واعلم أن تربية جميع الأنبياء بشيئين:
الأول: الدعوة إلى الله .
الثاني: الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله.
لأن الهداية تأتي بعد الهجرة، والله ربي هذه الأمة بالدعوة والهجرة؛ لأن الدين ينتشر بالدعوة والهجرة في سبيل الله، كما قال سبحانه عن إبراهيم ﷺ : ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
• أصول حياة الأنبياء والرسل وأتباعهم:
تقوم حياة الأنبياء والرسل وأتباعهم على أربعة أصول هي:
التضحية، والاستقامة، والسابقية، والدعاء والاستغاثة بالله.
أولًا: التضحية بكل شيءٍ من أجل الدين هو أساس المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وبالتضحية يأتي الإيمان المطلوب في الحياة، والتضحية ترك الأدنى من أجل الأعلى، وتقديم محبوبات الرب على محبوبات النفس، وتقديم الهدى على الهوى، فمن ذات الله تخرج الأوامر الشرعية، ومن ذات النفس تخرج الشهوات الحيوانية، والعبد بينهما، وفلاح العبد أن يُقدم الأوامر الإلهية على الشهوات البشرية.
стр. 9242
وخسرانه أن يتوجه إلى الشهوات ويقدمها على الأوامر الشرعية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والتضحية التي يأتي بها الإيمان هي التضحية بالمحبوب المخلوق للوصول إلى الخالق، فالله واحدٌ أحد لا يقبل له شريكًا أبدًا، ولتضحية المطلوبة شرعًا هي هل يترك العبد الأسباب أم يجمع الأسباب؟.
والجواب لا هذا ولا هذا، بل التضحية بالأسباب والوسائل، فبنو إسرائيل جمعوا الأسباب والوسائل، وبسبب هذا الجمع جاءت فيهم الجرأة على أنبيائهم، وأكل الأموال بالباطل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
فمشكلة بني إسرائيل جمع الأسباب والوسائل، ومنه الذهب والفضة الذين أخذوهما من مصر، فالسامري أخذ منهم الذهب وصنع لهم منه عجلًا، فقال:
هذا إلهكم وإله موسى، فضلوا وفتنوا بهذا السبب، وجاءتهم تسع آيات في أربعين سنة في مصر يرون آيات الله، فلم يتأثروا ولم يزد إيمانهم؛ لأن مزاجهم جمع الأسباب والوسائل، وسحرة فرعون رأوا آيةً واحدة من موسى وهي العصا فآمنوا فورًا وسجدوا لله؛ لأنهم على الفطرة السليمة التي أوصلتهم إلى الخالق: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨].
стр. 9243
وموسى ﷺ ذهب يشكر الله على نجاته وقومه من فرعون الذي كان يسوموهم سوء العذاب، ووعدهم على أن يرجع إليهم بعد ثلاثين ليلة، فصامها موسى، وأكملها استعدادًا للقاء ربه واستقبال الوحي، وبعد شهرٍ استاك موسى، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فتغيرت رائحة الفم، فأمره الله أن يتم عشر ليالٍ ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢].
ثم جاء إليهم بالتوراة، فلما بدأ موسى بصيام العشر عبد بنو إسرائيل العجل، فخرج بنو إسرائيل بسبب ذلك من الإيمان إلى الكفر، وفي الليلة التي أُنزل فيها القرآن أنزل الله فيها التوراة.
وخليفة موسى ﷺ في قومه أخوه هارون: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢].
ولكن بني إسرائيل استهزئوا به كما قال هارون: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠].
وخليفة محمد ﷺ من بعده أبو بكر الصديق ﵁، فالعرب استهزئوا به، وقالوا: أنعطي الزكاة لابن أبي قحافة؟ فبنو إسرائيل لما استهزئوا بهارون كتب الله عليهم الردة، والعرب لما استهزئوا بخليفة رسول الله ﷺ كتب عليهم الردة، وتلك سُنَّة الله في خلقه الاستهزاء بالمسئول يُعقبه عقوبةٌ من الله .
стр. 9244
ونحن ليس فينا من هو في مستوى هارون ﷺ ولا في مستوى أبي بكر ﵁، لكن الذي يستهزئ بالداعي والمسئول تُكتب عليه المعصية لا الردة.
فجمع الأسباب والوسائل مزاج بني إسرائيل من اليهود، ومزاج ترك الأسباب والوسائل مزاج النصارى باتخاذ الرهبانية، وهذه الأمة ليس مزاجها الجمع، وليس مزاجها الترك، والله بعث رسوله محمداً ﷺ ليُعلم الأمة النية الصحيحة، والعمل الصحيح، فالذين امتنعوا عن الأكل والجماع لهم نيةٌ صحيحة، ولكن العمل خطأ، ومزاج هذه الأمة التضحية بالأسباب والوسائل من أجل الدين: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وأكثر الناس لا يُفرق بين التضحية والأضحية، فالأضحية جاءت من التضحية والتربية: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].
فملة إبراهيم ﷺ التضحية، هو ضحى بالحياة فوهب الله له الحياة، هو ضحى بالبلد، فالله عظم البلد مكة، وهو ضحى بالولد، الله عظم الولد وأحياه وجعله نبيًا وكان من نسله أفضل نبي ﷺ ، هو ضحى بأم الولد، فعظم الله أم الولد فجعلها الله أماً للعرب، وجعل خطواتها بين الصفا والمروة عبادةٌ مقدسة إلى يوم القيامة لكل حاجٍ ومعتمر.
فكل شيءٍ ضحى به إبراهيم لله وهبه الله له فورًا.
وفي جهد الدعوة إلى الله أي شيءٍ نُضحي به يهبه الله لنا فورًا.
هذه هي ملة إبراهيم ﷺ والتي سار عليها النبي ﷺ وأصحابه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ
стр. 9245
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
ومزاج هذا الدين هو التضحية بالأسباب والوسائل من أجل إعلاء كلمة الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وهناك في الدنيا أمران:
أمر الوحي .. وأمر العقل.
فالذي يمشي في الدنيا ويجعل الوحي فوق العقل، يفوز في الدنيا والآخرة، والذي يجعل عقله فوق الوحي يخسر الدنيا والآخرة.
فإبراهيم ﷺ عنده مجال ألا يُقذف في النار، ولكن هو قدم الوحي على العقل، ولم يتوجه للأسباب الموافقة ولا المخالفة، فأنجاه الله من النار، وجعلها بردًا وسلامًا عليه. ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
لأنه توجه إلى الله بكليته، فوجه الله النار مباشرةً بأن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، فأصبحت النار جندياً لإبراهيم من اقترب منها احترق، وبنفسها كانت حِفاظةً لإبراهيم ﷺ ، ووهبها له تحرق من عاداه.
وأم موسى ﷺ قامت بالتضحية بابنها موسى ﷺ ، فأوحى الله إليها، ورد ابنها عليها، وجعله نبيًا، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
стр. 9246
ففي كل تضحية منفعةٌ تعود للداعي فورًا بحسب كمال التضحية، وهذه سُنَّة الله مع جميع الأنبياء وأتباعهم.
والصحابة وصلوا إلى أعلى مستوى في التضحية، وبعد فتح مكة قال الرسول ﷺ : «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». متفق عليه (١).
فعاطفة الصحابة ﵃ النفر في سبيل الله في أي وقت، وفي أي مكان، من أجل إعلاء كلمة الله، فكان بلال إذا نادى الصلاة جامعة حضر الصحابة بمزاج سمعنا وأطعنا؛ لنصرة دين الله، للخروج في سبيل الله، لأي مدة، مع أي جماعة، ولأي مكان، ليس عندهم مزاج النفس، امتثالاً لأمر الله : ﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
ومزاج النفس يقول الإنسان: تخرج مع فلان لمكان كذا في وقت كذا، وهذا المزاج لا تصلح به النفس، بل تزداد فسادًا؛ لأن هذه شهوات، وجهد الدعوة خلاف الشهوات؛ ولذلك أظهر الصحابة من الاستعداد الكامل بمزاج سمعنا وأطعنا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
стр. 9247
وبنو إسرائيل قالوا: سمعنا وعصينا، فمزاج الصحابة ﵃ التضحية بأن تخرج من مزاجك إلى مزاج الدين، ومزاج الدين مراد الله .
والتفاضل بهذا الجهد فقط بالإيمان والتقوى، لا بالأموال والأسباب؛ ولهذا قسم الله نعمه على عباده بالعدل من مالٍ وبركة وبنين وزوجة وجاه وعافية، فمجموع كل واحد يساوي مجموع كل واحد، فلا يوجد تفاضل في الدنيا، فالله لا يعطي الإنسان شيئًا حتى يأخذ منه أشياء، لتتساوى القسمة بين الناس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وبسبب الطاعة والمعصية يكون الفرق، فبلال أول من يدخل الجنة، وأبو لهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ [المسد: ٣].
فمزاج الدين التضحية مع الطاعة الصادرة من الشورى؛ لأن في ذلك ترقية للداعي إلى الله، وخروج من هوى النفس إلى ما يحبه الرب ﷻ ، فالعمل سهل جدًا، لكن إذا دخلت النفس صار صعب جدًا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
стр. 9248
٢ - الخزانة الثانية
١ - أصول حياة الأنبياء والرسل.
الأصل الثاني: الاستقامة على الدعوة إلى الله، وعلى عبادة الله فالله أمرنا بذلك بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والذي يريد الدخول في الاستقامة لابد له من التوبة، وسورة التوبة آخر إنذارًا من الله للبشرية وهي رحمةٌ من الله؛ لأن التائب حبيب الرحمن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والله طلب التوبة من الجميع؛ لأن التوبة أول قدمٍ في طريق الاستقامة.
فالله طلب التوبة من الكافرين، والظالمين، والمشركين، والمترددين، والمنافقين، والمؤمنين، والنبي ﷺ وفي النهاية قال سبحانه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
فالله طلب التوبة من جميع الخلق: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
فالمطلوب الاستقامة على جهد الدعوة، ولا يستقيم على هذا الجهد إلا من في قلبه اليقين على هذا العمل العظيم، بأن يعتقد جازمًا أن فلاحه وفلاح البشرية في كل زمانٍ ومكان هو بالاستقامة على هذا العمل العظيم، بأن
стр. 9249
يدعو إلى الله في كل حال، ويتكلم يوميًا في الإيمان، فتزيد عنده العاطفة الإيمانية، وتزداد استقامته، ويتعبد لله بجوارحه، ويُكون البيئة الإيمانية يوميًا، ليحفظ إيمانه، ومن لم يُكون البيئة الإيمانية لا يستقيم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
إن الذي يمشي بالدعوة إلى الله بالسمع والطاعة، والصبر والشورى يستقيم، والذي يمشي بخلاف ذلك لا يستقيم، والذي يمشي في هذا العمل، ويتحمل أخطاء الآخرين يستقيم، والذي لا يتحمل لا يستقيم، والذي يُحمِل أخطاءه على الآخرين لا يستقيم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور: ٥١ - ٥٢].
والذي يمشي في هذا العمل بسوء الظن لا يستقيم، والذي يُفسر سوء الظن بحسن الظن يستقيم، والشيطان يُفسد حياة المسلمين بسوء الظن حتى لا يجتمعوا على عملٍ ينفعهم وينفع غيرهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى عن الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٩ - ٢٢١].
стр. 9250
والأمراض التي تُبعد عن هذا العمل العظيم، وهو الدعوة إلى الله، الغيبة، واتباع الهوى، وحب الدنيا، والانتقاد.
فالغيبة أشد من الزنا، وهي أنجس عمل، فالذي يغتاب أخاه في المسجد كأنه يزني في بيت الله؛ ولهذا حذر الله منها فإذا قلت في أخيك الذي فيه فقد اغتبته، وإذا قلت فيه ما ليس فيه فقد بهته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].
فالغيبة حالقةٌ للدين، والشيطان يحلق الدين بسوء الظن الذي يولد الغيبة والنميمة، والتقاطع والتدابر، والتحسس والتجسس، وللحفاظة لابد أن نحسن الظن، فننظر إلى المحاسن لا إلى القبائح، وكلٌ فيه عيب والكمال لله والعصمة للأنبياء.
وقال النبي ﷺ : «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». أخرجه الحاكم والترمذي (١).
فمزاج الداعي إلى الله قلب سوء الظن إلى حسن الظن، وكل واحدٍ يعذر الآخر، وكل سيئةٍ نقابلها بالحسنة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
ثم التحسس نجتنبه، وسبب التحسس الظن السيئ، فيكون التحسس لإثبات الظن السيئ، والمتحسس ينظر دائمًا إلى المساوئ كالذباب لا يقع إلا على الجرح والقاذورات، وإنما مثل المؤمن كالنحلة تأخذ طيباً،
стр. 9251
وتُعطي طيبًا، ومزاج الذباب يأخذ نجسًا، ويعطي نجسًا، وكثرة النظر إلى المساوئ تملأ القلب نجاسة وقذرًا وكرهًا، والشيطان يغر الإنسان، ليملأ قلبه بهذه النجاسات، وعلاجه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
وبعد التجسس يشتغل الإنسان فورًا بالغيبة، فتذهب أعماله إلى الآخرين فأنت تتعب وتجتهد وغيرك يأكل، أنت تعمل وغيرك يأخذ الأرباح، فتأتي يوم القيامة صفر اليدين مفلسًا. «أَتَدْرُونَ مَاِ الْمُفْلِسُ؟». كما جاء عن النبي ﷺ أخرجه مسلم (١).
ولا يحتقر الداعي إلى الله الناس، فالذي يحتقر الناس فورًا يسقط من عين الله؛ لأن المؤمن ولي الله، والله مولاه.
وإذا كان ابن الإنسان عاصيًا فلا يرضى لأحدٍ أن يتكلم عليه، والذين في هذا العمل الله جاء بهم والله مولاهم، فلا نرضى لأحدٍ أن يتكلم بهم.
فمن تحققت فيه الصفات الأربع التي يحبها الله حفظه الله : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
الرابح حقًا من قدم الوحي على العقل، وقدم ما يحبه الله على ما تحبه النفس، وقدم مزاج الدين على مزاج النفس، فالذي يريد أن يمشي في هذا العمل العظيم باستمرار يحفظ نفسه من الغيبة والنميمة.
والانتقاد يُفسد العمل، فليس الانتقاد من مزاج الدين، وكلنا قبلنا الله في جهد الهداية نتعلم، والمتعلم يخطئ ويصيب، والصحابة تعلموا من النبي
стр. 9252
ﷺ ، وإذا أخطأوا صحح لهم النبي ﷺ ، فالذي ينتقد خطؤه كبيرٌ وعظيمٌ، فحين وزع النبي ﷺ غنائم حُنين قال ذو الخويصرة: اعدل يا محمد، هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله، فقال ﷺ : «مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلُ الله وَرَسُولُهُ؟». أخرجه البخاري (١).
فطرده الله من الدين، فأصبح رأس الخوارج، وبسببه خرجت أعظم فتنة قُتل فيها كبار الصحابة، فكل انتقاد يورث بعده فتنة.
ولا يتبع الداعي الهوى؛ لأنه أكبر مفسدٌ للعمل.
وهناك أربعة أشياء من الهوى وهي:
اللون .. اللسان .. والجنس .. والتعصب.
وكل هذه من أدران الجاهلية، يطرد صاحبها بسببها من العمل، وبهذا العمل يُطرد الإنسان من هذا العمل العظيم: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فكان كل الصحابة ﵃ سواسية، الأبيض والأسود، والعرب والعجم والغني والفقير، ومزاج الدين واحد، والناس كلهم سواسية، وأكرمهم عند الله أتقاهم.
وكل واحدٍ منا عنده نسبة من النبي ﷺ يدعو الناس إليها، والشيطان يدخل من تلك الأبواب الأربعة؛ لأنها من الهوى ومن الجاهلية: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وأخطر شيء هو الهوى؛ لأن الهوى أكبر إلهٍ يُعبد من دون الله، وهذا الجهد حفاظةٌ من هذا الهوى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ
стр. 9253
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وأكبر خطر على هذا الجهد العظيم حب الدنيا، ألا يجتمع في القلب حب الدنيا والتعلق بها، وحب الدين؟ وحب الدين طهارة، وحب الدنيا والتعلق به نجاسة.
والحل أن نأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعطي للدين بقدر الطاقة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
وإلا فأنت تجمع وغيرك يأكل، وأنت تُحاسب، فتتعب في جمعه، وتتعب في المحاسبة عليه، فكلٌ يحب ماله، من قدمه أمامه وجده مضاعفًا أمامه، فالمال مال الله، والله استخلفك عليه؛ لينظر ماذا تعمل به؟: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
والذي يقول: الجهد يمشي بمالي يُطرد من هذا العمل العظيم، والذي يقول: هذا الجهد يمشي بسببي يُطرد، فالذي يُسير ويُبارك في هذا العمل هو الله وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ
стр. 9254
كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].
والذي يمشي بالانكسار والتواضع يستقيم، والذي يمشي بالعُجب والكبرياء لا يستقيم؛ لهذا الشيطان يقول أحيانًا للإنسان: هذا الجهد عظيم، وأنت عظيم، وهذا بداية السقوط؛ لأن العظيم هو الله وحده فقط، والله يُحب أن يُمدح، ومدحه تعظيمٌ له، ومدحك نفسك أو غيرك لك ذنب؛ لأنك ناقص، ومدحك لله طاعة؛ لأن الله وحده المستحق للحمد كله لكماله وجماله وجلاله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فمقصود العمل الاستقامة التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
الأصل الثالث: السابقية إلى كل عمل صالح، وهذا مزاج الصحابة ﵃، فيُقدم كلٌ منهم ما يملك إلى أخر يومٍ في حياته؛ لذلك الشيطان يقول لك: أنت قدمت ما شاء الله، وليس بينك وبين الجنة إلا أن تموت فتدخلها.
فجميع الصحابة قاموا بالدين، وجهد الدين، إلى أخر يومٍ من حياتهم؛ ولهذا ﵃، ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فكانوا يتسابقون في ميادين طاعة الله ورسوله؛ فلهذا قدمهم الله، وقربهم، ورضي عنهم، ورضوا عنه.
стр. 9255
فمزاج هذا الجهد العظيم السابقية إلى كل فضيلة، والدعاء، والتوجه، فالدعاء أكبر سبب لقضاء الحوائج، وكل القرآن يُبين دعوة الأنبياء، ودعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لهذا يجب علينا أن نسابق ونسارع إلى الخيرات وإلى كل عملٍ صالح، فالدين هو الأول، والله هو الأول، وأوامره هي الأولى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالي: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
ومن عرف الله حقًا، عبد الله حقًا، ودعا إلى الله حقًا.
ولا يقوم بهذا العمل العظيم، وهو جهد الدعوة إلى الله، إلا من سلم من أربع آفات وهي:
التردد .. والتربص .. والتفرق .. والتثاقل.
فالتردد أن يقول المسلم هذا العمل سُنَّة وإلا بدعة، هذا العمل يمشي أو لا يمشي، لا ندري، هذا هو التردد فالمتردد لا يمكن أن يُنجز عملًا: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: ٤٤ - ٤٥].
стр. 9256
فالدعوة إلى الله هي أم الأعمال التي جاءت بالناس من الشوارع إلى بيوت الله، وهل يجوز للابن أن يعق الأم؟
وإذا كان قول أُفٍ للوالدين من العقوق، فكيف بالسب والشتم؟! والشيطان يغر الإنسان، ويجعله يسب الأم التي جاءت به من الشوارع، ليعق الأم، فيقول له: هذه الدعوة بدعة أو كفر، هذه حبائل الشيطان التي يُخرج بها المسلم من هذا الجهد العظيم، ويُلقي في نفسه التردد والشك، والمتردد يُطرد؛ لأن الله ليس بحاجةً إليه، ولا إلى غيره؛ ولهذا ندعو لكل من ترك العمل بقولنا: اللهم من ترك هذا العمل، فاجعله في حيرةٍ من أمره إلى أن يرجع إليه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فكل من ترك هذا العمل أشغله الشيطان، وجعله جنديًا من جنوده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
أما التربص فيقول الشيطان للإنسان: أنت من العلماء الذين بذلوا أوقاتهم، وأموالهم، ونفوسهم في سبيل الله فارتاح قليلًا، فيربص، ويترك العمل تدريجيًا، ولكن إذا انتشر الجهد والخير أظهر رأسه فيكون من الذين: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وأما التفرق فإن سبب الفرقة شيئان:
رؤية النفس .. وعدم رؤية الغير.
فإذا فصل المسئول خلاف رأيك، وإذا كان رأيك خلاف رأي المسئول، فتزكي رأيك؛ لأنك تقول: إنك قديم، وتحقر رأي المسئول، هذان سبب
стр. 9257
الفرقة، وعلاج هذا طاعة الشورى التي تجمع القلوب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وأكبر خطرٍ على الداعي الكلام بعد الشورى، واختيار غير ما اختاروا، وإذا وقع خلاف أمر الشورى، فكأن المعترض يعترض على القدر، بل نقول: قدر الله وما شاء فعل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
وكل الصحابة ﵃ كانوا يخافون من الرأي والمسئولية، وكل الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ خافوا من الإمارة، فأبو بكر رد الإمارة، وظل ثلاثة أيام يرد الإمارة، فقال علي: يا أبا بكر لا نُقيلك ولا نستقيلك.
وعبد الرحمن بن عوف زكاه عمر للخلافة، وزكاه علي للخلافة، فقال: والله لو أضرب بمخيط من رأسي، ويخرج من قفاي ما قبلت الخلافة، وهو من المبشرين بالجنة.
فأكبر خطأ في الشورى التعصب والإصرار على الرأي، فالذي يُصر على رأيه كأنه يقول: يوحى إلي، والذي يُعطي الرأي ويُفصل على رأيه يُسأل أمام الله عن هذا الرأي، فالذين فصلت فيهم، وأعطيت رأيك فيهم أعطوا أوقاتهم وأموالهم وأنفسهم لله، فأنت مسئول عن رأيك فيهم أمام الله .
وأما التثاقل فهو من الآفات التي تُبعد عن العمل.
стр. 9258
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
وسبب التثاقل عن جهد الدعوة حب الدنيا، وحب الدنيا أكبر سبب لترك جهد الدعوة إلى الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩ - ١١]
فهذه أمراضٌ تُبعد عن العمل؛ التردد، والتربص، والتفرق، والتثاقل.
فالداعي إلى الله يمشي على هذه الأصول، ويهتم بتلك الأصول، ويستمر في العمل، ويمشي بهذا العمل، ويستغفر دائمًا؛ لأن العمل عظيمٌ وطويل وكبير: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
الأصل الرابع: الدعاء والاستغاثة.
فالدعاء هو أمر الله، وهو أكبر سببٍ لقضاء الحوائج، فالله حييٌ يستحي أن يرد عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا؛ لهذا الأنبياء لما قاموا بجهد الدعوة، لم يحوجهم الله إلى الناس، فالذي يترك الجهد، ويسأل الناس، يحرم استجابة الدعاء، وكل الصحابة دعاؤهم مستجاب؛ لأن جهدهم صحيح، لهذا نتيقن في هذا الجهد على الدعاء، ونقضي حوائجنا بالدعاء،
стр. 9259
فالدعاء أكبر سبب لقضاء الحوائج، وقد أمر الله به، بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقال الله تعالي: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
والدعاء طلب الرحمة من الله، وإذا أتت الرحمة جاء كل خيرٍ فينا، ومقصود الدعاء إحياء أمر الله بطلب الحوائج من الله وحده، ليس الاستجابة، فالإجابة قد فصل الله أنه يستجيب لمن دعاه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والذي مقصده الإجابة يترك الدعاء إذا لم يُستجاب له، يقول: دعوت فلم يُستجب لي فيدع الدعاء، فالصلاة أمر الله، والدعوة أمر الله، والذكر أمر الله، والدعاء أمر الله. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
فلا نترك الدعاء أبدًا؛ لأنه أمر الله فلا يُترك، والداعي دعاؤه مستجاب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وأسماء الله وصفاته للاستفادة من ذاته ومن خزائنه، فندعو الرحمن ليرحمنا، وندعو الكريم ليُعطينا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فكم من القوة في أسماء الله وصفاته؛ للاستفادة منه مباشرة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 9260
فندعو الله، ونستغفر الله لنا وللمؤمنين، ونعفو عن بعضنا؛ لتطهر قلوبنا مما يكره الله؛ لأن الله لا يقبل الدعاء من القلب اللاهي عنه، الغافل عنه، لا يكون في قلوبنا أي ذرةٍ على أي مسلم؛ لأن وقت الدعاء ينظر الله إلى القلب، فإذا هذا القلب فيه الطلب والنقاء والصفاء والصدق واليقين والعفو والمحبة والرحمة للناس، فالذي يُكرم الله يُكرمه، والذي يعفو عن الناس الله يعفو عنه، والذي يرحم الناس الله يرحمه، ثم ندعو بعد ذلك بما ورد: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وجميع الأنبياء والرسل دعوا الله فاستجاب لهم، وذلك لكمال يقينهم على ربهم، وحسن ظنهم به، وتوكلهم عليه وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٦ - ٧٧].
وقال الله تعالي: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
стр. 9261
وقال الله تعالي: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].
والنبي ﷺ استغاث بربه فأجابه ونصره على أعداءه، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وقال الله تعالي: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
فعلينا تعلم هذه الأصول، والتيقن على هذه الأصول، والتعبد لله بها في كل حال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
стр. 9262
٣ - الخزانة الثالثة
٢ - أحكام الدعوة إلى الله
الدنيا كالجسد، وروحها الدين، وروح الدين الدعوة إلى الله، وروح الدعوة إلى الله هي الشورى، وروح الشورى هو التضحية بكل شيءٍ من أجل الدين، وروح التضحية بذل المحبوب، وترك المحبوب، من أجل الدين، وروح البذل والترك الهجرة والنصرة، من أجل إعلاء كلمة الله .
ولإحياء الدين كله في العالم كله لابد من الهجرة والنصرة؛ لينتشر الدين في العالم كله، فالمهاجرون ﵃ تركوا، والأنصار ﵃ بذلوا، فجاءت الثالثة وهي قيام الدين، ورضوان الله عليهم، والخلود في الجنة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وحقيقة المجاهدة تكون بإتمام العمل، والتضحية بكل شيءٍ من أجله بذلًا وتركًا، والاستقامة عليه حتى الممات وأغلى شيء في خزائن الله هو الهداية، والهداية لا يُعطيها الله إلا لخواص خلقه ممن طلبها وجاهد في سبيل تحصيلها ممن علم الله أنه أهلٌ لها وهم المؤمنون، ولذلك أمرنا الله أن نطلب منه سبحانه الهداية كل يوم سبعة عشر مرة في الصلوات الخمس، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا
стр. 9263
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
• الواجب على كل مسلم ومسلمة: كل مسلم عليه واجبان:
أحدهما: جهدٌ على نفسه بالاستقامة، وحسن العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الثاني: جهدٌ على غيره بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وبذل الجهد على النفس يكون بتعلم العلم الإلهي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والجهد الثاني يكون بالعمل بما علم من أمور الدين.
ويكون ذلك بامتثال أوامر الله في خمسة أمور:
١ - امتثال الأوامر.
٢ - واجتناب المناهي.
٣ - والشكر على النعم.
٤ - والصبر على البلاء.
٥ - الاستغفار من الذنوب.
стр. 9264
• أما الجهد لإعلاء كلمة الله على الغير فيكون بثلاثة أمور:
الأول: جهدٌ على الكافر لعله يهتدي، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ٣].
الثاني: جهدٌ على العاصي ليكون مطيعًا، وعلى الجاهل ليكون عالمًا، وعلى الغافل ليكون ذاكرًا، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
الثالث: جهدٌ على الصالح ليكون مصلحًا، وعلى الذاكر ليكون مذكرًا، وعلى العالم ليكون معلمًا، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ٢١]
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
• أول الدعاة من هذه الأمة:
الله خص جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بأحسن الأخلاق، ثم جمعها في سيد الأنبياء ﷺ ، ثم فرقها في أمة سيد الأنبياء، خير أمةٍ أُخرجت للناس في كل شيء، في العبادة والدعوة والعلم والأخلاق وغيرها من الصفات التي يحبها الله ويرضاها: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
стр. 9265
وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
ولما علم الصحابة ﵃ وجوب الدعوة إلى الله، وفضل الدعوة إلى الله، تسابقوا رجالًا ونساءً في ميادين الدعوة والتعليم والجهاد من أجل إعلاء كلمة الله ونشرها في العالم، وانطلقوا يدعون إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي قلوبهم الرحمة والشفقة على الناس وكلهم قاموا بذلك، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم حتى ماتوا، وشواهد ذلك معلومةٌ في القرآن وكتب الحديث والسير: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
• أبواب الهداية:
يهدي الله الإنسان إلى دينه الحق من أربع جهاتٍ هي:
الأولى: الهدى البياني.
بأن يهدي الله الإنسان إلى الحق عن طريق سماع القرآن، أو سماع كلمة أو خطبة، أو قراءة القرآن، أو كتاب، وهذا في حال والراحة، وهذا هو الأصل، فإذا سمعت الحق فعليك أن تستجيب له بعد العلم به: ﴿وَالَّذِينَ
стр. 9266
اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
الثاني: التأديب التربوي.
فإذا لم يستجب الإنسان للدعوة البيانية فالله برحمته يخضعه بأسلوبٍ آخر اسمه التأديب التربوي بالمرض، أو بالفقر، أو الخوف أو الشدة أو المصائب، ليتوب العبد إلى ربه بعد أن أصابته الشدائد والابتلاءات: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
الثالثة: الإكرام الاستدراجي.
فإذا لم يستجب العبد وقد جاءه الهدى، ولم يتب وقد جاءه البلاء، فإن الرحمن الرحيم يهديه بأسلوبٍ آخر، هو الإكرام الاستدراجي بكثرة
стр. 9267
الأرباح، وكثرة الأولاد، وإقبال الدنيا عليه، والعافية والقوة، لعله يشكر من أنعم عليه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
الرابعة: القصم الرباني، فإذا لم يستجب الإنسان لله وقد جاءه الهدى، ولم يتب وقد جاءه البلاء، ولم يشكر وقد جاءته النعمة، فهذا أخر إنذارٍ له بعده القصم الرباني بعد قيام الحجة، لعدم الاستجابة بعد الدعوة، وعدم التوبة بعد البلاء، وعدم الشكر بعد الإكرام كما قال سبحانه عمن كذب رسله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ [فصلت: ١٧ - ١٨].
стр. 9268
فما أرحم الله بعباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.
• أسباب الهداية:
الناس دخلوا في الإسلام في عهد النبي ﷺ متأثرين بأسبابٍ كثيرة أهمها:
أولًا: الدعوة البيانية باللسان كما دعا النبي ﷺ أبا بكرٍ وخديجة وعليٍ وغيرهم، فأسلموا ﵃، ثم قاموا فورًا بالدعوة إلى الله إتباعًا للنبي ﷺ .
ثانيًا: التعليم كما اهتدى عمر بن الخطاب ﵁ متأثرًا بالقرآن الذي سمعه وقرأه في منزل أخته فاطمة مع زوجها سعيد بن زيد، وخباب بن الأرت ﵁ وكانوا يتدارسون القرآن.
وكما أسلم أسيد بن حضير وسعد بن معاذ ﵄ في حلقة التعليم التي أقامها مصعب بن عمير ﵁ حين قدم المدينة.
ثالثًا: العبادة كما أسلمت هند بنت عتبة، لما رأت المسلمين يصلون عام الفتح في المسجد الحرام، وكما أسلم ثمامة بن آثال الحنفي ﵁ في المسجد النبوي متأثرًا بالعبادة وغيرها من الأعمال التي كانت في مسجد النبي ﷺ .
رابعًا: الإنفاق والإكرام كما أعطى النبي ﷺ عام الفتح صفوان بن أميه، ومعاوية بن أبي سفيان ﵄ وغيرهم أموالًا كثيرة فأسلموا، وكما أعطى رجلًا غنمًا بين جبلين فأسلم، وبإسلامه أسلم قومه.
стр. 9269
خامسًا: حسن الأخلاق والإحسان والإيثار والمواساة والصدق وغيرها من الأخلاق الحسنة التي تجذب الناس لحب هذا الدين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
سادسًا: النظر والتفكر في الآيات القرآنية والآيات الكونية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
• حكم الدعوة إلى الله:
الدعوة إلى الله واجبةٌ على كل أحد بحسب علمه وقدرته، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 9270
والمسلمون قسمان:
الأول: عالمٌ يُبين الحق بنفسه، ويدعو الناس إلى إتباعه، كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر: ٣٨ - ٤٠].
الثاني: مسلم غير عالم، فهذا يأمر الناس ويدعوهم إلى إتباع الرسل والعلماء الربانيين، كما قال الله تعالى عن صاحب يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠ - ٢١].
فالكل يقوم بالدعوة إلى الله، ليعبد الله وحده لا شريك له، ويُطاع في ملكه وحده لا شريك له، فالعالم يُبين الحق بنفسه، وغير العالم يُرشد الناس لإتباع العلماء الذين هم أعرف الخلق بالله ودينه وشرعه وتلك هي التجارة الرابحة بلا ريب، وبهذا وهذا يظهر الحق في العالم، ويزهق الباطل في العالم كما يريد الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
فالدعوة إلى الله واجبة على كل الأمم، وهي أعظم تجارة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
стр. 9271
لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٠ - ١٤].
والدعوة إلى الله هي وظيفة جميع هذه الأمة رجالًا ونساءً، وهي أم الأعمال الصالحة كلها، وهي أوجب الواجبات بعد التوحيد والعبادة، فإذا قامت الدعوة ولد المؤمنون، والمصلون، والصائمون، والعابدون، والمتقون، والمحسنون وغيرهم، ودخل الناس في دين الله أفواجًا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وإذا تركنا الدعوة إلى الله خرج الناس من الدين أفواجًا وكثر الكفر والشرك والخبث، وظهر الكافرون، والفاسقون، والظالمون، والكاذبون، والمفسدون، وخرج الناس من الدنيا إلى النار: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
أما الفتاوى في مسائل الأحكام، فمن علم حكمًا أفتى به، ومن جهله دل المستفتي على العلماء الذين اختصهم الله بمزيدٍ من العلم والفقه والفهم والحفظ «وَالدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ». أخرجه الترمذي (١).
وكان الصحابة ﵃ يتدافعون الفُتيا فيما بينهم، والمُفتون فيهم محدودون كالخلفاء الراشدين، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم ﵃، فالفتوى ليست مباحة لكل
стр. 9272
أحد، أما الدعوة إلى الله فكلٍ يدعو إلى الله بحسب ما عنده من علم وأقله آية، كما قال النبي ﷺ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». أخرجه البخاري (١).
فالدعوة تُنتج المهتدين، والتعليم يُنتج المُفتين والمدرسين، لكنه لخواص الأمة، وكلٍ منهما مطلوب شرعًا، الدعوة من عموم المسلمين، والإفتاء والتدريس من خواص المسلمين وهم العلماء: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والدعوة إلى الله أيسر شيء، فهي تذكيرٌ بمسائل الإيمان البينة، وتوضيح الواضحات، وذلك ببيان أسماء الله وصفاته، وعظمته وكبريائه، وعظمة ملكه وسلطانه، وبيان نعمه وإحسانه إلى خلقه، وذلك أيسر شيء، وكذلك بيان الوعد بالجنة والرضوان لمن آمن بالله وأطاعه، وبيان الوعيد بالنار وسخط الرحمن لمن كفر بالله وعصاه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٤]
أما المسائل الشرعية كمسائل الصلاة والحج، ومسائل الطلاق والمواريث ونحو ذلك فهي الأحكام التي تحتاج من العلماء إلى بيانٍ وتفسير، والعلماء والفقهاء هم أهل الفتوى بذلك، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ
стр. 9273
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجب الأمة كلها كلٌ بحسب علمه وقدرته وبصيرته، وقد قام بها أصحاب النبي ﷺ من أول يوم قبل نزول أحكام الصلاة والزكاة والصيام وغيرها، لأن الدعوة أعظم الواجبات بعد الإيمان.
وهذه الأمة مزاجها التضحيات والجهد لإعلاء كلمة الله، ونشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها إلى قيام الساعة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وعلى كل مسلمٍ ومسلمة واجبان عظيمان:
الواجب الأول: العمل بالدين بعبادة الله وحده لا شريك له وطاعة الله ورسوله وفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، والاستقامة على ذلك: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠].
стр. 9274
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الواجب الثاني: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». أخرجه البخاري (١).
وًعَنْ أَبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإيمَانِ». أخرجه مسلم (٢).
وكما أن الله سوف يجزي من قام بالعبادة والدعوة خير الجزاء، فكذلك سوف يحاسب من قصر أو ترك أحدهما أو كلاهما: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
стр. 9275
• حكمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر:
للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حكمٌ كثيرة يجمعها ثلاث حكم:
الأولى: رجاء انتفاع المأمور بما يوعظ به، كما قال : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥].
الثاني: الخروج من عهدة التقصير الذي يسبب العقوبة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ [الأعراف: ١٦٤].
الثالثة: إقامة الحجة على الناس بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، نيابةً عن رسل الله كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
• فقه الاستفادة من الأوقات:
حياة المسلم كلها لله ، فالله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ووعدهم على ذلك الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
فعلى المسلم أن يقضي وقته على الكيفية التي قضاها رسول الله ﷺ ، فيؤدي فرائض الله ، ويمتثل أوامر ربه في كل حالٍ من أحواله كل يوم،
стр. 9276
عند الوضوء، وعند الصلاة وعند الأكل، وعند النوم، وفي سائر أحواله، ويصرف جزءً يسيرًا من وقته في أمور الكسب والمعاش: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وجُلَّ وقته يدعو الناس إلى الله كي يعبدوه ويوحدوه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فإذا فرغ، أو لم يتيسر له من يدعوه، تزود من العلم، أو عَلم غيره من المسلمين أحكام الدين: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فإذا فرغ، أو لم يتيسر له من يعلمه، أو يتعلم منه اشتغل بخدمة إخوانه المسلمين، وقضاء حاجاتهم، والتعاون على البر والتقوى، كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
فإذا فرغ، أو لم يتيسر له أن يقوم بذلك اشتغل بنوافل العبادات كالسنن المطلقة، وتلاوة القرآن، والأذكار ونحوها من القُرَب والأعمال الصالحة، وهكذا يُقدم ما نفعه أعم للناس في كل حال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وكل إنسانٍ خاسرٌ في الدنيا والآخرة إلا من اتصف بأربع صفات هي:
الإيمان بالله .. والعمل الصالح .. والتواصي بالحق .. والتواصي بالصبر.
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
والإيمان والعمل الصالح جهدٌ على النفس، والتواصي بالحق والصبر جهدٌ على الغير.
وقد أعطى الله كل إنسان أعظم رأس مال في الدنيا، وهو عمر الإنسان بأيامه ولياليه، وأمره بالإتجار معه في رأس هذا المال؛ ليسعد في دنياه وآخرته، وقد ضمن له على هذا العمل العظيم أعظم الأرباح في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والناس في تحريك رأس هذا المال صنفان:
الأول: العاقل الذي يحرك رأس هذا المال في طاعة الله ، فالعاقل يحرك رأس هذا المال وهو عمره، ويتجر به مع الكريم الذي يعطيه على
стр. 9279
الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافًا كثيرة، إلى أضعافًا مضعفة، الى ما لا يعلمه إلا الله من الحسنات والدرجات العُلى في الجنة، والفوز برضوان الله ، أوقاته كلها ميدانٌ للتجارة مع ربه.
فهو تارةً في عبادة، وتارةً في دعوة، وتارة في تعليم، وتارة في إصلاح وإحسان، وتارةً في جهادٍ في سبيل الله، وتارةً في حوائجه، وتارةً في أعمال البر المختلفة.
قال الله تعالى عن هذه التجارة العظيمة الرابحة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
الثاني: الأحمق، وهو الذي يلعب برأس هذا المال بإنفاق أوقاته في مساخط الله، وإتباع الهوى وشهوات النفس والشيطان.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
стр. 9280
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ [الزمر: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
• كيفية دعوة الناس إلى الله:
الناس مختلفون، وبحسب اختلافهم، واختلاف مداركهم وعقولهم وأعمالهم تختلف أحكام دعوتهم إلى الله .
والناس في ذلك خمسة أقسام:
الأول: من عنده جهلٌ بالإيمان، وجهلٌ بالأحكام:
فهذا يُدعى إلى لا إله إلا الله، ويُعرف بأسماء الله وصفاته، ووعده ووعيده، وآلائه ونعمه، ويبين له عظمة الله وقدرته، حتى يُكبر الله ويحبه ويعلم أن له الخلق والأمر، فإذا استقر الإيمان في قلبه يُعرف بالأحكام تدريجيًا الصلاة، ثم الزكاة وهكذا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا