وبالدعوة إلى الله تتحقق طاعة الله ورسوله، وامتثال أوامر الله ورسوله في العالم، والاقتداء بالأنبياء والرسل في إبلاغ دين الله، وبذل الوقت والنفس والمال من أجل إعلاء كلمة الله .
والداعي إلى الله من خلال دعوته يكشف الطاعات الموجودة في الأمة من أهل الذكاء والحفظ، ويفعلها لنفع الأمة في جميع المجالات، فيعلم المعلم، ويفتي الفقيه، وينفق التاجر، ويعين المستطيع.
والدعوة إلى الله سبب لولاية الله للداعي، لأنه أعظم من يذكر ربه، ويذكر الناس به.
والدعوة إلى الله أعلى مقامات العبودية بعد الإيمان بالله، فالداعي يبذل كل شيء من أجل إعلاء كلمة الله، وهداية الناس.
والدعوة إلى الله أعظم سبب لنشر الحق، وإزهاق الباطل، ونشر الخير والفضيلة، واجتثاث الشر والرذيلة.
والدعي إلى الله تشهد له الأرض التي يمشي عليها، والنفوس التي يدعوها، وجوارحه التي استعملها في الدعوة إلى الله.
والدعي إلى الله في صحيفته جميع أعمال من دعاهم إلى الله، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، لأنه سبب هدايتهم، فهو ميت في قبره، وأعمال من دعاهم كلها تصب في صحائف حسناته إلى يوم القيامة.
والدعي إلى الله في صحائفه كل تائب دعاه، وكل معلم علمه، وكل منفق رغبه، وكل داع أرشده.
والله تواب يحب التوبة، ويحب التوابين، ويحب كل من كان سبباً لتوبة التائبين أكثر.
стр. 9802
وفي الدعوة إلى الله رضوان رب العالمين، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
والدعوة إلى الله سبب لحسن الخاتمة، فمن حسنت حياته، حسنت وفاته.
والدعي إلى الله هو أعظم من يكسر الحاجز بين الأغنياء والفقراء، والعلماء والعامة، والوجهاء والضعفاء، لأنه يغشى كل مجمع ومجلس يذكر بالله، ويدل الناس عليه.
وفي الدعوة إلى الله تمرين وتحريك للمهتدين الجدد، باصطحابهم في الدعوة إلى الله.
والدعوة الانفرادية، والزيارة الفردية هي دعوة الأنبياء والرسل، وأكثر دعوة النبي ﷺ ، وأكثر من دخل في الإسلام، وأبلوا بلاءً حسناً، هم من أسلم بالدعوة الانفرادية كالخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم.
والدعوة إلى الله أصلها للداعي تركيزاً، ولغيره تذكيراً، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه.
والداعي إلى الله يحبه الله، ويجعل له محبة في قلوب الناس، لأنه يدلهم على الله، وعلى كل خير.
والداعي إلى الله أجوره عظيمة، لأنه أكثر الناس قراءة للقرآن، وتدبيراً له، وتطبيقاً له: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
فهذه أكثر من مائة ثمرة من ثمرات الدعوة إلى الله، ومن تدبر القرآن والسنة وجدها تزيد على ألف ثمرة.
فما أعظم فضائل الدعوة إلى الله، وما أعظم ثمراتها وأجورها ومنافعها.
فالواجب على مسلم ومسلمة أن يبادر إلى القيام بها، ويكون إماماً فيها، طاعة لله ورسوله، واقتداء بالأنبياء والرسل، وأداء للأمانة، وخوفاً من عقوبة تركها، وفرار من لعنة الله لمن تركها.
فلا يليق بمن له أدنى مسكة من عقل أن يفرط في هذا الخير العظيم، والعمل الشريف، ويترك جهد سيد الأنبياء والمرسلين، ويقعد عن الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يجعلنا وإياكم من الدعاة إلى الله، المستقيمين على ذلك إلى أن نلقاه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
стр. 9805
١٠ - الخزانة العاشرة
٦ - أعظم ثروة:
ثروة الإنسان الداخلية التي يكرمه الله ويعزه بها، هي إيمانه وتوحيده، وأعماله الصالحة، وأخلاقه الكريمة، فمن أكرمه الله بهذه الثروة فاز في الدنيا والآخر، ولو وقفت له جميع الأسباب المادية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالله مع هذا الداعي ينصره ويعزه ويحفظه؛ لأن ربه الخالق المالك لكل ذرة في العالم العلوي والعالم السفلي، وكل شيء خلقه الله بقدرته، فهو تحت تصرفه يفعل فيه ما يشاء، فكل شيء في قبضته سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وهو سبحانه القادر على أن يغير صورة الأشياء، وقادر على أن يبقي صورها، ويغير من صفاتها، وقادر على أن يجعل الضار نافعًا، والنافع ضارًا، كما جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وكما جعل الخشب حية تسعى، وكما جعل الحية خشبة جامدة، فجميع المخلوقات كلها في قبضة الله، وتحت تصرفه، فكل شيء بيده سبحانه، وخزائن كل شيء عنده، وأبواب رحمته وكرمه مفتوحة لكل طالب.
стр. 9806
فإذا أمن العبد بربه استفاد من قدرة الله مباشرة في الوقوف بين يديه في الصلاة، وتسليم القلب والجوارح له، وحينئذ يعبد الله كأنه يراه واثقًا بقدرته، متيقنًا على إجابته، وقضاء حاجته، فنؤديها بهذا اليقين، وندعو الناس إلى إقامة الضارة، ونستغفر الله من التقصير، والصلاة لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله، موافقة لما جاء عن الرسول ﷺ ، فنتعلم أركانها وأحكامها وسننها والعلم بأحكام الدين وتعلمها والعمل بها كل ذلك عبادة الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والذي يورث مراقبة الله في كل عمل هو ذكر الله، فمن ذكر الله ذكره، والله مع العبد ما تحركت به شفتاه ينصره ويحفظه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله في الحديث القدسي «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». متفق عليه (١).
ولكي يكتسب الإنسان صفة المراقبة والتوجه إلى الله يحسن به أن يدعو الآخرين إلى ذكر الله معتقدًا أن الله يراه، ويدعو الله أن يرزقه الإيمان والصلاة والعلم والذكر، ويبكي أمام الله عند طلب ذلك، ويجب على المسلم أن يؤدي حقوق الناس، ولا يطالب بحقوق نفسه، ويكرم كل مسلم، ويخفض له جناح الذل من الرحمة، وأن يعينه ويستره ويعفو عنه، لكي يعفو الله عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
стр. 9807
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ولكي يكتسب المسلم صفة الإكرام يرغب الآخرين فيها، ويوجد سوق إكرام الآخرين في بيته، ويعلمهم قيمة المسلم، وكيفية مواساته وإيثاره، ويدرب نفسه على ذلك، ويتضرع إلى الله بالدعاء والبكاء أن يوفقه للتخلق بخلق النبي ﷺ ، وجميع هذه الأعمال الصالحة لا تكون مقبولة عند الله إلا إذا كانت خالصة لله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
فالعمل الصالح الخالص يوجب الأجر الكثير ولو كان قليلًا، فلابد من تفقد النية في كل عمل، فنصحح النية قبل العمل، وفي أثناء العمل، بأن نعمل هذا العمل ابتغاء مرضاة الله، ولكي يصحح العبد نيته يدعو الناس إلى ذلك ويتدرب على تصحيح النية في كل عمل، وعندما ينتهي من كل عمل يستغفر الله من تقصيره، ويدعو الله متضرعًا أن يرزقه حقيقة الإخلاص.
والأعمال الفردية لا تزال موجودة في هذه الأمة من ذكر، ودعاء، وتلاوة القرآن وإن كانت خالية من الروح.
وبسبب ختم النبوة حمل الله هذه الأمة مسئولية الدعوة إلى الله حتى تتحقق الصلة بين العباد ورب العباد، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
стр. 9808
ولأداء هذا الواجب العظيم لابد أن تصرف الأمة في أدائه الجهود المالية والبدنية على منهاج النبي ﷺ ، وأن تصرف جميع الأوقات والأفكار لدعوة الناس إلى الله، لكي يتحقق لهم الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
ومن صرف جهوده الإيمانية والعلمية والمالية لربط الآخرين بالله رزقه الله تعالى معيته ونصرته، وشرفه بحقيقة الإيمان والعمل الصالح، وضاعف أجوره وهداه، واستجاب دعاءه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ولكي تأتي في حياتنا أهمية الدعوة إلى الله نقوم بها في جميع الأوقات في حال العسر واليسر، وحال السراء والضراء وفي حال الحر والبرد، وفي حال الأمن والخوف، والصحة والمرض، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً كما فعل الأنبياء والصحابة وأتباعهم فنقوم بالدعوة، وترغب الآخرين فيها، وندعو الله بالتضرع والبكاء أن يختارنا لهذا العمل العظيم، وأن يرزقنا حقيقته، وأن يستعملنا في طاعته كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• بيئة الإيمان:
المؤمن يزداد إيمانه، وتصلح أعماله، وتحسن أخلاقه، في الجو الإيماني، جو الدعوة إلى الله، وجو الذكر الذي يُعنى بالخالق وبالدار الآخرة.
وينقص إيمانه، وتفسد أعماله، وتسوء أخلاقه، في جو الغفلة، الذي يُعنى بالمخلوق والدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
стр. 9809
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
والشيطان يُربي الناس على ما يُريد في الجو الغافل، وكل من وقع في المعاصي والقبائح إنما وقع فيها بسبب من يجلس معه، فليس الشأن أن تحب الخير وأهله، ولكن الشأن كل الشأن أن تحذر الشر وأهله، ولابد للإنسان من هذا الجو الغافل إلا إذا صنع البديل عنه، وهو جو الإيمان، الذي يقلب مجالس الغفلة إلى مجالس ذكر ينشأ عنها محبة الله، ومحبة المؤمنين، والأخوة الإسلامية العالمية، وتجتمع فيها كل الطبقات من عرب وعجم ومن أسود وأبيض وغني وفقير وغيرهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
واجتماع العلماء مع العلماء يُسبب الحسد، ويُورث الجدل والغيبة غالبًا، واجتماع العلماء مع العامة يُولد الرحمة والشفقة، ويُشغل العالم بتعليم الجاهل، ويدفع الجاهل للتعلم من العالم
قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
стр. 9810
والأغنياء مع الأغنياء يتكلمون في الدنيا، وأنواع الشهوات، واجتماع الأغنياء مع الفقراء يبعث على الرحمة، وتذكر الفقر الحقيقي إلى هداية الله ورحمته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فسُنن الدين وأحكامه سلعٌ عالمية يجب إبلاغها للناس في أنحاء الأرض؛ لتستقيم حياتهم، ويسعدون في دنياهم وأخراهم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
ولما خزنها العُباد، وحرموا الناس منها، فسد الناس من حولهم.
وهدف الداعي إلى الله هداية الناس في أنحاء الأرض، والتي تدفع كل باطل، وتسكت كل ناقد، وترد كل كائد؛ لأنها أعظم وسيلةٍ إعلاميةٍ حقيقية يُحبها الله والناس، والأنبياء والصحابة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فنتربى في الجو الإيماني على معاني التوحيد والإيمان، القادر هو الله، الكبير هو الله، الشافي هو الله، الرحمن هو الله، الذي يُعطي هو الله، الذي يمنع هو الله، ونرى في ذلك الجو الدعاة إلى الله، ونستفيد منهم، ونعمل كعملهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
стр. 9811
وبهذا تحصل الهداية لنا وللناس، ويحصل لنا اليقين، ويهتم العبد بأعماله الصالحة لا بأحواله وأشيائه، فيعبد ربه كما أمره بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وهو يرزقه كما وعده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ومحبوبات الله عندنا، ومحبوباتنا عنده، فإذا أكملنا محبوبات الله في الدنيا أكمل محبوباتنا في الآخرة، ومحبوبات الله هي: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وإذا حققنا مراد الله منا بالإيمان والأعمال الصالحة، حقق مرادنا منه بالأمن والخلافة في الأرض: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 9812
وبحصول الرضوان والجنة في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وأجهل الناس من يطلب مراده من الله، دون أن يحقق مراد الله منه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].