← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

رابعًا: القرآن الكريم كتاب العلوم والأحكام كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. خامسًا: القرآن العظيم كتاب الأجر والثواب؛ فقراءة الحرف منه بعشر حسنات. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْف». أخرجه الترمذي والبيهقي (١). وأعظم مقاصد القرآن العظيم تعلم التوحيد والإيمان، وإخلاص العبادة لله ، ومعرفة صفات المؤمنين، وتعلم الدعوة إلى الله والاقتداء بالأنبياء والرسل، في الإيمان، وصدق اليقين، وحسن الخلق، والقيام بالدعوة إلى الله، والاهتداء بما في القرآن الكريم من أعظم العلوم، وهو معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة قدرة الله وعظمته، وسعة علمه ورحمته، ومعرفة نعمه وإحسانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 9207

وبمعرفة ذلك يتم معرفة التوحيد لله ﷻ ، ثم العلم والعمل بما في القرآن من أحكام ومن عبادات ومعاملات، والتحلي بما فيه من مكارم الأخلاق، والاقتداء بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. وإذا قامت الدعوة إلى الله، جاءت الهداية إلى الإيمان وإذا جاء الإيمان، جاءت الرغبة للعمل بالأحكام والإقبال على العمل الصالح بأنواعه، وإذا جاء الإيمان والعمل الصالح، أسعد الله الإنسان في الدنيا والآخرة، وأدخله الجنة ورضي عنه، وننوي مع هذه المقاصد الكبرى تحصيل الأجر والثواب من الله وحده لا شريك له: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وفي هذا الزمن حرم أكثر الأمة بركة الوحي؛ بسبب ترك الدعوة، وصار أكثر الناس يقرأ ويحفظ القرآن، ويتعلمه ويعلمه، لتحصيل الأجر والثواب في الآخرة فحسب، وهذا لا يكفي، فالقرآن متعبد بتلاوته، ومتعبد بتدبره، ومتعبد بالعمل به: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. اللهم اجعل القرآن العظيم شاهد لنا ولا تجعله شاهدًا علينا وارزقنا حسن تدبره، والتصديق بأخباره، والعمل بأحكامه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ

стр. 9208

فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥]. ويجب على الداعي إلى الله أن يصبر في جميع الأحوال، وأن يرحم الخلق مهما بلغت إساءتهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. والداعي يمشي بالدعوة إلى الله بعاطفتين: عاطفة الرحمة للخلق .. وعاطفة الغيرة. عاطفة الغيرة حتى لا يُعصى الله في الأرض، وعاطفة الرحمة حتى لا يذهب الإنسان إلى جهنم. وفي الدعوة نظهر عواطف الرحمة، ونكبت عواطف الغيرة، وفي القتال نظهر عواطف الغيرة ونكبت عواطف الرحمة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩]. ونتأثر ونخاف ونجوع ونتألم، ولكن عن طاعة الله ورسوله لا نتأخر في عبادةٍ أو دعوةٍ ما قدرنا واستطعنا: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. والهوى نوعان: أحدهما: هوى الفسقة كيف يفسدون الدين. الثاني: هوى الصالحين كيف ينتشر الدين بسرعة، بلا حكمة ولا رحمة ولا صبر ولا لطف. وهذا وهذا كله مذموم، والهوى المحمود ما كان تابعًا لما جاء به محمدٌ ﷺ : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى

стр. 9209

فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال الله تعالي: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال الله تعالي: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والداعي إلى الله يتحمل كل شيءٍ من أجل إعلاء كلمة الله، ولا ينظر إلى مرارة الابتلاء، بل ينظر إلى جمال المُبتلي، ولا ينظر إلى قسوة الظالم، بل ينظر إلى من أذن له أن يظلم أن يكف عنه ظلمه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]. • والله ربى الأنبياء بثلاثة أنواعٍ من التربية وهي: ١ - التربية البدنية. ٢ - التربية الأخلاقية. ٣ - التربية الإيمانية. فالتربية البدنية بالسراء والضراء. والتربية الأخلاقية برعي الغنم، وما من نبيٍ إلا وقد رعى الغنم. والتربية الإيمانية بمعرفة الله ومعرفة قدرته، ومعرفة أسمائه وصفاته. فالتربية البدنية والأخلاقية؛ لتعلم الصبر والرحمة قبل النبوة. والإيمانية؛ ليأتي اليقين في القلب على قدر ة الله . وبعد كمال التربية جاء التكليف بالدعوة إلى الله.

стр. 9210

وكمال الجهد أن نضحي بكل شيء من أجل الدين، ثم نستقله، نضحي بالأوقات والأموال، والأنفس والشهوات، وننسب الفضل إلى الله الذي وفقنا لهذا العمل العظيم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وعند المعصية يرى الداعي سوء عمله، وعند الطاعة يرى فضل الله عليه. وليس من سُنة الله أن يُضيع من آمن به، وتوكل عليه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧]. وقال الله تعالي: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. والله يظهر قدرته حسب يقين المؤمن وحسن ظنه بالله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وحياة الإنسان إما أن تكون على الهوى كالبهائم، أو تكون على الهدى كالأنبياء، والله أرسل الأنبياء والرسل لصرف الناس من الهوى إلى الهدى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١]. وأحسن حياة، وأجمل حياة، وأطهر حياة، حياة الأنبياء والرسل والملائكة والمؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].

стр. 9211

وقال الله تعالي: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. وأسوأ حياة حياة الشياطين والمجرمين والكافرين: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]. وقال الله تعالي: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وقال الله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. والداعي إلى الله في الليل واقفٌ بين يدي ربه يقول: يارب: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١ - ٢]. وفي النهار واقفٌ بين يدي الناس يقول: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤]. وقال الله تعالي: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ [الأعراف: ١٠٤]. وقال الله تعالي: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠]. وقال الله تعالي: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ [المزمل: ٧]. وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ١ - ٣].

стр. 9212

فالدين خطوتان: ١ - خطوةٌ للعبادة. ٢ - خطوةٌ للدعوة. قال الله تعالي: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. والحاجة من أجل المقصد لها حكم المقصد: والحاجة هي الأكل والشرب وأمثالهما، والمقصد هو الدعوة إلى الله، فمن أكل ليتقوى على العبادة فهو في عبادة. والمقصد هو الدعوة إلى الله، فمن أكل ليتقوى على العبادة والدعوة فهو في عبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. والمقصد من أجل الحاجة كالمنافقين خرجوا للجهاد من أجل الغنائم، فمن قام بالدعوة إلى الله من أجل أن تصلح حاله فلا قيمة لعمله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. والنبي ﷺ وأصحابه ﵃ ابتلاهم الله بالجوع والسجن ثلاث سنوات في مكة؛ ليعلم الله هل قام الصحابة ﵃ بالدين من أجل الحاجة، أو قاموا به ابتغاء وجه الله؟ فلما صبروا وصدقوا جعل الله كنوز كسرى وقيصر تحت أقدامهم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].

стр. 9213

• وظيفة المسلم: إظهار محاسن الدين .. والدعوة إلى محاسن الدين. والكافر والجاهل يظهر محاسن الدنيا، ويُخفي محاسن الدين، ويُعرض عن محاسن الدين، فشتان بينهما: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وأفضل حياة إظهار محاسن الدين، وإخفاء محاسن الدنيا، وأسوأ حياة إظهار محاسن الدنيا، وإخفاء محاسن الدين. والدعوة إلى الله إظهار محاسن الدين كلها عبادةً ودعوةً وأخلاقًا؛ ليدخل الناس في الدين. وفي مكة كان النبي ﷺ ثلاثة عشر عامًا يُظهر محاسن الدين، وذلك ببيان عظمة الله، وعظمة أسمائه وصفاته، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة شرعه، ويُرغب في الأخلاق العالية، ويخبر الناس بما لهم بعد القدوم على الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. والدين ركنان: عبادة الحق سبحانه .. والإحسان إلى الخلق. قال الله تعالي: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. قال الله تعالي: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 9214

وبعض الناس قويٌ في عبادة الحق والإحسان إلى الخلق، وبعضهم قويٌ في عبادة الحق ضعيفٌ في محاسنة الخلق، وبعضهم ضعيفٌ في عبادة الحق، وقويٌ في محاسنة الخلق، وبعضهم ضعيفٌ في عبادة الحق ومحاسنة الخلق، وهذا أردأ الأقسام، والأول أعلاها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. • فقه حب المال: حب المال ليس داءً، إنما تعلق القلب بالمال هو الداء، والتعلق بالدنيا يأتي بالنظر بعد النظر إلى الأشياء: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] فحب المال أمرٌ فطري، ولكن التعلق بالمال والاشتغال به عن عبادة الله هو المنهي عنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. • فقه عزة النفس والروح: عزة النفس مقابلة لعزة الروح، فالنفس تريد أحسن سمعة، وأحسن شهرة، وأحسن شهوة: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. والروح تريد أحسن ذكر، وأحسن عبادة، وأحسن أخلاق، فالمؤمن غلبت روحه نفسه، والكافر غلبت نفسه روحه.

стр. 9215

وعزة المؤمن بالإيمان وطاعة الله ورسوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. وعزة الكافر عزة نفس في شقاقٍ مع الدين دائمًا؛ لأنها تُريد شهوات النفس في مقابل أوامر الله، النفس تريد أحسن أكل، أحسن سكن، أحسن لباس، أحسن زوجة: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص: ١ - ٢]. ففي الدنيا لا يجتمع للمؤمن عزة نفس، وعزة روح، وفي الجنة تجتمعان، ففي الجنة جميع شهوات النفس من كل نعيم، وجميع شهوات الروح من رضوان الرب، ورؤيته، وسماع كلامه، وتسبيحه، ففي الدنيا عزة الروح في إذلال النفس، وهذا طريق العزة والأمن والسعادة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. • جهد الدعوة إلى الله: الله مدح جهد الدعوة إلى الله في الأمم السابقة بشكلٍ انفرادي قبل بعثة النبي ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١].

стр. 9216

وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم: ٥٦]. ومدح سبحانه جهد الدعوة إلى الله بعد بعثة النبي ﷺ بشكلٍ اجتماعي من الرسول وأمته، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. لأن هذا الجهد جهد أمةٍ على أمة، جهد أمة وهم المسلمون على أمة وهم من سواهم من الكفار، ليدخل الناس جميعًا في دين الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. • أحوال الداعي إلى الله: يمر الداعي إلى الله بأربع مراحل هي: أولًا: الحماس، وعلاجه الترتيب والتؤدة والحكمة. الثاني: الابتلاء، وعلاجه الصبر. الثالث: الملل، وعلاجه لزوم الجماعة. الرابع: الكرامات، وعلاجها الصمت. أما مع الناس فيُبتلى الداعي إلى الله بأمور هي: إقبال الناس عليه، أو إدبارهم عنه، وعرض الأموال عليه، وعرض المناصب عليه، إثارة الشبهات حوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].

стр. 9217

وعلاج ذلك كله بالتعلق بالله وحده، وعدم الالتفات إلى ما سواه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾ [إبراهيم: ١٢]. وقال الله تعالي: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. • واجبات الداعي إلى الله: يجب على كل داعية ما يلي: أولًا: البيان والبلاغ، وهذا لا يكفي بل لابد من القدوة الحسنة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله تعالي: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣ - ٢]. ثانيًا: نقل القرآن بأخباره الصادقة، وأحكامه العادلة، من السطور إلى الصدور، ومن الصدور إلى الجوارح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].

стр. 9218

وقال الله تعالي: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل: ٣٢]. ثالثًا: إعادة البناء الذي بناه الرسول ﷺ في الأمة على التوحيد والإيمان، وتطبيق الأحكام، والتحلي بمكارم الأخلاق: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. رابعًا: معرفة جهد الأعداء؛ ليعرف جسامة الجهد المطلوب تجاههم. خامسًا: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ ليعرف الداعي إلى الله من يدعو إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. سادسًا: معرفة أوامر الله؛ ليدل الناس على ما يحبه ربهم ويرضاه. قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. سابعًا: معرفة وعد الله ووعيده؛ ليُعرف الناس بجزاء الطاعات، وعقوبة المعاصي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨]. ثامنًا: تذكير الناس بعظمة الله وقدرته؛ ليكبروه ويتوكلوا عليه، وتذكيرهم بنعمه؛ ليحمدوه ويشكروه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 9219

وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. ومن أصول الدعوة إلى الله. أعظم معجزة في حياة النبي ﷺ هي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. الله سبحانه وصف الأخلاق الكريمة بالمركوب، ومحمدًا ﷺ بالراكب، فما أحسن الراكب، وما أحسن المركوب، وما أحسن ما يحمل الراكب: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. والله سبحانه فرق الأخلاق الحسنة في الأنبياء والرسل، ثم جمعها في سيد الأنبياء والرسل. فنوح كان عبدًا شكورًا، وأيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤]. وإبراهيم أواه حليم، وأخلاق النبي ﷺ قبل الدعوة جمعت الناس حوله وأخلاق النبي ﷺ بعد الدعوة نفرت الناس عنه، وهي لم تتغير، بل زادت حسنًا ورحمةً وتقوى، فماذا قالوا له؟ قالوا: ساحر، كذاب، مجنون، شاعر، وغيرها من الصفات السيئة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨].

стр. 9220

وأعظم قسم في القرآن هو قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٧]. وجميع صفات الأنبياء والرسل أعطاها الله لمحمدٍ ﷺ ، وأمره بالإقتداء بهم كما قال سبحانه عن الأنبياء والرسل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. والتضحيات نوعان: موهوبة .. ومكتسبة. وقد أعطاها الله الأنبياء والرسل، وهي مما أكرم الله به هذه الأمة، والتضحيات التي تربى بها الصحابة تضحيات موهوبة، فهم خير القرون، والأنبياء لا ينظرون إلى البلوى، وإنما ينظرون إلى جمال المبتلي؛ لذلك يوسف ﷺ اختار السجن على فتنة النساء، لما فيه من التربية والدعوة، كما قال ربه عنه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣]. فهذا هبة من الله. وفتنة الداعي إلى الله دائمًا في البيئة الموافقة، وحفاظة الداعي إلى الله دائمًا في البيئة المخالفة، ففي مكة بيئة مخالفة لا يوجد فيها منافق، وفي المدينة بيئة موافقة فجاء النفاق والفتن.

стр. 9221

وهناك فرق بين المعية والنصرة فمعية الله خاصة بالمؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. والنصرة قد تكون للمسلم أو الكافر، ففي أحد النصرة للكفار، والمعية مع المؤمنين، لهذا مراد المسلم من هذا الجهد العظيم، وهو الدعوة إلى الله أن تكون معية الله معه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. لأن النصرة فيها حظ النفس، وفي زمن عمر بن الخطاب ﵁ أتت النصرة، فكنوز الأرض جاءت إلى المدينة فبكى عمر ﵁، فالصحابة كانوا يخافون من النصرة، قيل: يا عمر هذا وقت البكاء أو الفرح؟ قال: والله لو كان فيها خير لأعطيت من قبلي. فمراد الداعي من هذا الجهد المعية لا النصرة، ولو جاءت نصرة عمر في زماننا هذا لبكينا من الفرح، فمتى نفهم مراد الله منا؟ والله سبحانه وعد على المعية فقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. ويوسف ﷺ طلب السجن؛ لأن مع السجن معية، وهناك بدأ بجهد الدعوة إلى الله فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠].

стр. 9222

ويوسف ﷺ دخل سجن العبيد، لأن جهد الأنبياء أولًا على البسطاء، فالزيارة الخصوصية لكبار القوم فيها إظهار النفس، والزيارة العمومية فيها تربية للنفس، والمقصود من زيارة الخواص حتى ننزلهم إلى العوام؛ لأن حفاظة الأمة على العموم، فالدعوة إلى العموم فيها حفاظة الدعوة والداعي. قال النبي ﷺ : «أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». أخرجه أحمد بسند صحيح (١). وكان النبي ﷺ يقول ذلك في الموسم، وساقي الملك وخبازه رأوا في يوسف ﷺ صفات الصدق فتأثروا به، وطلبوا منه تعبير الرؤية: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف: ٣٦]. وكما قال الذي نجا منهما: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ [يوسف: ٤٦]. فأظهر يوسف ﷺ صفات الصدق والإخلاص، وحب الخير والإحسان فتأثر به من حوله. والقصد من الدعوة إلى الله إيصال الخلق إلى الحق سبحانه.

стр. 9223

وذلك لا يتم إلا بأمرين: الدعوة .. والدعاء. فالذي عنده جهد النهار، وليس عنده جهد الليل، فهذا لا يدعو الناس إلى الله بل يدعوهم إلى نفسه، والذي عنده جهد النهار، وهو الدعوة، وجهد الليل وهو التعبد والتهجد لله فهذا اكتملت عنده شروط الهداية بالدعوة والدعاء، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]. فهذا الذي ينفع نفسه، وينفع غيره، والذي عنده جهد الليل، وليس عنده جهد النهار، فهذا نيابته عن النبي ﷺ ناقصة لتركه الدعوة، فلابد من الدعوة والدعاء: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. فالمساجين مع يوسف ﷺ استأنسوا بيوسف وأحبوه، وطلبوا منه تفسير الرؤى، وتفسير الرؤى فراسة لا دراسة، وهبة من الله، ففسر لهم الرؤية بالحكمة مجملة: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ [يوسف: ٤١]. وقال يوسف لأحدهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وهذه زلة لسان، وتركٌ للأولى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ [يوسف: ٤٢].

стр. 9224

١٠ - الخزانة العاشرة ٩ - أهمية الدعوة إلى الله وحكمها: • أهمية الدعوة إلى الله الله ذكر الأحكام كلها مجملة في القرآن الكريم، وفصلها النبي ﷺ في السنة، ولكنه سبحانه فصل جهد الدعوة إلى الله في القرآن الكريم تفصيلًا شافيًا، كافيًا، لم يفصل فيه عبادات الأنبياء، ولا حج الأنبياء؛ لا حج آدم، ولا صلاة إبراهيم، ولا صيام داوود ﷺ ، لكنه أخبر بها إجمالًا. فالله سبحانه لم يبين قصة عابد واحد في القرآن، ولكنه بين في القرآن بالتفصيل دعوة الأنبياء إلى الله، وما حصل لهم من الأذى والتكذيب، وبين صبرهم ورحمتهم لأممهم وبين كيف نصرهم، وخذل أعداءهم، ودعانا للاقتضاء بهم، ففصل قصة موسى ﷺ في تسعة وعشرين جزءًا من القرآن الكريم، كلها في بيان أصول الدعوة إلى الله وبين سبحانه بالتفصيل دعوة الأنبياء لأممهم، فذكر قصة آدم ويونس، وزكريا، ونوح وإبراهيم وموسى، وعيسى وهود وصالح وشعيب ولوط ويوسف وغيرهم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن هذه الأمة مبعوثة للدعوة إلى الله، وقدوتها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ الأنعام: ٩٠.

стр. 9225

وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. فهل من متفكر، وهل من متدبر، وهل من عامل بما علم؟!. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. • وقت بداية الدعوة: الدعوة إلى الله هي بيان مسائل الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وغيرها من أركان الإيمان، فالدعوة إلى الله كانت من أول يوم، ومن أعظم ثمراتها التوحيد، والإيمان بالله، والأعمال الصالحة، وهناك فاصل زمني طويل بين الإيمان ونزول الأحكام التكليفية، وليس هناك فاصل زمني بين الإيمان والدعوة؛ لأن هذه الأمة مبعوثة كالأنبياء بالدعوة إلى الله إلى يوم القيامة وكان كل نبي يعلم أمته بعد الإيمان الأحكام، ولأن الله بعد بعثة محمد ﷺ أمره أن يعلم أمته بعد الإيمان، الدعوة إلى الله، ثم علمهم بعد ذلك أحكام الدين في المدينة؛ لأن هذه الأمة مبعوثة كالأنبياء بنشر الدين في العالم إلى يوم القيامة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فقد دعا إلى الله من أول يوم في مكة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخديجة وبلال وعمار وغيرهم من أوائل الصحابة ﵃: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 9226

الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. والدعوة إلى الله تكون بطريقين: الأول: طريق اللين واللطف: وهو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة والبراهين، بأحسن أسلوب وألطفه، وهذا الطريق هو المطلوب المشروع بداية ونهاية مع جميع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. الثاني: طريق القوة والشدة: وهو الجهاد في سبيل الله، ورد المستكبرين المعاندين والظالمين، فإذا لم يستجب الكفار للدعوة إلى الله، تعين طريق القوة بالجهاد في سبيل الله، حتى تفتح البلاد، ويعبد الله وحده، وتقام حدوده، ويزال الظلم والفساد، ويكون الدين كله لله في ملكه، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فلا إكراه في الدين، فالجهاد في سبيل الله لا يكون إلا بعد

стр. 9227

إقامة الحجة على الناس بالدعوة إلى الله، ليكون الدين كله لله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ وَيُقِيْمُوْا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهَمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله». متفق عليه (١). • حكم الدعوة إلى الله: الله أكرم هذه الأمة بأن جعل أعمارها قليلة، وأعمالها مضاعفة، وذنوبها مغفورة، وعيوبها مستورة؛ وذلك من أجل قيامها بعمل الأنبياء وهو الدعوة إلى الله، وعبادته وحده لا شريك له. والله اختار هذه الأمة وأثابها من بين سائر الأمم وكرمها وشرفها بهذا الدين، والدعوة إليه إلى يوم القيامة، فالدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم

стр. 9228

ومسلمة كل بحسب قدرته وعلمه. والدعوة إلى الله مسئولية الأمة وحاجة الأمة؛ فبها يزيد الإيمان، ويهتدي الناس بإذن الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وهذا النص عام مطلق في الزمان ليلًا ونهارًا، ومطلق في المكان شمالًا وجنوبًا، وشرقًا وغربًا، ومطلق في الجنس العرب والعجم، والإنس والجن، ومطلق في النوع الرجال والنساء، ومطلق في السن الكبار والصغار، ومطلق في اللون الأبيض والأسود، ومطلق في الطبقات السادة والعبيد، والأغنياء والفقراء، ومطلق في الأحوال المقيم والمسافر، والمطلق والسجين، والصحيح والمريض. فالدعوة لهؤلاء واجبة؛ لأنهم من الناس، وهذا الدين لكل الناس، والدعوة من هؤلاء إذا أسلموا واجبة، لأنهم من أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال النبي ﷺ يوم النحر في حجة الوداع مخاطبًا لجميع من آمن به من أصحابه عربًا وعجمًا، رجالًا ونساءً، أبيضهم وأسودهم، غنيهم وفقيرهم،

стр. 9229

سادتهم وعبيدهم: «ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب، فَإِنْ الشَّاهِد عَسى أَنْ يبلغ من هُوَ أوعى لَهُ مِنْهُ». متفق عليه (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». أخرجه البخاري (٢). ويبذل الجهد لإعلاء كلمة الله ونشرها تحصل لنا الهداية، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. • صفة الداعي الحق: الداعي الحق هو من جاء في قلبه اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ويتكلم من قلبه بواسطة لسانه، وكلام الداعي إما داء وإما دواء، فإن كان يغرف من مشكاة النبوة، ويبلغ الوحي كما نزل باليقين مع التقوى، فكلامه دواء، يشفي الله به السقيم، ويهدي كل ضال أراد الله هدايته: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].

стр. 9230

وإن كان يغرف من هواه، وأفعاله تخالف أقواله، فكلامه داء يضر نفسه ويصرف غيره عن الحق، ويفتن الخلق: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. • أقسام الناس في العمل: المسلمون في العمل قسمان: منهم من اجتهد على الدنيا، ثم راح وتركها، ومنهم من اجتهد على الآخرة، ثم مات فوجدها، وهم المؤمنون. والذين اجتهدوا على الآخرة قسمان أيضًا: الأول: من اشتغل بالعبادة فقط، فهذا قد انقطع عمله بموته. الثاني: من اشتغل بالعبادة، والدعوة إلى الله، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله، فهذا عمله مستمر؛ لأن كل من اهتدى بسببه، فله مثل أجره إلى يوم القيامة: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢].

стр. 9231

وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً». أخرجه مسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» أخرجه مسلم (٢). • فقه حكم الدعوة إلى الله: مقصد بعثة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام دعوة الناس إلى التوحيد والإيمان، ليعبدوا الله وحده لا شريك له، فيسعدوا في دنياهم وأخراهم: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 9232

والدعوة إلى الله كما هي وظيفة الأنبياء والرسل فهي كذلك وظيفة هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. والدعوة إلى الله من أعظم وظائف الدين؛ لأنها وسيلة تبليغ الدين، وطريق تعليم المكلفين، وسبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله نبيه ﷺ بالدعوة إلى الله، وأمته تابعة له في هذا التشريف والتكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. والدعوة إلى الله من أعظم مهمات الدين؛ لما فيها من إنقاذ البشرية من الكفر والشرك وعذاب النار يوم القيامة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقد لعن الله كفار بني إسرائيل لما تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لما يسببه ذلك من الفساد العظيم في الحياة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا

стр. 9233

كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٧٨: ٨٠]. فتجب الدعوة إلى الله على جميع هذه الأمة رجالًا ونساءً كل حسب طاقته، حتى يعبد الله وحده في الأرض، ويزول الشرك، وتزول الفتن، ويكون الدين كله لله. والدعوة إلى الله كما أنها أحسن عمل، فهي أفضل عمل، لما فيها من إخراج الناس، من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، والفوز بالأجور العظيمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وعن أبي هريرة ﵁، أن الرسول ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً». أخرجه مسلم (١).

стр. 9234

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٥ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الثاني ويشتمل على ما يلي: ١ - أصول حياة الأنبياء والرسل. ٢ - أحكام الدعوة إلى الله. ٣ - الأصول الكبرى لدعوة الأنبياء والرسل. ٤ - مراحل الدعوة إلى الله اليومية. ٥ - حياة الداعي إلى الله اليومية ٦ - حياة الرسول، وجهد ﷺ الرسول ٧ - عقوبة ترك الدعوة ٨ - الفرق بين الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله

стр. 9235

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٥ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الثاني وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 9236

٦٥ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى ١ - أصول حياة الأنبياء والرسل. حياة الأنبياء والرسل تقوم على أربعة أصولٍ عظيمة هي: الأول: التضحية بكل شيء من أجل الدين الذي أرسلهم الله به. وذلك بترك الأدنى من أجل الأعلى، والخروج من مزاج النفس إلى مزاج الدين، وتقديم الوحي على العقل، وتقديم الهدى على الهوى. ومن ضحى بشيءٍ من أجل الله وهبه الله له فورًا كما حصل لإبراهيم ﷺ ، وتلك حقيقة المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فإبراهيم ﷺ ضحى بنفسه من أجل الدين، فوهب الله له الحياة: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. وضحى ﷺ بالبلد في العراق، فوهب الله له أحسن بلد في مكة التي بنى فيها هو وإسماعيل البيت العتيق: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨].

стр. 9237

وضحى ﷺ بالولد، فالله أحيا الولد وهو إسماعيل، وأخرج من نسله أفضل ولد وهو محمدٌ ﷺ سيد الأولين والآخرين: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠٢]. وضحى بأم الولد فجعلها الله أمًا للعرب، وجعل خطواتها بين الصفا والمروة نُسكًا يُتعبد الناس به إلى يوم القيامة في الحج والعمرة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢]. الثاني: الاستقامة على الدعوة إلى الله، وعلى عبادة الله . فالدعوة أمر الله كالصلاة والزكاة وغيرها، والذي يُريد الاستقامة لابد له من التوبة، ولا يستقيم على جهد الدعوة إلى الله إلا من تيقن أن فلاح البشرية كلها بهذا العمل العظيم، ويلزم بيئة الإيمان؛ ليزيد إيمانه، ويُحسن الظن بربه وبالناس، ويصبر على الأذى والمشقة، ويتحلى بمكارم الأخلاق: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وأعظم الأمراض التي تطرد الإنسان من العمل هي الغيبة، والنميمة، وإتباع الهوى، والانتقاد، وحب الدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].

стр. 9238

الثالث من أصول دعوة الأنبياء والرسل: السابقة في كل ميادين طاعة الله ورسوله حتى الممات، في الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، وعبادة الله، والإحسان إلى الخلق، والإنفاق، وكل فضيلة. والصحابة قدم كل واحدٍ منهم ما يملك، وما يستطيع، إلى أخر يومًا في حياته؛ ولهذا ﵃ وقربهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. الرابع: الدعاء والاستغاثة بالله وحده؛ لأنه قاضي الحاجات كلها، والقرآن كله يُبين دعوة الأنبياء، ودعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر: ٩ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].

стр. 9239

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. فهذه هي أصول دعوة الأنبياء والرسل: التضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله، والاستقامة على الدين ظاهراً وباطناً، والسابقية في كل ميدان من ميادين طاعة الله ورسوله، والدعاء والاستغاثة بالله وحده لا شريك له. فمن قام بهذه الأمور حصل له كمال الإيمان والتقوى والفلاح في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. ومقصود الدعاء: إحياء أمر الله بطلب الحوائج من الله وحده الذي بيده مقاليد الأمور، أما الاستجابة فالله أمر بالدعاء، ووعد بالإجابة، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. ومن نقص من هذه الأمور واحدًا حُرم من الثمرة بقدر النقص، ومن سُنَّة الله أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه. والذين قاموا على هذا العمل العظيم بإكمال هذه الأصول بإخلاص ماتوا على العمل في أحسن حال في الصلاة، في الحج، في زيارة الخلق، في الشورى، في التعليم ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله به: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ

стр. 9240

وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. واعلم أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل أحد: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال النبي ﷺ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». أخرجه البخاري (١). فالدعوة إلى الله فرض عينٍ على كل أحد من الرجال والنساء. وفي مكة لا توجد فريضة تُزاحم فريضة الدعوة بعد الإيمان، والنبي ﷺ في مكة بدأ مع الأمة بالأعلى، وهو تعلم جهد الدعوة إلى الله، ودعوة الناس إلى الله، ثم جاء تعلم أحكام الدين في المدينة صلاةً وزكاةً وغيرها من الأحكام. والنزول من الأعلى إلى ما دونه أسهل من الصعود من الأسفل إلى الأعلى؛ لهذا من فهم مقصد حياته ﷺ ، وهو الدعوة إلى الله، فورًا يصعد إليه، ثم يسهل عليه القيام بأعمال الدين. والذي لم يفهم مقصد حياته، وهو الدعوة إلى الله، يصعب عليه القيام بأوامر الله، ثم الصعود إلى الأعلى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧].

стр. 9241

واعلم أن تربية جميع الأنبياء بشيئين: الأول: الدعوة إلى الله . الثاني: الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله. لأن الهداية تأتي بعد الهجرة، والله ربي هذه الأمة بالدعوة والهجرة؛ لأن الدين ينتشر بالدعوة والهجرة في سبيل الله، كما قال سبحانه عن إبراهيم ﷺ : ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. • أصول حياة الأنبياء والرسل وأتباعهم: تقوم حياة الأنبياء والرسل وأتباعهم على أربعة أصول هي: التضحية، والاستقامة، والسابقية، والدعاء والاستغاثة بالله. أولًا: التضحية بكل شيءٍ من أجل الدين هو أساس المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وبالتضحية يأتي الإيمان المطلوب في الحياة، والتضحية ترك الأدنى من أجل الأعلى، وتقديم محبوبات الرب على محبوبات النفس، وتقديم الهدى على الهوى، فمن ذات الله تخرج الأوامر الشرعية، ومن ذات النفس تخرج الشهوات الحيوانية، والعبد بينهما، وفلاح العبد أن يُقدم الأوامر الإلهية على الشهوات البشرية.

стр. 9242

وخسرانه أن يتوجه إلى الشهوات ويقدمها على الأوامر الشرعية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. والتضحية التي يأتي بها الإيمان هي التضحية بالمحبوب المخلوق للوصول إلى الخالق، فالله واحدٌ أحد لا يقبل له شريكًا أبدًا، ولتضحية المطلوبة شرعًا هي هل يترك العبد الأسباب أم يجمع الأسباب؟. والجواب لا هذا ولا هذا، بل التضحية بالأسباب والوسائل، فبنو إسرائيل جمعوا الأسباب والوسائل، وبسبب هذا الجمع جاءت فيهم الجرأة على أنبيائهم، وأكل الأموال بالباطل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. فمشكلة بني إسرائيل جمع الأسباب والوسائل، ومنه الذهب والفضة الذين أخذوهما من مصر، فالسامري أخذ منهم الذهب وصنع لهم منه عجلًا، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، فضلوا وفتنوا بهذا السبب، وجاءتهم تسع آيات في أربعين سنة في مصر يرون آيات الله، فلم يتأثروا ولم يزد إيمانهم؛ لأن مزاجهم جمع الأسباب والوسائل، وسحرة فرعون رأوا آيةً واحدة من موسى وهي العصا فآمنوا فورًا وسجدوا لله؛ لأنهم على الفطرة السليمة التي أوصلتهم إلى الخالق: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨].

стр. 9243

وموسى ﷺ ذهب يشكر الله على نجاته وقومه من فرعون الذي كان يسوموهم سوء العذاب، ووعدهم على أن يرجع إليهم بعد ثلاثين ليلة، فصامها موسى، وأكملها استعدادًا للقاء ربه واستقبال الوحي، وبعد شهرٍ استاك موسى، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فتغيرت رائحة الفم، فأمره الله أن يتم عشر ليالٍ ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ثم جاء إليهم بالتوراة، فلما بدأ موسى بصيام العشر عبد بنو إسرائيل العجل، فخرج بنو إسرائيل بسبب ذلك من الإيمان إلى الكفر، وفي الليلة التي أُنزل فيها القرآن أنزل الله فيها التوراة. وخليفة موسى ﷺ في قومه أخوه هارون: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ولكن بني إسرائيل استهزئوا به كما قال هارون: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وخليفة محمد ﷺ من بعده أبو بكر الصديق ﵁، فالعرب استهزئوا به، وقالوا: أنعطي الزكاة لابن أبي قحافة؟ فبنو إسرائيل لما استهزئوا بهارون كتب الله عليهم الردة، والعرب لما استهزئوا بخليفة رسول الله ﷺ كتب عليهم الردة، وتلك سُنَّة الله في خلقه الاستهزاء بالمسئول يُعقبه عقوبةٌ من الله .

стр. 9244

ونحن ليس فينا من هو في مستوى هارون ﷺ ولا في مستوى أبي بكر ﵁، لكن الذي يستهزئ بالداعي والمسئول تُكتب عليه المعصية لا الردة. فجمع الأسباب والوسائل مزاج بني إسرائيل من اليهود، ومزاج ترك الأسباب والوسائل مزاج النصارى باتخاذ الرهبانية، وهذه الأمة ليس مزاجها الجمع، وليس مزاجها الترك، والله بعث رسوله محمداً ﷺ ليُعلم الأمة النية الصحيحة، والعمل الصحيح، فالذين امتنعوا عن الأكل والجماع لهم نيةٌ صحيحة، ولكن العمل خطأ، ومزاج هذه الأمة التضحية بالأسباب والوسائل من أجل الدين: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. وأكثر الناس لا يُفرق بين التضحية والأضحية، فالأضحية جاءت من التضحية والتربية: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]. فملة إبراهيم ﷺ التضحية، هو ضحى بالحياة فوهب الله له الحياة، هو ضحى بالبلد، فالله عظم البلد مكة، وهو ضحى بالولد، الله عظم الولد وأحياه وجعله نبيًا وكان من نسله أفضل نبي ﷺ ، هو ضحى بأم الولد، فعظم الله أم الولد فجعلها الله أماً للعرب، وجعل خطواتها بين الصفا والمروة عبادةٌ مقدسة إلى يوم القيامة لكل حاجٍ ومعتمر. فكل شيءٍ ضحى به إبراهيم لله وهبه الله له فورًا. وفي جهد الدعوة إلى الله أي شيءٍ نُضحي به يهبه الله لنا فورًا. هذه هي ملة إبراهيم ﷺ والتي سار عليها النبي ﷺ وأصحابه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ

стр. 9245

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩]. ومزاج هذا الدين هو التضحية بالأسباب والوسائل من أجل إعلاء كلمة الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وهناك في الدنيا أمران: أمر الوحي .. وأمر العقل. فالذي يمشي في الدنيا ويجعل الوحي فوق العقل، يفوز في الدنيا والآخرة، والذي يجعل عقله فوق الوحي يخسر الدنيا والآخرة. فإبراهيم ﷺ عنده مجال ألا يُقذف في النار، ولكن هو قدم الوحي على العقل، ولم يتوجه للأسباب الموافقة ولا المخالفة، فأنجاه الله من النار، وجعلها بردًا وسلامًا عليه. ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. لأنه توجه إلى الله بكليته، فوجه الله النار مباشرةً بأن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، فأصبحت النار جندياً لإبراهيم من اقترب منها احترق، وبنفسها كانت حِفاظةً لإبراهيم ﷺ ، ووهبها له تحرق من عاداه. وأم موسى ﷺ قامت بالتضحية بابنها موسى ﷺ ، فأوحى الله إليها، ورد ابنها عليها، وجعله نبيًا، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
следующие страницы →