← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

والجهل بعقوبة من تركها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. فمقصود أعمال الدين كلها إعانةٌ على القيام بجهد الدعوة إلى الله، وهو جهدٌ عظيم يتطلب التضحية بالأوقات، والأموال، والأنفس، والشهوات، وترك الأوطان، وبذل المحبوبات، وترك المحبوبات من أجل إبلاغ دين الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فمقصود الصلاة إعانةٌ على المقصد وهو الدعوة إلى الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. لهذا فجميع أعمال الدين من صلاةٍ وصيام وزكاةٍ وحج وغيرها تأخرت؛ لكي لا تزاحم المقصد العظيم في مكة، ثم نزلت في المدينة أحكام الشريعة بعد ثلاثة عشر عامًا. وجميع آيات الصبر في القرآن أكثر من ثمانين آية نزلت في مكة أثناء تعلم جهد الدعوة من النبي ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].

стр. 9697

وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨]. فالنبي ﷺ بدأ مع الأمة من الأعلى، وهو تعلم جهد الدعوة العظيم، فالله سبحانه لم يجعل فوق الدعوة عملًا إلى الوصول إليه، فهذه الأمة نزلت من الأعلى، وهو الدعوة إلى الله، إلى أداء فرائض الإسلام وأحكامه من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍ وغيرها، والنزول من الأعلى أسهل من الصعود من الأسفل إلى الأعلى؛ لهذا من فهم مقصد حياته من هذه الأمة، وهو الدعوة إلى الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فورًا يصعد إلى الأعلى، ثم ينزل فورًا ليقوم بأعمال الدين بالمحبة والتعظيم والذل لله ، ويسهل عليه القيام بها، والدعوة إليها، ويصبح الدين كله سهلٌ في حياته، والذي لم يفهم مقصد حياته، وهو الدعوة إلى الله يصعب عليه القيام بأوامر الله، وأعمال الدين؛ لأنه يريد أن يصعد من أسفل إلى الأعلى، يصعد من الجهد على النفس، إلى الجهد على الغير، فإذا قمنا بالدعوة إلى الله بين الغافلين والفاسقين فهداهم الله ، هذا المهتدي يصعد إلى الأعلى، فيصبح داعيًا إلى الله ، وعابدًا، ومعلمًا، ومحسنًا إلى الخلق: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 9698

فالدعوة إلى الله وظيفة هذه الأمة، والله أراد أن يربي هذه الأمة تربيةً خاصة، فتربية الأنبياء بالدعوة إلى الله، وتربية إتباع الأنبياء بالعبادة، وتربية الدعوة أعلى من تربية العبادة، والله سبحانه أراد أن يربي هذه الأمة كما ربى أنبياءه، وذلك أعلى مستوى في التربية؛ لأنها مبعوثةٌ للناس كما بعث الأنبياء والرسل بالدعوة إلى الله، هي مبعوثةٌ بذلك إلى يوم القيامة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. واسم الرب أكثر اسمٍ ورد في القرآن، وهو أكثر اسمٍ نذكره يوميًا فالذي يسأل الله باسمه الرحيم يرد الرحمة، والذي يسأله باسمه الغفور يريد المغفرة والذي يسأله باسمه الرزاق يريد الرزق، والذي يسأله باسمه التواب يريد التوبة، والذي يسأله باسمه الرب يريد التربية التي ربى الله بها أنبياءه ورسله، لهذا أنزل الله القرآن من أجل بيان هذه التربية في ثلاثٍ وعشرين سنة وجميع الكتب السابقة إما صحف أو ألواح، كصحف إبراهيم وموسى وألواح التوراة، لكن القرآن يختلف عنه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. فنظام القلوب أعظم من نظام الألواح والصحف، ومن قلب النبي ﷺ خرج هذا القرآن إلى قلوب الذين آمنوا وهم الصحابة، ولهذا كانت تربية القلوب أعظم وأرقى عند الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].

стр. 9699

والذي في القلب لا يضيع، ولا يُحرف، ولا يُغير، ولا يتلف، بل يُحفظ، أما الصحف فيدخلها التحريف والتبديل والمحو: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. فالقرآن كله لتربية هذه الأمة على جهد الدعوة إلى الله، دعوة التوحيد والإيمان، فلا توجد فيه قصة عابدٍ أو ذاكرٍ أو زاهد، فكل القرآن بين الله فيه قصص الدعاة إلى الله من الأنبياء والرسل وغيرهم؛ ليثبت به هذه الأمة، لتقوم على المقصد العظيم الذي شُرفت به، وكُلفت به؛ لهذا فصل الله فيه حياة الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله التي شرف الله بها هذه الأمة؛ لأن الله يريد لها تربيةً كتربية الأنبياء والرسل على الدعوة إلى الله، فالله لم يذكر في القرآن عبادة الأنبياء والرسل؛ لأن الله نسخ به جميع الشرائع السابقة، لكن لم ينسخ الله الجهد الذي قام به الأنبياء بل فصل فيه حياة وسيرة خمسةٍ وعشرين نبيًا في الدعوة إلى الله، بل الله لم يذكر فيه عبادة النبي ﷺ ، لأن القرآن كتاب الدعوة إلى الله، وكتاب الهداية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وفصل الله فيه جهد أهل الهداية من الأنبياء والمرسلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].

стр. 9700

وذكر الله فيه كل من قام بالدعوة إلى الله كصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، وهدهد سليمان، والنمل والنحل. وجهد الدعوة إلى الله، الدعوة إلى التوحيد والإيمان، أفضل جهد، وأحسن عمل، وأسعد حياة: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [طه: ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥]. فالدعوة للداعي تركيزًا، ولغيره تذكيرًا فمن نوى من جهده الناس من دون نفسه، فالإيمان يأتي للناس، والنفاق يأتي إليه، فمقصود الجهد النفس لا الناس فقط، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فالمجتهد له الهداية. ولماذا الناس يتركون الدعوة إلى الله؟. لأن المسلم ما نوى من الجهد نفسه، بل نوى من الجهد الناس، والناس يمكن تقبل أو لا تقبل، وبعد الجهد تأتي الهداية للداعي إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وبعد الهداية تأتي التقوى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].

стр. 9701

فالتوحيد نهايته العلم، والتقوى نهاية العمل فالزمها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وذكر الله في القرآن أنواعًا من التربية لأنبيائه ورسله، لنتعلم منها التربية الصحيحة؛ لأننا نواب الرسول ﷺ في أمته إلى يوم القيامة اصطفانا واجتبانا للعمل بدينه والدعوة إليه فقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. وملة إبراهيم ﷺ هي الدعوة إلى الله، والتضحية بكل شيءٍ من أجل إعلاء كلمة الله، فالعابد الله جمله بالإيمان والتقوى فهو مليح يذهب إلى مليح كالمساجد وبيوت الله ومجالس الإيمان ومجالس العلم، ويذهب للحج والعمرة فتظهر آثار هذه الملاحة في حياته، أما الداعي إلى الله فهو مليحٌ يذهب إلى مليح من بيوت الله، ومن مجالس الإيمان، ويذهب كذلك إلى قبيح كالكفار، فيكون سبباً لدخول مليح جديد في الدين: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فليس مقصود الدعوة إلى الله إقامة الحجة على الناس فقط، فمن هو حجة حتى يقيم الحجة على الناس؟ بل إقامة الحجة من أعمال الخالق، وليست من أعمال المخلوق.

стр. 9702

قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. والشيطان غر أكثر الناس فقال أقيموا الحجة على الناس، ثم اتركوا الناس وما شاءوا، واجلسوا في الراحة: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. لهذا وضع الله في قلوب الأنبياء والرسل الطمع في هداية أقوامهم، وإذا وجد الطمع وجدت الهداية، وإذا توقف الطمع توقفت الهداية. ومحمدٌ ﷺ أرسله الله رحمةً للعالمين، ففي قلبه الطمع في الهداية البشرية إلى يوم القيامة، فكم الآن في قلوبنا نحن من الطمع في هداية البشرية، وتفريغ الأوقات، وبذل الأموال، في سبيل إبلاغ هذا الدين الذي أمرنا الله بإبلاغه للبشرية كافة؟. قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. اللهم اهدنا، وأهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.

стр. 9703

٣ - الخزانة الثالثة ٢ - الدعوة إلى الله وظيفة الأمة. • الدعوة إلى الله أفضل الوظائف: الله ربى أنبياءه ورسله على الدعوة إلى الله، وذكر جهدهم في الدعوة إلى الله في القرآن الكريم، وربى الله محمدًا ﷺ أكمل تربية، والنبي ﷺ ربى الصحابة ﵃ أكمل تربية لأن هذه الأمة نائبةٌ عنه في الدعوة إلى الله إلى يوم القيامة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهذه الأمة ترافق الأنبياء والرسل في الجنة، لأنهم مشتركون معهم في جهد دعوة التوحيد والإيمان: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. فترافق أيها الداعي إلى الله نوحًا العبد الشكور، ليس لأن صلاتك كصلاته، وصومك كصومه؛ بل لأن جهدك كجهده، وأخلاقك كأخلاقه، فإذا

стр. 9704

جهدك كجهده ترافقه، وجهده بينه الله في القرآن في سورة الأعراف ونوح وغيرهما. وبين سبحانه جهد إبراهيم ﷺ فترافقه إذا كان جهدك كجهده. وبين سبحانه جهد موسى ﷺ ، فإذا جهدك كجهده ترافقه ولا يمكن لأحدٍ مرافقة الأنبياء والرسل إلا من قام بجهدهم. لهذا تربية الأنبياء والرسل بشيئين: الدعوة .. والهجرة. فكل نبي عنده دعوة وهجرة، إبراهيم ﷺ عنده دعوةٌ وهجرة، لأن الهداية تأتي بعد الهجرة: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]. ولوط ﷺ عنده دعوةٌ وهجرة، وموسى ﷺ عنده دعوةٌ وهجرة، وعيسى ﷺ عنده دعوةٌ وهجرة، ومحمدٌ ﷺ عنده دعوةٌ وهجرة. فتربية الأنبياء والرسل بالدعوة إلى الله، والهجرة في سبيل الله، وتربية هذه الأمة بالدعوة والهجرة، فالصحابة تربوا بالدعوة والهجرة كالأنبياء: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤]. فكل الدين الموجود الآن إلى يوم القيامة بسبب المهاجرين، فليس كل أهل مكة مهاجرين، كما أنه ليس كل أهل المدينة أنصار: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].

стр. 9705

فالسابقون الأولون من المهاجرين هم أهل بدر، وأهل الحديبية، الذين بايعوا تحت الشجرة، وعددهم ألف وأربعمائة رجل، فهؤلاء هم خير أهل الأرض. والسابقون من الأنصار هم الذين بايعوا النبي ﷺ في بيعة العقبة الأولى والثانية، فهؤلاء وهؤلاء هم الذين تربوا التربية الصحيحة التي جمعت بين الدعوة والهجرة. وهناك أناسٌ عندهم دعوة بلا هجرة، وهذا لا يجوز: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢]. والإيمان بلا هجرة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله خطرٌ على الإنسان: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٧]. واستثنى الله من هؤلاء المستضعفين فقال سبحانه: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩].

стр. 9706

فلا يمكن أبدًا أن تتربى الأمة التربية التي يريدها الله إلا بالدعوة والهجرة كالأنبياء والرسل، وقد رغب الله هذه الأمة بالهجرة، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]. ومقصود الدعوة والهجرة نصرة الدين، لهذا مقصود الجهد الموجود في العالم مقصوده التربية الصحيحة: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]. أعلى درجات الولاية في بني إسرائيل لها شرطٌ واحد، وهو الانقطاع عن الناس، ولزوم البيع والصوامع. وأعلى درجات الولاية في هذه الأمة لها شرط واحد، وهو الجهد على الناس بالدعوة، لهذا قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ومن القواعد الشرعية ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالدعوة واجبة، والسفر من أجلها واجب، والحج واجب، والسفر من أجله واجب، لهذا مسئولية الأمة البشرية كلها، ولابد من دعوتهم إلى الله، ولا يتم ذلك إلا بالسفر إليهم، وبذل المال والوقت، والنفر في سبيل ذلك: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا

стр. 9707

وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. والذين لم يريدوا التربية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلمهم المنافقون، يصلون رياءً، ولا يذكرون الله إلا قليلًا، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ولا يدعون إلى الله، ولا ينفقون في سبيل الله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧]. وينفقون رياء لا تعبداً: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾ [التوبة: ٨٧]. لهذا فكفرهم أشد وأغلظ من كفر الكفار الأصليين، وعقوبتهم أشد من عقوبتهم، لشدة خطرهم وكيدهم على الإسلام والمسلمين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].

стр. 9708

والنبي ﷺ ربى الصحابة ﵃ التربية الصحيحة، علميًا وعمليًا، فالله بسبب ذلك أعطاهم الرضوان وهم في الميدان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨]. وباب التربية مفتوحٌ إلى يوم القيامة باب السابقين الأولين. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]. وعلامة التربية الصحيحة ظهور الصفات المقبولة عند الله، والجزاء من جنس العمل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وابتسامة الداعي أعظم عند الله من بكاء العابد؛ فكل خطوةٍ في الدعوة إلى الله، تزيد الداعي إيمانًا، وقوةً، وحرقة.

стр. 9709

فالدعوة إلى الله حرقةٌ في القلب، وحكمةٌ في اللسان، ودمعةٌ في العين، ورحمةٌ للخلق: فالحُرقة: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠ - ٢١]. والحكمة: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ [يس: ٢٢ - ٢٧]. والدمعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. والرحمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فالداعي إلى الله يجرح نفسه، ولا يجرح الآخرين، ويتعب من أجل هداية الناس، فالداعي إلى الله دائمًا ينظر إلى المحاسن، وينشر المحاسن، وينسى المساوئ كما هي صفات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والداعي إلى الله يتجول على الناس، ويسمع من الناس سوى الأدب بالكلام، ويصبر على ذلك، كما قال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].

стр. 9710

ويوم القيامة يتشرف بسلام الرحمن عليه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. وسلام الملائكة عليه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. والداعي إلى الله يذهب إلى الأشرار، ويجتهد عليهم، ليكونوا أخياراً، ويوم القيامة يكون مع المؤمنين في الجنة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. ويكون مع الأنبياء والمرسلين. والصحابة ﵃ تربوا على يد النبي ﷺ التربية الصحيحة التي يحبها الله ويريدها، فزكاهم الله، ورضي عنهم، ورضوا عنه، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وزكاهم رسول الله ﷺ بقوله: «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ». متفقٌ عليه (١). لما جاءت في حياة الصحابة ﵃ حياة النبي ﷺ ، وهي الدين، وجهد النبي ﷺ ، وهو الدعوة فازوا، لأنهم صدقوه وطبقوا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣].

стр. 9711

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. والله سبحانه حفظهم بالدعوة إلى الله، وعصمة الأنبياء بالدعوة إلى الله، وحفاظة هذه الأمة بالدعوة إلى الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فإذا تركنا الدعوة إلى الله، جاء في الأمة الشرك، فالذين يقومون بالدعوة يصلون المخلوق بخالقه، لأنهم عرفوه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الحميدة، فآمنوا به وعبدوه، ووصلوا الخلق به: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ

стр. 9712

وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٤]. فهؤلاء لهم الجنة والرضوان وعقبى الدار، لأنهم يصلون إلى الله بالتوحيد، والإيمان، والعبادة، ويوصلون الخلق إلى الخالق بالدعوة إلى الله، فهؤلاء لهم عقبى الدار والذين لا يكونون في جهد الصلة فورًا يكونون في جهد القطيعة، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. فهؤلاء قطعوا ما بينهم وبين الله من الإيمان، وقطعوا الخلق عن الخالق، فما أعظم جرمهم. والإنسان إما داع إلى الخير، وإما داعٍ إلى الشر، وإما أن يُدعى إلى الخير، أو يُدعى إلى الشر، فالدنيا دار العمل، والآخرة دار الثواب أو العقاب. فالمؤمنون عملهم وثوابهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢]. وأما الكفار فعملهم وعقابهم: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ

стр. 9713

وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨]. ومن ضحك في الدنيا قليلًا، وهم الكفار وأهل المعاصي، بكى في الآخرة كثيرًا لما يراد من غضب الله وعذابه: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨٢]. ومن كدح في هذه الدنيا إلى ربه سيلقى جزاء عمله يوم القيامة، مسرورًا: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦]. وكدح الإنسان نوعان؛ إما كدح إلى الله بالعبادة والدعوة والمجاهدة، فهذا ولي الله، وإما كدح من أجل النفس والهوى والشيطان، فهذا عدو الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق: ٦ - ١٥]. لهذا الصحابة ﵃ ضحكوا عند الموت، لأنها ظهرت لهم نتيجة كدحهم كالأنبياء، فتظهر النتيجة لكل داعٍ إلى الله عند الموت في كل زمان ومكان، فالرجولة أن تضحك عند الموت إلى الأبد، وليس الضحك الآن، فالدمعة من خشية الله، ومن أجل هداية الخلق، والشفقة عليهم، تطفئ بحورًا من نار جهنم يوم القيامة. فهذه قوة الدمعة، وهي مستحبة، فكم قوة السنة، وكم قوة الفرض، وكم قوة الواجب، وكم قوة الإيمان، وكم قوة الجهد الذي يأتي به الإيمان.

стр. 9714

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. لهذا وعدنا الله على هذه القوة بقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ [الزمر: ٣٤ - ٣٥]. فكل إنسان عنده سيء وأسوأ، وحسن وأحسن، والله وعد على الدعوة تكفير الأسوأ، وإعطاء الأحسن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. فبالدعوة إلى الله يكفر الله عنك الأسوأ، ويجزيك بالأحسن. والأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، وميراث النبي ﷺ الذي تركه للأمة هو الدين، وجهد الدين، وكل أحد يأخذ ميراثه، ويستفيد منه قبل الموت، فماذا يقول الإنسان إذا جاءه الموت: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٤]. وقد أرسل الله رسوله محمداً ﷺ نذيرًا للبشر: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٦ - ٣٧].

стр. 9715

فأول شيء يجب على المؤمن هو التوبة عن ترك ما أمر الله ورسوله به: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. فأول شيء يجب على المسلم التوبة والاستغفار من ترك جهد الدعوة إلى الله، وأكبر طاعة لله ورسوله أن تطيع النبي ﷺ في مقصد حياته، وهو الدعوة إلى الله، وأكبر معصية لله ورسوله أن تعصي النبي ﷺ في مقصد حياته، ومقصد حياة النبي ﷺ عشرة أمور، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨]. فهل قمنا على هذا المقصد؟، وهل اتصفنا بهذه الصفات؟. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والمسلمون من هذه الأمة، هم خلفاء في الأرض، يجتهدون من أجل الدين، وغدًا هم جلساء الرحمن، اليوم يجتهدون على الناس مع صفاتي، وغدًا يصلون إلى ذاتي، ويرون صفاتي: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. والداعي إلى الله هو بواب الملك، والبواب لابد أن تكون فيه نسبة من صفات الملك، فالله يحب أسماءه وصفاته، ويحب من عباده أن يتصفوا بها، لكن على شاكلة العبودية.

стр. 9716

فالله مؤمن يحب الإيمان والمؤمنين، والله تواب يحب التوبة والتوابين، والله كريم يحب الكرم وأهل الكرم والله محسن يحب الإحسان والمحسنين. فالملك كريم فلابد أن يكون البواب الذي يدخل الناس على الملك كريمًا، والملك رحيم فلابد أن يكون البواب رحيمًا، والملك حليم والبواب الذي يدخل الناس عليه لابد أن يكون حليمًا، والملك عفو، والبواب الذي يدخل الناس عليه لابد أن يكون عفواً: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والله خلق الكون كله لكي تتعرف أيها الإنسان على أسماء ربك وصفاته وأفعاله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وجهد الدعوة إلى الله أكبر سبب لمعرفة أسماء الله وصفاته، والتعبد لله بها، وجلساء الله هم أهل صفاته، فالله كريم، والكريم لا يجالسه إلا الكريم، والبخيل لا يجالس الكريم، فأهل الصفات الجمالية جلساء الخالق يوم القيامة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].

стр. 9717

وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]. والتربية الصحيحة هي التي تكون فيها الأحوال الشديدة، لهذا أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. فلذة الطعام بعد الطهي، ولذة الراحة بعد التعب، ولذة الإيمان بعد المجاهدة، وكل الناس ميت، فمنهم من يذهب بعد الموت إلى نعيم لا جحيم بعده، ومنهم من يذهب إلى جحيم لا نعيم بعده: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. والمؤمن عظيم عند الله بصفاته لا بذاته، ولأهل هذه الصفات خلق الله جنة عرضها السماوات والأرض، وفي هذه الدنيا علينا تكميل الصفات التي يحبها الله، وفي الآخرة الله يكمل لنا الشهوات: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].

стр. 9718

وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. فالكامل من البشر هو الذي كمل الصفات التي يحبها الله، أما الدنيا فكلها ناقصة، فالصفات الكاملة جزاؤها نعيم كامل أبدى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 9719

٤ - الخزانة الرابعة ٣ - حفظ الداعي إلى الله من الفتن. الله ابتعث هذه الأمة كما ابتعث الأنبياء والرسل، إنما بُعثتم ميسرين، ولم تُبعثوا معسرين، وشرفها بما شرف به الأنبياء والرسل، وذلك بالجهد العظيم الذي فيه سعادة البشرية في الدنيا والآخرة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. وسنة الله أن يكون جهد الدعوة إلى الله قائمًا على المجاهدة العظيمة، المقرونة بالأسباب المخالفة، ليتبين الصادق من غيره ويعيش المسلم في أعلى درجات المجاهدين التي أجرها عظيم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقد أنزل الله سورة الكهف في مكة وقت التربية الإيمانية للنبي ﷺ وأصحابه، وجعلها سبحانه في وسط القرآن، وشرعت قراءتها ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، أو الأسبوع الذي يتقدم الجمعة. وفي هذه السورة أعظم حفاظة من الفتن التي تصرف المسلم عن دينه، وأعظم الفتن فتنة المسيح الدجال.

стр. 9720

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ». أخرجه مسلم (١). فكم قوة هذه السورة المباركة، فهي كنز عظيم، وعقد ثمين، بيَّن الله في هذه السورة العظيمة أربعة أنواع من الفتن العظيمة: فتنة الدين، ثم فتنة المال، ثم فتنة العلم .. ثم فتنة الملك. فلا بد من الفتن ليتميز المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. وهذه الفتن العظيمة لابد أن تمر على الأمة، ثم بينت هذه السورة طريق العلاج، فما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، فهذه السورة الكريمة تدور حول هذه الفتن الأربع، والعلاج في كتاب الله، فهذه السورة بدأت بالكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف: ١ - ٢]. وانتهت بالكتاب: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وأثر الكتاب يأتي في القلوب بقدر ما في القلوب من الإيمان والهم والحزن، المقرون بالمجاهدة والتضحية والصبر، من أجل إبلاغ الدين، فالدين لا ينتشر بالتقرير، ولا بالتحرير، ولا بالخطابة، الدين ينتشر بهم

стр. 9721

الرسول ﷺ ، بحزن الرسول ﷺ والبكاء الذي يتفجر منه القلب، شفقةً على الأمة، ورحمة لها: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فكم كان الاضطراب في قلب النبي ﷺ من أجل هداية البشرية، وكم كان حرصه، وكم كان همه، وكم كان بكاؤه، لأن مسئوليته كل البشرية إلى قيام الساعة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فمسئوليته ﷺ دعوة الأمة من بعثته إلى أن تقوم الساعة، في الحياة، وبعد الموت، وفي القبر، وفي الجنة، وفي النار، والمطلوب منه ﷺ أن يبين للناس أحوالهم في هذه المواطن العظيمة، وحال البشرية في الضلال، والله أرسله مبشرًا ونذيرًا لكل البشرية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨]. فهذه المسئوليات العشر العظيمة، لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، كيف يقوم بها، وكيف يحمل الأمة عليها: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].

стр. 9722

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وكم كان همه ﷺ في أداء هذه الأمانة العظيمة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والله يأمره بالصبر، وبين له أنه حافظه وناصره: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٥]. لهذا جهد الدعوة إلى الله على قدر ما يحمل القلب من الدين، لا على قدر ما يحمل من الطين، فلا ينتشر الدين في العالم إلا بهم كهم الرسول ﷺ ، وجهد كجهد الرسول ﷺ وأخلاق كأخلاق الرسول ﷺ ويقين كيقين الرسول ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فالقلب إما أن يحمل هم الدين، أو يحمل هم الدنيا، فإما دين، وإما طين، ولا ثالث لهما: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢١ - ٣].

стр. 9723

وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢]. هذا الدين العظيم أعظم نعمة تحفظ الإنسان وتسعده في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. فما هو طريق الحفاظة من فتنة الدين التي هي أول الفتن التي ذُكرت في سورة الكهف، فهذه أكبر فتنة ومصيبة. فاللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا. لهذا بدأت هذه السورة الكريمة بقصة عجيبة قصة أهل الكهف، فكل قصص القرآن كقصص الأنبياء والرسل وغيرهم، كلها تكلمت عن الدعوة إلى الله التي قام بها الأنبياء والرسل، إلا هذه القصة تكلمت عن العبادة: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ [الكهف: ٩] فبدأت هذه السورة بأعجب قصة في القرآن وفي نهاية القصة: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٤]. ونزلت في حياة الصحابة ﵃، وهم ضعفاء في مكة أصابتهم فتن عظيمة من كل مكان حتى قالوا للنبي ﷺ : أهكذا الدهر خوف

стр. 9724

واضطراب، وجوع وعذاب، كما حصل لياسر وعمار وصهيب وبلال وخبيب ﵃، والرسول ﷺ يعدهم ويصبرهم، ويصبر معهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠] وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨]. فمن أراد أن يفهم هذا الجهد العظيم، فلينظر في حياة هؤلاء الضعفاء ويجتهد على أمثالهم من الضعفاء والبسطاء، فهؤلاء هم أرض الدعوة وهم أول أتباع الأنبياء والرسل، وهم معدن الرسالة. فأصل الدعوة في البداية مع عوام الناس، وضعفاء الناس، وبسطاء الناس، لأنهم ليس معهم من الجاه والمال ما يمنعهم من سماع الدعوة إلى الله، وكلما كانت الدعوة مع العوام، كانت الحفاظة للداعي إلى الله وللمدعو، وكلما كانت مع الخواص، جاء الخطر على الداعي والمدعو، فالعوام إذا قاموا على جهد الدعوة، وقاموا على الأصول، وإذا قاموا على الأصول، نزلت الرحمة على العوام، وعلى الخواص: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وأما الخواص إذا دخلوا في الجهد، فلابد أن يخالفوا الأصول أو بعضها، وإذا خالفوا الأصول، رفعت الرحمة عن الخواص والعوام، فلا يفهم جهد

стр. 9725

الدعوة إلى الله إلا من كانت مادة دعوته العوام، لهذا العباس ﵁ لم يسلم إلا قبيل فتح مكة، وقال له النبي ﷺ : أنا آخر الأنبياء، وأنت آخر المهاجرين. القصة الأول: فبدأت هذه السورة الكريمة بقصة هؤلاء الفتية المؤمنين الذين كانوا ضعفاء مع أهل الكفر، كحال من آمن بالرسول ﷺ من ضعفاء أهل مكة في بداية الدعوة. فهؤلاء الفتية عاشوا بين القوم الكافرين، وكان من عادة هؤلاء الكفار أن يخرجوا إلى الصحراء كل عام، ليحتفلوا بشركهم وأوثانهم في أعيادهم، فلما بدأ الاحتفال بألوان الشرك، خرج من بينهم شاب، وجلس تحت شجرة، ووضع يده على بطنه كأنه سقيم، ثم خرج الثاني والثالث حتى اجتمع تحتها سبعة، وهم لا يعرف بعضهم بعضا، فما الذي جمعهم؟. جمعهم الحق الذي لا يقبل الباطل، الذي يرفض الباطل فهؤلاء هم أهل الفطرة السليمة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾ [الكهف: ١٣ - ١٥]. فالآن هؤلاء الفتية انتقلوا من عبادة فردية إلى عبادة جماعية، فتشاوروا فيما بينهم كل يسأل الآخر لماذا خرجت؟ فكانت إجابة كل واحد منهم واحدة، فررت من الشرك والباطل فارًا بديني، لئلا يفسده هؤلاء، فالسؤال واحد، والإجابة واحدة، فتشاوروا لماذا لا نعبد الله مجتمعين فانتقلوا من عبادة

стр. 9726

فردية إلى عبادة جماعية، فصار لهم ترقِ في العبادة، فما الفرق بين قوة الدعوة، وقوة العبادة؟. قوة العبادة تبرز وتقوى حينما يكون المسلم خاليًا بربه، ولذلك أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، وأفضل الصلاة في جوف الليل منفردًا. أما قوة الدعوة فتبرز وتقوى حينما يكون الإنسان مع غيره من إخوانه المؤمنين، ولهذا كان الرسول ﷺ يمشي بين الخلق في موسم الحج ويقول: من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي؟ وطلب ﷺ النصرة من أسوأ ناس، لهذا قوة الدعوة، وحفظ الداعي، في العمل الاجتماعي: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فهم كالموج في البحر، وإذا كان الداعي منفردًا، وخرج من الجماعة، صار كالموج إذا خرج من البحر، اسمه وحل، وإذا كان في البحر اسمه موج، والعمل الانفرادي يولد الكبر والعجب، والاحتقار للناس، والشدة والرياء وغير ذلك من صفات الوحل والطين، وقوة هذا العمل العظيم بالعمل الاجتماعي، والله يريد صفات اجتماعية، وأعمال اجتماعية: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 9727

فالصحابة ﵃ كلهم لهم استعداد وتفاوت في التضحية من أجل إعلاء كلمة الله، لكن كلهم رضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. فتية أهل الكهف انتقلوا من عبادة انفرادية، إلى عبادة جماعية، هذا شيء طبيعي محمود، ولكن أن ينزل إنسان من العبادة الجماعية إلى العبادة الفردية، هذا ليس شيئًا طبيعيًا ولا محمودا: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف: ٩ - ١٠]. لهذا النبي ﷺ رفع أمته إلى أعلى مستوى في العبادة والدعوة، كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وجميع الأنبياء والرسل قبل النبي ﷺ لم يرفعوا أممهم إلى مستواهم، فكل نبي قال لأمته: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ [هود: ٥٠]. وكل نبي قال لأمته: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ [الشعراء: ١٠٧ - ١٠٩].

стр. 9728

وكما قال نوح لقومه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١١٠]. فهؤلاء الفتية انكشفوا أمام ملك زمانهم، وعلم أنهم يعبدون الله، فأتي بهم فجاءت عليهم فتنة الدين، إما الكفر، وإما الرجم، وقال لهم الملك لكم ثلاثة أيام تشاوروا في أمركم، وهذه أعظم فتنة، فليس على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين الأمرين: أحدهما: الرجم، وهذا أشد أنواع القتل، وفيه هلاك النفس. والثاني: هلاك الدين بالإكراه على الكفر. قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [الكهف: ٢٠]. ولكن هؤلاء الفتية المؤمنين لما آمنوا حفظوا دينهم حفظهم الله وسلمهم، فانتهت الأيام الثلاثة، وقالوا ما هو الحل؟، هل الحل المواجهة؟ لا بل الحل: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف: ١٦]. هنا الحكمة، أن يختفوا بعبادتهم في الغار من الملك الظالم، فالحكمة عدم المواجهة، والاختفاء عن العدو، فموسى ﷺ خرج إلى مدين خائفًا يترقب مختفيًا، ومحمد ﷺ خرج من مكة حين الهجرة مختفيًا، والله جعل الدعوة محاطة بالحكمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ

стр. 9729

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. فأعظم أصل في الدعوة هو الحكمة: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فالمطلوب في الدعوة تسعون بالمائة حكمة، وعشرة بالمائة علم، وإذا كان الأمر بالعكس علم بلا حكمة، فمن يقبل الدين؟، وكم يكون الخطر على الداعي والمدعو؟، فالحكمة مقدمة على كل شيء، فما هو الحل الآن؟. الله أعطى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الدعوة والحكمة والرحمة، فلا تحمل قلوبهم الكيد لأحد، وإنما تحمل قلوبهم الرحمة للناس مع الحكمة، فهو سبحانه الذي يكيد بمن كاد أولياءه، ويمكر بمن مكر بهم، ويخادع من خادعهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨]. وأما الأنبياء فعليهم الدعوة بالحكمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].

стр. 9730

وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. فالدعوة هي التعريف بالإله، وإظهار محاسن الدين، والدين كله محاسن حتى الناس ترى المحاسن، فتدخل في الدين، فالفتية أووا إلى الكهف، وفي الكهف النوم، وتبعهم كلبهم، فالحيوانات عندها قوة الشم، فهذا الكلب شم الصلاح فيهم فتبعهم، وإلا الكلب يفضح ولا يستر، والنبي ﷺ عرفه الذئب والجمل، لكن هل عرفه أبو جهل وأبو لهب، فتبعهم الكلب، فلما تبعهم إلى الغار أصبح معهم، وشغله الحراسة: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٦ - ١٨]. فكلب أهل الكهف يزيد في أجرك خمسة حروف، فمن قرأها في القرآن، فله خمسون حسنة، وكلبك إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع ينقص من أجرك كل يوم قيراط، فكلبهم أفضل من كلبك، لأن كلبهم كان في صحبة الصالحين، وحراسة الصالحين، فمن خرج في سبيل الله، لإبلاغ دين الله، وإحياء دين الله طهره الله من كل وجه، وأسعده في الدنيا والآخرة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 9731

ومن خرج في سبيل الله، لإصلاح نفسه، وإصلاح غيره، انجلت ظلمة قلبه، و إذا انجلت ظلمة القلب، جاءت الإنابة، وإذا جاءت الإنابة جاءت الهداية: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. فهؤلاء الفتية المؤمنون بدخولهم الكهف ضحوا تضحية بسيطة، لكن كم العطايا والمنن من الله عليهم!. قال الله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف: ١٦]. بماذا أكرمهم الله به: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]. والربط على القلب نعمةٌ عظيمة، الربط على القلب أعلي درجات الإيمان. فأم موسى ﷺ : ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص: ١٠]. وأهل بدر ربط الله على قلوبهم: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١]. فمن خرج فارًا بدينه، أو خرج في سبيل نشر دين الله، ربط الله على قلبه، والله سبحانه نَسَبَ التقليب إليه، إكرامًا لهم، كما قال سبحانه: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٨].

стр. 9732

وجعل لهم سبحانه نظام دخول الشمس في الصباح والمساء، وقضى حوائجهم، ومكثوا في الكهف ثلاث مائة سنة، وازدادوا تسعًا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ [الكهف: ٢٥]. وهذه طمأنةٌ للداعي إلى الله، فلا يقضي الحاجات إلا الله وحده لا شريك له، فأهل الكهف نيامٌ تلك المدة الطويلة، والله يقضي حوائجهم، التي يحتاج إليها الحي من أكلٍ، وشربٍ، وصحة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. والله سبحانه جعل الرعب فيهم وهم نيام، فمن رآهم فَرَّ منهم، وأصابه الرعب، فكيف لو قاموا، وتَجَوَّلُوا على الناس: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٨]. فالجولة على الناس، ودعوتهم إلى الحق، أعظم قوة يخاف منها شياطين الإنس، والجن كما قال النبي ﷺ : «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» متفق عليه (١).

стр. 9733

٥ - الخزانة الخامسة ٣ - حفظ الداعي إلى الله من الفتن. الدعوة إلى الله أعظم قوة لإزالة الباطل في العالم، وطرد شياطين الإنس والجن، لأن نظام الجولة على الناس، وبين الناس، للدعوة إلى الله، يَجُرِّ الهداية من العرش إلى الأرض. وما هي الجولة: الجولة لإحياء الدين، فالدين كله يحتاج مِنَّا إلى تضحية لإيصاله إلى الناس: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والدين كله يَحيَا في الجولة على الناس للدعوة إلى الله، آيات القرآن في السمع، والبصر، والكلام، والمشي، كلها تَحيَا في الجولة على الناس: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فالجولة بين الناس مقصودها إحياء الدين في الأمة، اعتقادًا، وأقوالًا، وأعمالًا، وأخلاقًا، ولهذا كانت الدعوة إلى الله واجبةٌ على جميع الأمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 9734

ففي الجولة على الناس، وغشيان الناس في أماكنهم، وأسواقهم، الداعي إلى الله يمشي بالصفات، ويكتسب الصفات، حتى يكون قرآنًا يمشي على الأرض، بحُسن خُلقه، فالداعي خُلقه القرآن كَنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ففي الجولة على الناس، ودعوتهم إلى الله، اكتساب الصفات التي يحبها الله، من الرحمة، والتواضع، والشفقة، والمحبة، وحُسن الظن، والصبر، والحلم، وتَعَلُّمِ الحكمة، كيف تُخاطب كل إنسان، والله يُعَلِّمُكَ سر الدعوة، وكسب قلوب الناس، فالطبيب يعرف سر الطب، وصاحب الحديد يعرف سر الحديد، وصاحب الخشب يعرف سر الخشب، وكذلك الداعي إلى الله، الله يُعَلِّمَهُ سر الدعوة، كيف يَدخل إلى قلوب الناس بالحكمة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. فتعليم الحكمة في الجولة على الناس، فكم قوة، ورحمة، في الجولة على الناس!. قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].

стр. 9735

وأثقل شيءٍ على النفس هي الجولة على الناس، للدعوة إلى الله، ولكن فيها طهارةٌ للنفس، وهي عدوة النفس، لأن النفس تريد تكميل شهواتها فقط، والله يريد تكميل محبوباته، فمن جاهد نفسه لإحياء دين الله في نفسه، والعالم، هداه الله سُبل رضاه، وأعانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. فجميع الأنبياء أذلوا أنفسهم لله، فأعزهم الله، فمن أراد كمال العزة، فليذل نفسه لله، بين خلق الله، فلا عزة له إلا من ربه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. ومن أذل نفسه لربه، أعزه الله، وقضى حوائجه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥]. ظَلَّ أهل الكهف نيامًا هذه المدة الطويلة، فلما قاموا قالوا كم لبثتم؟ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠]. فاختاروا أحدهم ليشتري لهم طعامًا بنقودهم، فلقد ظلوا تلك المدة الطويلة، ولم يتغيَّر فيهم شيء بقدرة الله، ولكن جاءت الحاجة البشرية للأكل، فاختاروا أحدهم ليشتري لهم طعامًا من النقود التي كانت معهم،
следующие страницы →