عند الوضوء، وعند الصلاة وعند الأكل، وعند النوم، وفي سائر أحواله، ويصرف جزءً يسيرًا من وقته في أمور الكسب والمعاش: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وجُلَّ وقته يدعو الناس إلى الله كي يعبدوه ويوحدوه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فإذا فرغ، أو لم يتيسر له من يدعوه، تزود من العلم، أو عَلم غيره من المسلمين أحكام الدين: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فإذا فرغ، أو لم يتيسر له من يعلمه، أو يتعلم منه اشتغل بخدمة إخوانه المسلمين، وقضاء حاجاتهم، والتعاون على البر والتقوى، كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
فإذا فرغ، أو لم يتيسر له أن يقوم بذلك اشتغل بنوافل العبادات كالسنن المطلقة، وتلاوة القرآن، والأذكار ونحوها من القُرَب والأعمال الصالحة، وهكذا يُقدم ما نفعه أعم للناس في كل حال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وكل إنسانٍ خاسرٌ في الدنيا والآخرة إلا من اتصف بأربع صفات هي:
الإيمان بالله .. والعمل الصالح .. والتواصي بالحق .. والتواصي بالصبر.
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
والإيمان والعمل الصالح جهدٌ على النفس، والتواصي بالحق والصبر جهدٌ على الغير.
وقد أعطى الله كل إنسان أعظم رأس مال في الدنيا، وهو عمر الإنسان بأيامه ولياليه، وأمره بالإتجار معه في رأس هذا المال؛ ليسعد في دنياه وآخرته، وقد ضمن له على هذا العمل العظيم أعظم الأرباح في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والناس في تحريك رأس هذا المال صنفان:
الأول: العاقل الذي يحرك رأس هذا المال في طاعة الله ، فالعاقل يحرك رأس هذا المال وهو عمره، ويتجر به مع الكريم الذي يعطيه على
стр. 9279
الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافًا كثيرة، إلى أضعافًا مضعفة، الى ما لا يعلمه إلا الله من الحسنات والدرجات العُلى في الجنة، والفوز برضوان الله ، أوقاته كلها ميدانٌ للتجارة مع ربه.
فهو تارةً في عبادة، وتارةً في دعوة، وتارة في تعليم، وتارة في إصلاح وإحسان، وتارةً في جهادٍ في سبيل الله، وتارةً في حوائجه، وتارةً في أعمال البر المختلفة.
قال الله تعالى عن هذه التجارة العظيمة الرابحة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
الثاني: الأحمق، وهو الذي يلعب برأس هذا المال بإنفاق أوقاته في مساخط الله، وإتباع الهوى وشهوات النفس والشيطان.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
стр. 9280
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ [الزمر: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
• كيفية دعوة الناس إلى الله:
الناس مختلفون، وبحسب اختلافهم، واختلاف مداركهم وعقولهم وأعمالهم تختلف أحكام دعوتهم إلى الله .
والناس في ذلك خمسة أقسام:
الأول: من عنده جهلٌ بالإيمان، وجهلٌ بالأحكام:
فهذا يُدعى إلى لا إله إلا الله، ويُعرف بأسماء الله وصفاته، ووعده ووعيده، وآلائه ونعمه، ويبين له عظمة الله وقدرته، حتى يُكبر الله ويحبه ويعلم أن له الخلق والأمر، فإذا استقر الإيمان في قلبه يُعرف بالأحكام تدريجيًا الصلاة، ثم الزكاة وهكذا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
القَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله ، وَالصَّلاةِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ. أوْ كَمَا قال رَسُولُ الله ﷺ ، قال: فَأمَرَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ». متفقٌ عليه (١).
فسُر الأعرابي برحمة الرسول ﷺ له، ورفقه به، وزاد إيمانه، واستحى من فعله.
الثالث: من عنده نقصٌ في الإيمان، وعلمٌ بالأحكام:
فهذا يدعى بالحكمة والموعظة الحسنة، ببيان الموافق للعقل والفطرة، ويُدعى له؛ ليزيد إيمانه فيطيع ربه، ويتوب من معصيته.
عَنْ أَبي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: «إنَّ فَتىً شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ القَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟، قَالَ: لَا وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَالله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ. قال: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الفَتَى يَلْتَفِتُ إلَى شَيْءٍ». أخرجه أحمد بسندٍ صحيح (٢).
стр. 9283
الرابع: من عنده قوة في الإيمان، وجهلٌ بالأحكام:
فهذا يدعى مباشرة ببيان الحكم الشرعي، وبيان خطر اقتراف المعاصي وشدة عقوبتها، وإزالة المنكر الذي وقع فيه فورًا؛ لأنه عنده إيمانٌ يستقبل به الأحكام التي يجهلها عن رضا.
عن ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ «أنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ وَقَالَ: يَعْمِدُ أحَدُكُمْ إلَى جَمْرَةٍ مِنْ نارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ الله ﷺ : خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لا، وَالله لا آخُذُهُ أبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ الله ﷺ ». أخرجه مسلم (١).
الخامس: من عنده قوةٌ في الإيمان، وعلمٌ بالأحكام:
فهذا ليس له عذر، يُنْكَر عليه بقوة، ويُعَامل معاملة أشد مما سبق؛ لئلا يكون قدوة لغيره في المعصية، كما اعتزل النبي ﷺ الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك خمسين ليلة، وأمر الناس بهجرهم، لما تركوا الخروج لغزوة تبوك مع كمال إيمانهم وعلمهم، ولا عذر لهم، حتى تاب الله عليهم، وهم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب ابن مالك ﵃، والقصة مفصلة في الصحيحين.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨].
стр. 9284
• أحوال الداعي إلى الله :
من يقوم بالدعوة إلى الله فالله برحمته يُربيه بالسراء والضراء، ويبتليه بالقبول أو الرد، وسيجد من الناس من يؤيده وينصره ويُرحب به، وسيجد من الناس من يطرده ويسخر به، ثم تكون العاقبة له: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ [الفرقان: ٧].
فالداعي إلى الله تأتي عليه حالتان:
الأولى: حالة إقبال الناس عليه وفرحهم به كما حصل للنبي ﷺ في المدينة حيث استقبله الأنصار أعظم استقبال، وقالوا: هاهنا المنزل يا رسول الله.
والثانية: حالة إدبارهم عنه كما حصل للنبي ﷺ في الطائف؛ لأن الله يُربيه أحيانًا، ويُربي به أحيانًا.
وحالة الإقبال على الداعي أشد وأخطر، فقد يدخله الغرور، وقد يُعجب بنفسه، وقد تُعرض عليه المناصب فإذا قَبِل هلك، إلا من رحم الله وحماه، وهي محاولات الشيطان لسرقة الداعي من الدين، وشغله بالدنيا والأشياء والمناصب عن الدين وأعمال الدين.
أما حالة الإدبار والإعراض عنه فهي أشد وأقوى بالنسبة له، إذ فيها يزداد توجه الداعي إلى الله، والإقبال عليه، والتعلق به، والاستغاثة به، فتأتي بسبب ذلك نُصرة الله كما حصل للنبي ﷺ من أهل الطائف لما طردوه وآذوه دعا الله فأيده الله بجبريل ومَلَك الجبال، ثم يسر له دخول مكة، ثم أكرمه الله بالإسراء والمعراج، ثم الهجرة إلى المدينة، ثم ظهور الإسلام،
стр. 9285
ودخول الناس في دين الله أفواجًا: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
• التدرج في الدعوة إلى الله:
الداعي إلى الله يَعرض الإسلام على الكفار، فإذا امتنع الكافر الأصلي من الدخول في الإسلام إلا بشرط ترك الصلاة أو الزكاة أو نحوهما، فهذا نقبل منه إسلامه؛ لأن مصلحة أن يُسلم مع النقص الذي يرجى تكميله، أولى من بقائه على الكفر المحض.
وكان ﷺ يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، فإذا ذاق حلاوة الإيمان، طابت نفسه بفعل كل ما أمر الله ورسوله به، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه.
فنؤلف قلب الكافر الأصلي على الإسلام، ونقنع بما رضي به؛ لأنه لم يفهم الإسلام حقيقة، ولهذا يثقل عليه بعض أحكامه التي يجهل حكمتها ومنفعتها.
فإذا دخل في الإسلام، وخالط المسلمين، وتعلم الدين، قوي إيمانه، وذاق حلاوة الإيمان، وصار أشد حبًا وتمسكًا به من بعض المسلمين كما هو مشاهدٌ ومعلومٌ في الماضي والحاضر: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
فالأول: عند اشتداد شوكتهم، وشدة أذاهم، وصدهم عن سبيل الله، كما دعا عليهم في غزوة الخندق حين شغلوا المسلمين عن الصلاة.
عن علي ﵁ قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَلَأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ». متفقٌ عليه (١).
والثاني: عند رجاء إسلامهم، وتأليف قلوبهم لدين الله .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ الطُّفَيْلُ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله عَلَيْهَا فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَائْتِ بِهِمْ». متفقٌ عليه (٢).
فيدعو الناس إلى الله ؛ لأننا مأمورون بذلك، وندعو لهم بالهداية؛ لأن مقاليد الأمور ومفاتيح كل شيء بيد واحد وهو الله : ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
• أصناف القائمين بالدعوة:
القائمون بالدعوة إلى الله الآن أصناف:
الأول: منهم من تأثر بأخلاق الدعاة إلى الله ، فهو يقوم بالدعوة إلى الله، وإذا حصل له مشكلةٌ مع أحد الدعاة ترك الدعوة إلى الله، وعادى الدعاة إلى الله، فهذا صرفه الله؛ لنقص مقصده.
стр. 9288
الثاني: من يقوم بالدعوة، لأنه وجد فيها حل مشاكله، وتحقيق رغباته، ولما حسنت أحواله، وزادت دنياه انشغل بها عن الدعوة إلى الله، فهذا صرفه الله؛ لأنه دخل في الدعوة بمقصدٍ ناقص.
الثالث: من يقوم بالدعوة إلى الله؛ لأن فيها حسنات وأجور، فهو يريد تحصيل الأجور، فمقصده لنفسه، لا يبالي بغيره، فهذا إذا وجد الحسنات في غير الدعوة أكثر وأسهل ترك الدعوة إلى الله.
الرابع: من يقوم بالدعوة، لأنها أَمْر الله ، فهو يقوم بالعبادة لأنها أَمر الله، ويقوم بالدعوة لأنها أَمر الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
فهذا مقصده كامل، وبسبب ذلك ثَبته الله، وأعانه، وفرغه لتنفيذ أوامر الله، والدعوة إلى الله، فهذا بأشرف المنازل، وأعلى الدرجات في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 9289
٤ - الخزانة الرابعة
٣ - الأصول الكبرى لدعوة الأنبياء والرسل
• بعث الله الأنبياء والرسل بثلاثة أشياء:
١ - بالدعوة إلى الله .
٢ - وتعريف الطريق الموصل إليه.
٣ - وبيان حال الناس بعد القدوم عليه.
فالأول: بيان التوحيد والإيمان.
والثاني: بيان الأحكام والشرائع.
والثالث: بيان اليوم الآخر، وما فيه من الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، والجنة والنار.
فالدعوة إلى الله تكون بتعريف الناس بالله، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وبيان عظمة الله وقدرته، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة إنعامه وإحسانه إلى خلقه، وأنه وحده الخالق المالك المدبر للكون كله، وما سواه مخلوق ليس بيده شيء، وأنه سبحانه المستحق للعبادة وحده دون سواه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فهذه أول المراتب وأحسنها وأعلاها، وهي أصل الدعوة وأساسها وأكملها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 9290
ثم يليها الدعوة لبيان اليوم الآخر بالوعظ والترغيب والترهيب ببيان أوصاف الجنة، وأهوال النار، والوعد والوعيد، وغير ذلك مما يجري في عرصات القيامة من الحشر والحساب.
ثم الدعوة إلى أحكام الدين وشرائعه ببيان الفضائل والمسائل، والحلال والحرام، والواجبات والحقوق، والآداب والسُنن، والفرائض والنوافل.
ففي مكة كانت الدعوة إلى الله وإلى اليوم الآخر، وبيان أحوال الرسل مع أممهم، وفي المدينة أكمل الله الدين بالأحكام فتقبلها من آمن بالله واليوم الآخر، وشَرِق بها الكافر والمنافق، وأعز الله أهل الإيمان، وخذل الكفار، ثم دخل الناس في دين الله أفواجًا بعد فتح مكة، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣].
القدوة في الدعوة إلى الله :
القدوة في الدعوة إلى الله هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين اصطفاهم الله، واختارهم ورباهم، وأرسلهم إلى خلقه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وقد أمر الله رسوله محمداً، ﷺ بالاقتداء بهدي من سبقه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على وجه العموم، كما قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
стр. 9291
وأمره باتباع ملة إبراهيم ﷺ على وجه الخصوص فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].
وملة إبراهيم ﷺ هي التضحية بكل شيء من أجل الدين، التضحية بالنفس، والمال، والوقت، والبلد، والأهل، والزوجة، والولد.
وقد أمرنا الله سبحانه باتباع الرسول ﷺ والاقتداء به في جميع أحواله، إلا ما خصه الله به، فهو قدوة لكل مسلم في نيته، وفكره، وأقواله، وأعماله، وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
• سيرة الأنبياء في الدعوة إلى الله:
أعمال الأنبياء، وأخلاق الأنبياء، تؤخذ من سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام قطعوا المسافات في سبيل الدعوة إلى الله، واغبرت أقدامهم في سبيل الله، وبذلوا أموالهم وأنفسهم وأوقاتهم من أجل إعلاء كلمة الله، وعرق جبينهم، وتشققت أقدامهم، من أجل نصر دين الله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
стр. 9292
وفي سبيل الله ومن أجل إعلاء كلمة الله ابتُلي الأنبياء، وأوذوا، وهاجروا، وأُخرجوا، وقاتلوا، وقُتلوا، وجرحوا، وجاعوا، وزُلزلوا، وطُردوا، وشُتموا، وعُيروا، واتُّهموا، وضُربوا، فَرَحِمُوا، وصبروا، حتى نصرهم الله، وأنقذ بهم الخلق من الكفر والنار: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١٠ - ١١١].
وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
أحوال الناس بعد الدعوة:
الناس بعد دعوة الأنبياء والرسل لهم إما أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا:
فمن آمن امتحنه الله تعالى، وابتلاه بالسراء والضراء، وقد يعاديه الناس، ويؤذونه؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق.
ومن لم يؤمن بهم عوقب بما يؤلمه بما هو أعظم وأدوم، فلا بد من حصول الألم لكل نفس، سواءً آمنت أم كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا في البداية، ثم تكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، والكافر تحصل له النعمة الموهومة ابتداءً، ثم يصير في الألم المؤبد في الدنيا
стр. 9293
والآخرة: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
أعمال الأنبياء والرسل وأتباعهم:
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أكمل الناس إيمانًا ويقينًا، وأحسنهم أخلاقًا وآدابًا، وأفضلهم أقوالًا وأعمالًا، وأكملهم عبادة ودعوة.
وقد أعطى الله جميع الأنبياء والرسل شيئين هما:
الإيمان .. والأعمال الصالحة.
وأمرهم بإبلاغ ذلك للناس، وأمر هذه الأمة بما أمر به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ
стр. 9294
تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
وللقيام بذلك كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم يسيرون في الأرض بالأخلاق الحسنة، ويحملون للناس التوحيد والإيمان والأعمال الصالحة، ويدعونهم إليها، وكان أحب شيء لديهم الإيمان بالله والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، وكانت أشواقهم إلى رؤية ربهم، وإلى رضوان الله، إلى نعيم الجنة، إلى قصور الجنة، وقد صدقوا وجاهدوا، وبلغوا، وصبروا، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
جعلنا الله وإياكم منهم، وممن يقتدي بهم في توحيدهم وإيمانهم وأخلاقهم ودعوتهم.
من الأصول الكبرى لدعوة الأنبياء والرسل
بين الله في القرآن الكريم أصول دعوة الأنبياء والرسل، وفصلها لهذه الأمة؛ لأن الله أعطاها وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وهي:
عبادة الله .. الدعوة إلى الله .
• ومن هذه الأصول الدعوة إلى التوحيد، والإيمان بالله، وعبادته وحده لا شريك له:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
стр. 9295
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
• ومن هذه الأصول إبلاغ دين الله إلى الناس والنصح لهم:
قال الله تعالى عن الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٣٩ - ٤٠].
وقال الله تعالى عن نوح ﷺ : ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ [الأعراف: ٦٢].
وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
• دعوة الناس وغشيانهم في البيوت والأسواق، والقرى والأمصار:
قال الله تعالى لموسى ﷺ : ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٢ - ٤٤].
стр. 9296
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٠ - ٢٢].
وكان رسول الله ﷺ يزور الناس، ويَتبعهم في منازلهم، يدعوهم إلى الله، ويعرض نفسه على القبائل، وكان يقول للناس: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إلَهَ إلَّا الله تُفْلِحُوا». أخرجه أحمد بسندٍ صحيح (١).
وعن أسامة بن زيد ﵁ «أن النبي ﷺ عاد سعد بن عبادة ﵁ وفيه- حتَىَّ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوثَانِ وَاليَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إلَى الله، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ». متفقٌ عليه (٢).
• ومنها دوام الثناء على الله وذكره واستغفاره في جميع الأحوال:
قال الله تعالى عن إبراهيم ﷺ : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾ [إبراهيم: ٣٩ - ٤٠]
стр. 9297
وعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». أخرجه مسلم (١).
وعن الأغر المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله فِي اليَومِ مِائَةَ مَرَّةٍ». أخرجه مسلم (٢).
• ومنها الكتابة إلى ملوك الكفار بالدعوة إلى الله:
عن أنس ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى كِسْرَى، وَإلَى قَيْصَرَ، وَإلَى النَّجَاشِي، وَإلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إلَى الله تَعَالَى». أخرجه مسلم (٣).
• ومنها الدعاء للمشركين بالهداية:
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ الطُّفَيْلُ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله عَلَيْهَا فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَائْتِ بِهِمْ». متفقٌ عليه (٤).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أدْعُو أُمِّي إلَى الإسْلَامِ وَهْيَ مُشْرِكَةٌ. فَدَعَوْتُها يَوْماً فَأَسْمَعَتْني في رَسُولِ الله ﷺ مَا أَكْرَهُ -وفيه- قلت يا رسول