فلولا كفر الكافرين، وعناد الجاحدين، لما ظهرت هذه الآيات الباهرة، ومع ظهورها فما أقل من يؤمن بها: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤٠].
ومنها أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضًا، ويكسر بعضها بعضا، هو من شأن كمال الربوبية، والقدرة النافذة، والملك الكامل، وإن كان شأن الربوبية شاملًا كاملًا في نفسه، ولو لم تُخلق هذه الأسباب لكان ظهور آثارها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيق لذلك الكمال الإلهي، فالعبودية والآيات والعجائب والفوائد التي ترتبت على خلق ما لا يحبه الله ولا يرضاه وتقديره ومشيئته أحب إليه سبحانه من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها.
فإن قيل: فإن كانت هذه الأسباب مرادة للرب، فهل تكون مرضية محبوبة له؟.
قيل: هو يحبها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها.
فإن قيل هل يمكن حصول تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟.
قيل هذا سؤال باطل، إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
وسر المسألة أن الرضا بالله يستلزم الرضا بأسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، ولا يستلزم الرضا بمفعولاته كلها، بل حقيقة العبودية أن يوافق العبد ربه في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما يرضى به، ويسخط منها ما يسخطه.
стр. 947
فإن قيل كيف يجتمع الرضا بالقضاء الذي يكرهه العبد من المرض والفقر والإثم مع كراهته له؟.
قيل: لا تنافي في ذلك، فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب، ويكرهه من جهة ألمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه، فإنه يجتمع فيه رضاه به، وكراهته له.
فإن قيل: كيف يحب الله لعبده شيء، ولا يعينه عليه؟.
قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوت محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له.
وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة كما قال سبحانه عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٦ - ٤٧].
والطاعة: هي موافقة الأمر الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كانت موافقة القدر طاعة لله، لكان إبليس من أعظم المطيعين لله، ولكان قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون كلهم مطيعون لله، فيكون سبحانه قد عذبهم أشد العذاب على طاعته، وانتقم منهم لأجلها، وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 948
والله خالق كل شيء وربه ومليكه، والعبد مأمور بطاعة الله ورسوله ومنهي عن معصية الله ورسوله ﷺ ، فإن أطاع ربه كان ذلك نعمة من الله يُثاب عليها، وإن عصا ربه كان مستحقًا للذنب والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره.
لكن الله يحب الطاعة، ويأمر بها، ويرغب فيها، ويثيب أهلها على فعلها، ويكرمهم، ويبغض المعصية، وينهى عنها، ويحذر منها، ويعاقب أهلها ويهينهم، وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه، وكل ذلك كائن بمشيئة الله وقدره: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
فلا بد للعبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن يوقن بشرع الله وأمره، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، وآدم ﷺ ، لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وإبليس لما أذنب أصر واستكبر، واحتج بالقدر وكفر، فلعنه الله وأقصاه.
فمن أذنب وتاب كان آدميًا، ومن أذنب واحتج بالقدر كان إبليسيًا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
стр. 949
٢ - الخزانة الثانية
• القدر نظام التوحيد:
فمن وحد الله، وآمن بالقدر، تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض تكذيبه توحيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
• والمخاصمون في القدر فريقان:
أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كما قال سبحانه عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
الثاني: من ينكر قضاء الله وقدره السابق.
والطائفتان كلاهما خُصماء لله، قالوا على الله غير الحق، ومن كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام فإن الله ﵎ قدر أقدارًا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم العافية بقدر، وقسم البلاء بقدر، وأمر ونهى، وأحل وحرم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وقال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣]
والقدر هو: تقدير الله للكائنات، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله، ومن شاء من خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه، سواء كان خيرًا أو شرًا.
стр. 950
• مراتب الإيمان بالقدر أربعة:
الأول: العلم، بأن يؤمن العبد بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلًا، يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
الثاني: الكتابة، بأن يؤمن العبد أن الله كتب كل شيء جملة وتفصيلًا، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال الله : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
الثالثة: المشيئة، بأن يؤمن العبد أن كل شيء في العالم العلوي والعالم السفلي كائن بمشيئة الله وإرادته، إذ لا يكون في ملكه سبحانه ما لا يريده، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]
الرابعة: الخلق، بأن يؤمن العبد أن الله خالق كل شيء ومدبر كل شيء ومالكه، حتى فعل المخلوق، لأن فعل المخلوق من صفاته، والمخلوق وصفاته مخلوقان لله ، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وينبغي أن يعلم الإنسان أن القدر له كالطبيب مع المريض، فإن قُدم الطبيب إلى المريض الطعام فرح وقال: لولا أنه علم أن الغداء ينفعني ما قدمه، وإن منعه الطعام فرح وقال: لولا أنه علم أن الغذاء يؤذيني لما منعني، وهذا
стр. 951
غاية اللطف من الله تعالى، ومن لم يعتقد هذا لم يصح توكله على الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
والدعاء لا يناقض الرضا بالقدر، فقد تعبدنا الله به، وأمرنا به فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وإنكار المعاصي، وعدم الرضا بها، قد تعبدنا الله به، وذم الراضي به.
فإن قيل وردت الأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى، والمعاصي بقضائه، فكراهتها كراهة لقضائه.
وجواب هذا أن يقال المعاصي لها وجهان:
الأول: وجه إلى الله تعالى، من حيث أنها اختياره، وإراداته، فنرضى بها من هذا الوجه تسليمًا للمُلك إلى مالك المُلك سبحانه.
الثاني: وجه إلى العبد، من حيث أنها كسبه ووصفه وفعله، وعلامة لكونه ممقوتًا عند الله بغيضًا عنده، حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت، فهو من هذا الوجه منكرُ مذموم، فالعبد هو الفاعل للمعصية وهو الذي يتحمل إثمها، والعقوبة عليها: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
• درجات الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر على درجتين:
الأولى: الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم، أهل الجنة من هم؟ وأهل النار من هم؟ وأعد لهم الثواب والعقاب قبل خلقهم، وكتب ذلك عنده، وأن
стр. 952
أعمال العباد تجري على أمر قد قُدر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٥٠].
فكل الأمور تجري على ما سبق في علم الله وكتابته ﷻ .
الثانية: الإيمان بأن الله خلق أفعال العباد كلها من الإيمان والكفر، والطاعات والمعاصي، وشاءها منهم، كما قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
والمؤمن يصبر على المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعائب، والجاهل الظالم يحتج بالقدر على ذنوبه وسيئاته، ولا يعذر بالقدر من أساء إليه، ولا يذكر القدر عندما تحصل له نعمة: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
والواجب على العبد إذا عمل حسنة أن يعلم أنها نعمة من الله هو يسرها وتفضل بها فلا يعُجب بها، وإذا عمل سيئة استغفر الله وتاب منها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإذا أصابته مصيبة سماوية، أو بفعل العباد، علم أنها مقدرة مقضية عليه لا بد من وقوعها، وللعبد منفعة في حصولها فإن اختيار الله للعبد أحسن من اختياره، وكل ما خلق الله حق، وله سبحانه في كل مخلوق حكمة يحبها ويرضاها، وهو سبحانه الذي أحسن كل شيء خلقه، وكل خلق وأمر من الله حسن جميل.
وهو سبحانه محمود عليه، وله الحمد على كل حال، وإن كان في بعضها شرًا بالنسبة إلى بعض الناس، والمؤمن مأمور أن يصبر على المصائب، ويطيع الأوامر الإلهية، ويستغفر من الذنوب والمعائب البشرية، وليس في
стр. 953
القدر حجة لابن آدم، ولا عذر في فعل ما يشاء، بل القدر نؤمن به، ولا نحتج به، ولو كان القدر حجة وعذرًا لم يكن إبليس ملومًا ولا معاقبًا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وكل شيء سوى الله فهو مخلوق، وأفعال العباد كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
ونفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله ، والعبد مأمور منهي مثاب معاقب، والله جعله حيًا مريدًا قادرًا فاعلًا يصوم، ويصلي، ويزكي ويحج، ويؤمن ويكفر، ويقتل ويسرق، ويطيع ويعصي، باختياره ومشيئته: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
والله خالق ذات العبد وصفاته وأفعاله، وله مشيئة والله خالق مشيئته، وله قدرة، والله خالق قدرته، وهو مصلٍ صائم والله خالقه وخالق أفعاله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
والعبد الحي يؤمر وينهى، ويحمد ويُذم، على أفعاله الاختيارية، وهو الفاعل لهذه الأفعال، والمتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد كسبًا، وهي مفعولة الرب قدراً كغيرها، فالله وحده هو الذي له الخلق والأمر، وما سواه مخلوق مربوب.
فهو سبحانه الذي جعل الأبيض أبيضًا، والأسود أسودًا، والساكن ساكنًا، والمتحرك متحركًا، والذكر ذكرًا، والأنثى أنثى، والحلو حلوًا، والمر مرًا، وهو سبحانه كذلك الذي جعل المسلم مسلمًا، والمطيع طائعًا،
стр. 954
والمصلي مصليًا، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
وهو سبحانه الذي جعل الكافر كافرًا، والعاصي عاصيًا كما قال سبحانه عن آل فرعون: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص: ٤١].
فالله سبحانه خالق الذوات، وخالق صفاتها، وخالق أفعالها: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وكون الله خالقًا للعبد وفعله، لا يمنع أن يكون العبد هو المأمور المنهي، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].
والله ﵎ حكيم عليم، له الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير يفعل ما يشاء بحكمته، فيعطي ويمنع، ويهدي ويضل، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل، ويُسعد ويشقي، ويعفو وينتقم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وهو سبحانه الذي جعل المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا، وهذا يدعو إلى الخير، وهذا يدعو إلى الشر.
هو سبحانه رب كل شيء ومليكه، وله فيما خلقه حكمة بالغة، ونعمة سابغة ورحمة عامة وخاصة: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
يفعل ما يشاء لا لمجرد قدرته وقهره، بل لكمال علمه وقدرته بالظواهر والبواطن، وكمال حكمته ورحمته بخلقه، ومن حكمته ما أطلع بعض خلقه عليه، ومنها ما استأثر الله سبحانه بعلمه، والله له الحجة البالغة
стр. 955
على جميع خلقه، حيث أنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول التي يعرفون بها ربهم، وما شرعه لهم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
ومع هذا فلو شاء سبحانه لهدى الخلق أجمعين إلى إتباع شريعته، كما خلقهم أجمعين، وكما فطر جميع الكائنات على معرفته وعبادته، لكنه سبحانه يمن على من يشاء فيهديه فضلًا منه وإحسانا، ويحرم من يشاء، لأنه متفضل، له أن يتفضل وله ألا يتفضل، فترك تفضله على من حرمه، وذلك عدل منه وقسط، وله في ذلك حكمة بالغة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
والقضاء والقدر كالإسلام والإيمان، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا وشمل كل واحد معنى الأخر وحكمه.
فإذا اجتمع القضاء والقدر في الذكر افترقا في المعنى، فأصبح لكل منهما معنى يخصه، فيراد بالقدر علم الله السابق به، والكتابة لذلك العلم، ويراد بالقضاء مشيئة الله لذلك وخلقه أي تنفيذ ما قدره الله والفراغ منه، وإذا افترقا فذُكر أحدهما دون الآخر، دل على معناه ومعنى الأخر.
فالقدر: سابق للقضاء.
والقضاء: هو تنفيذ القدر والفراغ منه.
والله سبحانه له الخلق والأمر في الكون كله، كما قال سبحانه: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 956
• وأوامر الله سبحانه نوعان:
الأول: أمر كوني قدري، تعلقت به مشيئته الكونية، كأوامر الخلق والتدبير في الكون: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
الثاني: أمر ديني شرعي تعلقت به محبته، فكل ما حصل من طاعات العباد، تعلقت به مشيئة الله الكونية، ومحبته الشرعية، فهو محبوب للرب، واقع بمشيئته، وما لم يحصل من الطاعات تعلقت به محبته الشرعية، دون مشيئته الكونية: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وما وقع من المعاصي تعلقت به مشيئة الله الكونية، دون محبته الشرعية، وما لم يقع من المعاصي تعلقت به محبته الشرعية، دون مشيئته الكونية.
• وأفعال العباد تنسب إلى الله خلقًا، وإلى العباد كسبًا لأمرين:
الأول: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية، وقدرة بدنية، والذي خلق ذلك كله هو الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
الثاني: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى، فما فعله العبد من خيرًا أو شر فهو كسبه، يتعرض لجزائه من الثواب والعقاب، لأنه فعله مسند إليه شرعًا وعقلًا وحسًا، فعله بمحض اختياره على علم بعاقبته، مستعملًا القدرة التي منحه الله إياها، فإن أطاع فطاعته وثوابه من فضل الله عليه، وإن عصى فمعصيته باختياره، وعقوبته من عدل الله فيه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ الإنسان: [الإنسان: ٢ - ٣].
стр. 957
فالإيمان بالقدر من أعظم أركان الإيمان المولدة للطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فالقدر: هو علم الله بكل شيء وتقدير ذلك وكتابته في اللوح المحفوظ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
والإيمان بالقدر:
هو التصديق الجازم بأن كل ما يقع من الخير والشر، وكل شيء فهو بقضاء الله وقدره كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
• أركان الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء كان مما يتعلق بفعله سبحانه كالخلق والتدبير، والإحياء والإماتة و نحو ذلك، أو كان مما يتعلق بفعل المخلوق كأقوال الإنسان وأفعاله وأحواله، وكأحوال الحيوان والنبات والجماد وكل شيء فالله به عليم، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الثاني: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، من المخلوقات والأحوال، والأرزاق والآجال والعوالم، كتب كميته وكيفيته وزمانه ومكانه، فلا يتغير ولا يتبدل، ولا يزيد ولا ينقص، إلا بأمره سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
стр. 958
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وعن عبد الله بن عمر بن العاص قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» أخرجه مسلم (١).
الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله وإرادته، فكل شيء واقع بمشيئة الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا، سواء كان مما يتعلق بفعله سبحانه، كالخلق، والتدبير، والإحياء والإماتة، و نحو ذلك، أو كان مما يتعلق بأفعال المخلوقين كالنيات، والأقوال، والأعمال، والأحوال، كما قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
وقال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١١ - ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
الرابع: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، خلق سبحانه جميع الكائنات بذواتها وصفاتها وحركاتها، لا خالق غيره، ولا رب سواه، كما قال
стр. 959
سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وسر القدر أن كل ما يفعله الله ويقضيه ويقدره على خلقه، ففيه مصالح كثيرة وحكم عظيمة وخير كثير.
فما يفعله سبحانه من المعروف والإحسان دال على كرمه ورحمته، وما يفعله من البطش والانتقام دال على غضبه وسخطه، وما يفعله من اللطف والإكرام دال على محبته وحلمه، وما يفعله من الإهانة والخذلان دال على بغضه ومقته، وما يفعله بمخلوقاته من النقص ثم الكمال دال على كمال قدرته ودال على وقوع المعاد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
فجميع أفعال الله ﷻ مقرونة بالقدرة المطلقة، والقدرة المطلقة مقرونة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة مقرونة بالخير المطلق، فإن الخير كله بيديه، والشر كله ليس إليه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
стр. 960
٣ - الخزانة الثالثة
• فقه القدر:
أقدار الرب نوعان:
الأول: ما يجريه الله في الكون من الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والتصريف، والتدبير ونحو ذلك من الأوامر الكونية.
فهذه الأقدار العظيمة يجريها الله أمامنا كل يوم، لنعلم بها كمال قدرة الله، وعظمة أسمائه وصفاته، وعظمة ملكه وسلطانه، وإحاطة علمه بكل شيء، وكمال رحمته وإحسانه إلى خلقه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
فإذا عرفنا هذه الأقدار العظيمة زاد إيماننا بالله، وزاد تعظيمنا له، وزاد حبنا له، فأطعناه وعبدناه بكمال الحب، وكمال الذل، وكمال التعظيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فإذا علمتم ذلك أحببتم ربكم، وآمنتم به، وعظمتموه وكبرتموه، وأطعتموه وعبدتموه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
الثاني: ما يجريه الله على الإنسان من خير أو شر، فهذا يكون بحسب عمله، فمن آمن وعمل صالحًا أسعده الله في الدنيا، ثم زاد سعادته عند الموت، ثم زاد سعادته في القبر، ثم تبلغ سعادته كمالها في الجنة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 961
ومن كفر وعصى الله شقي في الدنيا، ثم زاد شقاءه عند الموت، ثم زاد عذابه في القبر، ثم ينال كمال العذاب في النار: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
فيجري قدر الله على الإنسان بحسب ما يصدر من الإنسان من خير، أو شر، أو طاعة، أو معصية، وأكثر الناس لا يعلمون سر هذه الأقدار، ولهذا تتراكم المصائب على أكثر الخلق، فيتوجهون إلى المخلوق في حلها فلا ترتفع، بل تزداد فيحصل اليأس والقنوط: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
والحقيقة أن حلها بأيديهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]
فإذا غيروا الكفر بالإيمان، والمعصية بالطاعة، والإساءة بالإحسان، والشرك بالتوحيد، أصلح الله أحوالهم فورًا، وإن غيروا الخير بالشر، عذبهم بذنوبهم حتى يتوبوا إليه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣].
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
أما المصائب:
فتارة تكون عقوبة على المعاصي كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
وتارة تكون تربية للعبد لتصفية توحيده مما شابه، كما قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
стр. 962
وتارة تكون لتكفير سيئاته ورفعة درجاته، كما قال النبي ﷺ : «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةَ يَشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» متفق عليه (١).
وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ بِهَا خَطِيَّةً» أخرجه مسلم (٢).
أنواع القدر:
• أقسام القدر:
ما قدره الله وقضاه بالنسبة للإنسان نوعان:
الأول: ما قضاه الله وقدره من أعمال وأحوال خارج إرادة الإنسان، سواءً كانت فيه، كطوله، وقصره، وحسنه وقبحه، وحياته وموته، ونوعه ولونه.
أو وقعت عليه بغير اختياره كالمصائب، والأمراض، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وغيرها من المصائب التي تارة تكون عقوبة للعبد، وتارة امتحاناً له، وتارة رفعة لدرجاته، وتارة تكفيرًا لسيئاته.
وهذه الأعمال التي تجري فيه، أو تقع عليه دون إرادة منه، لا يُسأل عنها الإنسان ولا يحاسب عليها، ويجب عليه الإيمان أن ذلك كله بقضاء الله وقدره، وعليه الصبر والرضا والتسليم، فما من حادثة في الكون إلا وللعليم الخبير فيها حكم وحكمة، ورحمة وإحسان: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
стр. 963
وما يصيب العبد من ربه فهو خير له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : «يؤذْيني ابن آَدم يسبّ الدهر، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» متفق عليه (١).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (٢).
الثاني: ما قضاه الله وقدره من الأفعال التي يقدر عليها الإنسان ويفعلها بمحض إرادته بما وهبه الله من العقل والقدرة والاختيار، كالإيمان والكفر، والطاعات والمعاصي، والإحسان والإساءة.
فهذه وأمثالها يحاسب عليها الإنسان وبحسبها يكون الثواب والعقاب؛ لأن الله أقام الحجة بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبين الحق من الباطل، ورغب في الإيمان والطاعات، وحذر من الكفر والمعاصي، وزود الإنسان بالعقل، وأعطاه القدرة على الاختيار، فيسلك ما شاء بمحض اختياره، وأي الطريقين اختار فهو داخل تحت مشيئة الله وإرادته، إذ لا يقع في ملك الله شيء بدون علمه ومشيئته وإرادته: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
стр. 964
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
فالإنسان هو الذي يفعل الطاعات والمعاصي، ويختار الإيمان أو الكفر، بمحض اختياره، والله يحاسب العبد حسب اختياره، ويجازيه حسب عمله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة/ ١٨ - ٢٠].
متى يجوز الاحتجاج بالقدر؟.
أولًا: يجوز أن يحتج الإنسان بالقدر على المصائب كما في القسم الأول، فإذا مرض الإنسان، أو خسر، أو ابتلي بمصائب بغير اختياره، فله أن يحتج بقدر الله فيقول: قدر الله وما شاء فعل.
ويقول: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وعليه أن يصبر، ويرضى، إن استطاع، ويحمد الله، لينال الثواب، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 965
والله لا يقدر لعبده إلا ما يصلحه وينفعه، فيرضى العبد بما قدر الله عليه مما يصلحه وينفعه ويرضي ربه، ويحمده أن خصه بذلك، ليعود ويتوب إلى ربه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
ثانيًا: لا يجوز أن يحتج الإنسان بالقدر على المعاصي، فيترك الواجبات أو يفعل المحرمات؛ لأن الله أمر بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي وأمرنا بالعمل، ونهى عن الاتكال على القدر، ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل، كقوم نوح وعاد وثمود ونحوهم، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين.
ومن رأى القدر حجة لأهل المعاصي، يرفع عنهم الذم والعقاب، فعليه ألا يذم أحدًا ولا يعاقبه ولو سرقه أو قتل ابنه أو أخذ ماله، فعليه ألا يذم أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه، ولا يفرق بين من يعمل خيرًا أو شرًا، وهذا باطل مبنيٌ على باطل، وما بني على الباطل فهو باطل وسفاهة في العقل: «ومَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (١).
وقال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨].
стр. 966
٤ - الخزانة الرابعة
• حكم فعل الأسباب:
الدين كله جلال وجمال، وحكم وأحكام، وعدل وإحسان، وقضاءً وقدر وواجبات وسنن، وعلم وعمل، وثواب وعقاب: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فما زواه الله عن العبد من خير أو شر، قدره مربوطًا بأسبابه.
فللخير أسبابه: وهي الإيمان و الطاعات.
وللشر أسبابه: وهي الكفر والمعاصي.
والإنسان يعمل بمحض الإرادة التي قدرها الله له، والاختيار الذي منحه الله له، ولا يصل العبد إلى ما كتب الله عليه وقدره له من سعادة أو شقاء إلا بواسطة تلك الأسباب التي يفعلها باختياره الذي منحه الله إياه، فلدخول الجنة أسباب يجب فعلها، ولدخول النار أسباب يجب تركها: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ [المزمل: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
فكل أحد يجازي حسب عمله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلَا نَتَّكِلُ قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ
стр. 967
مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. أخرجه مسلم (١).
• حكم دفع القدر:
يشرع دفع القدر بالقدر فيما يلي:
أولًا: دفع القدر الذي انعقدت أسبابه ولما يقع بأسباب أخرى تقابله، كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد بضدهما ونحو ذلك: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
ثانيًا: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان وهكذا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت/ ٣٤ - ٣٥].
ومشيئة الله عامة لكل شيء، وفعل الخير والشر من العبد لا ينافي نسبتهما إلى الله خلقًا وإيجادًا، فالله خالق كل شيء كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
ومن ذلك خلق الإنسان وأفعاله، ولكن ليست مشيئة الله دليلًا على رضاه، فالكفر والمعاصي والفساد كائن بمشيئة الله، ولكن الله لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها.
وكون الشيء مبغوضًا مكروها لا يُخرجه عن مشيئة الله المتضمنة لخلق كل شيء، فلكل شيء خلقه الله حكمة مقصودة، واقعة على أساس تدبيره
стр. 968
لملكه وخلقه سبحانه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وقال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وحكم الرضا بالقدر:
الرضا بالقدر ثلاثة أقسام:
الأول: الرضا بالطاعات، وهذا واجب.
الثاني: الرضا بالمصائب، وهذا مستحب.
الثالث: الكفر والفسوق والعصيان، فهذا لا يؤمر العبد بالرضا به، بل يؤمر ببغضه وسخطه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فإن الله لا يحب الكفر والشرك والمعاصي ولا يرضاها، وهو وإن خلقها وهو لا يحبها فإنه يفضي إلى ما يحبه، كما خلق الشياطين، فنحن نرضى بما خلق الله، أما نفس الفعل المذموم وفاعله فلا نرضى به ولا نحبه، فالأمر الواحد يحب من وجه وبغض من وجه، كالدواء الكريه فهو مكروه لكنه يفضي إلى محبوب.
والطريق إلى الله أن نرضيه بأن نفعل ما يحبه ويرضاه، ليس أن نرضى بكل ما يحدث ويكون، ولسنا مأمورين أن نرضى بكل ما قضاه وقدره، ولكننا مأمورون أن نرضى بما أمرنا الله ورسوله أن نرضى به.
ونكره ما أمرنا الله ورسوله أن نكرهه، ونفعل ما أمرنا الله به ورسوله، ونجتنب ما نهى الله عنه ورسوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ
стр. 969
وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
قضاء الله خيرًا أو شرًا له وجهان:
أحدهما: تعلقه بالرب، ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به العبد فقضاء الله كله خير وعدل، وحكمة ورحمة وإحسان.
الثاني: تعلقه بالعبد، ونسبته إليه، فهذا منه ما يُرضى به كالإيمان والطاعات، ومنه ما لا يُرضى به كالكفر والمعاصي، وكذلك الله لا يرضاها ولا يحبها ولا يأمر بها: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وأفعال العباد مخلوقة؛ فالله خلق العبد، وخلق أفعاله، وعلم ذلك وشاءه وكتبه قبل وقوعه؛ فإذا فعل العبد خيرًا أو شرًا انكشف لنا ما علمه الله وخلقه وكتبه، وعلم الله بفعل العبد علم معرفة وإحاطة سابقة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣].
ويعلم سبحانه ما كان، وما يكون، وما سيكون، وكون الله قد شاء وقوع المعاصي، فإن العاصي هو الذي اختارها، فإن الله لا يحب المعاصي ولا يأمر بها، بل يبغضها ويكرهها، والله يحب الطاعات ويبغض المعاصي،
стр. 970
ولكن الله أمر بالطاعات، ونهى عن المعاصي: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فالله عليمُ بكل شيء، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، وما يأذن به، وما يأمر به: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وعن بن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُوْنُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُوْنُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيْهِ الرُّوْحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيْدٍ؛ فَوَ اللهِ الَّذِيْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» متفق عليه (١).
وأفعال الله دائرة بين العدل والإحسان، لا يمكن أن يظلم أحدًا، والإحسان أحب إليه من العدل، والعفو أحب إليه من الانتقام، والمغفرة أحب إليه من العقوبة، فهو سبحانه إما أن يعامل عباده بالعدل، وإما أن يعاملهم بالإحسان، فالمسيء من كافرًا أو مشرك يعامله بالعدل، كما قال
стр. 971
سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]
والمحسن يعامله بالفضل والإحسان، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
فالله يعامل المؤمنين بالفضل والإحسان، ويعامل الكفار والعصاة بالعدل، فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، للمؤمنين، والسيئة بمثلها أو يعفو عنها: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
• فقه أوامر الله :
الله ملك الملوك له أوامر على خلقه.
وأوامر الله نوعان:
الأول: أوامر ملكية كونية، وهذه مستمرة، ينزل منها في كل ثانية مليارات الأوامر.
الثاني: أوامر ملكية شرعية، وهذه انقطعت بموت النبي ﷺ .
• والأوامر الكونية ثلاثة أنواع:
الأول: أمر الخلق والإيجاد، وهو متوجه من الله إلى جميع المعلومات بالخلق، كما قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
الثاني: أمر البقاء، وهو المتوجه إلى جميع المخلوقات بالبقاء، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
стр. 972
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم: ٢٥].
الثالث: أمر التصريف والتدبير، والعطاء والمنع، والنفع والضر، والحركة والسكون، والحياة والموت، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ [غافر: ٦٨].
أما الأوامر الشرعية فهي خمسة أنواع وهي:
١ - أوامر التوحيد والإيمان.
٢ - وأوامر العبادات.
٣ - وأوامر المعاملات.
٤ - وأوامر المعاشرات.
٥ - وأوامر الأخلاق.
وهذه موجهة من الله للثقلين الإنس والجن فقط، وهي الدين الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهي أعظم نعم الله على خلقه، وقد
стр. 973
انقطعت بموت النبي ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وبمقدار قوة اليقين على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وأوامره الكونية والشرعية يأتي عند العباد الشوق والرغبة لامتثال أوامر الله الشرعية بالحب والتعظيم والذل لله .
وبامتثال أوامر الله الشرعية يحصل لنا الأمن والهداية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
ويفتح الله لنا بركات السماوات والأرض في الدنيا، ويدخلنا الجنة في الآخرة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
стр. 974
٥ - الخزانة الخامسة
• أقسام أوامر الله :
أوامر الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: أوامر شرعية قد تقع من العبد، وقد يخالفها العبد بإذن الله
ومنها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
فمن الناس من يؤمن، ومن الناس من يكفر، ومن الناس من يطيع، ومن الناس من يعصي، هذه الأوامر، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
الثاني: أوامر كونية لا بد من وقوعها، ولا يمكن للإنسان مخالفتها، وهي نوعان:
الأول: أمر رباني مباشر لازم الوقوع.
فكل ما أراد الله وقوعه فلا بد أن يقع لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
الثاني: أوامر ربانية كونية.
وهي السنن الكونية التي تتكون بإذن الله من أسباب ونتائج، يتفاعل بعضها مع بعض، ولكل سبب كوني نتيجة، ومن السنن الكونية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣].
ومن ذلك قوله : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦].
стр. 975
ومن ذلك: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
وهذه السنن الكونية يمكن لإبليس وأتباعه محاولة تسخيرها، وجر الناس إليها، لتكون سببًا في هلاك بعض الناس، وقد شرع الله لنا الاستغفار والتوبة والدعاء للنجاة من ذلك.
والدعاء لجوء إلى الله الذي خلق السنن الكونية كلها كالماء، والنار وغيرهما، فهو القادر على إبطال مفعولها، أو تغيير نتيجتها، في أي وقت شاء وكيف شاء، كما أبطل مفعول النار على إبراهيم ﷺ فكانت بردًا وسلامًا وهي تشتعل: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
أقسام الحسنات والسيئات:
الحسنات قسمان، والسيئات قسمان.
فالحسنات قسمان:
الأول: حسنة سببها الإيمان والعمل الصالح، وهي الطاعة لله ولرسوله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: حسنة سببها الإنعام الإلهي على الإنسان، بما يؤتيه الله من مال وأمن، وصحة وعزة ونحو ذلك: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
стр. 976
والسيئات كذلك قسمان:
الأول: سيئة سببها الشرك والمعاصي، وهي ما يصدر من الإنسان من شرك ومعصية: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
الثاني: سيئة سببها الابتلاء، أو الانتقام الإلهي، كأمراض الجسم، وضياع المال، والخوف والجوع، والهزيمة ونحو ذلك: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فالحسنة: بمعنى الطاعة لا تنسب إلا إلى الله، فهو الذي شرعها للعبد، وعلمه إياها، وأمره بفعلها، وحببها إليه، وأعانه عليها، وأثابه عليها: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
والسيئة: بمعنى المعصية لله ورسوله، إذا فعلها العبد بإراداته واختياره، مؤثرًا المعصية على الطاعة؛ فهذه السيئة تنسب للعبد فاعلها، ولا تنسب إلى الله، لأن الله لم يشرعها، ولم يأمر بها، بل حرمها وتوعد عليها، كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
أما الحسنة: بمعنى النعمة؛ كالمال، والولد، والصحة، والنصر، والعزة.
والسيئة: بمعنى النقمة، والابتلاء كالنقص في المال، والأنفس والثمرات، والهزيمة وأمثالها.
стр. 977
فهاتان الحسنة والسيئة بهذا المعنى من عند الله وحده؛ لأنه يبلوا عباده ابتلاءًا، وانتقامًا، ورفعة، تربية لعباده، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨].
سبل دفع عقوبة السيئات.
فالمؤمن إذا عمل سيئة فعقوبتها تندفع عنه بما يلي:
١ - إما أن يتوب إلى الله فيتوب الله عليه.
٢ - أو يستغفر الله فيغفر الله له.
٣ - أو يعمل حسنات تمحوها.
٤ - أو يدعوا له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له.
٥ - أو يهدوا له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
٦ - أو يبتليه الله في الدنيا بمصائب تكفر عنه.
٧ - أو يبتليه في البرزخ بمصائب فيكفر بها عنه.
٨ - أو يبتليه في عرصات القيامة بما يكفر عنه.
٩ - أو يشفع فيه نبيه محمد ﷺ .
١٠ - أو يرحمه أرحم الراحمين، والله غفور رحيم: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢].
• حكمة خلق الطاعات والمعاصي:
الله حكيم عليم، خلق الماء والنار، وخلق الطاعات والمعاصي، لحكم عظيمة، الطاعات يحبها الله، والمعاصي يبغضها الله، وقد أمر الله الخلق بالطاعات، ونهاهم عن المعاصي، وأمرهم بالتوبة من الذنوب والمعاصي، وخلق الله الإنسان مختارًا يطيع ربه مرة، ويعصيه مرة، وربما أورثت الطاعة عند بعض الناس العجب والمنة.
стр. 978
فخلق الله المعصية التي ربما أورثت بعدها التوبة والذلة والانكسار بين يدي الرب، فسبحان الحكيم في خلقه وأمره وشرعه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٢ - ٥].
فقه الطاعات والمعاصي:
مقصود الله من خلقه: توحيده، والإيمان به، وطاعته، وعبادته بما شرع.
والطاعة: تولد المنفعة، وتثمر الأخلاق الحسنة.
والمعصية: تولد المضرة وتثمر الأخلاق السيئة.
فالشمس والقمر، والنبات والحيوان، والبر والبحر، أطاعت ربها فخرج منها منافع كثيرة لا يحصيها إلا الله .
والأنبياء والدعاة، والعلماء، لما أطاعوا الله، خرج منهم من الخير ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وإبليس وجنوده من الجن والإنس، لما عصوا ربهم، وأبوا واستكبروا عن طاعة الله، خرج بسببهم من الشر والفساد في الأرض ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وهكذا الإنسان إذا أطاع ربه خرج منه من الخير والمنافع له ولغيره ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وإذا عصى العبد ربه خرج منه من الشر والمضار له ولغيره ما لا يحصيه إلا الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والذنوب مضرة بالقلوب، مثل السموم مضرة بالأبدان، بل أعظم وأخطر: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والله خلق الإنسان على الفطرة حسنًا جميلًا، فإن تلوث بالذنوب والخطايا نُزع منه حسنه وجماله، وإذا تاب إلى الله عاد إليه حسنه وجماله، وبلغ كماله في الجنة، ورافق رسله وأنبياءه في الدنيا بإتباع السنة، وفي الآخرة بدخول الجنة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وأفعال الله كلها في غاية الحكمة والرحمة، والعدل والإحسان، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، وهو الحكيم العليم، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته، وعذابه وعقوبته، وثوابه وعقابه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠].
• فقه الهداية والإضلال:
الله هو الهادي الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، فالملك ملكه، والخلق خلقه، والأمر أمره: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ومن رحمته سبحانه أن فطر الناس على التوحيد، وحب الخير، وبغض الشر، ثم أكرمهم بأن أرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، وأوضح السبل، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار
стр. 981
والعقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وبعد ذلك، فمن آثر الهداية، ورغب فيها، وطلبها، وعمل بأسبابها، وجاهد في سبيل تحصيلها، هداه الله إليها، وأعانه على تحصيلها وتكميلها، وهذا من رحمة الله بعباده، وفضله عليهم، وإحسانه إليهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن أثر الضلالة، ورغب فيها، وطلبها، وعمل بأسبابها، تمت له، وولاه الله ما تولى، ولم يجد من الله صارفًا عنها، وهذا عدل الله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فقه القدر:
الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، هو الركن السادس من أركان الإيمان التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل حين سأله فقال: ما الأيمان؟
قال: «الإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» أخرجه مسلم (١).
وقضاء الله وقدره كله خير ورحمة، وحكمة وإحسان، والقضاء يوصف بالخير والشر بالنسبة إلينا، فما قدره الله لنا، أو قدره علينا، فيه خير وشر، وحلو ومر؛ لأن أفعال الله كلها حكمة، ورحمة، وخير، بل أفعاله كلها أخير من غيرها: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
стр. 982
فأثر قدر الله علينا بالنسبة إلينا:
منه ما هو حلو: من الصحة، والسلامة، والرزق، والأولاد.
ومنه ما هو مر: من الأمراض، والمصائب وهلاك الأموال، والأولاد.
وكل ذلك من الله خير وحكمة، فالله خلق الملائكة لحكمة، وخلق إبليس لحكمة، وأعطانا لحكمة، ومنعنا أمورًا لحكمة، فالخير كله بيديه، والشر ليس إليه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]
ولا يسلم توحيد العبد إلا باتقاء الشركين:
الشرك الأكبر
والشرك الأصغر.
ومن تساهل في الأصغر جره الشيطان إلى الأكبر: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
ومن أعظم الأشياء التي تخرم الإيمان عدم الرضا بالقدر خيره وشره، سواء وقع عليه، أو وقع على غيره، فالناس يتقلبون في أقدار الله من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف، والربح والخسارة ونحو ذلك.
• فقه الابتلاء:
الناس عبيد لله ابتلاهم بأمرين:
أحدهما: التكليف، وهي الأوامر الشرعية.
الثاني: التقدير، وهو الأقدار الإلهية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
стр. 983
(١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فكل إنسان مبتلى بأمرين:
بالتكليف
والتقدير.
فالتكليف: يكون بالأمر والنهي.
والتقدير: هو ما يجري على الإنسان من محبوب أو مكروه.
والله يوصينا في القرآن كثيرًا بالتقوى والصبر، فالتقوى متعلقة بالابتلاء بامتثال أوامر الله، والصبر متعلقُ بالابتلاء بالقدر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
فالمسلم مكلف بأمرين:
الأول: أفعال الله فيه، وهي القدر، والمطلوب منه الصبر والرضا والحمد.
الثاني: أوامر الله له، وهي التكليف، والمطلوب منه التقوى، وهي امتثال الأمر، واجتناب النهي، وهذان شقا التكليف، والابتلاء امتثال الأمر، والصبر على القدر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فالله خلق الإنسان للابتلاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
стр. 984
إما عملًا بالتكليف وهو الأمر والنهي، أو عملًا أمام التقدير بالصبر والرضا، فالإنسان في كل حال مبتلى؛ إما بالتكليف، أو مبتلى بالتقدير الذي يجري عليه، والتقدير من الله حلو ومر، والهلكة من الله حلو ومر، والهلكة بالحلو أكثر من المر كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
فمن آمن بالقدر، رضي عن الله، ورضي الله عنه، ورضي بما قسم الله له، ولم يتمنى إلا ما قدر الله له من حلو ومر: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فالناس مبتلون بالتكاليف وهي الأوامر والنواهي، كما هم مبتلون بالمقادير حلوها ومرها، والواجب تقوى الله في التكاليف، والصبر على المقادير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
فالواجب تقوى الله في التكاليف، والصبر على المقادير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فإن قدر الله لك نعمة، فاشكر الله ولا تتمرد، وإن قدر الله عليك مصيبة فاصبر ولا تتسخط، فهذا عطاء، وهذا عطاء، والله يربي عباده بالسراء والضراء، وعلى العبد الرضا بهذا وهذا: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
стр. 985
وهو سبحانه الحليم الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧].
والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فلا بد للناس من الابتلاء ليتبين الصادق من الكاذب، والابتلاء يكون بالمحبوب والمكروه، وبالحلو والمر، وبالعطاء والمنع: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وعلم الله سابق على كل شيء قبل وقوعه، ولكن الله يظهره ليطابق لما كتبه في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].