← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

يوم القيامة ففي صحائف المهاجرين والأنصار ﵃: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. والخلاف غير الاختلاف، فالخلاف يكون بالرأي وهو محمود إذا كان موافقًا للسنة، والاختلاف يكون بالفعل، وهو مذموم، فإذا اختلفنا في الرأي فلا نختلف في الفعل، والإصرار على الرأي يولد الغضب والفرقة وإذا جاء الغضب رأيت الحق باطلا، والباطل حقا، وانصرفت عن أخيك واتبعت عدوك: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. ومعرفة الله تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة النبي ﷺ تكون بمعرفة سنته، ومقصده، وهو الدعوة إلى الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 9662

وأعظم منة علينا من ربنا هي نعمة الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. وأسباب الحق المجاهدة، وأسباب الباطل المشاهدة، ففرعون عنده أسباب الباطل المشاهدة كما قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. وموساصلى الله عليه وسلم وأمه، وزوجه وأخته، وزوج فرعون عندهم أسباب المجاهدة من أجل دين الله . كم فرعون ملكه عظيم، وأسبابه عظيمة، وكم النساء ضعيفات، وكم ضعف أسبابهن ولكن مجاهدتهن عظيمة، ولهذا ذكر الله هذه المجاهدات منهن في كتابه العظيم. فالله سبحانه ذكر في القرآن أسباب إظهار الحق، وأسباب إبطال الباطل، فإيمان بني إسرائيل مُزج مع المعصية، والسبب كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، فلما تركوا الدعوة جاءت المعاصي، مع إنهم أبناء الأنبياء فامتزج الإيمان مع المعاصي، فجاءت المصائب نقدًا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ

стр. 9663

بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. ولكن الإيمان في حياة الصحابة ﵃ كامل، مقرون بالطاعة الكاملة، مع أن آباءهم كانوا عباد الأصنام، وآباء بني إسرائيل أنبياء، ولكن ليس بين الله وبين الناس نسب، وإنما بينه وبينهم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فبنو إسرائيل بسبب المعصية، وترك الدعوة التي كانت فرضًا على بني إسرائيل وقع الناس في المعاصي والمنكرات، فسلط الله عليهم أسوأ الخلق وشرهم فرعون، الذي ادعى لنفسه الربوبية والإلوهية، فأصبح يسومهم سوء العذاب: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. فسبب العذاب، ترك الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورفع العذاب لا يكون إلا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فأرسل الله برحمته موسى ﷺ إلى فرعون، وبني

стр. 9664

إسرائيل: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٥ - ٦]. فكل حياة موسى ﷺ بلايا، لكن جاءت بعدها العطايا، ودمر الله فرعون وجنوده، وأورث بني إسرائيل أرضه، ومشكلة فرعون طفل لم يولد، فلا إله إلا الله موسى في بطن أمه يخاف منه فرعون وهو في ملكه وهو لم يولد، فكم من القوة في الحق، ومن يحمل الحق، فأمر فرعون بقتل الأطفال، فالعام الذي يقتل فيه الأطفال موسى في بطن أمه، ولما ولد موسى ﷺ ولدت الرحمة معه فلم يقتل الأطفال بعد ولادته. والنبي ﷺ ولد عام الفيل، ولا يمكن أن يأتي العذاب وهو في بطن أمه، فكذلك ما دام جهد النبي ﷺ موجود لا يمكن أن يأتي العذاب على الأمة، فأهلك الله أبرهة، والنبي ﷺ في بطن أمه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]. والله سبحانه اختار التضحية، واختار تضحية أم موسى، وتضحية أم موسى بابنها والأم لو خيرت وقت الولادة بين موتها وحياة ابنها اختارت موتها وحياة ابنها، فكم في قلب الأم من الرحمة، فالله اختار التضحية حتى يرفع العذاب عن بني إسرائيل عن طريق امرأة هي أم موسى ﷺ ، والتضحية ضعف مع ضعف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ

стр. 9665

وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص: ٧ - ١٠]. فلا إله إلا الله ما أعظم شأنه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وسمية ﵂ امرأة أمة، ضعيفة، كبيرة، ثلاث صفات، ولكن الله اختارها لتكون أول شهيدة في الإسلام. والشهادة أن تمحو ذكرك من أجل ذكره، فالله يحيي ذكرك إلى الأبد، فالله أحيا ذكرها مع أنها لم تصم ولم تصلي ولم تحج، لأن الشرائع لم تنزل بعد، وجميع الشهداء حتى يصلوا إلى هذه المرتبة، لابد أن يكونوا مصلين مخلصين أعمالهم لله ، فكل أعمالهم في صحيفة سمية ﵂ وهي لم تصلي بعد ولم تسمع القرآن، لأن أبا جهل لم يعطها الفرصة. والله سبحانه في جميع الأمم اختار أعلى التضحيات للنساء وبعد ذلك يأتي الرجال، بقدر تضحيات النساء، فالأنبياء والعلماء والشهداء، هم أبناء النساء، وقد أنزل الله في القرآن سورة طويلة باسم النساء ولم ينزل سورة باسم الرجال، فالحل موجود في حضن المرأة، في حجر أم موسى في موسى ابنها، فمن ضحى بالمحبوب أعطاه الله منفعته، فأعظم محبوب إلى أم موسى موسى فضحت به، وألقته في النهر وأحب محبوب في قلب النبي ﷺ مكة.

стр. 9666

قال النبي ﷺ : «إنكَ لأحبُ البقاعِ إليَّ، ولولَا أنَّ قومِي أخْرَجونِي منكِ ما خرجت». أخرجه الترمذي وابن ماجة (١). فأمره الله أن يضحي بها، أنا أخرجك من مكة، وسوف أعيدك إليها عزيزًا منصورًا، كما أعدت موسى إلى أمه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. وقال الله تعالى عن أم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]. وليس المقصود البيت، بل المقصود رب البيت، فنضحي بالبيت، لنصل إلى رب البيت: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].

стр. 9667

١٠ - الخزانة العاشرة ٦ - قوة دعوة النساء إلى الله تعالى المطلوب تضحية النساء في مجال الدعوة إلى الله أكثر من الرجال فما السبب؟ السبب أن حب النساء للدنيا والشهوات أكثر من الرجال، لذا فالمطلوب مجاهدتهن أكثر، وهذا عدل من الله، فأم موسى ﷺ نظرت إلى الوحي لا إلى العقل، فالوحي كله نور، والعقل بدون الوحي ظلمات، فقدمت الوحي على العقل، وامتثلت أمر ربها حين قال الله لها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ [القصص: ٧ - ٨]. وهذا الابتلاء العظيم لأم موسى من ربها ، كانت ثمرته ظهور موسى وتدمير فرعون وقومه، وإنجاء بني إسرائيل من عذاب فرعون، والذي يمشي في جهد الدعوة بعقله فقط عنده أنا، أنا أحسن الناس وأفهم، وأقدم وأعلم، والنفس أكبر إله يعبد من دون الله، ومن منا ليس عنده نفس: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].

стр. 9668

وأعمال الدين تمشي بالنقل لا بالعقل، وبالإتباع لا بالابتداع، وبالتسليم لا بالاعتراض، وأم موسى ﷺ نظرت إلى الوحي فأرضعته، وألقته في النهر. وكذا استعداد الداعي في الدعوة الرفق بالناس، ورحمتهم، وإكرامهم، والإحسان إليهم، والباقي على الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهو سبحانه الهادي الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، بحسب علمه وحكمته، لهذا الإنسان لا ينظر إلى تضحياته، فالذي ينظر إلى تضحياته وجهوده يتأخر، والذي ينظر إلى تقصيراته وأخطاءه يتقدم: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. ولكن أحيانًا الطفل يُسيء الرضاعة، فيجرح الأم فيخرج الدم بدل الحليب وكذا الإنسان يسيء الرضاعة، فيسيء إلى الدعوة والمدعوين بمخالفة الأصول، فيحرم وينكسر، كما يسيء الرضيع فيقطع الثدي فيخرج الدم بدل الحليب، فنحمل للأمة الرحمة والشفقة كالأم مع ابنها، فأم موسى رمته في النهر والله أخبرها إلى أين يصير: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]. وربط الله على قلبها بأعلى درجات الإيمان، فالآن ألقي في اليم، والآن كل ذرة في البحر فيها رحمة وحفاظة لموسى ﷺ ، أعظم من رحمة أمه وحفاظتها

стр. 9669

لابنها، فوجه الله ذلك كله لرحمة موسى وحفظه ماؤه وحيواناته، ونباته وذراته، وألقت أم موسى ابنها خلاف مجرى النهر، فانطلق بأمر الله عكس مجرى النهر إلى قصر فرعون: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ [القصص: ٨]. فأخذه فرعون فرأى في وجهه نورا: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]. هذا موسى ﷺ كليم الله، أما محمد ﷺ فقال له ربه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩]. وهذا الخبر للنبي ﷺ وأمته، وما ذكر الله كمالاً لموسى إلا ذكر أكمل منه لمحمد ﷺ ، ولما فتح فرعون الصندوق، رأى موسى على وجهه النور، فقالت امرأته آسيا: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [القصص: ٩]. فسبحان الله ما أعظم قدرة الله، وما أحسن حكمته، يربي أولياءه في قصور أعدائه ويُسخر من يريد إهلاكه، ليكون ساعيًا في حفاظته: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧]. وهل ينفذ أمر الملك أم أمر الملكة؟، سنة الله جارية أن من في قلبه المعصية والكفر يسلط الله عليه زوجه، وكذا من ترك الدعوة إلى الله، والخروج لها يسلط الله عليه زوجته، وكل المعاصي في قلب فرعون فسلط الله عليه زوجته آسيا وقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩].

стр. 9670

ثم استعطفته بقولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص: ٩]. فقال لها فرعون: قرة عين لكي لا لي، ولو قال لي لكتب الله له الهداية، فأعطى الله زوجة فرعون أعلى مستوى في الإيمان والحكمة والثواب: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١١]. كل امرأة تواضعت لله أثنى الله عليها في القرآن، وهداها إلى الإسلام، ورفع مقامها في الدنيا والآخرة، فبلقيس ملكة سبأ لما جاءها كتاب سليمان ﷺ تواضعت، وقالت: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ [النمل: ٢٩ - ٣١] فهداها الله إلى الإسلام، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤]. فبلقيس ملكة، وآسية زوج فرعون ملكة، أعطى الله كلاً منهما ملكًا كبيرًا في الجنة، فأكرمهما الله الكريم، وكلاهما يعيشان في الملك، ولكن من أجل الله تنازلنا عن الملك الوقتي إلى الملك الأبدي، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فأسلمت بلقيس، وأسلم معها قومها.

стр. 9671

والله سبحانه تقبل تضحية ملكة، وهي هاجر بنت ملك المنوفية في مصر، فتركت الملك إلى الصحراء تواضعًا لله، وزهدًا في الملك الوقتي، رغبةً في الملك الأبدي، فوضعها إبراهيم ﷺ هي وإسماعيل في مكة، ودعا لهما بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وقال الله لإبراهيم ﷺ : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]. والله سبحانه قال يأتوك، ولم يقل يأتوا مكة، لماذا؟ لأن الإتيان إلى مكان التضحية، فكل أفئدة العالم يأتوا إلى مكان التضحية مكان، تضحية هاجر في مكة، فالتواضع مع التضحية الله يقبل كل من قام به من الرجال أو النساء، فقلوب الناس تهوى إلى مكة، ولكن الناس لا يدرون سر ذلك، فهاجر ملكة لما ضحت وتواضعت وصبرت، خلد الله ذكرها إلى قيام الساعة، فصارت خطواتها بين الصفا والمروة نسكًا يتعبد به المسلمون إلى يوم القيامة، في الحج والعمرة. وملكة سبأ تواضعت وضحت بملكها، فخلد الله ذكرها إلى قيام الساعة، وآسيا زوجة فرعون ملكة ضحت وتواضعت، فخلد الله ذكرها إلى قيام الساعة، فكلهن تركن الملك الوقتي الصغير فأكرمهن الله بالملك الكبير الأبدي: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].

стр. 9672

فرفع العذاب، ونزلت الرحمة، بتضحيات النساء، وخديجة أم المؤمنين ﵂ تركت دنياها وتجارتها، وتزوجت بمحمد ﷺ الفقير اليتيم، وبذلت نفسها ومالها ووقتها في سبيل الله، فأكرمها الله بالهداية، وصارت زوج سيد البشر، فكل من دخل في الإسلام في صحيفتها، فكل رجل تنازل عن ملكه الصغير، وكل امرأة تنازلت عن ملكها الصغير، يكرمهم الملك الكريم يوم القيامة بملك عظيم، بقرب الملك الكبير: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. ومن ملك جوارحه في الدنيا، وسخرها في طاعة الله، ملكه الله يوم القيامة أعظم ملك: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢٠ - ٢٢]. وأعطاهم الخلافة والأمن والهداية في الدنيا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور: ٥٥ - ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. جُهد الدعوة باب الوصول إلى الخالق، وعبادته وحده لا شريك له، من قام به من الرجال والنساء، أَعَزَّه الله في الدنيا والآخرة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ

стр. 9673

الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢]. «قَالَتِ النِّسَاء: يَا رَسُولَ الله سَبَقَنَا الْرِّجَال إِليْكَ بِالْجُمَعِ، وَالْجَمَاعَاتِ، وَالْنَّفَرٍ فِي سَبِيلِ الله، فَتَشَاوَرَ الْنِّسَاءَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلْنَ أَسْمَاءَ بِنْتَ يَزِيِدٍ بِنْ السَكَنِ الْأَنصَارِيَّة، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أَنَا وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْكَ، الْرِّجَالَ سَبَقُونَا بِالْجُمَعِ، وَالْجَمَاعَاتِ، وَالْنَّفَرٍ فِي سَبِيلِ الله، وَنَحْنُ قَاعِدَاتٌ فِي الْبُيُوتِ، فَقَالَ: «يَا أَسْمَاءَ بِنْتَ يَزِيِدٍ اِرْجِعِي وَأَخْبِرِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ الْنِّسَاءِ، أَنَّ حُسْنِ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا وَ طَاعَتِهَا لَهُ، وَقِيَامِهَا مَعَهُ فِي جُهْدِهِ، يَعْدِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ». أخرجه الصنعاني (١). فهذه ثلاثة أمور، تجعل الزوجة شريكة لزوجها. فالمطلوب، والواجب من الرجال والنساء، المجاهدة للقيام بهذا الجُهد العظيم، وإعلاء كلمة الله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. وكم قدمت أمهات المؤمنين ﵅ من التضحية في هذا السبيل.

стр. 9674

النبي ﷺ لم يعش ساعةً واحدة لنفسه، كل حياته للأمة، وكذلك كل مسلمٍ ومسلمة، يجب أن يعيش للأمة لا لنفسه، فالمطلوب الجُهد من الجميع: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. أم المؤمنين عائشة ﵂ عاشت مع النبي ﷺ أكثر من تسع سنوات، وحقها من النبي ﷺ ثلاثة أيام في الشهر، فمعدل أيامها مع النبي ﷺ أقل من سنة، ولكن كم من الخير قدمته لهذه الأمة، حفظت القرآن، و رَوَتْ عن النبي ﷺ أكثر من ألفين ومائتين وعشرين حديثًا، فهي الحافظ الثاني للسُّنَّة بعد أبِي هُرَيْرَةَ ﵁. فهي مُحَدِّثَة، و فقيهة، وأمينة، وكريمة، فأمهات المؤمنين قَدَّمنَّ حياتهنَّ لأمة النبي ﷺ . وعاشت بعد النبي ﷺ خمسين سنة، فنفع الله بها وبعلمها المسلمين. فَحَمَلَت للأمة أعظم ميراث. وكان ﷺ يُحب من نسائه خديجة وعائشة. فخديجة في أول الإسلام، وَاسَتَّهُ بنفسها ومالها، وتَحَمَّلَت معه مشاق الدعوة.

стр. 9675

وعائشة ﵂ حفظت سنته، وبَلَّغَتْهَا الأمة، وحين الفتنة أشار عليها كبار الصحابة أن تخرج لإصلاح وجمع المسلمين، فخرجت عائشة ﵂، وخرج معها الناس إلى العراق، لأجل حفاظة الأمة من الفرقة، و واجهت أهل الفتنة حتى كادت أن تقتل في معركة الجمل. ولما كانت على فراش الموت، قال لها ابن عباس: يا أماه مات الرسول ﷺ وهو عنكِ راضٍ، ولم يتزوج بكرًا إلا أنتِ، وكان ينزل عليه الوحي وهو في فراشك، ومات في بيتك، وفي يومك، وفي حجرك، وبين سحرك ونحرك، وجمع الله بين ريقكِ وريقه، قالت: يا ابن عباس إليك عني: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٣]. أخرجه أحمد، وأصله في البخاري (١). فهذا الدين العظيم في أمانة أعناق الرجال والنساء إلى يوم القيامة، وهو ميراثنا من نبينا محمد ﷺ ، فعلينا جميعًا رجالًا ونساءً العمل به، وإبلاغه البشرية: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 9676

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٥ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الخامس ويشتمل على ما يلي: ١ - حسن الخطاب في الدعوة إلى الله. ٢ - الدعوة إلى الله وظيفة الأمة. ٣ - حفظ الداعي إلى الله من الفتن. ٤ - فقه الدعوة إلى الله. ٥ - ثمرات الدعوة إلى الله ٦ - أعظم ثروة

стр. 9677

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٥ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الخامس وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 9678

٦٥ - خزائن الدعوة إلى الله القسم الخامس ١ - الخزانة الأولى ١ - حُسن الخطاب في الدعوة إلى الله. الداعي إلى الله لطيفٌ، كريمٌ، لينٌ، يخاطب الناس بما يفتح قلوبهم، ويُذَكِّرَهم بربهم، ويُحرك مشاعرهم لما يُحبه الله ويرضاه. فإبراهيم ﷺ يُذَكِّر أباه برابطة الأبوة، لعله يلين قلبه، فيقول له: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٨]. ولقمان يُذَكِّر ابنه برابطة البُنُوَّة فيقول له: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. وقال له: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)

стр. 9679

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٦ - ١٩]. ونوح ﷺ يُذَكِّر ابنه برابطة البُنُوَّة فيقول: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ [هود: ٤٢ - ٤٣]. وهود ﷺ يُذَكِّر قومه برابطة القومية: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٢٧]. ومحمد ﷺ دعا قومه بالرحمة والرفق واللين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ومحمد ﷺ يُذَكِّر ابنته برابطة البنوة، فيقول لها: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ اِعْمَلِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». أخرجه البخاري (١). وقال الله تعالى عن خُلقه العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. والله سبحانه يُذَكِّر المؤمنين برابطة الإيمان، فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].

стр. 9680

وآلات الداعية التي يواجه بها الناس ثلاث: هي العلم، وإخلاص العمل لله، والرحمة، والشفقة على الناس: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فداعيةٌ بلا علم يَضر أكثر مما ينفع، وداعيةٌ بلا إخلاص مرائيٍ مُتزينٍ للناس، لا بركة في دعوته، فهو كجسد بلا روح، وداعيةٌ بلا رحمةٍ ولا شفقةٍ على الناس، جافٍ، غشوم، منفر: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والداعي إلى الله من أفضل الناس قولًا، لأنه يقوم بالدعوة إلى الإيمان بالله، وتصفية عقائد الناس، وعباداتهم، ومعاملاتهم، من شوائب الشرك، والبدع، والرياء، والخرافات، والمحرمات، وتربيتهم على الكتاب، والسُّنَّة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وأعظم فرضٍ فرضه الله على عباده معرفته، فمن عَرَفَ الله بأسمائه، وصفاته وأفعاله، عَظَّمَهُ، وأَحَبَّهُ، وحَمِدَهُ، وشَكَرَهُ، و أَطَاعَهُ، وعَبَدَهُ:

стр. 9681

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. والواجب الثاني بعد تحقيق مراد الله منه بالعبادة، أن يدعو الناس إليه سبحانه، كما قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والدنيا دار الجهد والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١]. والجهود في الدنيا كثيرة، جُهد الزراعة، جُهد الصناعة، جُهد التجارة، جُهد الدعوة، ولكل جُهدٍ اسمٌ، وميدانٌ، وثمرةٌ، وسببٌ. فميدان جُهد الزراعة الأرض، وثمرته الحبوب والفواكه والخضار، وميدان جُهد الصناعة المصانع، وأسبابه المواد، وثمرته الصناعات المختلفة من مركوباتٍ، وملبوساتٍ، وآلاتٍ ونحوها، وميدان جُهد التجارة الأسواق، وأسبابه البيع والشراء، وثمرته الأرباح أو الخسائر، وكل هذه الجهود حلال بشروطها الشرعية: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].

стр. 9682

وميدان جُهد الدعوة إلى الله قلوب الناس، وثمرته هداية الناس، وهذا أفضل الجهود، وأعظمها، وهو جُهد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ووظيفة هذه الأمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وأحوال العالم مربوطة بهذا الجُهد، فإذا قام به المسلمون غَيَّرَ الله أحوال العالم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. والحق حيٌ كالإنسان، يمشي بأمرين، بالدعوة والدعاء، كالإنسان يمشي برجلين، والباطل ميت كالإنسان الميت، يُحمَلُ للناس على أربعة أكتاف هي، المُلك، والنساء، والمال، والمناصب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. فنوح ﷺ دعا قومه إلى الإيمان بالله ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، وما أمن معه إلا قليل، ثم دعا عليهم في دقيقةٍ واحدة فأزال الله الباطل في الأرض كلهاُ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢]. وقال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر: ٩ - ١٤]. والباطل كله تافه، ولهذا يدمره الله بالشيء التافه الصغير.

стр. 9683

فأهلك الله النمرود بالبعوضة، وأهلك أصحاب الفيل بطير صغير، واهلك مُلك فرعون بالجراد والقمل والضفادع، ثم أهلك فرعون بالماء الذي هو سبب الحياة: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. فكل جُهدٍ له أسبابه وثمراته، ومن أراد الحق فليؤمن بالحق، ويعمل بالحق، ويدعو إلى لحق، والحق ينتشر بأسباب الحق، لا بأسباب الباطل، سُنَّةَ الله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر: ٤٣]. وجميع الأنبياء استعملوا جميع أوقاتهم، وطاقاتهم، في سبيل نشر الهداية في البشرية، فما هي الهداية؟ الهداية نورٌ يقذفه الله في قلب الإنسان، يرى به الحق من الباطل، كما يرى ببصره الأشياء، ثم يمشي على الصراط المستقيم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ولرؤية الأشياء لا بد من نورين: نور العين، و نور الشمس، ولرؤية الحق لا بد كذلك من نورين: نور الإيمان في القلب، ونور القرآن الذي أنزله الله. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤].

стр. 9684

فاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. والذي يمشي في النور كل شيء يسهل عليه، والذي يمشي في الظلام كل شيء صعب عليه، فكل ضال إنما يمشي كما يمشي على الشوك. وكلما زاد نور الهداية في القلب زاد تعظيمًا لله، وحبًا لله، وطاعةً لله، وحمد الله، وعبادةً لله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وعلامة نور الهداية في القلب دوام ذكر الله، وشكره، وحُسن عبادته، والتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. وكلما جاهد الإنسان لتحسين الهداية، فتح الله له أبواب الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والهداية إلى الإيمان بالله نعمة من الله أولًا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].

стр. 9685

ومن أناب إلى الله، هداه سُبل رضاه: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. والنظر في الآيات الكونية من أسباب الهداية إلى الإيمان بالله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٢]. والنظر في آيات القرآن وتدبرها من أسباب الهداية: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]. ومن أسباب الهداية إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. وبقدر الجهد يأتي نور الهداية في القلب، وبقدر الهداية يأتي كمال الاستقامة، وبكمال الاستقامة تأتي السعادة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)

стр. 9686

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وكلما زاد نور الهداية في القلب، استفاد المؤمن من خزائن الله، عن طريق الدعاء، والدعوة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. وكلما زاد شكل الجهد، ونقص أمر التضحية، يزيد عدد الأفراد، ولكن تنقص الصفات، وكلما زاد شكل الجهد مع التضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله، يزيد عدد الأفراد بالصفات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وأعمال الهداية هي الدعوة إلى الله، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتعلم والتعليم، وحسن الخلق. فبالدعوة إلى الله هَدى الله أبا بكر للإسلام، وبالتعليم هَدى الله عمر إلى الإسلام، وبالعبادة هَدى الله هند بنت عُتبة إلى الإسلام عام الفتح، وبحسن خلق النبي ﷺ أسلم خالد بن الوليد، وأسلمت قبيلة من أراد قَتل النبي ﷺ فعفا عنه، وبسبب العفو عنه أسلمت قبيلته، فكان ﷺ خُلقه القرآن، يعمل بأحكامه، ويتأدب بآدابه، ومقصد بعثة النبي ﷺ إنشاء طلب الهداية من الله

стр. 9687

في قلوب الناس، بقوة المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وجُهد الهداية ثلاثة أنواع: أحدهما: اجتهد على نفسي، حتى تستقيم على أوامر الله، فهذا جهد الصالحين. الثاني: اجتهد على نفسي، وعلى قومي، هذا جهد الأنبياء والمرسلين. الثالث: اجتهد على نفسي، وعلى قومي، وجميع العالم، فهذا جهد سيد الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]. وجميع هذه الجهود مقبولة عند الله، وأعظمها وأكملها ثالثها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 9688

ومسئولية الدعوة إلى الله واجبةٌ على كل مسلمٍ ومسلمة، في كل مكان، وفي كل زمان، وأخص الناس بها هم أول من آمن بها، وهم العرب، ولما قَصَّر العرب في الدعوة إلى الله، واشتغلوا بالأموال، والشهوات، وغَفَلَ عنها أكثرهم، استخدم الله العجم، فهم الآن طَوَّافون في العالم بالدعوة إلى الله، بأموالهم، وأنفسهم، ويبذلون ما يملكون في سبيل إبلاغ دين الله في العالم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فأهل الفوز العظيم، وأهل الحظ العظيم، هم الدعاة إلى الله . قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩]. والله ليس بينه وبين أحدٍ نسب: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥]. فمن آمن بالحق، وعمل بالحق، ودعا إلى الحق، نصره الله في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].

стр. 9689

ومن أعرض عن الدعوة استبدله الله بغيره: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨]. وقد ابتلى الله الأغنياء بالفقراء، فلما قَصَّرَ الأغنياء واشتغلوا بدنياهم عن الدعوة إلى الله، ابتلاهم بالفقراء الذين لا يجدون إلا جهدهم، فقاموا بالدعوة إلى الله مع شدة فقرهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]. وابتلى الله العلماء بالعوام، فالعلماء هم الذين يقومون بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، في بقاع الأرض، فلما قَصَّرَ كثيرٌ منهم، ابتلاهم الله بالعوام، فصاروا دعاةً إلى الله، وهَدى الله على أيديهم خلقًا كثيرًا، امتلأت بهم بيوت الله ، وهو ما نراه في الحرمين الشريفين. فسبحان الرحمن الرحيم الذي ابتلى أقوامًا بأقوام، ليُذَكِّر الغافل، وليقوم القاعد، وليستيقظ النائم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وآدم ﷺ لمَّا عَصَىَ الله في الجنة، أُصيب بثلاث آفات: الأولى: انكشاف عورته الجسدية. الثانية: الشعور بآثار المعصية، والندم عليها. الثالثة: أهبطه الله من الجنة إلى الأرض، ولا يُخَلِّصَهُ من ذلك إلا التوبة.

стр. 9690

قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وهكذا كل من عَصَىَ الله من ذريته، لازمته هذه الثلاث، فتنكشف عورته، ويشعر بالذنب، ويهبط من العلو إلى السفل كما قال آدم وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٦]. الدعوة إلى الله وظيفة الأمة كلها رجالًا ونساءً فأمة محمدٍ ﷺ أفضل الأمم، وهي خير أمةٍ أُخرجت للناس؛ لأن الله أقامها نائبةً عن نبيها ﷺ في إبلاغ الدين للعالم كله إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وكل نبيٍ من الأنبياء السابقين كان يقيم أمته على العبادة فقط، وعلى دعوة قومهم فقط: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾ [المؤمنون: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩].

стр. 9691

ولكن النبي ﷺ أقام هذه الأمة على نيابته من أول يوم إلى وفاته ﷺ ، أقامها على الدعوة إلى الله، وعلى عبادة الله وحده لا شريك له. والله بعث مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول، وأكثر الأنبياء ليس معهم كتاب، وجميع الأنبياء كتبهم نزلت متأخرة، فنوح لبث في قومه ألف سنةً إلا خمسين عامًا ليس عنده كتاب، وموسى دعوته أربعون عامًا يدعو فرعون ليس معه كتاب ونزلت التوراة بعد الأربعين، ومحمدٌ ﷺ نزل عليه القرآن من أول يوم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. إلى آخر يومٍ من حياته والقرآن ينزل في ثلاثٍ وعشرين سنة، وعلة إنزال القرآن؛ ليعلم الأمة ويقيمها على نيابته في الدعوة إلى الله، فالنبي يُعلم، والأمة تتعلم الدين، وجهد الدين، فهذه الأمة في مجلسٍ واحد تعلمت الصلاة وأوقاتها الخمسة في يومٍ واحد، وفي مجلسٍ واحد تعلمت الزكاة، وفي مجلسٍ واحد تعلمت الصيام. قال النبي ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ». متفق عليه (١). وتعلمت الحج منه ﷺ في خمسة أيام. فثلاثٌ وعشرون سنة الأمة تتعلم من النبي ﷺ جهد الدين، جهد الهداية، جهد الدعوة إلى الله إلى يوم القيامة، وفي سبعة أيام تعلمت الأمة الدين، فهذه كل حياة النبي ﷺ . والآن السؤال هل الموجود الآن في حياة الأمة السبعة أيام، أم الثلاث والعشرون سنة، فالعبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرهم، هذه

стр. 9692

الأمة مشتركةٌ فيها مع الأمم السابقة، فلا تحتاج لمعرفة ذلك إلى وقتٍ طويل يكفيها لمعرفة ذلك سبعة أيامٍ كما حصل. أما جهد الدين، وهو الدعوة إلى الله إلى يوم القيامة، فنحن نشترك فيه مع الأنبياء والرسل لا مع أمم الأنبياء؛ لهذا أنزل الله القرآن منجمًا في ثلاثٍ وعشرين سنة، في مكة والمدينة، والحضر والسفر، والأمن والخوف، وفي الغزوات في بدر وأحد وغيرها؛ ليربي هذه الأمة تربيةً خاصة كالأنبياء على جهد الدين الذي كُلفت به إلى يوم القيامة، فتربية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تختلف عن تربية أتباع الأنبياء، فتربية الأنبياء بالدعوة وتربية أتباع الأنبياء بالعبادة، وموعود العبادة الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وموعود الدعوة إلى الله النصرة، فالنصرة كانت مع النبي والرسول، وأتباع الأنبياء شغلهم العبادة ومن مات منهم على العبادة دخل الجنة. أما هذه الأمة فلها موعودان من الله: الأول: موعود الدعوة بالنصرة: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. والثاني: موعود العبادة بالجنة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 9693

فأحكام الدين وشرائعه انتهت، وحُفظت، وتعلمها وتعليمها سهل، والباقي جهد الدين الذي كلف الله به هذه الأمة وشرفها به إلى قيام الساعة. فالصلاة والزكاة، والصيام والحج، لها أوقاتٌ معلومة تنتهي، أما الدعوة فلها كل الأوقات لأنها أم الأعمال ووظيفة الأمة ووظيفة كل مسلمٍ ومسلمة إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. والفرق بين موعود العبادة، وموعود الدعوة، أن الدعوة تُغفر بها كل الذنوب والعبادة يُغفر بها بعض الذنوب، فنوح ﷺ قال لقومه لما دعاهم إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [نوح: ١ - ٤]. ولما أن دعانا الله إلى الدعوة قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].

стр. 9694

٢ - الخزانة الثانية ١ - حُسن الخطاب في الدعوة إلى الله. الدعوة إلى الله وظيفة الأمة رجالاً ونساءً، والدعوة إلى الله فرض عينٍ على جميع الأمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ولهذا لا يوجد صحابيٌ واحد سأل النبي ﷺ هل الدعوة فرض عين أم فرض كفاية؟ لأن الدعوة إلى الله فطرة فطر الله المؤمنين عليها، فطر هذه الأمة عليها، بل هي أمر الله الصريح في القرآن والسنة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وقد أخبر الله أن الدعوة هي وظيفة الأمة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. ورغب الله في الدعوة جميع الأمة بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].

стр. 9695

وأكثر من لا يريد الدعوة يسأل هذا السؤال، ومن لا يريد الدعوة يخاف من التربية، فالدعوة التي تنجي من عذابٍ أليم بلا شك هي فرض عين، بل الدعوة أم الفرائض، والنبي ﷺ وأصحابه قاموا جميعًا بالدعوة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. لذلك في مكة لا توجد فريضةٌ تزاحم هذه الفريضة بعد التوحيد والإيمان، فأول فريضةً على هذه الأمة أن تعرف من هو الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. والفريضة الثانية: أن تعرف غيرها من هو الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فالمسلمون الآن في العالم لا يتركون الصلوات الخمس غالبًا؛ لأنهم يعلمون أنها فرض عين على كل مسلمٍ ومسلمة، لكن الأمة لم تفهم حتى الآن أن الدعوة فرض عين كالصلاة، ولهذا قل من يقوم بها للجهل بحكمها،

стр. 9696

والجهل بعقوبة من تركها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. فمقصود أعمال الدين كلها إعانةٌ على القيام بجهد الدعوة إلى الله، وهو جهدٌ عظيم يتطلب التضحية بالأوقات، والأموال، والأنفس، والشهوات، وترك الأوطان، وبذل المحبوبات، وترك المحبوبات من أجل إبلاغ دين الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فمقصود الصلاة إعانةٌ على المقصد وهو الدعوة إلى الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. لهذا فجميع أعمال الدين من صلاةٍ وصيام وزكاةٍ وحج وغيرها تأخرت؛ لكي لا تزاحم المقصد العظيم في مكة، ثم نزلت في المدينة أحكام الشريعة بعد ثلاثة عشر عامًا. وجميع آيات الصبر في القرآن أكثر من ثمانين آية نزلت في مكة أثناء تعلم جهد الدعوة من النبي ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].

стр. 9697

وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨]. فالنبي ﷺ بدأ مع الأمة من الأعلى، وهو تعلم جهد الدعوة العظيم، فالله سبحانه لم يجعل فوق الدعوة عملًا إلى الوصول إليه، فهذه الأمة نزلت من الأعلى، وهو الدعوة إلى الله، إلى أداء فرائض الإسلام وأحكامه من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍ وغيرها، والنزول من الأعلى أسهل من الصعود من الأسفل إلى الأعلى؛ لهذا من فهم مقصد حياته من هذه الأمة، وهو الدعوة إلى الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فورًا يصعد إلى الأعلى، ثم ينزل فورًا ليقوم بأعمال الدين بالمحبة والتعظيم والذل لله ، ويسهل عليه القيام بها، والدعوة إليها، ويصبح الدين كله سهلٌ في حياته، والذي لم يفهم مقصد حياته، وهو الدعوة إلى الله يصعب عليه القيام بأوامر الله، وأعمال الدين؛ لأنه يريد أن يصعد من أسفل إلى الأعلى، يصعد من الجهد على النفس، إلى الجهد على الغير، فإذا قمنا بالدعوة إلى الله بين الغافلين والفاسقين فهداهم الله ، هذا المهتدي يصعد إلى الأعلى، فيصبح داعيًا إلى الله ، وعابدًا، ومعلمًا، ومحسنًا إلى الخلق: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 9698

فالدعوة إلى الله وظيفة هذه الأمة، والله أراد أن يربي هذه الأمة تربيةً خاصة، فتربية الأنبياء بالدعوة إلى الله، وتربية إتباع الأنبياء بالعبادة، وتربية الدعوة أعلى من تربية العبادة، والله سبحانه أراد أن يربي هذه الأمة كما ربى أنبياءه، وذلك أعلى مستوى في التربية؛ لأنها مبعوثةٌ للناس كما بعث الأنبياء والرسل بالدعوة إلى الله، هي مبعوثةٌ بذلك إلى يوم القيامة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. واسم الرب أكثر اسمٍ ورد في القرآن، وهو أكثر اسمٍ نذكره يوميًا فالذي يسأل الله باسمه الرحيم يرد الرحمة، والذي يسأله باسمه الغفور يريد المغفرة والذي يسأله باسمه الرزاق يريد الرزق، والذي يسأله باسمه التواب يريد التوبة، والذي يسأله باسمه الرب يريد التربية التي ربى الله بها أنبياءه ورسله، لهذا أنزل الله القرآن من أجل بيان هذه التربية في ثلاثٍ وعشرين سنة وجميع الكتب السابقة إما صحف أو ألواح، كصحف إبراهيم وموسى وألواح التوراة، لكن القرآن يختلف عنه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. فنظام القلوب أعظم من نظام الألواح والصحف، ومن قلب النبي ﷺ خرج هذا القرآن إلى قلوب الذين آمنوا وهم الصحابة، ولهذا كانت تربية القلوب أعظم وأرقى عند الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].

стр. 9699

والذي في القلب لا يضيع، ولا يُحرف، ولا يُغير، ولا يتلف، بل يُحفظ، أما الصحف فيدخلها التحريف والتبديل والمحو: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. فالقرآن كله لتربية هذه الأمة على جهد الدعوة إلى الله، دعوة التوحيد والإيمان، فلا توجد فيه قصة عابدٍ أو ذاكرٍ أو زاهد، فكل القرآن بين الله فيه قصص الدعاة إلى الله من الأنبياء والرسل وغيرهم؛ ليثبت به هذه الأمة، لتقوم على المقصد العظيم الذي شُرفت به، وكُلفت به؛ لهذا فصل الله فيه حياة الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله التي شرف الله بها هذه الأمة؛ لأن الله يريد لها تربيةً كتربية الأنبياء والرسل على الدعوة إلى الله، فالله لم يذكر في القرآن عبادة الأنبياء والرسل؛ لأن الله نسخ به جميع الشرائع السابقة، لكن لم ينسخ الله الجهد الذي قام به الأنبياء بل فصل فيه حياة وسيرة خمسةٍ وعشرين نبيًا في الدعوة إلى الله، بل الله لم يذكر فيه عبادة النبي ﷺ ، لأن القرآن كتاب الدعوة إلى الله، وكتاب الهداية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وفصل الله فيه جهد أهل الهداية من الأنبياء والمرسلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].

стр. 9700

وذكر الله فيه كل من قام بالدعوة إلى الله كصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، وهدهد سليمان، والنمل والنحل. وجهد الدعوة إلى الله، الدعوة إلى التوحيد والإيمان، أفضل جهد، وأحسن عمل، وأسعد حياة: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [طه: ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥]. فالدعوة للداعي تركيزًا، ولغيره تذكيرًا فمن نوى من جهده الناس من دون نفسه، فالإيمان يأتي للناس، والنفاق يأتي إليه، فمقصود الجهد النفس لا الناس فقط، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فالمجتهد له الهداية. ولماذا الناس يتركون الدعوة إلى الله؟. لأن المسلم ما نوى من الجهد نفسه، بل نوى من الجهد الناس، والناس يمكن تقبل أو لا تقبل، وبعد الجهد تأتي الهداية للداعي إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وبعد الهداية تأتي التقوى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
следующие страницы →