جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ٩٤ - ١٠٠].
فنسب يوسف ﷺ كل ما جرى عليه من المحن والشدائد إلى الشيطان لا إلى إخوته، وهذا منتهى العفو، والإحسان، والإكرام، والأدب.
فقصة يوسف ﷺ ملحمةٌ أخلاقية استنار بها قلب النبي ﷺ ، فزاد صبره، وحلمه، وعفوه، وصفحُه، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣].
ولما وصل يوسف ﷺ إلى الملك ماذا قال؟
قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
الآن بدأ عند يوسف ﷺ الخوف، فبدأ بالدعاء والرغبة بلقاء الله، فمن وصل إلى الملك لا يريد الموت، فكل إنسانٍ وصل إلى الملك يرغب في
стр. 9592
البقاء فيه، ولكن قلوب الأنبياء معلقةٌ بالمَلك لا بالمُلك، فدعا ربه أن يتوفاه مسلمًا، ويلحقه بالصالحين مع الانكسار: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٢ - ١٠٦].
ثم بين الله أن هذه الأصول العظيمة في الدعوة هل هي ليوسف ﷺ فقط؟.
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
فهذه الأصول لكل داعٍ في سبيل الله، لكن بشرط الصبر والتقوى.
فبصبر يوسف ﷺ ، وعفوه، وإكرامه، وحلمه، ورحمته، أصبح جميع أُخوة يوسف أسباطًا وأخيارًا كالنجوم، فكوكب يوسف ﷺ أحد عشر رجلًا من إخوته، أما النبي ﷺ فكوكب في عهده ﷺ أكثر من مائة وعشرين ألفًا فدخلوا جميعًا في الإسلام، وشهدوا معه حجة الوداع.
فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
لهذا كله هذا عملنا في الدعوة صبرٌ ورحمةٌ بالناس، أما القوة القهرية فهذه بيد الله وحده لا شريك له: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا
стр. 9593
جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١١٠].
عملنا في الدعوة إلى الله إظهار القوة الخُلقية من الرحمة، والعفو، والإحسان، والإكرام، والله يُدبر القوة القهرية، وينصر بها أولياءه، فعملنا القوة الخُلقية، وفعل الرب القوة القهرية: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
فالإسلام عظيم ولا يحمل العظيم إلا خلقٌ عظيم يجعل العدو صديقًا، والضال مهتديًا، والفاسق صالحًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والآن الشيطان أشغل الناس بالقوة القهرية، وترك القوة الخلقية، فماذا حصل؟
زادت العداوة، ونفر الناس من الدين، وكرهوا الدين، بل حاربوه خوفًا من أهله، ولن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
والمسلمون اليوم يحتاجون إلى هذه الأخلاق، فنحن أمةٌ وسط، وشهداء على الناس، وكيف نكون شهداء على الناس، ونحن لم نذهب إلى الناس حتى نعلم من أسلم أو كفر؟!
стр. 9594
فأعلى درجات الولاية في بني إسرائيل الانقطاع عن الناس العبادة، وأعلى درجات الولاية في هذه الأمة الجهد على الناس والاتصال بالناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وذلك ما أكرم الله به الأنبياء والرسل، وهذه الأمة، والله تعبدنا بما تعبد به الأنبياء والرسل من الدعوة والعبادة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فالآن قبل القيام بجهد الدعوة، لابد من تزيين القلوب وتجميلها بالتوحيد والإيمان وأحسن الأخلاق، صِل من قطعك، واعف عن من ظلمك، وأعطي من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك، فلابد من نقل هذه الصفات إلى البشرية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 9595
٥ - الخزانة الخامس
٢ - الدعوة إلى الله أحسن الأعمال.
كل نبي أعطاه الله الدعوة والعبادة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وموعود العبادة الجنة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
أما موعود الدعوة إلى الله، فهو النصرة والمعية: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وهذه الأمة كالأنبياء والرسل، أعطيت العبادة والدعوة معًا، وهل الدعوة فرض عين؟ وهل يوجد صحابي واحد سئل النبي ﷺ هذا السؤال؟.
الدعوة في هذه الأمة فطرة، وهي أم الفرائض بعد الإيمان، فإذا قامت الدعوة في الأمة، جاءت الصلاة والصوم وبقية أعمال الدين، نجاتك من العذاب الأليم فرض عين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ
стр. 9596
عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٤].
فأول فريضة على الأمة أن تعرف من هو الله؟.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والفريضة الثانية: أن تعرف الناس بالله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
هو الله أحد توحيد لك، وقل هو الله أحد: نقل التوحيد إلى غيرك، فهي لك ولغيرك: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وكثير من الناس يسأل هذا السؤال ما حكم الدعوة؟، لأنه لا يريد الدعوة، ولا يريد التربية، كل منا يصلي الفرائض، لأنه يعلم أنها فرض عين، وليس كل منا يقوم بالدعوة، لأنه ليس في قلوبنا شعور أن الدعوة فرض عين كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 9597
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
فمقصود أعمال الدين كلها لتقوية المقصد، وهو الدعوة إلى الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
على ماذا؟ على الدعوة إلى الله، فالله سبحانه لم يجعل فوق الدعوة عملاً للوصول إليه، ولهذا هذه الأمة تعلمت الدعوة قبل نزول الأحكام، ثم تعلمت الأحكام، وهي العبادات التي تعين على القيام بالدعوة، لهذا من قام بالدعوة إلى الله سهل عليه امتثال أوامر الله، ومن ترك الدعوة إلى الله ثقل عليه امتثال أوامر الله، ولهذا تأخرت العبادات عن الدعوة إلى الله.
وهناك فاصل زمني طويل بين الإيمان، ونزول الأحكام، وليس هناك فاصل زمني بين الإيمان والدعوة إلى الله.
وأكثر اسم نردده كل يوم اسم الرب في الصلاة وغيرها، وهو أكثر اسم ورد في كتاب الله، فالذي يسأل الله باسمه الرحيم يطلب الرحمة، والذي يسأله باسمه الغفور يطلب المغفرة، والذي يسأل الله باسمه الرب ماذا يريد؟
يريد التربية الذي ربى الله بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
والله سبحانه ذكر في القرآن جهد الأنبياء، لا عبادة الأنبياء، لأن الأحكام قبل القرآن منسوخة، ولكن جهد الأنبياء في الدعوة إلى الله باقٍ إلى يوم القيامة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
стр. 9598
ومقصود جهد الدعوة النفس لا الناس، فنوح ﷺ دعا إلى الله ستمائة سنة، ثم قيل له: إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فهل ترك نوح ﷺ الجهد، لا بل استمر ثلاثمائة وخمسون عامًا، ولو كان المقصود الناس، لما دعا ألف سنة إلا خمسين عاما.
فالدعوة إلى الله للداعي تركيزًا، ولغيره تذكيرا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٤]
ومن كان مقصوده من جهد الدعوة الناس دون نفسه، فالناس يهتدون والإيمان يأتي في الناس، والنفاق يأتي فيه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ولم يذكر سواهم، فالمجتهد له الهداية.
• لماذا الناس يتركون الدعوة إلى الله:
لأن كثيرًا من الناس في قلوبهم هداية الناس فقط لا هداية أنفسهم، ولهذا يتركون الدعوة، ولو علموا أنهم أول مقصود بالدعوة إلى الله، وأول مستفيد لما تركوا الدعوة إلى الله.
فيعقوب ﷺ أعظم من فُجع في هذه الدنيا، فابيضت عيناه من الحزن، وفرق الله بينه وبين يوسف أربعين سنة.
وجبريل ﷺ ينزل عليه، وعلى يوسف، من أجل التربية، ولم يخبر منهم أحدا، وأيوب ﷺ سبعة عشر عامًا في المرض، هل الدواء بعيد عنه؟ الدواء تحت قدميه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [ص: ٤٢].
стр. 9599
ولكن لما جاءت الصفة التي يحبها الله فيه وهي الصبر، رفع الله عنه المرض: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤].
وموسى ﷺ مع فرعون جاهده أربعين سنة، والله طمَّع موسى في هداية فرعون فقال: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ [النازعات: ١٧ - ١٩].
وفرعون طمَّع موسى في الإيمان به كما قال سبحانه: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾ [الأعراف: ١٣٤].
والله يعلم أن فرعون لن يؤمن، ولكن المقصود تربية موسى ﷺ .
وهل المقصود من الدعوة إقامة الحجة على الناس؟.
من هو الحجة حتى يقيم الحجة، إقامة الحجة ليست من أعمال العباد، إنما هي من أعمال الخالق ﷻ : ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
والله سبحانه وضع في قلوب الأنبياء والرسل الطمع في هداية الناس، وإذا توقف الطمع تركت الدعوة، فلن تنزل هداية.
ومحمد ﷺ في قلبه الطمع في هداية البشرية كلها، وكذلك أتباعه يجب أن يكونوا مثله، فمتى وجد الطمع قامت الدعوة إلى الله، ثم نزلت الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
стр. 9600
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
الآن كم الطمع في قلوبنا لهداية البشرية، إذا وُجد الطمع نزلت الهداية، فموسى ﷺ أربعون سنة في قلبه الطمع في هداية فرعون، وكم الأدب من موسى مع فرعون؟ موسى يقول لفرعون: يا فرعون، أيها الملك، وفرعون يقول لموسى: يأيها الساحر، وموسى صابر، والداعي يكمل داعٍ آخر فموسى أرسل الله معه أخاه هارون نبيا، ولكل منهما صفات تخالف الآخر.
وتربية الأنبياء كلهم بالدعوة والهجرة، وهذه الأمة تربتها كذلك بالدعوة والهجرة، نوح ﷺ دعا وهاجر، وإبراهيم ﷺ دعا وهاجر، وموسى ﷺ دعا وهاجر، ومحمد ﷺ دعا وهاجر، وهذه الأمة تربيتها بالدعوة والهجرة، وبالدعوة والهجرة تحصل الهداية: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩].
وقال الله تعالى عن إبراهيم ﷺ : ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥].
стр. 9601
فكل الدين الموجود في العالم الآن بسبب من؟
بسبب المهاجرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
ومن كان جهده جهد الأنبياء رافقهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
فالسابقون من المهاجرين هم أهل بدر والحديبية، والسابقون من الأنصار هم الذين بايعوا النبي ﷺ بيعة العقبة الأولى والثانية.
ومقصود الدعوة والهجرة نصرة الدين: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٤].
فالصحابة ﵃ قبلوا التربية، فصاروا خير هذه الأمة، لكن في عصر النبوة من لم يقبل هذه التربية فقعدوا خسروا، وهم المنافقون رضوا بأن يكونوا مع الخوالف: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ
стр. 9602
فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨].
فالمنافقون شر الناس، ولهذا عقوبتهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
وبنو إسرائيل لما أساءوا الأدب مع موسى بقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤].
عاقبهم الله بتيه المكان بعد أن تاه فكرهم: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢٦].
فبنو إسرائيل وقعوا في تيه المكان، ونحن الآن وقعنا في تيه الفكر بترك المقصد وهو الدعوة إلى الله في أنحاء الأرض، فلا تربية بالجلوس أبدًا: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وهذا يتطلب النفر في سبيل الله، لنشر دين الله في العالم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
стр. 9603
فلا يعذر بترك الدعوة أحد، لأنها وظيفة الأمة كلها: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].
وصاحب ياسين فلاح، وقد ذكر الله جهده في القرآن: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠ - ٢١].
والمدينة مدينة الصفات لا مدينة الحجارة، والله بعث محمدًا ﷺ ليعلم الأمة كيف تبني قبورها وآخرتها، وما بُعث ليعلمها كيف تبني قصورها ودنياها، والمدينة قبل الهجرة اسمها يثرب، وبعد الهجرة سميت المدينة، ورفع الله مقامها بأهل الصفات من المهاجرين والأنصار.
وصاحب ياسين تجول مرة واحدة، وعظم الله مرة واحدة، فالله عظمه إلى الأبد، وعمل في الدعوة ساعة واحدة مع الصفات، فتحولت القرية إلى مدينة، ثم قتل ولكن وصلت حياته بحياته في الجنة، كما قال الله عنه: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٢٢ - ٣٠].
стр. 9604
٦ - الخزانة السادسة
٣ - صفة الدعوة إلى الله وحسنها:
والله سبحانه عنده خزائن الحسن، وحسن الله لا يدرك ولا يحاط به: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وكما أن حسن الله لا يدرك فحسن عمل الدعوة لا يدرك ولا منتهى لحسنه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
ومن حسن هذا الجهد العظيم أن الله ﷻ نقل بسببه شر القرون إلى خير القرون، ونقل حياة أهل الجاهلية من الضلال المبين إلى سلوك الصراط المستقيم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الظلم والطغيان إلى العدل والإحسان: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
стр. 9605
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
ومن سار على الهدى، وصل إلى الهادي، والصحابة اهتدوا إلى الدين، وقاموا بجهد الدين، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه، وأكرمهم بالجنة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فأعظم شيء أنزله الله من فوق العرش كتاب الله : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وفصل الله في هذا الكتاب العظيم أصول الدعوة إلى الله، ليصل الخلق إلى الحق، ويخرجوا من هوى النفس، إلى هدى الرب: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
فالقرآن نزل ليعلم الأمة المقصد، والجهد، والدين: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 9606
وقد حصل للنبي ﷺ في الطائف حالتان:
الأولى: إتعاب الجسد، من أجل القيام بجهد الدعوة، بصعود الجبال، وتحمل الضرب بالحجارة.
الثانية: إذلال الروح، فقد دعا ﷺ أهل الطائف، فسخروا منه، وردوا دعوته، وجميع الأنباء ذلوا أجسادهم وقلوبهم من أجل هذا العمل العظيم، فأعزهم الله، فمن أراد العزة فليذل نفسه للعزيز في سبيل هذا الجهد العظيم.
وأصعب شيء عرض الدعوة على الناس، والنبي ﷺ عرض الدين على الكفار فسخروا منه، وكذبوه، وضربوه، وشتموه، فاشتد عليه الأمر، وأراد الله أن يخفف على نبيه فقال له: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].
فهم لا يكذبونك، ولكن يكذبونني أنا.
وكفار مكة ليس عندهم مشكلة لا إله إلا الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥].
ولكن عندهم مشكلة محمد رسول الله، فحسدوه، حيث قالوا: فقير، مسكين، يتيم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢].
стр. 9607
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥].
فليست مشكلتهم مع الدعوة، بل مع الداعي الذي حسدوه، المشكلة أنت داعي من بيننا.
وقد عرض النبي ﷺ دعوته على أهل الطائف أربعة عشر يومًا، فلم يقبلها لا الرؤساء، ولا السفهاء، ولا العامة، ثم طردوه وضربوه بالحجارة، وبعد تحمل الرسول ﷺ ألم وتعب الجسد والروح من أجل الله، أكرمه الله بأعلى درجات العبودية، فأُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
والنفس أكره ما تكره العبودية، لما فيها من الذلة، ولكن عبودية الرب فيها العزة، فعبودية الرب أن تستفيد منه، والعبودية للخلق لكي يستفيدوا منك، فأعظم العبودية لله وحده، لذلك أعلى الدرجات عند الله العبودية له: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠].
فالآن فاز النبي ﷺ بأعلى الدرجات على مستوى البشرية، وهي مقام العبودية، ولكن بعد أن أتعب الجسد، وأذل الروح، وعظم الخالق، ونفى النفس، فمن أراد عزة العبودية لله، فليوطد نفسه على إتعاب الجسد، وإذلال الروح لله، ابتغاء مرضات الله، ففاز ﷺ بأشرف عبودية لله، محمدٌ رسول الله ﷺ ، لأنه عظم الله، ونفى نفسه فأخذ الجائزة والمرتبة والمنزلة
стр. 9608
على سائر الخلق أجمعين، لما وقر في قلبه من قوة اليقين، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، ففاز برتبة سيد الأولين والآخرين كما قال النبي ﷺ : «أنا سيد وَلدِ آدَم يوم القيامة» أخرجه مسلم. (١).
وكل إنسان يملك قوة الإثبات، وقوة النفي، ويملك أن يكفر، أو يؤمن، أو يطيع، أو يعصي: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
أما الملائكة فليس عندهم إلا قوة الإثبات: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠].
فالدعوة إلى الله تعظيم الخالق، لا إله نفي، إلا الله إثبات، والنبي ﷺ عظم ربه، ونسب التقصير إلى نفسه، وأذل نفسه لله ، من أجل هداية الخلق، وبغير الدعوة يأتي تعظيم النفس وتزكيتها وليس لأحد حق التزكية إلا الأنبياء كما قال ﷺ : «أنا سيد وَلدِ آدَم ولا فخر» أخرجه ابن ماجة. (٢).
أما البشر فلا يجوز لأحدهم أن يزكي نفسه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
стр. 9609
والمطلوب تزكية النفوس بالتوحيد والإيمان والتقوى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
فلا يعجب الإنسان بعمله، ولا ينسبه إلى نفسه، ولا يفخر بجاهه ونسبه وقبيلته، فالأمور كلها بيد الله، ويجب تعريف الخلق بربهم، ليعبدوه ويشكروه، ويستعينوا به ويتوكلوا عليه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
والشكوى ترفع إلى الله وحده، لأنه القادر على دفعها مهما عظمت، والأنبياء كلهم يقدمون الشكوى إلى الله وحده كما قال يعقوب ﷺ : ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
ومحمد ﷺ قال: «اللهم رب الناس، أذهِب البأسَ وأنتَ الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سَقَمَا» أخرجه البخاري. (١)
والمسلم كذلك لا يشكو حاله إلا إلى ربه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال النبي ﷺ : «إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستَعِنْ بالله». أخرجه أحمد والترمذي (٢).
стр. 9610
فهناك ثلاثة أمور:
الشاكي هو الداعي، والمشكو النفس، والمشتكى إليه هو الله وحده، فأعظم عدو هو النفس التي تسكن فيك: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
والصحابة ﵃ لما حصل في أحد ما حصل قالوا: أنَّى هذا، فقال الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥].
فكل المشاكل سببها النفس، وهي أعظم صنم معبود من دون الله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
لهذا الإنسان ينفي جهده، ويثبت كل نعمة وفضل لله ، لهذا لا ننظر كم عملنا، بل ننظر كم لم نعمل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فمن قام بالجهد، ونظر إلى تضحياته في سبيل الدعوة إلى الله يتأخر، ومن قام بجهد الدعوة، ونظر إلى تقصيراته يتقدم، فالله سبحانه أظهر محاسن الدين في صفات الأنبياء والرسل، وأظهرها في الصحابة ﵃، ولهذا مقصود الدعوة، إظهار محاسن الدين في البشر أقوالًا وأعمالًا وأخلاقًا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
стр. 9611
وقال الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
فالدعوة إلى الله هي الحياة، فالحي هو المتحرك، والميت ساكن: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢١].
فلا حياة للأمة إلا بالدين، ولا حياة للدين إلا بالدعوة، ولا حياة للدعوة إلا إذا اجتمعت الأمة عليها: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
فبالجهد يتحصل الإنسان على الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وبالأخلاق تأتي الهداية في حياة الآخرين بسببك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
كم كرم النبي ﷺ ، كم عفو النبي ﷺ ، كم حلم ﷺ ، كم لطف النبي ﷺ ، كم رحمة النبي ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
стр. 9612
وكان ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فلهو أجود بالخير من الريح المرسلة، وكم كان كرم الصحابة فالأخلاق مفضية إلى هداية الناس، والمقصود الجهد لا الكلام: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥].
وأثنى الله على من قام بالجهد فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧].
فمقصد الأنبياء الرحمة، وجهدهم الدعوة، وثوابهم الجنة.
والله سبحانه شرف هذه الأمة بالخيرية رجالًا ونساء، وحملهم أعظم مسئولية رجالًا ونساء إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فكلهم في دائرة الخيرية، وفي دائرة المسئولية، لم يستثنى أحد من الخيرية، والمسئولية، والله لم يرسل امرأة نبيه، ولكن جعل في هذه الأمة شريكة في الخيرية، وشريكة في المسئولية، فالنساء والرجال كلهم نواب النبي ﷺ في
٤ - حسن الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله أحسن شيء، وأفضل شيء، وأوجب شيء بعد الإيمان: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
والله هو الوهاب، الذي وهب هذه الأمة نيابة النبي ﷺ ، وبهذه الهبة انتقلت الأمة من شر القرون إلى خير القرون، ومن شر البرية إلى خير البرية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فعرفت هذه الأمة ربها، وعبدوه وحده، وتركوا عبادة ما سواه، وتحملوا مسئولية الدعوة إلى يوم القيامة.
ومن لم يدخل جنة الله في الأرض، لم يدخل جنته في السماء، وجنة الله في الأرض معرفة الله، والعمل بشرعه، والدعوة إليه، وجنة الله في السماء مجالسته، والقرب منه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
ومن دخل جنة المعرفة في الدنيا أدخله الله جنة الآخرة يوم القيامة.
فعاش الصحابة ﵃ في الدنيا، كأنهم في الجنة، يبذلون كل ما يملكون من أجل دين الله، فالله أعطاهم الرضوان في الدنيا والآخرة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ
стр. 9615
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
ويوم القيامة يُحِلُّ عليهم رضوانه في الجنة «الْيَوْمَ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا». أخرجه البخاري (١).
وكل نعم الله في الإنسان، وما حول الإنسان، كلها من أجل أن يصل بها إلى رضوان الله، والجنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
فمقصود جميع النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، أن يصل بها إلى المنعم فيُعَظِّمَهُ، ويُكَبِّرَهُ، ويَحْمَدُهُ، ويَشْكُرَهُ، ويُحِبَّهُ، ويعبده: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فالله سبحانه جعل دنيا الصحابة جنة، لماذا؟
لأنهم عرفوا النعمة والمنعم، فصرفوا كل نعمة في عبادة الله، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وعرفوا أن الدين أكبر نعمة، وجُهد الدين أكبر نعمة، فصرفوا كل أوقاتهم، وأموالهم، وأنفسهم، في طاعة المنعم، فهم في الدنيا مع النعمة، يتقربون بها إلى المنعم، ويوم القيامة يكونون في الجنة مع المنعم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
стр. 9616
لهذا كانت حياة الصحابة ﵃ أطهر حياة، وأحسن حياة، وأسعد حياة، على وجه الأرض، لذلك في عهد الصحابة ﵃ الذي يريد أن يرى حياة الجنة، يذهب إلى المدينة، ويراها هناك مُمَثَّلةً في أخلاق أصحاب النبي ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة، جاء من أنحاء الأرض من قبائل العرب ثمانون وفدًا، و رأوا الإسلام العملي، ودخلوا المدينة وهم كفار، فخرجوا من المدينة دعاة إلى الله .
وآخِر وفدٍ دخل المدينة هم أهل الطائف، الذين طردوا الرسول ﷺ ، فرأوا بيئة الإيمان والأعمال الصالحة، فأسلموا ورجعوا دعاة إلى بلادهم.
ولما جاءت الوفود إلى المدية كان النبي ﷺ يستقبلهم، ويُكْرِمَهُم، ويُعَلِّمَهُم، ويسألهم من أي قبيلة؟
وكان حول مسجده ﷺ سبعة مساجد، يُرَغِّبُ ﷺ المسلمين في استقبالهم، وإكرامهم، وتعليمهم، فكل قبيلة تأخذ وفدًا من الوفود، وهذه هي النصرة، وقال لهم ﷺ : «أَطِيِبُوا لَهُمُ الطَّعَاِم، وَأَلِيِنُوا لَهُمُ الْفِرَاشِ، وَعَلِّمُوهُمُ الْإِسْلَامِ». أخرجه ابن السني (١).
تربية لهذه الأمة، للقيام على المقصد عمليًا، وهو الدعوة إلى الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 9617
والوفود التي كانت تأتي رجالًا ونساءً، فالرجال في المساجد، والنساء في البيوت، وبعد أسبوع تقريبًا يرجعون إلى مسجد النبي ﷺ ، ويخبرونه بالأحوال، ثم يُرجعهم مرةً أخرى ليزدادوا علمًا، وبعد أسبوعين تقريبًا تَعَلَّمُوا، فقال لهم النبي ﷺ : «اِرْجِعُوُا إِلَىَ بِلَادِكُم وَعَلِّمُوُا مَنْ وَرَاءَكُم». أخرجه عبد الرزاق (١).
وهكذا تَعَلَّمَت الوفود، و أُكْرِمَت، فَفَرِحَت، ثم انطلقت راجعةً إلى ديارها تدعو إلى الله، وتعمل بدين الله، وكانت الوفود إذا رجعت تجتمع في دومة الجندل، في ثنية الوداع، وتجلس هناك، ثم يأتي النبي ﷺ فيُوَدِّعَهُم ويوصيهم بما يجب عليهم نحو أنفسهم، ومَن وراءهم.
فالدين انتشر بهذا اليسر والجُهد في العالم، فبقدر الصدق والتوجه إلى الله في كل حال، يجمع الله النور في قلوبنا، ويهدينا، ويعيننا على العمل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
فالآن كم العلم في الأمة، ولكن أين العمل؟.
فالعلم في الدماغ، والإيمان في القلب، والكلام في اللسان، فالله هو الذي يُبَيِّنُ، وهو الذي يظهره على لسانك وقت الحاجة: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩].
فنور الإيمان في القلب، والتقوى فيه، والخشية فيه، والتوكل فيه، فعِلم وعمل الصحابة انقاد عمليًا لما في القلوب: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
стр. 9618
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
مقصود العلم ليس العمل فقط، بل مقصوده الأعظم الخشية لله ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
ولو كان مقصود العلم العمل فقط، لدخل المنافقون الجنة، لأن عندهم أعمال الدين، لكن بلا إيمان، فمقصود العلم أصلًا الخشية، والهداية، والتقوى، فبقدر التقوى تكون الهداية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
لهذا الصحابة ﵃ تَعَلَّموا من النبي ﷺ ، أولًا؛ علم التقوى، ثم تَعَلَّموا علم الفتوى، ففي مكة لا يوجد افتاء، فالصحابة في مكة تَعَلَّموا التقوى، فلما تَعَلَّموا التقوى، تَعَلَّموا بعد ذلك الفتوى، ثم أعطاهم الله الإمامة في الدين والدنيا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
والآن نحن نتعلم الفتوى، قبل التقوى، فحصلت الفرقة والاختلاف كما هو حاصل الآن.
стр. 9619
وموسى ﷺ اسمه موسى، فهل موسى رفع العصا في وجه فرعون؟، وهل موسى ضرب البحر الذي لم يُسِئ إليه، أم ضرب وجه فرعون الذي أراد قتله، لا؛ بل ضرب البحر، وصبر على دعوة فرعون فدعاه بالحكمة، والرحمة، كما أمره ربه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ [النازعات: ١٧ - ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
موسى ﷺ يقول: يا فرعون؛ يعني يا ملك، وفرعون يقول لموسى يا أيها الساحر، ففي قلب موسى طمع في هداية فرعون، وأطمع فرعون موسى في نفسه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٧].
стр. 9620
٧ - الخزانة السابعة
٣ - صفة الدعوة إلى الله وحسنها:
الله رؤوفٌ بالعباد، جعل في قلوب الأنبياء والرسل الطمع في هداية أقوامهم، وموسى في قلبه الطمع في هداية فرعون أربعين سنة.
ولكن الله أرسل رسله إلى البشر على نوعين:
رسل الرحمة .. ورسل النقمة.
فالأمة التي لا تأتي بالرحمة تأتي بالنقمة، لكن الله يُقَدِّمُ رسل الرحمة على رسل النقمة، ولم تتغير رحمة موسى ﷺ على فرعون أربعين سنة، والله يعلم أن فرعون لا يؤمن، وأعظم شيء في القرآن وقال موسى، وقال فرعون، فموسى يقول كل خير برفقٍ ولين، وفرعون يقول كل شر بطغيانٍ واستكبار، ولما لم يستجب فرعون، أرسل الله إليه رسل النقمة، القحط وغيره من العقوبات، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٣].
فلما كشف الله عنهم الرجز نكثوا عما أمروا به، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ [الأعراف: ١٣٥].
فماذا فعل الله بهم؟
قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ
стр. 9621
وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٦ - ١٣٧].
والدعوة إلى الله تكون كما قام بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن الله بعث الأنبياء والرسل بثلاثة أمور:
١ - بالتعريف بالله ، ليعبده الناس وحده لا شريك له.
٢ - وبالطريق الموصل إليه، وهو الدين الذي أرسل به رسله.
٣ - وبما للناس بعد القدوم عليه يوم القيامة.
وصفة الدعوة إلى الله أن نُعَرِّف الناس بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ونُذَكِّر قلوبنا بالرَّب الذي يجب أن نعبده، فنُكَبِّرُ الله لتمتلئ قلوبنا وقلوب الناس بتكبيره، ونُعَظِّمُ الله ليَعْظُم في قلوبنا وقلوب الناس، فالقلوب إذا عَرَفَت الكبير والعظيم كَبَّرَته، وعَظَّمَته، وآمنت به، وأطاعته، وامتثلت أوامره، واجتنبت نواهيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
ونُذَكِّر الناس بنعم الله وإحسانه، ليحمدوه، ويشكروه، ويُحِبُّوه، ونُعَرِّفَهُم بصفات جلاله ليهابوه، ويطيعوه، ويرجوه، ويخافوه، ونُعَرِّفَهُم بصفات جماله ليحمدوه ويسألوه، ونُذَكِّرَهُم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الكبرى، لِيُعَظِّمُوه ويشكروه ويُحِبُّوه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
стр. 9622
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عَرَفتم ذلك آمنتم بالله، وأطعتموه، وعبدتموه وحده لا شريك له، فمن عَرَفَ القوي استعان به، ومن عرف الوكيل تَوكَّل عليه، ومن عرف القادر لاذ به، ومن عرف الكريم سأله، ومن عرف الغني تَوَجَّهَ إليه، ومن عرف الرزاق وقف ببابه، ومن عرف المَلِك التجأ إليه، ومن عرف العليم، والسميع، والبصير، استحيى منه، وخاف منه، ومن عرف الرحمن استرحمه، ومن عرف الغفور استغفره، ومن عرف العفو سأله العفو: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فالداعي إلى الله حقًا هو الذي يُعَرِّف الناس بالمعبود الذي يستحق العبادة، وبالكبير الذي يستحق التكبير، وبالعظيم الذي يستحق التعظيم، وبالكريم الذي يستحق أن يُحمَد ويُشكَر، وبالغني الذي يتوجهون إليه في حاجاتهم،
стр. 9623
وبالقادر الذي يستعينوا به في أمورهم، ويتوكلوا عليه في جميع شؤونهم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥].
والداعي إلى الله حقًا هو الذي يُعَرِّف الناس بربهم، ليعبدوه وحده لا شريك له، يُعَرِّفَهُم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الحميدة، ومثله الأعلى، ويُعَرِّفَهُم بنعمه التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
و يُعَرِّفَهُم بوعده و وعيده، يُعَرِّفَهُم بوعده لِيُقْبِلُوا على طاعته، ويُحِبُّوا أوامره، و يُعَرِّفَهُم بوعيده لِيُقْبِلُوا على طاعته، ويبتعدوا عن معصيته: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
فهذه القلوب هي محل التوحيد والإيمان، ومحل تعظيم الرَّب وتكبيره، فلا بد أن تُملأ بمعرفة الله ، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
стр. 9624
فالله هو أحسن الخالقين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
والإنسان هو أحسن المخلوقين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
والدعوة إلى الله أحسن أعمال العالمين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فنُعَظِّمَ الله، ونُكَبِّرَهُ، لنُسْمِعُ قلوبنا، ونُسْمِعُ غيرنا، فنقول لأنفسنا وللناس رَبُّ السموات هو الله، و رَبُّ الأرضين هو الله، و رَبُّ الكرسي هو الله، و رَبُّ العرش هو الله، و رَبُّ الملائكة هو الله، و رَبُّ الكواكب هو الله، و رَبُّ الشمس هو الله، و رَبُّ القمر هو الله، و رَبُّ الجبال هو الله، و رَبُّ البحار هو الله، و رَبُّ النباتات هو الله، و رَبُّ الحيوانات هو الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
ونقول أيضًا رَبُّ الإنس هو الله، و رَبُّ الجن هو الله، و رَبُّ الرياح هو الله، العليم بكل شيء هو الله، المحيط بكل شيء هو الله، القادر على كل شيء هو الله، الكبير هو الله، العظيم وحده هو الله، الغني وحده هو الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
أرزاقه لا تفنى أبدًا، ومُلكُه لا يزول أبدًا، وكلامه لا ينتهي أبدًا، لو جمعنا جميع الملائكة، والإنس، والجن، والأنبياء، والعلماء، والخطباء، وكل شيء في الكون، وصارت البحار مدادًا، والأشجار أقلامًا، والبحر يمده
стр. 9625
من بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله الكونية والشرعية: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
هو الله الواحد الأحد؛ هو الواحد لا ند له، الأحد لا شريك له، الصمد لا كُفو له، العلي لا سَمِيَ له، القاهر لكل قاهر، المحيط بكل محيط، الواحد الأحد، الغني عن كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد، المالك لكل أحد، المحيط بكل أحد.
هو الواحد الأحد الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو أَحَقُّ من عُبِدَ، وأَكْرَمُ من سُئِلَ، و أَرْأَفُ من مَلَكَ، وأجزل من أعطى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
هو الملك الحق الذي له ملك السموات والأرض، الملك الذي له ما في السموات وما في الأرض، الملك الذي له خزائن السموات والأرض، الملك الذي له غيب السموات والأرض، الملك الذي له جنود السموات والأرض، الملك الذي له
стр. 9626
مقاليد السموات والأرض، الملك الذي له ميراث السموات والأرض: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
الكبير وحده هو الله، العظيم وحده هو الله، العلي وحده هو الله، العليم وحده هو الله، الرحمن وحده هو الله، القدير وحده هو الله، الغني وحده هو الله الوهاب وحده هو الله، الكريم وحده هو الله، المقيت وحده هو الله، المحيط وحده هو الله، الرقيب وحده هو الله، الوكيل وحده هو الله، الخالق وحده هو الله، السميع وحده هو الله، البصير وحده هو الله، الملك وحده هو الله، الوارث وحده هو الله، الشكور وحده هو الله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
فما أحسن الدعوة إلى الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
رَبُّ الجهات كلها هو الله، و رَبُّ المشارق هو الله، و رَبُّ المغارب هو الله، و رَبُّ الليل هو الله، و رَبُّ النهار هو الله، و رَبُّ الجنة هو الله، و رَبُّ النار هو الله، و رَبُّ جبريل هو الله، و رَبُّ ميكائيل هو الله، ورَبُّ إسرافيل هو الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ
стр. 9627
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فإذا امتلأت قلوب الخلق بعظمة الله عَظَّمَتهُ، وإذا امتلأت بكبريائه كَبَّرَتهُ، وإذا عَرَفَت غِنَاهُ وكَرَمَهُ حَمَدَتهُ وشَكَرَتهُ، وإذا عَرَفَت عظيم نِعَمِه، وإحسانه، أحبته وأطاعته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
هذه وظيفة الأنبياء والرسل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والنبي ﷺ أعظم من عَظَّمَ الله، وأعظم من كَبَّرَ الله، وأعظم من مَجَّدَ الله، وأعظم من حمد الله، وأعظم من استعان بالله، وأعظم من تَوكَّل عليه، وأعظم الخلق عبادةً له، وتعليمًا لشرعه، ودعوةً إلى دينه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤].
فالداعي إلى الله حقًا هو الذي يُعَرِّفَ الناس بالرِّبِّ المعبود، وما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، كما بَيَّنَ الله ذلك في كتابه، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 9628
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والله هو العليم بكل شيء، يعلم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فكل ما كان لله، وكل ما يكون لله، وكل ما سيكون لله، رَبُّ الأولين هو الله، و رَبُّ الآخرين هو الله، و رَبُّ كل شيء هو الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
هو سبحانه الأول قبل كل شيء، الآخِر بعد كل شيء، الظاهر فوق كل شيء، الباطن دون كل شيء: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
الخالق لكل شيء هو الله، المالك لكل شيء هو الله وحده لا شريك له، الحي القيوم هو الله، الذي يُعطي ويَمنع هو الله، الذي يُحيي ويُميت هو الله، الذي يُعِزُ ويُذِلُ هو الله، الذي يُقَلِّبُ الليل والنهار هو الله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
الذي بيده ملكوت كل شيءٍ هو الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الذي له الملك والملكوت، وله العزة والجبروت، هو الله وحده لا شريك له، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الأعلى، وله الأفعال الكبرى،
стр. 9629
وله المثل الأعلى، هو الله الذي ندعو الناس إليه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فسبحان من بيده الملك كله، وله الخلق كله، وبيده الأمر كله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
ومَن هذا مُلكُه، وهذا خَلقُه، وهذه أسماؤه، وهذه صفاته، وهذه أفعاله، ومَن هذا غناه، ومَن هذه قدرته، ومَن هذه رحمته، هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، هو الرَّب الذي ندعو إليه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فلا إله إلا الله الذي فوق السماء عرشه، وفي السماء والأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه، الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
هو رَبُّ العالمين، وإله الأولين والآخرين، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 9630
هو سبحانه الهادي الذي يهدي من يشاء، ويُضِلُ من يشاء، الوهاب الذي يَهَبُ كل نعمة، الوهاب الذي: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
هو وحده القادر الذي يفعل ما يشاء، لا رَادٍّ لقضائه ولا مُعَقِّبَ لحكمه، هو وحده الرزاق الذي منه جميع الأرزاق، العليم الذي عَلَّمَ الإنسان ما لم يعلم: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥].
هو سبحانه الرحمن الرحيم، الذي كل رحمةٍ في العالم فمن رحمته التي وهبها لخلقه، هو الرزاق الذي كل رزقٍ في العالم من خزائنه، هو القوي الذي كل قوة في كل قوي من قوته، هو الكريم الذي كل كرم في خلقه فمن آثار كرمه، هو سبحانه العليم الذي كل علم في العالم فمن آثار علمه، هو سبحانه الغفور الذي يغفر لمن استغفره، ويتوب على من تاب إليه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].