← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

فإذا صار هذا الإنسان بفضل الله عابدًا فلك مثل أجره، وإن كان داعيًا فلك مثل أجر دعوته، وإن صار معلمًا فلك مثل أجر تعليمه، وإن كان تاجرًا أو محسنًا فلك أجور إحسانه وإنفاقه من غير أن يُنقص من أجره شيئًا: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. فالأرباح من ربنا الكريم عظيمة، فكيف بأرباحٍ كثيرة، وكبيرة، وعظيمة لا حد لها إلى يوم القيامة، بمختلف العبادات، وأنواع الطاعات، وبمختلف الأشخاص، والأزمنة، والأمكنة، وذلك كله من أعظم ثمرات الدعوة إلى الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٠ - ١٤]. فما أعظم كرم الله ، وإحسانه إلى هذه الأمة بأنواع الإحسان، وبهذه الوظيفة العظيمة التي هي أعظم أبواب الإحسان والأجر والثواب: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].

стр. 9557

وكم تكون السيئات في صحائفك لو دللت الناس على الشر، والشرك، والبدع، والمعاصي بقولٍ أو فعل أو خلق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٤ - ٢٥]. فأنت كل يومٍ خاسرٌ أو رابح بالدعوة إلى الهدى، أو الدعوة إلى الضلالة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وأنت كل يوم خاسر ورابح، إذا كنت تعصي الله مرة، وتطيع الله مرة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ٩ - ١٠].

стр. 9558

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٣ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الرابع ويشتمل على ما يلي: ١ - أسباب عدم القيام بالدعوة إلى الله. ٢ - الدعوة إلى الله أحسن الأعمال ٣ - صفة الدعوة إلى الله وحسنها. ٤ - حسن الدعوة إلى الله ٥ - فقه الشورى ٦ - قوة دعوة النساء إلى الله

стр. 9559

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٣ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الرابع وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 9560

٦٣ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الرابع ١ - الخزانة الأولى ١ - أسباب عدم القيام بالدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله هي أم الأعمال، وهي أعظم الأعمال بعد التوحيد والإيمان، وهي أعظم العبادات أجرًا، فللداعي من الأجور بقدر ما دعا من الناس سواءً آمنوا، أو لم يؤمنوا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وأسباب عدم قيام كثيرٍ من المسلمين بالدعوة إلى الله أمورٌ أهمها: الجهل بأجر القيام بها، والجهل بعقوبة تركها، والجهل بحكمها، فهي أول فريضةً بعد الإيمان، والجهل بأحوال العالم وفساده، والجهل بمقصد حياة المسلم من هذه الأمة، وقوة الابتلاء عند القيام بها، وثقل العمل الذي يتطلب التضحيات بالأموال، والأنفس، والشهوات، والأوقات، والتعلق

стр. 9561

بالدنيا وشهواتها، ومحو الشخصية التي يلبسها الشيطان كثيرًا من الناس، وقلة الناصر والمعين عليها من الناس. والناس أربعة أقسام: الأول: من اجتهد في عبادة الحق، واجتهد في الإحسان إلى الخلق، وهؤلاء خير البرية، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، ثم العلماء الربانيون، ثم المؤمنون الصادقون: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨] الثاني: ضد هؤلاء، وهم من أساء في عبادة الحق، وأساء في معاملة الخلق، وهؤلاء شر البرية، وفي مقدمتهم إبليس وجنوده من شياطين الإنس والجن، والكفار والمشركون على اختلاف درجاتهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].

стр. 9562

الثالث: من اجتهد في عبادة الحق، وأساء في معاملة الخلق، وهذا دون الثاني. الرابع: من اجتهد في الإحسان إلى الخلق، وأساء في عبادة الحق، وهذا دون الثالث: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. وإذا تركنا الدعوة إلى الله فُتحت أبواب المخارج، فخرج التوحيد والإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، من قلوب الناس وجوارحهم وألسنتهم، ويخرج الناس من الدين أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا. وببركة الدعوة إلى الله تحول شر القرون إلى خير القرون، وتحو شر البرية إلى خير البرية، حيث مَنَّ الله على هذه الأمة بأن أرسل إليهم أفضل الرسل، وأنزل عليهم أحسن الكتب، فكان ذلك سببًا في نقلهم من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفُرقة إلى الاجتماع، ومن الظلم والطغيان إلى العدل والإحسان: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].

стр. 9563

وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. • أفضل الجهود: قيمة الإنسان بصفاته لا بذاته، وإيمانه وتقواه لا بأمواله وثرواته، والمجد ليس للإنسان بل لعمل الإنسان الصالح: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فالله لم يمجد النحلة في القرآن، وإنما مجد جهد النحلة، ونظام حياة النحل؛ لأنه يشبه حياة الدعاة إلى الله، فالنحل يمشي بنظام اجتماعي يرجع إلى أمير، وهي ملكة النحل، وكذلك جهد الدعوة إلى الله يمشي بنظامٍ اجتماعيٍ له أمير، فالنحل بجهده يُخرج العسل الشهي بإذن الله بعد جهدٍ كبيرٍ وطويل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. والداعي إلى الله كذلك يجتهد على نفسه بالاستقامة، ويجتهد على الغير بالدعوة إلى الله؛ لتكون حياة الجميع كحياة الأنبياء والرسل بإذن الله: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].

стр. 9564

ويولد بسبب الدعوة إلى الله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. ويخرج بسبب الدعوة أهل الصفات المحمودة المحبوبة لله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ويظهر بسبب الدعوة إلى الله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. وأخطر بلاء، وأخطر مرض، ليس السرطان، بل أخطر الأمراض على الإطلاق الشرك والكفر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ [آل عمران: ٩١].

стр. 9565

وشفاء القلوب والأبدان في القرآن لا في غيره: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. ونظام الحيوان، ونظام السباع، ونظام الذباب، كله نظام هوى، ونظام النحل نظام هدى، ونظام الإنسان نظام هدى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١]. وقال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. ونحن علينا أن نقوم بجهد الهداية؛ لنتحصل على الهداية، ويهتدي الناس. فندعو دعاء الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. ونقوم بجهد الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ونلزم بيئة الهداية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. ولقد ذكر الله جهد النحل ممجدًا لجهدها، وذكر الذباب محقرًا لجهده، فنظام النحل يُثمر العسل الذي فيه شفاءٌ للناس، ونظام الذباب يُثمر الداء الذي يسبب الأمراض للناس.

стр. 9566

والنحل يقع على الطيبات، ويأكل الطيبات، ويخرج للناس الطيبات، والذباب يقع على القاذورات، وينقل منها النجاسة والأمراض للناس. والنحل لعظمة جهده له مهابةٌ ومحبة، له مهابةً عند الناس، ومحبةً من الناس، لما يخرج منه من المنافع. والذباب لحقارة جهده لا مهابة له ولا محبة. وأضل هوى ليس هوى الذباب، إنما أضل هوى هوى الإنسان: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وكان العرب قبل الإسلام كالذباب لا مهابة ولا محبة، فأهانهم الفرس والروم، وبعد الإسلام كانوا كالنحل لهم مهابةٌ ومحبة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥].

стр. 9567

٢ - الخزانة الثانية أصول الدعوة إلى الله في سورة يوسف: سورة يوسف فيها أكبر ملحمةٍ للأخلاق، ونزلت هذه السورة في مكة، لما أهل مكة لم يقبلوا الدعوة، وأهل الطائف لم يقبلوا الدعوة، وأهل الموسم لم يقبلوا الدعوة. وبعد أن مات أبو طالب وخديجة في عامٍ واحد، سُمي عام الحزن، اشتدا غلف الأمر على النبي ﷺ فنزلت هذه السورة تسليةً للنبي ﷺ . والله سبحانه له سُنن بعد كل محنةٍ وشدة، تأتي المنحة، ويأتي الفرج من الله، ومنحة النبي ﷺ مع هذه الأحوال الشديدة سورة يوسف التي نزلت تسليةً للنبي ﷺ ، فكأن الله يقول له فهذه حالك الآن، وسبقك إلى مثل هذه الحال نبيٌ قبلك اسمه يوسف ﷺ . فإذا فقدت عمك وزوجك، وطُردت من بلدك، فهناك نبيٌ له نفس الحال وسمى الله هذه السورة أحسن القصص؛ لأن فيها كل شيءٍ من التوحيد، والإيمان، والشورى، والأخلاق، والحق، والسياسة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣]. وبدأت هذه السورة برؤيا انتهت بتفسير تلك الرؤيا، فالرؤيا للشمس والقمر والكواكب، هم عائلة يوسف ﷺ أصحاب المشكلة، والشمس والقمر والكواكب كلها نور وخير، لم يرى مجرمين، بل رأى هذه الآيات التي تضئ من كل مكان، في كل مكانٍ وزمان: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي

стр. 9568

رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٤ - ٦]. هذه الآيات التي تضيء من كل مكان في كل مكانٍ وزمان، فكأن الله يقول لمحمد ﷺ : أصحابك وقومك الذين عادوك، وقاتلوك، وطردوك، وأذوك، وظلموك، وسبوك، وشتموك، سيكونون يومًا نورًا ورحمةً للبشرية كلها، كالشمس والقمر والكواكب، وذلك بسبب صبرك، وخلقك، وكمال يقينك على ربك، ستراهم مؤمنين كلهم نورًا كالكواكب: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]. فكفار مكة رفعوا السيف في وجه النبي ﷺ ، ولكنهم بعد ذلك صاروا هم شمس الإسلام، وقمره وكواكبه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] .. والمنافقون عاشوا مع النبي ﷺ ، وصلوا مع النبي ﷺ ، ولكن كلهم ماتوا كفارًا إلى الدرك الأسفل من النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].

стр. 9569

وكل إنسان فيه ذرة من آدم شهدت لله بالوحدانية، ومقصودنا أن تكون البشرية في مستوى الشمس والقمر والكواكب، في نور التوحيد والإيمان، والتخلق بأخلاق الأنبياء والرسل إلى قيام الساعة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. ومشكلة يوسف ﷺ المحبة، فيعقوب ﷺ كان يحب يوسف حبًا شديدًا، ويوسف ﷺ أُعطي شطر حسن المخلوقات كلها، وكان يعقوب إذا جلس مع ابنه يوسف في أي مجلس فنظره دائمًا إليه، وبسبب هذا الحب له، حسده إخوته على مكانته عند أبيه، وكل ذي نعمةٍ محسود، فحسد يوسف إخوته وكادوا له. وأما محمدٌ ﷺ فحسده أهل مكة، واليهود، والنصارى، وجميع الكفار والمشركين، والداعي كذلك محسودٌ من الناس، لِما مَنَّ الله عليه من نعمة النبوة والرسالة والهداية: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥]. فالنبي ﷺ حسده كل العالم، بسبب كمال نعمة الله عليه، وكل داعٍ محسود، وللنجاة من الحسد أنزل الله سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥]. فلا ينجي ويصرف شر الحسد عن الإنسان إلا الله وحده لا شريك له. وإبليس حسد آدم ﷺ على ما أنعم الله به عليه، فبالحسد تزيد الآثام، ثم تحصل المعاصي بين الحاسد والمحسود فالحسد، يأكل الحسنات كما

стр. 9570

تأكل النار الحطب، فأخطر شيءٍ في جهد الدعوة إلى الله هو الحسد والتحاسد. فما الذي عند أهل الدعوة حتى يتحاسدون؟! ليس عندهم مالٌ ولا مناصب، ولكن الشيطان يبيع بضاعته ليتم أمره في الإضلال؛ لأن الدعوة تحرق أعماله وجنوده. ومن الذي يُحسَد .. ومن الذي يحسِد؟ يوسف إذا جلس في المجلس أبوه يعقوب ينظر إليه فقط، فحسده إخوته على هذه المحبة والمكانة، فإخوة يوسف مقصودهم نظر يعقوب إليهم، فجاء الحسد منهم، فالذي مقصوده نظر الناس إليه يأتي في قلبه الحسد. والذي مقصوده من جهد الدعوة إلى الله نظر الله إليه، لا يأتي في قلبه الحسد. وفي الشورى والتشاور لإعلاء كلمة الله يأتي الحسد، لماذا يُقدم فلان. لماذا فلان يُسمع له؟ فأكثر ما يكون الحسد في الشورى وفيمن يتكلم أمام الناس بالدعوة، أما إعداد الطعام والشراب فليس فيه حسد: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [يوسف: ٧ - ٩]. لابد لتحصيل الهداية والنصرة من اجتماع القلوب، واتحاد الفكر، وإتباع السُنَّة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].

стр. 9571

وإذا اجتمعت الألسنة، وتنافرت القلوب، وتعلمنا العلم ولم نعمل به، وقُطعت الأرحام، فيوشك الله أن يعمنا بعذاب. والشورى تُخرج جميع الصفات الذميمة من الكبر، والفخر، والعُجب، والإصرار على الرأي: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والنبي ﷺ عقد مع كفار مكة صلح الحديبية، وأكثر الصحبة ﵃ ضاقت نفوسهم أن يرجعوا ولم يدخلوا مكة، فأمرهم النبي ﷺ أن ينحروا الهدي ويحلقوا فلم يتحملوا ذلك، فشاور النبي ﷺ أم سلمة زوجه ﵂ فيما فعلوا فقالت: هم لا يخالفونك فاخرج إليهم، وانحر الهدي، واحلق أمامهم، ففعل ففعلوا، فحفظ الله بأم سلمة ﵂ هجرة المهاجرين، ونصرة الأنصار، وسمى الله هذا الصلح فتحًا، وليس فتحًا واحدًا بل هو اثنا عشر فتحًا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح: ١ - ٥]. ويوم الصلح سماه الله يوم الفتح بل الفتوح كما ذكرها الله ، والصحابة ﵃ تنازلوا عن كل مزاجٍ، واتبعوا مزاج النبي ﷺ فأكرم الله رسوله والمؤمنين بالمغفرة وإتمام النعمة والهداية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ

стр. 9572

بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وفي النفس البشرية نوعان من الشر: شرٌ أصيل .. وشرٌ طارئ. والموجود في قلوب إخوة يوسف شرٌ طارئ، سببه الحسد ليوسف ﷺ ، والشر الطارئ على النفس يبدأ من أعلى ثم ينزل إلى أسفل: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [يوسف: ٩]. ثم ألقوه في غيابتِ الجب: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ [يوسف: ١٠]. وكذا شورى الكفار في دار الندوة، سببه حسد النبي ﷺ : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]. ثم كانت الفيصلة قتله ﷺ ، كما أن فيصلة إخوة يوسف ﷺ : ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]. وبسبب جهل إخوة يوسف وحسدهم قالوا لأبيهم النبي يعقوب ﷺ : ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ [يوسف: ٨]. وهذا كفر سببه الحسد؛ لهذا نهى يعقوب يوسف أن يقص رؤياه على إخوته، لئلا يكيدوه، ثم فسر الرؤيا بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ

стр. 9573

مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٦]. وكل حالٍ تأتي على الداعي إذا قام بالدعوة إلى الله تُبرز مقام الداعي، ومقام الدعوة، وأي حالٍ يأتي في العبادة يُنقص جمالها، وأي حالٍ يأتي على الدعوة يُبرز جمال الدعوة، ويُظهر حسنها. إذا أتى المرض على المصلي يصلي على الفراش، وإذا أتى المرض على الصائم يُفطر، فينقص جمال العبادة. قال النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». أخرجه البخاري (١). فالأحوال التي تأتي على الداعي للتربية، فلا يقوم دينٌ بلا جهد، والأحوال لا تأتي إلى عند الدعوة، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. ثم طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يرسل معهم يوسف ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ [يوسف: ١٢ - ١٤].

стр. 9574

ثم نفذوا الجريمة في أخيهم يوسف، فجردوه من ثيابه، وألقوه في غيابتِ الجب: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ [يوسف: ١٥]. فصار يوسف ﷺ في أسفل البئر وهم في أعلاه، وطلب منهم رد القميص لكن لا مجيب، ثم فورًا نزل جبريل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ [يوسف: ١٥]. فسيأتي اليوم يا يوسف أنت الأعلى، وهم في الأسفل. فكل من أراد الحق لابد أن ينز ل تحت ويتواضع، ثم يصعد فوق حينما تأتي فيه الصفات التي يمتاز بها عن غيره من الإيمان واليقين، والصبر والحلم. الأحوال الشديدة جاءت على أصحاب النبي ﷺ في الخندق فزادت إيمانهم بربهم، حصل لهم جوعٌ وبردٌ وخوفٌ كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١]. فالصحابة ﵃ في الخندق وصلوا إلى أعلى مستوى في التربية؛ ولهذا قال النبي ﷺ لهم: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ، وَلَا يَغْزُونَا» أخرجه البخاري. (١).

стр. 9575

ثم أخرج الله يوسف من البئر إلى السوق، ثم بيع في السوق كما تُباع الأشياء والأغنام، فدخل مصر وهو مملوك، لكن يأتي يوم وأهل مصر مماليك لك: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٦ - ٥٧]. والذي اشتراه هو عزيز مصر، فالعزيز اشترى النبي العزيز، لكنه في صورة عبد، كما قالت امرأة فرعون: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩]. لكن قال فرعون: قرت عينٍ لكِ لا لي؛ فلهذا هداها الله دون فرعون، وقصور مصر كلها عبيد، لكن من اشتراه قال لها: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ [يوسف: ١٩ - ٢٢]. فلا إله إلا الله، ما أحسن تربية الله لرسوله وأوليائه.

стр. 9576

وامرأة العزيز شغفت بيوسف لجماله، وزليخا امرأة العزيز، ويوسف عندها عبد، ولما بلغ أشده جُمعت له عشرة أنواع من الفتنة: بلغ أشده، وفيه النور والجمال، عبدٌ يأتي بالإشارة، ويمشي بالإشارة، أعزب، غريب لا يعرف أحداً، امرأةٌ جميلة بحُليٍ ولباسٍ جميل، في بيتها مع ذكاءٍ وخلوةٍ، وأغلقت الأبواب: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٤]. وكانوا في مصر يعبدون الأصنام، فأخذت رداءها ووضعته على الصنم، فقال: ما هذا؟ قالت: حتى أستر نفسي من ربي، فقال يوسف: ومن يسترني من عين الله؟ فلما قالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]. فورًا ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]. فهذه الكلمة من يوسف ﷺ كسرت شموخ وكبرياء امرأة العزيز، فزادت المشكلة، ثم جاءت تهمته في شكواها لزوجها: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤].

стр. 9577

وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ [يوسف: ٢٥]. فما هو الحل؟ الحل الهروب للنجاة من هذه الفتنة: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]. فورًا امرأة العزيز أعطت القصة لزوجها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ [يوسف: ٢٥]. وأشارت بالسجن لعل يوسف يلين فيحصل لها مرادها منه، فانتشر الخبر، وعلمت النساء وخُدام البيوت، فخرج السر من القصر بسبب الخدم، وانتشر الخبر في مصر: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ [يوسف: ٣٠]. فعملت امرأة العزيز لهن الحيلة، واعتدت لهن متكئًا، وقالت ليوسف: اخرج عليهن: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [يوسف: ٣١]. فعملت امرأة العزيز للنساء عملية نفسية، فتعلقت قلوب كل النساء به، وقمن بالمراودة ليوسف في قصر عزيز مصر، فما هو الحل؟. الحل بدأ بدعاء يوسف لربه ليُسلمه منهن: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ

стр. 9578

أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٢ - ٣٤]. فمن جاءت عليه الأحوال الشديدة، وهو يدعو إلى الله قائمًا بأمر الله، يفزع إلى الله لا إلى غيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فلا يفزع إلا إلى الله مهما كانت الأحوال، ثم يوسف علم ما وراء الامتناع منهن فطلب السجن من ربه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٢ - ٣٤]. والذي يقوم بالدعوة إلى الله، وينظر إلى تقصيراته يتقدم، والذي يقوم بالدعوة إلى الله، وينظر إلى تضحياته يتأخر.

стр. 9579

٣ - الخزانة الثالثة أصول الدعوة إلى الله في سورة يوسف: المشكلة والآفة التي تصيب الداعي ثلاث: أنا .. ولي .. وعندي. فهذه ثلاثٌ مهلكاتٌ للإنسان، فالذي يقوم بالدعوة ويقول: أنا، فهذا شيطان، كما قال إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص: ٧٦]. فإبليس ما زنى وما سرق ولكن قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٦]. وأنا لا تكون إلا لله فقط: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]. فأنا في الدعوة شيطانية، وأنا في الدعوة فرعونية كما قال فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. ولي فرعونية كما قال فرعون: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ [الزخرف: ٥١]. وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وعندي قارونية ص كما قال قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. ففرعون مشكلته أنا ولي، والله له كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].

стр. 9580

فنحن في الدعوة إلى الله ليس لنا، وليس عندنا، وليس فينا أنا، إنما نحن: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]. وقال الله تعالي: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠]. فأخطر شيءٍ على الداعي إلى الله زلة القلب واللسان برؤية هذه الأشياء. ويوسف ﷺ كل أهل مصر ظلموه، ولكنه صبر على البلاء. فلنكن مظلومين لا ظالمين؛ لأن المظلوم معه الله ينصره على من ظلمه. والآن جعل الله الحل في رأس الملك بالرؤيا التي أراها: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ [يوسف: ٤٣ - ٤٤]. وأخطر شيء على الدعاة إلى الله التعصب، والاستعلاء، ورؤية الجماعة والقبيلة كما قال الملأ من قوم سبأ: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ [النمل: ٣٣] وقال كفار مكة: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]. ونحن لله وحده الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم: ٤٠].

стр. 9581

فالداعي ليس عنده مزاج أنا، ولا لي، ولا بيدي، ولا عندي، ولا نحن، فهذه كلها لله وحده: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وهذه الرؤيا التي رآها الملك مرتبة؛ ليرى الناس أن حل المسائل عند الداعي إلى الله، فالله ألجم جميع جلساء الملك عن تعبير الرؤيا، فقالوا: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ [يوسف: ٤٤]. فقال الذي سُجن مع يوسف من العبيد: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ [يوسف: ٤٥]. وهذه الرؤيا من الله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ [يوسف: ٤٥]. فالداعي إلى الله حين يضحي بمزاجه وأوقاته وعاداته، فالله يخرق له عادات الآخرين، فكل جلساء الملك قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ [يوسف: ٤٤]. وعادةً جلساء الملوك أهل فطنةٍ وذكاء، ولو فسرها أحدهم لما خرج يوسف من السجن. فقال الذي نجا من العبيد: أنا اعرف شخصًا في سجن العبيد يُؤول الرؤيا، فماذا قال الملك؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ [يوسف: ٥٠].

стр. 9582

ففتحوا أبواب السجن وقالوا ليوسف: أجب الملك، وعادةً السجين لو وجد أي فرصة هرب، وعلى الأقل خرج، لكن يوسف ﷺ لم يخرج؛ لأنه متهمٌ في العرض، حتى يُثبت براءته. فقال: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ [يوسف: ٥٠]. ولم يقل: زليخا امرأة العزيز، وفتح الملك التحقيق مع النساء، فقالت النساء جميعًا: كما قال سبحانه: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥١ - ٥٣]. فأقرت امرأة العزيز بما حصل منها، فأحبه الملك، واستخلصه لنفسه؛ لهذا الداعي إلى الله لابد أن يكون طاهر السيرة والسريرة. ثم عرض الملك الرؤيا على يوسف ﷺ : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ [يوسف: ٥٤]. ثم عرض عليه المشكلة، ثم يوسف ﷺ بعد أن سمعها أعطى التفسير، ثم التدبير، ثم التبشير كما قال سبحانه: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩].

стр. 9583

وذلك بأن وضع لهم يوسف ﷺ خطة تدبير وتبشير، سبعُ وسبع، وعامٌ كله خير تبشيرًا، ووضع لهم نظام تخزين للحبوب، ثم وضع نظام تبادل السلع كلٌ يأخذ حاجته فقط، ولا يحتكر، وهكذا الداعي دائمًا يبشر الناس، ويعطي ولا يأخذ، ويعفو ولا ينتقم، فكل مصر ظلموه، ولو أن يوسف أعطى التفسير بدون التدبير لاحتار الملك فيما يفعل، وهذه خطةٌ اقتصادية لمدة خمسة عشر عامًا، فالمشكلة في الأربعة عشر عامًا، ثم بشرهم بعام البركات بعده كله خير وأمن، فالداعي دائمًا يُعطي الخير ويُبشر بالخير. ثم قال يوسف ﷺ : ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥]. ليدبر البلاد بحسن تدبيره، وحبه للخير للناس. يوسف ﷺ بعد تفسير رؤيا الملك قال للملك: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥]. ليدبر البلاد بحسن تدبيره، وحبه للخير للناس، ثم جاء إخوة يوسف فعرفهم ولم يعرفوه: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾ [يوسف: ٥٨]. فجلس معهم وأكرمهم، ثم عرف منهم قصتهم، وقصوا عليه قصتهم مع يوسف، وكان المفروض أن يقتلهم؛ لأنهم ظلموه، وجاءوا معهم بثمن الحبوب من ثيابٍ وجلودٍ ونحوها، ثم لما سمع خبرهم، وجهزهم ماذا طلب منهم: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي

стр. 9584

أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾ [يوسف: ٥٩ - ٦٠]. ولكنه ﷺ لكمال بصيرته، ظن أنهم لا يرجعون، فجعل بضاعتهم التي هي ثمن الحب في رحالهم؛ لأنه يعلم أن يعقوب لا يأكل حرام: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ [يوسف: ٦٢]. ثم لما رجعوا قصوا على أبيهم الخبر: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾ [يوسف: ٦٣ - ٦٥]. فهذا هو اللقاء الأول بين يوسف وإخوته، وهذا من عظيم الحكمة، ولو قال يوسف في اللقاء الأول: أنا يوسف، فماذا يحصل؟ يموت إخوته من الحسد، فهو وهو صغير حسدوه، فكيف إذا رأوه ملكًا يأمر وينهى .. ويُعطي ويمنع؟! سيتضاعف في قلوبهم الحسد، فهم مخطئون، بل مجرمون، لكن في قلب يوسف رحمةٌ شديدة لإخوته، ورغبته في هدايتهم جعلته يُعمل الحكمة في الإحسان إليهم والرفق بهم.

стр. 9585

فيوسف ﷺ أمام إخوته يرى أنه مخطئ، ليجذب قلوبهم إليه بزوال حسدهم له، والمخطئ من لا يرى نفسه مخطئ فهو المخطئ. والآن يوسف ﷺ كيف يعالجهم؛ ليكونوا في أعلى مستوى عند الله، فالإنسان دائمًا يرى نفسه مقصرًا. فطلب إخوة يوسف من أبيهم أن يرسل معهم بنيامين أخوهم، فخاف يعقوب عليه: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ [يوسف: ٦٦ - ٦٧]. ثم خرج إخوة يوسف من عند أبيهم يعقوب ﷺ مرةً أخرى، فجاءوا إلى يوسف مرةً أخرى، وأكرمهم وقضى حاجتهم، وعرف أخاه بنيامين، فأعمل فيهم الحيلة، فوضع سقاية الملك في رحل أخيه، ولما كانوا عند الأبواب خارجين أذن مؤذنٌ إنكم لسارقون: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ [يوسف: ٦٩ - ٧١]. ففتشوا الناس فوُجد الصواع في رحل أخيه بنيامين، فما هو الحكم؟ النظام عندهم من سرق كان عبدًا لمن سرق منه، فقالوا ليوسف: خذ أحدنا مكانه؛ لأنهم أُخذ عليهم العهد من أبيهم يعقوب أن يحفظوه. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي

стр. 9586

رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٣ - ٧٦]. ثم قالوا: كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ [يوسف: ٧٨]. فماذا قال يوسف ﷺ : ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ [يوسف: ٧٩]. فهذا هو نظامنا في الحكم بين الناس، فأخذ يوسف بنيامين، فأراد يوسف ﷺ أن ينظر في مستوى قلوبهم، فسألهم عنه فقالوا: كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ [يوسف: ٧٧]. فلازال في قلوبهم الحسد، والظلم، والكذب. والآن زاد المرض فيحتاجون إلى علاجٍ أكثر، حتى الآن قلوبهم لم تطهر، فأخذ يوسف ﷺ معه أخاه بنيامين، وقال كبيرهم، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾ [يوسف: ٨٠].

стр. 9587

فجلس هو أما إخوته فرجعوا إلى أبيهم، فزاد الهم أكثر على يعقوب ﷺ أولًا مشكلة يوسف، ثم الآن فقد بنيامين، ويهوذا: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف: ٨١ - ٨٢]. فماذا قال يعقوب ﷺ لما علم من إخوته الخبر: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٣ - ٨٦]. فقالوا: تأسف على يوسف، تذكر المصيبة الكبرى، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، فما أعظم صبره ﷺ ، ثم تولى عنهم، وخلا بنفسه؛ لئلا يبكي أمامهم، فلا إله إلا الله، ما أعظمها من أحوال تكسر القلب والخاطر. وهكذا الداعي يصبر، ويجرح نفسه ولا يجرح الآخرين، ولو بكى أمامهم لجرح قلوبهم.

стр. 9588

٤ - الخزانة الرابعة أصول الدعوة إلى الله في سورة يوسف: المطلوب في الدعوة ثلاثة أشياء: الصبر الجميل .. والعفو الجميل .. والصفح الجميل. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ [يوسف: ٨٣]. ويعقوب ﷺ صبر الصبر الجميل الذي لا عتاب فيه، والصفح الجميل الذي لا شكوى فيه، والعفو الجميل الذي لا ملامة بعده. يعقوب ﷺ ليس عنده في حل المشكلة إلا هؤلاء الأبناء يوسف وبنيامين، فماذا قال بعدما سمع؟ قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]. فاستخدمهم يعقوب ﷺ لحل المشكلة. وكذا نحن في جهد الدعوى إلى الله، لا ننظر لما سبق، بل ننظر للموجودين، ونستعملهم في حل مشكلة العالم، فكم من ضالٍ هداه الله كان سببًا لهداية البشرية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].

стр. 9589

فالآن إخوة يوسف ذهبوا في المرة الثالثة، ولكن قلوبهم منكسرة: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨]. فأظهروا حاجتهم الشديدة، فقبل منهم يوسف ﷺ ، مع أن بضاعتهم مزجاة، لِما في قلبه من رحمتهم؛ ولعلمه بفقر أبيه وحاجته، فهؤلاء الذين كانوا سبب المشكلة استخدمهم يعقوب ﷺ في حل المشكلة. فما أعظم هذه التربية من رب العالمين، وما أعظم هذه الحكمة من يعقوب ﷺ ، وما أعظم الصبر منه ﷺ . وهكذا نحن في الدعوة إلى الله، ليس عندنا إلا هؤلاء الذين كانوا من قبل سبب المشكلة، فنحن الآن نستخدمهم في حل مشكلة العالم، وكذا حال قريش مع النبي ﷺ ، حاربوه، ثم حاربوا معه. فهكذا جهدنا في جناب الله مع أنه قليل، وبضاعةٌ مُزجاة، إذا اعترفنا بذلك قبله الله، وبارك فيه: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨]. فيوسف ﷺ قبِل، والكريم لا شك يقبل، ولكن إذا انكسرت القلوب، فالآن أتى الحل للمشكلة بعد أن اعترفوا وانكسروا، فماذا قال لهم يوسف؟. قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ [يوسف: ٨٩]. فماذا قال له إخوته؟. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)

стр. 9590

قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ [يوسف: ٩٠ - ٩١]. فماذا قال يوسف؟. قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف: ٩٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠]. فالآن قال يوسف لإخوته: ﴿(٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ [يوسف: ٩٣]. والقميص ورد في قصة يوسف ثلاث مرات: الأولى: لما جاءوا عليه بدمٍ كذب لأبيهم يعقوب ﷺ . والثانية: حينما قدته امرأة العزيز. والثالثة: حينما أرسل يوسف قميصه إلى يعقوب أبيه ﷺ . فقميص يوسف في الأولى دليل الإدانة، وقميصه في الثانية دليل البراءة، وقميصه في الثالثة دليل القدرة فبسببه رد الله على يعقوب بصره. فالأول قميص البلاء، والثاني قميص النجاة، والثالث قميص الشفاء. فكل شيءٍ مع الداعي إلى الله له قيمة وأثرٌ وبركة. ولما التقى يوسف مع أبيه يعقوب، هل أجلسه، وسرد القصة عليه؟ كلا بل قال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ

стр. 9591

جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ٩٤ - ١٠٠]. فنسب يوسف ﷺ كل ما جرى عليه من المحن والشدائد إلى الشيطان لا إلى إخوته، وهذا منتهى العفو، والإحسان، والإكرام، والأدب. فقصة يوسف ﷺ ملحمةٌ أخلاقية استنار بها قلب النبي ﷺ ، فزاد صبره، وحلمه، وعفوه، وصفحُه، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣]. ولما وصل يوسف ﷺ إلى الملك ماذا قال؟ قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]. الآن بدأ عند يوسف ﷺ الخوف، فبدأ بالدعاء والرغبة بلقاء الله، فمن وصل إلى الملك لا يريد الموت، فكل إنسانٍ وصل إلى الملك يرغب في

стр. 9592

البقاء فيه، ولكن قلوب الأنبياء معلقةٌ بالمَلك لا بالمُلك، فدعا ربه أن يتوفاه مسلمًا، ويلحقه بالصالحين مع الانكسار: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٢ - ١٠٦]. ثم بين الله أن هذه الأصول العظيمة في الدعوة هل هي ليوسف ﷺ فقط؟. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠]. فهذه الأصول لكل داعٍ في سبيل الله، لكن بشرط الصبر والتقوى. فبصبر يوسف ﷺ ، وعفوه، وإكرامه، وحلمه، ورحمته، أصبح جميع أُخوة يوسف أسباطًا وأخيارًا كالنجوم، فكوكب يوسف ﷺ أحد عشر رجلًا من إخوته، أما النبي ﷺ فكوكب في عهده ﷺ أكثر من مائة وعشرين ألفًا فدخلوا جميعًا في الإسلام، وشهدوا معه حجة الوداع. فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]. لهذا كله هذا عملنا في الدعوة صبرٌ ورحمةٌ بالناس، أما القوة القهرية فهذه بيد الله وحده لا شريك له: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا

стр. 9593

جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١١٠]. عملنا في الدعوة إلى الله إظهار القوة الخُلقية من الرحمة، والعفو، والإحسان، والإكرام، والله يُدبر القوة القهرية، وينصر بها أولياءه، فعملنا القوة الخُلقية، وفعل الرب القوة القهرية: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. فالإسلام عظيم ولا يحمل العظيم إلا خلقٌ عظيم يجعل العدو صديقًا، والضال مهتديًا، والفاسق صالحًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والآن الشيطان أشغل الناس بالقوة القهرية، وترك القوة الخلقية، فماذا حصل؟ زادت العداوة، ونفر الناس من الدين، وكرهوا الدين، بل حاربوه خوفًا من أهله، ولن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. والمسلمون اليوم يحتاجون إلى هذه الأخلاق، فنحن أمةٌ وسط، وشهداء على الناس، وكيف نكون شهداء على الناس، ونحن لم نذهب إلى الناس حتى نعلم من أسلم أو كفر؟!

стр. 9594

فأعلى درجات الولاية في بني إسرائيل الانقطاع عن الناس العبادة، وأعلى درجات الولاية في هذه الأمة الجهد على الناس والاتصال بالناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وذلك ما أكرم الله به الأنبياء والرسل، وهذه الأمة، والله تعبدنا بما تعبد به الأنبياء والرسل من الدعوة والعبادة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فالآن قبل القيام بجهد الدعوة، لابد من تزيين القلوب وتجميلها بالتوحيد والإيمان وأحسن الأخلاق، صِل من قطعك، واعف عن من ظلمك، وأعطي من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك، فلابد من نقل هذه الصفات إلى البشرية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 9595

٥ - الخزانة الخامس ٢ - الدعوة إلى الله أحسن الأعمال. كل نبي أعطاه الله الدعوة والعبادة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وموعود العبادة الجنة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. أما موعود الدعوة إلى الله، فهو النصرة والمعية: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. وهذه الأمة كالأنبياء والرسل، أعطيت العبادة والدعوة معًا، وهل الدعوة فرض عين؟ وهل يوجد صحابي واحد سئل النبي ﷺ هذا السؤال؟. الدعوة في هذه الأمة فطرة، وهي أم الفرائض بعد الإيمان، فإذا قامت الدعوة في الأمة، جاءت الصلاة والصوم وبقية أعمال الدين، نجاتك من العذاب الأليم فرض عين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ
следующие страницы →