصائب التي تجري بغير اختياره كالزلازل والبراكين، والعواصف، والغرق، والحرق، ونحو ذلك، فهذا حقه أن يُتلقى
стр. 933
بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه العبد كالميت بين يدي الغاسل.
• وعليه فيه عبوديات أخرى:
وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما سيلقاه كل عبد، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وقال النبي ﷺ : «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» أخرجه الطبراني (١).
ويشهد كذلك أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم ﷻ ، وأن القدر قد أصاب مواقعه، وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك موجب أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وموجب حكمه وعدله وإحسانه إلى خلقه، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الثاني: الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، كقدر المرض، والجوع، والعطش، فهذا حقه أن يدفع وينازع بكل ممكن، ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضًا، فينازع حكم الحق بالحق للحق، فيكون منازعًا للقدر، لا واقفًا مع القدر، ويفر من قدر الله إلى قدر الله كما أمر الله، فقال: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
стр. 934
وقال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ويدفع قدر الله بقدر الله، فإذا جاء قدر الله من الجوع أو العطش، أو قدر الله من البرد أو الحر، أو قدر الله من الألم أو المرض، دفعه بقدر أخر من الأكل، والشرب، واللباس، والدواء، وهكذا لو وقع حريق في داره، فهو بقدر الله فلا يستسلم له، بل ينازعه ويدفعه، ويطفئه بالماء أو غيره من الأسباب، كما يطفئ قَدر الله بقدرِ الله، حتى يطفئ قَدر الله بقدرِ الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله.
وهكذا لو أصابه مرض بقَدر الله دافع هذا القدر، ونازعه بقدرِ آخر، يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض كما أمر الله، فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله: «فَتَداووا، ولا تَداووا بِحَرام» أخرجه أبو داود والترمذي (١).
فحق هذا الحكم الكوني القدري أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه من الأسباب التي نصبها الله وأمره بها، وهذا واجبه الشرعي في تلك الحال، أن يمتثل أمر الله، ويتعبد لله بامتثال أمره، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم، وبهذا أُمر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر.
فلو أن عدوًا للإسلام قصده، لكان هذا بقدر الله، ويجب على المسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله ويأمر به، وهو الجهاد في سبيل الله بيده وماله وقلبه، دفعًا لقَدر الله بقدرِ الله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤].
стр. 935
الثالث: الحكم الديني الشرعي، وهو الدين الذي شرعه الله لعباده، فهذا حقه أن يتلقى بالتسليم والقبول، بل بالانقياد المحض، وترك المنازعة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارض، ولا يرى إلى خلافه سبيلًا البتة، وإنما هو الانقياد التام، والتسليم والإذعان، والقبول لما جاء به الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وهذه هي حقيقة القلب السليم، الذي سلم من كل شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وسلم من كل شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، فهذا حق الحكم الديني الشرعي: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
• فقه حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر:
الطاعات والمعاصي كلها واقعة بقضاء الله وقدره، وإذنه وعلمه، وكلها عدل، والعدل: وضع الشيء في موضعه.
والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له، فهذا قد نزه الله نفسه عنه بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
والله سُبْحَانَهُ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وهو سُبْحَانَهُ، وإن أضل من شاء وقضى بالمعصية والغي على من شاء، فذلك محض العدل فيه؛ لأنه
стр. 936
سُبْحَانَهُ وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به، كما وضع الهداية والنصر في موضعه اللائق به، فالله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته.
فأفعاله سُبْحَانَهُ كلها حق وعدل، وسداد وصواب، ورحمة وإحسان، والله سُبْحَانَهُ قد أوضح السبل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة، بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله، ووفق من شاء بمزيد عناية، وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله وإحسانه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وخذل سُبْحَانَهُ من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سُبْحَانَهُ من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله، ولم يحرمه عدله، إما جزاء منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثار عدوه عليه في الطاعة، وتناسي ذكر الله وشكره، فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
وإما أن لا يشاء الله له الهداية ابتداءً، لعلمه منه سُبْحَانَهُ أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكر الله عليها، ولا يثني عليه بها، ولا يحبها، فلا يشاءها له لعدم صلاحية محله لها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣].
فإذا قضى الله على هذه النفوس بالضلال والمعصية، كان ذلك محض العدل، كما قضى على الحية والعقرب بأن تُقتل، وذلك محض الإحسان والعدل، وإن كان مخلوقًا على هذه الصفة لحكمة يعلمها الله.
стр. 937
وبسبب الجهل، وقلة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، كثير من الخلق غير راضِ عن الله ، معترض على أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعترضُ على دينه وشرعه، ومعترضُ على قضائه وقدره، فما أسفه هؤلاء: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
واعرف ربك حقاً، لتؤمن به حقاً: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
حتى قال بعضهم: أرأيت إن منعني الله الهدى، وقضى عليا بالردى، أحسن إلي أم أساء؟.
فهذا و أمثاله يقال له: إن منعك الله ما هو لك فقد ظلم وأساء، وإن منعك ما هو له، فهو يختص برحمته من يشاء، وأعلم بمن يصلح لكرامته، فأنت مملوك لله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
ويهون الرضا بما يقضيه الله من المصائب، علم العبد بأن تدبير الله خيرً من تدبيره، والرضا بالألم لما يُتوقع من جزيل الثواب المدخر، والرضا به لا لحظ وراءه، بل لكونه مراد المحبوب ﷻ .
فيكون ألذ الأشياء عنده ما فيه رضا محبوبه، ورضا ربنا أن يسلم العبد القلب والقالب لربه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
وعلى العبد أن يعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، ويتوكل على ربه توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
стр. 938
فليس لأحد أن يصعد على السطح، ثم يلقي نفسه، ثم يقول: مقدر علي هذا، ولكن نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه، والقدر الإلهي كله عدل ورحمة، وحكمة وإحسان: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
ففي كل حادثة سببان:
الأول: سبب ظاهري يحكم الناس على وفقه، وكثيرًا ما يظلمون ويخطئون.
الثاني: سبب حقيقي يجري القدر الإلهي على وفقه.
فإذا ألقي مثلًا أحد الأشخاص في السجن بتهمة السرقة التي لم يرتكبها، ولكن قضى القدر الإلهي عليه بسجنه لجناية له خفية، أو تربية له، فيعدل من خلال ظلم البشر له نفسه ويستقيم: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
وفي امتحان العلماء والدعاة والصالحين، انطواء على سببين:
أحدهما: خدمة الدين خدمة عالية فائقة، حتى أثار حفيظة أهل الدنيا والأعداء، وقد نظر البشر إلى هذا السبب، فحصل الظلم منهم.
الثاني: لما لم يبين كل منا إخلاصًا تامًا، ولا أظهر تساندًا في نصرة الحق، نظر القدر الإلهي إلى هذا السبب و عدل في حقنا رحمةً بنا.
إن كل شيء في هذا الكون إنما يحصل بقضاء الله وقدره خيرًا أو شرًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
فهل يرضى المسلم بما قدر الله من المعاصي التي نهى الله عنها؟.
стр. 939
جوابه: أننا لسنا مأمورين بأن نرضى بكل ما قضى الله وقدر، ولكننا مأمورون بأن نرضى بكل ما أمرنا الله أن نرضى به كطاعة الله ورسوله، وأن نرضى بدينه وشرعه، وأن نرضى بالقضاء الذي هو صفة الله أو فعله، لا بالمقضي الذي هو مفعوله، فإن الله لا يحب الفساد، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب المعاصي والفواحش: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
فالمعاصي لها وجهان:
الأول: وجه إلى لعبد من حيث هي فعله وصنعه وكسبه.
الثاني: ووجه إلى الرب من حيث أنه هو قضاها وخلقها وقدرها، وأذن بوقوعها لحكمة يعلمها، فنرضى من الوجه الذي يضاف به إلى الله، ولا نرضى من الوجه الذي يضاف به إلى العبد: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
• اختيار الرب تعالى لعبده نوعان:
الأول: اختيار ديني شرعي، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره الله له، لأن الله أعلم بما يصلح العبد وما يفسده، وما ينفعه وما يضره: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
الثاني: اختيار كوني قدري لا يسخطه الرب، كالمصائب التي يبتلي الله بها الناس، فهذا لا يضر الإنسان فراره منها إلى القدر الذي يدفعها عنه، ويدفعها ويكشفها كدفع قدر المرض بقدر الدواء، وقدر الجوع بقدر
стр. 940
الأكل، بل هو مأمور بذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وأما القدر الذي يسخطه الله، ولا يحبه ولا يرضاه، مثل قدر المصائب والمعاصي، فالعبد مأمور بسخطها، ومنهي عن الرضا بها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
ومشيئة الله ومحبته بينهما فرق، فقد يشاء الله ما لا يحبه، وقد يحب الله ما لا يشاء كونه.
فالأول: وهو أن يشاء ما لا يحبه، كمشيئة الله لخلق إبليس وجنوده، ومشيئته العامة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه، كالنعم والمصائب، والطاعات والمعاصي.
الثاني: كمحبته إيمان الكفار، وطاعات الفجار، وعدل الظالمين، وتوبة الفاسقين، ولو شاء الله لوجد ذلك كله، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا، لأن الله بيده الملك وله الخلق والأمر كله، فإذا علم العبد أن القضاء غير المقضي، وأنه سبحانه لم يأمر عباده بالرضا بكل ما خلقه وشاءه، زالت الشبهات، ولم يبقى بين شرع الرب وقدره تناقض.
فالرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
стр. 941
والرضا بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه، من الصحة والعافية والغنى، واللذة، أمر لازم بمقتضى الطبيعة، لأنه ملائم للعبد موافق له، محبوب له: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فليس في الرضا به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة موضعها التي يحب الله أن توضع فيها، وألا يعصي المُنعم بها، وأن يرى التقصير في جميع ذلك.
والرضا بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته، مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره من المصائب والمكاره ذاك مستحب، فإن الله يختار لعبده ما يشاء، واختيار الرب أحسن من اختيار العبد، وهذا كالمرض والفقر، والحر والبرد وهذا الخلق له، ونحو ذلك من المصائب التي تصيب العبد: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
والرضا بالقدر الجاري عليه باختياره مما يكرهه الله، ويسخطه، وينهى عنه، كأنواع الظلم والفسوق والعصيان، محرم يعاقب عليه العبد، وهو مخالفة لله ، فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه ولا يأمر به، بل يكرهه ويسخطه وينهى عنه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
• فقه أسرار الإيمان بالقضاء والقدر:
إن قيل: كيف يريد الله أمرا لا يحبه و لا يرضاه؟.
قيل الله يكره الشيء ويبغضه في ذاته، ولا ينافي ذلك إرادته لغيره، وكونه سببًا إلى ما هو أحب إليه من غيره، كالمعاصي الموجبة
стр. 942
للتوبة التي يحبها الله ويفرح بها، فقد خلق الله ﷻ إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان، والأعمال، والأخلاق، والاعتقادات، والإرادات.
وهو سبب شقاوة العبيد، ووقوع ما يغضب الرب ﵎، فهو مبغوض للرب مسخوط له، لعنه الله وغضب عليه ومقته، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، وجودها أحب إليه من عدمها، ومن هذه المحاب، أن تظهر للعباد قدرة الرب في خلق المتضادات.
فخلق سبحانه إبليس هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرها، في مقابلة خلق جبريل ﷺ التي هي أشرف الذوات، وسبب كل خير.
وكما خلق سبحانه الليل والنهار، والحر والبرد، والحياة والموت، والذكر والأنثى، والماء والنار، والخير والشر، ونحو ذلك، وخلق ذلك يدل على كمال قدرته وتدبيره وعزته وسلطانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
فتبارك الله خالق هذا وهذا، ومدبر هذا وهذا، ومخرج المنافع والمضار من هذا وهذا.
ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته وأفعاله القهرية، كالقهار، وذو الانتقام، والعدل، وشديد العقاب، وسريع الحساب، والعزيز، والجبار، فإن هذه الأسماء والأفعال من كمال ذاته.
فلابد من وجود متعلقها، ولو كان الخلق كلهم على طبيعة الملائكة طاعات بلا معاصي، لم يظهر أثر هذه الأسماء والصفات والأفعال.
стр. 943
ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه، وعفوه، ومغفرته، ورحمته، وستره، وتجاوزه عن حقه، فلولا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء، لتعطلت هذه الحكم والفوائد.
ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فهو سبحانه هو الحكيم الخبير، الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
فلا يصح أن يضع الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع الثواب، ولا العز مكان الذل، ولا الذل مكان العز، ولا يضع العطاء موضع الحرمان، ولا يضع الحرمان موضع العطاء، ولا الإنعام مكان الانتقام، ولا الانتقام مكان الإنعام وهكذا.
ولا يأمر بما ينبغي النهي عنه، ولا ينهى عما ينبغي الأمر به، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكره على وصولها، وأعلم بمن لا يصلح لذلك: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
وهو الحكيم من أن يمنعها أهلها، أو أن يضعها عند غير أهلها، فلو قدر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له، لتعطلت هذه الآثار، ولم تظهر لخلقه، ولتعطلت تلك الحكم والمصالح المترتبة عليها، كالتوبة من الذنوب.
وفوتها شر من حصولها، وفواتها شرً من حصول تلك الأسباب، وهذا كالشمس، والمطر، والرياح، فهذه فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر والضرر.
стр. 944
ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن الله يحب عبودية الجهاد، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة في الله، والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر، وعبودية مخالفة الهوى، وعبودية التوبة من الذنوب، وهكذا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
ومنها عبودية التوبة والاستغفار، هو سبحانه يحب التوابين، ولو عُطلت الأسباب التي يتاب منها من المعاصي وغيرها لتعطلت عبودية التوبة والاستغفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ومنها أن يتعبد الخلق لله بالاستعاذة من عدوه، وسؤاله أن يجيرهم منه، ويعصمه من كيده: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
ومنها عبودية مخالفة عدوه الشيطان، ومراغمته في الله، وإغاظته فيه، وهي من أحب العبودية إليه، فإنه سبحانه يحب من وليه أن يغيظ عدوه ويراغمه إرضاء لربه.
ومنها أن عبيده سبحانه يشتد خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حل بعدوه، لما خالف أمر ربه، بطرده ولعنه فيلزمون طاعة ربهم ولا يعصونه.
ومنها أن نفس اتخاذه عدوًا من أكبر أنواع العبودية لله وأجلها، وهو محبوب للرب، وهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته من ربهم.
ومنها أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر، والطيب والخبيث، وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد.
стр. 945
فخلق سبحانه الشيطان مستخرجا لما في طبيعة أهل الشر من القوة إلى الفعل، وخلق الرسل وأرسلهم إلى عباده، ليستخرجوا ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل.
فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوة هؤلاء من الخير الكامن فيها، ليرتب عليه آثاره، وما في قوة أولئك من الشر ليرتب عليه آثاره، وتظهر حكمته في الفريقين.
فالملائكة ظنت أن وجود من يسبح بحمده ويقدسه ويعبده أولى من وجود من يعصيه ويخالفه، فأجابهم سبحانه بأنه يعلم من الحكم والمصالح في خلق هذا الإنسان ما لا تعلمه الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
فقد يريد الله أمراً لا يحبه ولا يرضاه؛ لأنه يفضي إلى ما يحبه ويرضاه ﷻ ، ومن ذلك أن ظهور كثير من آيات الله، وعجائب صنعه، حصل بسبب وقوع الكفر والشرك من النفوس الكافرة الظالمة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
كآية الطوفان، وآية الريح، وآية إهلاك ثمود بالصيحة، وآية انقلاب النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وآية قلع قرى قوم لوط، وقلبها عليهم، وآيات موسى مع فرعون وبني إسرائيل كفلق البحر، وانفجار عيون الماء من الحجر، وانقلاب العصا حية، ونحو ذلك من الآيات.
стр. 946
فلولا كفر الكافرين، وعناد الجاحدين، لما ظهرت هذه الآيات الباهرة، ومع ظهورها فما أقل من يؤمن بها: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤٠].
ومنها أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضًا، ويكسر بعضها بعضا، هو من شأن كمال الربوبية، والقدرة النافذة، والملك الكامل، وإن كان شأن الربوبية شاملًا كاملًا في نفسه، ولو لم تُخلق هذه الأسباب لكان ظهور آثارها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيق لذلك الكمال الإلهي، فالعبودية والآيات والعجائب والفوائد التي ترتبت على خلق ما لا يحبه الله ولا يرضاه وتقديره ومشيئته أحب إليه سبحانه من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها.
فإن قيل: فإن كانت هذه الأسباب مرادة للرب، فهل تكون مرضية محبوبة له؟.
قيل: هو يحبها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها.
فإن قيل هل يمكن حصول تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟.
قيل هذا سؤال باطل، إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
وسر المسألة أن الرضا بالله يستلزم الرضا بأسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، ولا يستلزم الرضا بمفعولاته كلها، بل حقيقة العبودية أن يوافق العبد ربه في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما يرضى به، ويسخط منها ما يسخطه.
стр. 947
فإن قيل كيف يجتمع الرضا بالقضاء الذي يكرهه العبد من المرض والفقر والإثم مع كراهته له؟.
قيل: لا تنافي في ذلك، فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب، ويكرهه من جهة ألمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه، فإنه يجتمع فيه رضاه به، وكراهته له.
فإن قيل: كيف يحب الله لعبده شيء، ولا يعينه عليه؟.
قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوت محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له.
وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة كما قال سبحانه عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٦ - ٤٧].
والطاعة: هي موافقة الأمر الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كانت موافقة القدر طاعة لله، لكان إبليس من أعظم المطيعين لله، ولكان قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون كلهم مطيعون لله، فيكون سبحانه قد عذبهم أشد العذاب على طاعته، وانتقم منهم لأجلها، وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 948
والله خالق كل شيء وربه ومليكه، والعبد مأمور بطاعة الله ورسوله ومنهي عن معصية الله ورسوله ﷺ ، فإن أطاع ربه كان ذلك نعمة من الله يُثاب عليها، وإن عصا ربه كان مستحقًا للذنب والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره.
لكن الله يحب الطاعة، ويأمر بها، ويرغب فيها، ويثيب أهلها على فعلها، ويكرمهم، ويبغض المعصية، وينهى عنها، ويحذر منها، ويعاقب أهلها ويهينهم، وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه، وكل ذلك كائن بمشيئة الله وقدره: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
فلا بد للعبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن يوقن بشرع الله وأمره، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، وآدم ﷺ ، لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وإبليس لما أذنب أصر واستكبر، واحتج بالقدر وكفر، فلعنه الله وأقصاه.
فمن أذنب وتاب كان آدميًا، ومن أذنب واحتج بالقدر كان إبليسيًا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
стр. 949
٢ - الخزانة الثانية
• القدر نظام التوحيد:
فمن وحد الله، وآمن بالقدر، تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض تكذيبه توحيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
• والمخاصمون في القدر فريقان:
أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كما قال سبحانه عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
الثاني: من ينكر قضاء الله وقدره السابق.
والطائفتان كلاهما خُصماء لله، قالوا على الله غير الحق، ومن كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام فإن الله ﵎ قدر أقدارًا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم العافية بقدر، وقسم البلاء بقدر، وأمر ونهى، وأحل وحرم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وقال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣]
والقدر هو: تقدير الله للكائنات، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله، ومن شاء من خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه، سواء كان خيرًا أو شرًا.
стр. 950
• مراتب الإيمان بالقدر أربعة:
الأول: العلم، بأن يؤمن العبد بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلًا، يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
الثاني: الكتابة، بأن يؤمن العبد أن الله كتب كل شيء جملة وتفصيلًا، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال الله : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
الثالثة: المشيئة، بأن يؤمن العبد أن كل شيء في العالم العلوي والعالم السفلي كائن بمشيئة الله وإرادته، إذ لا يكون في ملكه سبحانه ما لا يريده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]
الرابعة: الخلق، بأن يؤمن العبد أن الله خالق كل شيء ومدبر كل شيء ومالكه، حتى فعل المخلوق، لأن فعل المخلوق من صفاته، والمخلوق وصفاته مخلوقان لله ، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وينبغي أن يعلم الإنسان أن القدر له كالطبيب مع المريض، فإن قُدم الطبيب إلى المريض الطعام فرح وقال: لولا أنه علم أن الغداء ينفعني ما قدمه، وإن منعه الطعام فرح وقال: لولا أنه علم أن الغذاء يؤذيني لما منعني، وهذا