فوائد من هذه القصة
ففيها آيات بينات، وفوائد متعددة:
ففي هذه القصة: دليلٌ على أنَّ مَنْ فرَّ بدينه من الفتن سلَّمه الله منها، وأنَّ من حرص على العافية عافاه الله، ومن أوى إلى الله آواه الله، وجعله هدايةً لغيره، ومن تحمَّل الذُّلَّ في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.
ومنها: أن قصة أصحاب الكهف وإن كانت عجيبة فليست من أعجب آيات الله، فإن لله آيات عجيبة، وقصصًا فيها عبرة للمعتبرين.
ومنها: أن مَنْ أوى إلى الله آواه الله، ولطف به، وجعله سببًا لهداية الضالين؛ فإن الله لطف بهم في هذه القومة الطويلة؛ إبقاءً على إيمانهم وأبدانهم من فتنة قومهم وقتلهم، وجعل هذه النَّوْمة من آياته التي يستدل بها على كمال قدرة الله، وتنوع إحسانه، وليعلم العباد أن وعد الله حق.
ومنها: الحثُّ على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك، وببحثهم ثم بعلم الناس بحالهم حصل البرهان والعلم بأن وَعْدَ الله حقّ، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها.
ومنها: الأدبُ فيمن اشتبه عليه العلم أن يَرُدَّه إلى عالمه، وأن يقف عند ما يعرف.
ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك؛ لقولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
стр. 247
ومنها: جواز أكل الطيبات، والتخيّر من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه، إذا لم تخرج إلى حدّ الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
ومنها: الحثُّ والتحرُّز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر، وعلى إخوانه في الدين.
ومنها: بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتَرْكِهم لأوطانهم وعوائدهم في الله.
ومنها: ذِكْر ما اشتمل عليه الشر من المضارّ والمفاسد الداعية لبُغْضه وتَرْكه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين.
ومنها: أن قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] فيه دليلٌ على أن هؤلاء القوم الذين بُعِثُوا في زمانهم أناس أهل تديّن؛ لأنهم عظّموهم هذا التعظيم حتى عزموا على اتخاذ مسجد على كهفهم، وهذا إن كان ممنوعًا - وخصوصًا في شريعتنا - فالمقصود بيان أن ذلك الخوف العظيم من أهل الكهف وقت إيمانهم ودخولهم في الغار أبدلهم الله به بعد ذلك أمنًا وتعظيمًا من الخلق، وهذه عوائد الله فيمن تحمّل المشاقّ من أجله أن يجعل له العاقبة الحميدة.
ومنها: أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهميّة لها لا ينبغي الانهماك به؛ لقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢].
ومنها: أن سؤال من لا علم له في القضية المسؤول فيها، أو لا يوثق به منهي عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٢٨ - ٤٦].
ومن جملة الأسباب (١) هذا الرجل المؤمن الذي من آل فرعون من بيت المملكة، لا بدَّ أن يكون له كلمةٌ مسموعةٌ، وخصوصًا إذا كان يُظهِرُ موافقتهم ويكتم إيمانه؛ فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر؛ كما منع الله رسوله محمدًا ﷺ بعمه أبي طالب من قريش؛ حيث كان أبو طالب كبيرًا عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع.
فقال ذلك الرجل المؤمن الموفَّق العاقل الحازم مقبِّحًا فِعْلَ قومه، وشناعة ما عزموا عليه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، أي: كيف تستحلُّون قتله وهذا ذنبه وجَرْمه أنَّه يقول ربي الله؟! ولم يكن أيضًا قولًا مجرَّدًا عن البينات، ولهذا قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ لأنَّ بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله، فهلَّا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يردُّه، ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحلُّ قَتْلُه إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟! فأما وقد ظهرت حجته واستعلى برهانه فبينكم وبين حِلِّ قتله مفاوزُ تنقطع بها أعناق المطيِّ.
стр. 250
ثم قال لهم مقالة عقليةً تُقنع كلَّ عاقل بأي حالة قُدّرت، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: موسى بين أمرين؛ إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختصّ به، وليس عليكم في ذلك ضررٌ؛ حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إنْ لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة؛ فإنه لا بدَّ أن يصيبكم بعضُ الذي يَعِدُكم، وهو عذاب الدنيا.
وهذا من حُسْن عقله، ولطف دَفْعه عن موسى؛ حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تلك الحالتين، وعلى كلِّ تقدير فقَتْلُه سَفَهٌ وجهلٌ منكم.
ثم انتقل ﵁ وأرضاه، وغفر له ورحمه، إلى أمرٍ أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾، أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل، ﴿كَذَّابٌ﴾ بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب؛ لا في مدلوله، ولا في دليله، ولا يوفَّق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماويّة؛ فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليلٌ على كمال علمه وعقله ومعرفته بربِّه.
ثم حذَّر قومه ونصحهم، وخوَّفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، أي: في الدنيا ﴿ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، فهبكم حصل لكم ذلك وتمَّ، ولن يتمَّ؛ ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾، أي: عذابه، ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾، وهذا من حُسْن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركًا بينه وبينهم بقوله:
стр. 251
﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾، وقوله: ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾؛ ليفهمهم أنَّه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه.
فقال ﴿فِرْعَوْنُ﴾ معارضًا له في ذلك، ومُغَرِّرًا لقومه أن يتَّبعوا موسى: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وصدق في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، ولكن ما الذي رأى؟! رأى أن يستخفَّ قومه فيتابعوه؛ ليُقيم بهم رياسته، ولم يَرَ الحقَّ معه، بل رأى الحقَّ مع موسى، وجحد به مستيقنًا له، وكذب في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فإنَّ هذا قلبٌ للحقِّ؛ فلو أمرهم باتباعه اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله لكان الشرُّ أهون، ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أنَّ في اتباعه اتباع الحق، وفي اتباع الحق اتباع الضلال.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ مكرِّرًا دعوة قومه، غير آيس من هدايتهم؛ كما هي حالة الدُّعاة إلى الله تعالى؛ لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردُّهم عن ذلك رادٌّ، ولا يثنيهم عُتُوُّ من دَعَوْه عن تكرار الدعوة، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾، يعني: الأمم المكذِّبين الذين تحزَّبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بيَّنهم، فقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب، وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾، فيعذِّبُهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه.
ولما خوَّفهم العقوبات الدنيوية خوَّفهم العقوبات الأخروية، فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾، أي: يوم القيامة، حين ينادي أهل الجنة أهل النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ إلى آخر الآيات، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾،
стр. 252
وحين ينادي أهل النار مالكًا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، وحين ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾، فيجيبهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، وحين يقال للمشركين: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾.
فخوَّفهم ﵁ هذا اليوم المهول، وتوجَّع لهم أن أقاموا على شركهم بذلك، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾، أي: قد ذهب بكم إلى النار، ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ لا من أنفسكم قوَّة تدفعون بها عذاب الله، ولا ينصركم من دونه من أحد، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؛ لأن الهدى بيد الله تعالى، فإذا منع عبده الهدى لعلمه أنه غير لائق به لخبثه فلا سبيل إلى هدايته.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ بن يعقوب ﵉ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إتيان موسى بالبينات الدالة على صدقه، وأمركم بعبادة ربكم وحده لا شريك له، ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ﴾ في حياته، ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ ازداد شكُّكم وشرككم، و ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾، أي: هذا ظنُّكم الباطل وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى، فإنه تعالى لا يترك خلقه سُدًى، لا يأمرهم وينهاهم، بل يرسل إليهم رسله، وظنُّ أنَّ الله لا يرسل رسولًا ظنُّ ضلال، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾، وهذا هو وصفهم الحقيقي الذي وصفوا به موسى ظلمًا وعُلُوًّا، فهم المسرفون بتجاوزهم الحقَّ وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبة حيث نسبوا ذلك إلى الله، وكذَّبوا رسوله؛ فالذي وَصْفُه السرف والكذب لا ينفكُّ عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفِّقه للخير؛ لأنه ردَّ الحقَّ بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 253
ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ التي بيَّنت الحقَّ من الباطل، وصارت من ظهورها بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها؛ ليدفعوها ويُبطلوها ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾، أي: بغير حجَّة وبرهان، وهذا وصفٌ لازمٌ لكلِّ مَنْ جادل في آيات الله؛ فإنه من المحال أن يجادل بسلطان؛ لأن الحقَّ لا يعارضه معارضٌ؛ فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلًا، ﴿كَبُرَ﴾ ذلك القول المتضمّن لردِّ الحقِّ بالباطل ﴿مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالله أشد بغضًا لصاحبه؛ لأنّه تضمن التكذيب بالحق والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمورٌ يشتدُّ بغض الله لها ولمن اتَّصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشدّ المقت موافقةً لربهم، وهؤلاء خواصُّ خَلْق الله تعالى؛ فمقتُهم دليلٌ على شناعة مَنْ مقتوه، ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: كما طبع على قلوب آل فرعون، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ متكبّر في نفسه على الحق برَدِّه، وعلى الخلق باحتقارهم، جبارٍ بكثرة ظلمه وعدوانه.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ معارضًا لموسى ومكذِّبًا له في دعوته إلى الإقرار بربِّ العالمين، الذي على العرش استوى، وعلى الخلق اعتلى: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، أي: بناءً عظيمًا مرتفعًا، والقصد منه: لَعَلِّي أَطَّلِعُ ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ في دعواه أن لنا ربًا، وأنه فوق السماوات، ولكنه يريد أن يحتاط فرعون، ويختبر الأمر بنفسه، قال الله تعالى في بيان الذي حمله على هذا القول: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، فزُيِّن له العمل السيئ، فلم يَزَل الشيطان يزينه، وهو يدعو إليه ويحسّنه، حتى رآه حسنًا ودعا إليه وناظر مناظرة المُحِقِّين وهو من أعظم المفسدين، ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الحق بسبب الباطل الذي زُيِّن له، ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ الذي أراد أن يكيد به الحق، ويُوهِم به الناس أنه محقٌّ، وأن موسى مبطلٌ، ﴿إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾، أي: خَسارٍ وبَوارٍ، لا يفيده إلا الشقاء في الدنيا والآخرة.
стр. 254
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ معيدًا نصيحته لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، لا كما يقول لكم فرعون؛ فإنه لا يهديكم إلا طريق الغيِّ والفساد.
﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يُتمتَّع بها ويتنعَّم قليلًا، ثم تنقطع وتضمحلُّ؛ فلا تغرَّنَّكم وتخدعنَّكم عما خلقتم له، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي هي محلُّ الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملًا يسعدكم فيها.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ من شرك أو فسوق أو عصيان، ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾، أي: لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه؛ لأن جزاء السيئة السوء، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ من أعمال القلوب والجوارح، وأقوال اللسان، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يُعْطَون أجرهم بلا حدّ ولا عدّ، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم.
﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ بما قلت لكم، ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بترك اتِّباع نبيِّ الله موسى ﵇، ثم فسَّر ذلك فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أنَّه يستحق أن يُعْبَد من دون الله، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب وأقبحها، ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ الذي له القوة كلُّها، وغيره ليس بيده من الأمر شيء، ﴿الْغَفَّارِ﴾ الذي يسرف العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مساخطه، ثم إذا تابوا وأنابوا إليه كفَّر عنهم السيئاتِ والذنوب، ودفع موجباتها من العقوبات الدنيوية والأخروية.
﴿لَا جَرَمَ﴾، أي: حقًّا يقينًا، ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾، أي: لا يستحقُّ من الدعوة إليه، والحثِّ على اللجأ إليه في الدنيا ولا في الآخرة؛ لعجزه ونقصه، وأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا
стр. 255
حَيَاةً ولا نُشورًا، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى فسيجازي كلَّ عامل بعمله، ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، وهم الذين أسرفوا على أنفسهم بالتجرؤ على ربهم بمعاصيه والكفر به دون غيرهم.
فلما نصحهم وحذَّرهم وأنذرهم ولم يطيعوه ولا وافَقوه قال لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ من هذه النصيحة، وسترون مغبّة عدم قبولها حين يحلُّ بكم العقاب، وتُحْرَمون جزيل الثواب، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي: ألجأ إليه وأعتصمُ، وألقي أموري كلَّها لديه، وأتوكَّل عليه في مصالحي ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، يعلمُ أحوالهم وما يستحقُّون، يعلم حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفيني شرَّكم، ويعلم أحوالكم، فلا تتصرَّفون إلا بإرادته ومشيئته، فإن سلَّطكم عليَّ فبحكمة منه تعالى، وعن إرادته ومشيئته صدر ذلك.
﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾، أي: وقى الله القويُّ الرحيم، ذلك الرجل المؤمن الموفَّق، عقوبات ما مكر فرعون وآله له؛ من إرادة إهلاكه وإتلافه؛ لأنه بادأَهُم بما يكرهون، وأظهر لهم الموافقة التامَّة لموسى ﵇، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمرٌ لا يحتملونه، وهم الذين لهم القدرة إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتدَّ حنقُهم عليه، فأرادوا به كيدًا، فحفظه الله من كيدهم ومكرهم، وانقلب كيدهم ومكرهم على أنفسهم، ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾؛ أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم، وفي البرزخ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فهذه العقوبات الشنيعة التي تَحُلُّ بالمكذِّبين لرسل الله المعاندين لأمره.
* * *
стр. 256
قصة قارون
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٨٢].
يخبر تعالى عن حالة قارون وما فعل وفُعِلَ به ونُصِحَ ووُعِظَ، فقال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾، أي: من بني إسرائيل، الذين فُضِّلوا على العالمين، وفاقوهم في زمانهم، وامتنَّ الله عليهم بما امتنَّ به، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة، ولكن قارون هذا بغى على قومه وطغى بما أوتيه من
стр. 257
الأموال العظيمة المُطغية، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، أي: كنوز الأموال شيئًا كثيرًا، ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، والعُصبة: من العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك، أي: حتى أن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟!
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ ناصحين له محذرين له عن الطغيان: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، أي: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة، وتفتخر بها، وتلهيك عن الآخرة؛ فإن الله لا يحب الفَرِحين بها، المُكِبِّين على محبّتها.
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغِ بها ما عند الله، وتصدَّق، ولا تقتصر على مجرَّد نَيْل الشهوات، وتحصيل اللذات، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي: لا نأمرك أن تتصدَّق بجميع مالك وتبقى ضائعًا، بل أَنْفِقْ لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعًا لا يثلُم دينك، ولا يضرُّ بآخرتك، ﴿وَأَحْسِن﴾ إلى عباد الله، ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ بهذه الأموال، ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالتكبُّر والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنّعم عن المنعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، بل يعاقبهم على ذلك أشدّ العقوبة.
فقال قارون رادًّا لنصيحتهم، كافرًا بنعمة ربه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، أي: إنَّما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحِذْقي، أو على علم من الله بحالي؛ يعلم أني أهلٌ لذلك، فلِمَ تنصحوني على ما أعطاني الله تعالى؟
قال تعالى مبيِّنًا أن عطاءه ليس دليلًا على حُسْن حالة المُعْطَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾، فما المانع من إهلاك قارون مع مُضِيِّ عادتنا وسنَّتنا بإهلاك مَنْ هو مثله وأعظم منه إذا فعل ما يوجب الهلاك؟
стр. 258
﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، بل يعاقبهم الله، ويعذبهم على ما يعلمه منهم؛ فهم وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة، وشهدوا لها بالنجاة؛ فليس قولهم مقبولًا، وليس ذلك دافعًا عنهم من العذاب شيئًا؛ لأن ذنوبهم غيرُ خفية، فإنكارهم لا محل له، فلم يَزَل قارون مستمرًا على عناده وبَغْيِهِ، وعدم قبول نصيحة قومه، فَرِحًا بَطِرًا، قد أعجبته نفسه، وغرّه ما أوتيه من الأموال، ﴿فَخَرَجَ﴾ ذات يوم ﴿فِي زِينَتِهِ﴾، أي: بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه، قد كان له من الأموال ما كان، وقد استعدَّ وتجمَّل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة، جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها، فرَمَقَتْه في تلك الحالة العيون، وملأت بِزَّتُه (١) القلوب، واختلبت زينته النفوس، فانقسم فيه الناظرون قسمين، كلّ تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة.
فقال ﴿الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: الذين تعلَّقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم، ليس لهم إرادة في سواها، ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ من الدنيا ومتاعها وزهرتها، ﴿إِنَّهُ لذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، وصدقوا إنّه لذو حظ عظيم، لو كان الأمر منتهيًا إلى رغباتهم، وأنه ليس وراء الدنيا دار أخرى؛ فإنه قد أُعطي منها ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم بحسب همتهم، وإنَّ همَّة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطلبها لَمِنْ أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين عرفوا حقائق الأشياء، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر أولئك إلى ظاهرها: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ متوجعين مما تمنّوا لأنفسهم،
стр. 259
راثين لحالهم، منكرين لمقالهم، ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ العاجل؛ من لذَّة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والآجل من الجنة وما فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين ﴿خَيْرٌ﴾ من هذا الذي تمنَّيتم ورغبتم فيه، فهذه حقيقة الأمر، ولكن ما كلُّ مَنْ يعلم ذلك يُؤثر الأعلى على الأدنى، فما يُلَقَّى ذلك ويوفَّقُ له ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ الذين حبسوا أنفسهم على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وصبروا على جواذب الدنيا وشهواتها، أن تشغلهم عن ربهم، وأن تحول بينهم وبين ما خُلقوا له؛ فهؤلاء الذين يُؤْثِرُون ثواب الله على الدنيا الفانية.
فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازيَّنت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه؛ بَغَتَهُ العذاب، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ جزاء من جنس عمله؛ فكما رفع نفسه على عباد الله أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغترَّ به من داره وأثاثه ومتاعه، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾، أي: جماعة، وعُصْبة، وخدم، وجنود، ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾، أي: جاءه العذاب، فما نُصِر ولا انتصر.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾، أي: الذين يريدون الحياة الدنيا، الذين قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾ متوجِّعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾، أي: يُضيِّق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذٍ أن بَسْطه لقارون ليس دليلًا على خير فيه، وأنَّنا غالطون في قولنا: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ و ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، فلم يعاقبنا على ما قلنا، فلولا فضله ومِنَّتُه ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾، فصار هلاك قارون عقوبةً له، وعبرةً وموعظةً لغيره، حتى إنَّ الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغيَّر فكرُهم الأول، ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
стр. 260
قصة أصحاب السبت
﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦].
﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾، أي: اسأل بني إسرائيل، ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، أي: على ساحله في حال تَعَدِّيهم، وعقاب الله إياهم، ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، وكان الله تعالى قد أمرهم أن يُعَظِّموه ويحترموه، ولا يصيدوا فيه صيدًا، فابتلاهم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾، أي: كثيرة طافية على وجه البحر، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾، أي: إذا ذهب يوم السبت ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾، أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئًا، ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم الله، وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا لعافاهم الله، ولما
стр. 261
عرَّضهم للبلاء والشر، فتحيَّلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حُفرًا، وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك لم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتدوا وتجرَّؤوا، وأعلنوا بذلك، وفرقةٌ أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم، وفرقةٌ اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يُصغِ للنصيح، بل استمرَّ على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه لا بد أن يعاقبهم الله، إما بهلاك أو عذاب شديد.
فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾، أي: لنُعذر فيهم، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نَجَعَ فيهم الوعظ، وأثَّر فيهم اللوم.
وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ﴾، أي: تركوا ما ذُكِّروا به، واستمروا على غيِّهم واعتدائهم، ﴿أَنْجَيْنَا﴾ من العذاب ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم الذين اعتدوا في السبت، ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾، أي: شديد، ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين؛ لأنَّ الله خصَّ الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدلَّ على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به
стр. 262
البعض سقط عن الآخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، فأَبْدَوْا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنهم كارهون أشدّ الكراهة لفعلهم، وأنّ الله سيعاقبهم أشدّ العقوبة.
﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾، أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتّعظوا، ﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ قولًا قَدَرِيًّا: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فانقلبوا بإذن الله قردةً، وأبعدهم الله من رحمته.
* * *
وتعيين تلك القرية لو كان فيه فائدةٌ لعيّنها الله، فالتعرُّض لذلك وما أشبهه من باب التكلُّف والتكلُّم بلا علم، ولهذا إذا تكلَّم أحدٌ في مثل هذا تجد عنده من الخَبْط والخلط والاختلاف الذي لا يستقرُّ له قرارٌ، ما تعرف به أنَّ طريق العلم الصحيح الوقوف مع الحقائق، وتَرْك التعرُّض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم من حيث يظنُّ الجاهل أنَّ زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حُجَّة عليها، ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن، واعتياد الأمور المشكوك فيها.
والشاهد أنَّ هذه القرية جعلها الله مثلًا للمخاطبين، ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ من الله تعالى؛ يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، أي: قوَّيناهما بثالثٍ، فصاروا ثلاثة رسل؛ اعتناءً من الله بهم، وإقامةً للحجة بتوالي الرسل إليهم، ﴿فَقَالُوا﴾ لهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورًا عند مَنْ ردَّ دعوة الرُّسُل، فقالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، أي: فما الذي فضلكم علينا وخصَّكُم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضًا المخاطبين لهم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، فلو كنَّا كاذبين لأظهر الله خِزْيَنَا، ولبادرَنَا بالعقوبة، ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عَدَا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب؛ فليس إلينا، وإنما وظيفتنا التي هي البلاغ المبين قمنا بها،
стр. 265
وبينَّاها لكم، فإن اهتديتم فهو حظُّكم وتوفيقكم، وإن ضللتم فليس لنا من الأمر شيء.
فقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، أي: لم نَرَ على قدومكم علينا واتِّصالكم بنا إلا الشَّرَّ، وهذا من أعجب العجائب؛ أن يُجعل مَنْ قَدِم عليهم بأجلِّ نعمةٍ يُنعم الله بها على العباد، وأجلِّ كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كلِّ ضرورة، قد قدم بحالة شرٍّ زادت على الشر الذي هم عليه، واستشأموا بها، ولكنَّ الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوُّه.
ثم توعَّدوهم فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، أي: لنقتلنَّكم رجمًا بالحجارة أشنع القتلات، ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُم مَعَكُمْ﴾، وهو ما معهم من الشرك والشر المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة، ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُم﴾، أي: بسبب أنَّا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظُّكم قلتم لنا ما قلتم، ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ متجاوزون للحد، متجرِّئون في قولكم، فلم يزدهم دعاؤهم إلا نفورًا واستكبارًا.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ حرصًا على نُصْح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما ردَّ به قومه عليهم، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، فأمرهم باتباعهم، ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدًا لما شهد به ودعا إليه، فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، أي: اتَّبعوا من نصحكم نُصْحًا يعود إليكم بالخير، وليس يريد منكم أموالكم ولا أجرًا على نُصْحه لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجبٌ لاتباع مَنْ هذا وَصْفُه.
стр. 266
بقي أن يُقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرةً، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؛ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحُسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقُبحه.
فكأنَّ قومه لم يقبلوا نُصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: وما المانع لي من عبادة مَنْ هو المستحق للعبادة؛ لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد في الدنيا والآخرة؛ هو الذي يستحق أن يُعبد، ويُثنى عليه ويُمجَّد دون من لا يملك نفعًا ولا ضرًا، ولا عطاءً ولا منعًا، ولا حياةً ولا موتًا ولا نشورًا، ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾؛ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه؛ فلا تُغني شفاعتهم عني شيئًا، ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ من الضُّرِّ الذي أراده الله بي، ﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن عبدتُ آلهةً هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، فجمع في هذا الكلام بين نُصْحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بتعيّن عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأنَّ عبادة غيره باطلةٌ، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال مَنْ عبدها، والإعلان بإيمانه جهرًا، مع خوفه الشديد مِنْ قَتْلهم، فقال: ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، فقتله قومه لما سمعوا منه، وراجعهم بما راجعهم به.
- ﴿قِيلَ﴾ له في الحال: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، فقال مخبرًا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحًا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾، أي: بأي شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بأنواع المثوبات والمسرات، أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم لم يقيموا على شركهم.
стр. 267
قال الله في عقوبة قومه: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: ما احتجنا أن نتكلّف في عقوبتهم، فننزل جندًا من السماء لإتلافهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾؛ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدّة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم، ﴿إِنْ كَانَتْ﴾، أي: ما كانت عقوبتهم ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، أي: صوتًا واحدًا، تكلّم به بعض ملائكة الله؛ ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قد تقطّعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتوّ والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبّرهم عليهم.
стр. 268
قصة سبأ
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ١٥ - ٢١].
سبأ قبيلةٌ معروفةٌ في أداني اليمن، ومسكنهم بلدةٌ يُقال لها: «مأرب»، ومن نِعَم الله ولطفه بالناس عمومًا، وبالعرب خصوصًا؛ أنه قصَّ في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره؛ ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، أي: محلّهم الذي يسكنون فيه، ﴿آيَةٌ﴾، والآية هنا: ما أدرَّ الله عليهم من النِّعَم، وصرف عنهم من النِّقَم، الذي يقتضي ذلك منهم
стр. 269
أن يعبدوا الله ويشكروه. ثم فسّر الآية بقوله: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، وكان لهم وادٍ عظيمٌ تأتيه سيول كثيرةٌ، وكانوا بنوا سدًّا مُحْكَمًا، يكون مجمعًا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماءٌ عظيم، فيفرّقونه على بساتينهم التي عن يمين ذلك الوادي وشماله، وتُغلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نِعَمِه التي أدَرَّها عليهم من وجوه كثيرة:
منها: هاتان الجنّتان اللتان غالب أقواتهم منهما.
ومنها: أنَّ الله جعل بلدهم بلدةً طيبةً؛ لحسن هوائها، وقلَّة وَخَمِها، وحصول الرزق الرغد فيها.
ومنها: أنَّ الله تعالى وعدهم إن شكروه أن يغفر لهم ويرحمهم، ولهذا قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
ومنها: أنَّ الله علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، - الظاهرُ أنَّها قُرى صنعاء كما قاله غيرُ واحد من السلف، وقيل: إنَّها الشام - هيَّأ لهم من الأسباب ما به يتيسَّر وصولهم إليها بغاية السُّهولة من الأمن وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها؛ بحيث لا يكون عليهم مشقَّة بحمل الزاد والمزاد.
ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾، أي: سيرًا مقدَّرًا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يَتِيهُون عنه ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾، أي: مطمئنين في السير في تلك الليالي والأيام غير خائفين، وهذا من تمام نعمة الله عليهم أن أمنهم من الخوف. فأعرضوا عن المنعم وعن عبادته، وبطروا النعمة وملُّوها، حتى إنَّهم طلبوا وتمنَّوا أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى التي كان السير فيها متيسرًا،
стр. 270
﴿وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بكفرهم بالله وبنعمته، فعاقبهم الله تعالى بهذه النعمة التي أطغتهم، فأبادها عليهم، فأرسل عليها ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، أي: السيل المتوعّر الذي خرَّب سدَّهم، وأتلف جناتهم، وخرَّب بساتينهم، فتبدَّلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجارٌ لا نفع فيها، ولهذا قال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾، أي: شيئًا قليلًا من الأكل الذي لا يقع منهم موقعًا، ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، وهذا كله شجرٌ معروفٌ، وهذا من جنس عملهم؛ فكما بدَّلوا الشكر الحسن بالكفر القبيح بدُّلوا تلك النعمة بما ذُكر، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، أي: وهل نُجازي جزاء العقوبة - بدليل السياق - إلا مَنْ كفر بالله وبطر النعمة؟!
فلما أصابهم ما أصابهم تفرَّقوا وتمزَّقوا بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم الله أحاديث يُتحدَّث بهم، وأسماءًا للناس، وكان يُضرب بهم المثل، فيقال: «تفرَّقوا أيدي سبأ»، فكلُّ أحدٍ يتحدَّث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا منْ قال الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾؛ صبَّارٍ على المكاره والشدائد، يتحمَّلها لوجه الله، ولا يتسخَّطُها، بل يصبر عليها، شكورٍ لنعمة الله تعالى، يُقرُّ بها، ويعترف، ويُثني على مَنْ أولاها، ويصرفُها في طاعته.
فهذا إذا سمع بقصَّتهم، وما جرى منهم وعليهم؛ عرف بذلك أنَّ تلك العقوبة جزاءٌ لكفرهم نعمة الله، وأنَّ مَنْ فعل مثلهم فُعِلَ به كما فُعِلَ بهم، وأنَّ شُكْرَ الله تعالى حافظٌ للنعمة، دافعٌ للنقمة، وأنَّ رسل الله صادقون فيما أخبروا به، وأنَّ الجزاء حقٌّ كما رأى أنموذجه في دار الدنيا.
ثم ذكر أنَّ قوم سبأ من الذين صدَّق عليهم إبليسُ ظنَّه؛ حيث قال لربه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وهذا ظنُّ من إبليس
стр. 271
لا يَقِينُ؛ لأنَّه لا يعلم الغيب، ولم يأتهِ خبرٌ من الله أنَّه سيُغويههم أجمعين؛ إلا من استثنى، فهؤلاء وأمثالهم ممنْ صدَّق عليه إبليس ظنَّه، ودعاهم وأغواهم، ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن لم يكفر بنعمة الله؛ فإنه لم يدخل تحت ظنَّ إبليس، ويُحتمل أن قصة سبأ انتهت عند قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: على جنس الناس، فتكون الآيةُ عامةً في كلِّ من اتَّبعه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾، أي: لإبليس، ﴿عَلَيْهِم مِنْ سُلْطَانٍ﴾، أي: تسلُّطٍ وقهرٍ، وقسرٍ على ما يريده منهم، ولكنَّ حكمة الله تعالى اقتضت تسليطه وتسويله لبني آدم؛ ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، أي: ليقوم سوقُ الامتحان، ويُعلَم به الصادقُ من الكاذب، ويُعرَف مَنْ كان إيمانه صحيحًا يثبت عند الامتحان والاختبار، وإلقاء الشُّبه الشيطانية، ممنْ إيمانه غيرُ ثابتٍ، يتزلزل بأدنى شبهةٍ، ويزول بأقلَّ داعٍ يدعوه إلى ضدِّه، فالله تعالى جعله امتحانًا، يمتحن به عباده، ويُظهِر الخبيث من الطيب، ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾؛ يحفظُ العباد، ويحفظ عليهم أعمالهم، ويحفظُ تعالى جزاءها؛ فيوفيهم إيَّاها كاملة موفرةً.
* * *
стр. 272
قصة أصحاب الأخدود
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ٤ - ١١].
قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، وهذا دعاء عليهم بالهلاك، و ﴿الْأُخْدُود﴾: الحُفر التي تُحْفَر في الأرض.
وكان أصحاب الأخدود هؤلاء قومًا كافرين، ولديهم قومٌ مؤمنون، فراودوهم للدخول في دينهم، فامتنع المؤمنون من ذلك، فشقَّ الكافرون أخدودًا في الأرض، وقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن استمرَّ على الإيمان قذفوه في النار، وهذا في غاية المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم، فقال: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، ثم فسَّر الأخدود بقوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب؛ لأنَّهم جمعوا بين الكفر بآيات الله
стр. 273
ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يُمدَحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون ﴿بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، أي: الذي له العزَّة، التي قهر بها كلَّ شيء، وهو حميدٌ في أقواله وأوصافه وأفعاله.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وعبيدًا، يتصرَّف فيهم تصرُّف المالك بملكه، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ علمًا وسمعًا وبصرًا؛ أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله أن يبطش بهم العزيز المقتدر، أوما علموا أنهم جميعهم مماليك لله، ليس لأحدٍ على أحدٍ سلطةٌ من دون إذن المالك؟ أوخفي عليهم أنَّ الله محيط بأعمالهم، مُجازٍ لهم على فعالهم؟ كلاَّ إنَّ الكافر في غرورٍ، والظالم في جهل وعمى عن سواء السبيل.
ثم وعدهم، وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، أي: العذاب الشديد المحرق، قال الحسن ﵀: انظروا إلى هذا الكرم والجود؛ قتلوا أولياءه وأهل طاعته وهو يدعوهم إلى التوبة.
ولما ذكر عقوبة الظالمين ذكر ثواب المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بجوارحهم، ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ الذي حصل به الفوز برضا الله ودار كرامته.
стр. 274
قصة صاحب الجنتين
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٤].
يقول تعالى لنبيه ﷺ : اضرب للناس مَثَلَ هذين الرجلين: الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كل منهما من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل والثواب؛ ليعتبروا بحالهما، ويتعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين، وفي أي زمان أو مكان هما فيه فائدة أو نتيجة؛ فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف.
فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة جعل الله له جنتين، أي: بستانين حَسَنيْن، ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾، أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصًا أشرف الأشجار العنب والنخل؛ فالعنب في وسطها، والنخل قد حفَّ بذلك، ودار به، فحصل فيه من حُسْن المنظر وبهائه، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح، التي تكمُلُ بها الثمار، وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زرعًا، فلم يَبْقَ عليهما إلا أن يقال: كيف ثمار هاتين الجنتين؟ وهل لهما ماءٌ يكفيهما؟
стр. 275
فأخبر تعالى أن كلًا من ﴿الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾، أي: ثمرها وزرعها ضعفين، أي: متضاعفًا، وأنها لم ﴿تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا﴾، أي: لم تنقص من أُكُلها أدنى شيء، ومع ذلك فالأنهار في جوانبها سارحة كثيرة غزيرة.
﴿وَكَانَ لَهُ﴾، أي: لذلك الرجل ﴿ثَمَرٌ﴾، أي: عظيم، كما يفيده التنكير، أي: قد استكملت جنتاه ثمارهما، وارجحنَّت (١) أشجارهما، ولم تعرض لهما آفةٌ أو نقصٌ، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث، ولهذا اغترَّ هذا الرجل، وتبجَّح وافتخر، ونسي آخرته.
﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٤ - ٣٦].
أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في بعض الماجريات المعتادة، مفتخرًا عليه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ فَخَرَ بكثرة ماله، وعزَّة أنصاره؛ من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأيُّ افتخار بأمر خارجيّ ليس فيه فضيلةٌ نفسيةٌ، ولا صفةٌ معنويةٌ، وإنما هو بمنزله فخر الصبيّ بالأماني التي لا حقائق تحتها؟!
ثم لم يَكْفِهِ هذا الافتخار على صاحبه حتى حكم بجهله وظلمه، وظنَّ لما دخل جنته فقال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾، أي: تنقطع وتضمحلَّ ﴿هَذِهِ أَبَدًا﴾، فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضي بها، وأنكر البعث، فقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾، على ضرب المثل، ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾، أي: ليعطيني خيرًا من هاتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين؛ إمّا أن يكون عالمًا بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكُّم والاستهزاء، فيكون
стр. 276
زيادة كفرٍ إلى كفره، وإمّا أن يكون هذا ظنّه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظًّا من العقل، فأيُّ تلازمٍ بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظنَّ بجهله أن من أُعطِي في الدنيا أُعطِي في الآخرة، بل الغالب أنَّ الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسّعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة نصيبٌ، والظاهر أنّه يعلم حقيقة الحال، ولكنّه قال هذا الكلام على وجه التهكُّم والاستهزاء، بدليل قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، فإثبات أن وَصْفَه الظلم في حال دخوله الذي جرى منه من القول ما جرى يدلُّ على تمرُّده وعناده.
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٧ - ٣٩].
أي: قال له صاحبه المؤمن ناصحًا له، ومذكِّرًا له حاله الأولى التي أوجده الله فيها في الدنيا ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾؛ فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، حتى سوَّاك رجلًا، كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة والمعقولة، وبذلك يسَّر لك الأسباب، وهيَّأ لك ما هيَّأ من نعم الدنيا، فلم تحصُل لك الدنيا بحولك وقوَّتك، بل بفضل الله تعالى عليك، فكيف يليق بك أن تكفُر بالله الذي خلقك من ترابٍ، ثم من نطفةٍ، ثم سوَّاك رجلًا، وتجحد نعمته، وتزعم أنَّه لا يبعثك، وإن بعثك أنَّه يعطيك خيرًا من جنتك؟! هذا مما لا ينبغي ولا يليق.
ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن حالَه واستمراره على كفره وطغيانه قال مُخْبِرًا عن نفسه، على وجه الشكر لربه، والإعلان بدينه، عند ورود المجادلات والشُّبَه: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، فأقرَّ بالربوبية
стр. 277
لربه، وانفراده فيها، والتزم طاعته وعبادته، وأنه لا يشرك به أحدًا من المخلوقين، ثم أخبره أنَّ نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، ولو مع قلَّة ماله وولده؛ أنها هي النعمة الحقيقية، وأنَّ ما عداها معرَّض للزوال والعقوبة عليه والنَّكال، فقال:
﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤٤].
أي: قال للكافر صاحبه المؤمن: أنت وإن فخرت عليَّ بكثرة مالك وولدك، ورأيتني ﴿أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾؛ فإنَّ ما عند الله خيرٌ وأبقى، وما يُرجى من خيره وإحسانه أفضلُ من جميع الدنيا التي يتنافس فيها المتنافسون.
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾، أي: على جنَّتك التي طغيت بها وغرَّتك، ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: عذابًا بمطر عظيم أو غيره، ﴿فَتُصْبِحَ﴾ بسبب ذلك ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾، أي: قد اقتلعت أشجارها، وتلفت ثمارها، وغرق زرعُها، وزال نفعُها.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا﴾ الذي مادتُها منه ﴿غَوْرًا﴾، أي: غائرًا في الأرض ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، أي: غائرًا لا يُستطاع الوصول إليه بالمعاول ولا بغيرها، وإنَّما دعا على جنَّته المؤمن، غضبًا لربه؛ لكونها غرَّته وأطغته، واطمأنَّ إليها؛ لعلَّه يُنيب، ويراجع رُشده، ويبصر في أمره.
فاستجاب الله دعاءه، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾، أي: أصابه عذابٌ أحاط به، واستهلكه فلم يَبْقَ منه شيءٌ، والإحاطة بالثمر يستلزمُ تلَفَ جميع أشجاره،
стр. 278
وثماره، وزرعه، فندم كلَّ الندامة، واشتدَّ لذلك أسفه، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾، أي: على كثرة نفقاته الدنيوية عليها، حيث اضمحلَّت وتلاشت، فلم يَبْقَ لها عوضٌ، ونَدِمَ أيضًا على شركه وشرِّه، ولهذا قال: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾، أي: لما نزل العذاب بجنته ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئًا أشدَّ ما كان إليهم حاجةً، وما كان بنفسٍ منتصرًا، وكيف ينتصر أو يكون له أنصارٌ على قضاء الله وقَدَره الذي إذا أمضاه وقدَّره لو اجتمع أهلُ السماء والأرض على إزالة شيءٍ منه لم يقدروا؟!
ولا يُستَبْعَد من رحمة الله ولطفه أنَّ صاحب هذه الجنة التي أحيط بها تحسَّنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرُّدُه وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأنَّ الله أذهب عنه ما يُطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عجَّل له العقوبة في الدنيا، وفضلُ الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالمٌ جهولٌ.
﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على مَنْ طغى وآثر الحياة الدنيا، والكرامة لمن آمن، وعمل صالحًا، وشكر الله، ودعا غيره لذلك، تَبَيَّن وتوضَّح أن الولاية لله الحق وحده، فمن كان مؤمنًا به تقيًّا كان له وليًّا، فأكرمه بأنواع الكرامات، ودفع عنه الشرور والمثلات (١)، - ومن لم يؤمن بربه ويتولَّاه خسر دينه ودنياه - فثوابه الدنيوي والأخروي خيرٌ ثواب يرجى ويؤمَّل.
* * *
стр. 279
فوائد من هذه القصة
ففي هذه القصة العظيمة: اعتبارٌ بحال الذي أنعم الله عليه نِعَمًا دنيوية، فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها، فإنَّ مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإنْ تمتع بها قليلًا فإنه يُحْرَمها طويلًا، وأنَّ العبد ينبغي له إذا أعجبه شيءٌ من ماله أو ولده أن يضيف النعمة إلى موليها ومُسْدِيها، وأن يقول: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ ليكون شاكرًا لله متسببًا لبقاء نعمته عليه؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
وفيها: الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير؛ لقوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾.
وفيها: أنَّ المال والولد لا ينفعان إن لم يُعِينا على طاعة الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
وفيه: الدُّعاء بتلفِ مالِ مَنْ كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصًا إنْ فضَّل نفسه بسببه على المؤمنين وفخر عليهم.
وفيها: أنَّ ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحقَّ الجزاء، ووجد العاملون أجرهم، فهنالك ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾، أي: عاقبةً ومآلًا.
стр. 280
قصة أصحاب الفيل
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥].
أي: أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه، ورحمته بعباده، وأدلة توحيده، وصدق رسوله محمد ﷺ ، ما فعله الله بأصحاب الفيل، الذين كادوا بيته الحرام، وأرادوا إخرابه؛ فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم الفيلة لهدمه، وجاؤوا بجمع لا قبل للعرب به من الحبشة واليمن، فلما انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، وخرج أهل مكة من مكة خوفًا على أنفسهم منهم؛ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، أي: متفرقة، تحمل حجارة محمّاة من سِجِّيلٍ (١)، فرمتهم بها، وتتبعت قاصيهم ودانيهم، فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف (٢) مأكول، وكفى الله شرَّهم، وردَّ كيدهم في نحورهم، وقصَّتُهم معروفة مشهورة (٣)، وكانت تلك السنة التي وُلِدَ فيها رسول الله ﷺ ، فصارت من جملة إرهاصات دعوته، ومقدمات رسالته، والله الحمد والشكر.
قصة مسجد الضرار
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١١٠].
كان أناس من المنافقين من أهل قُباء اتَّخذوا مسجدًا إلى جنب مسجد قُباء، يريدون به المضارَّة والمشاقَّة بين المؤمنين، ويُعِدُّونه لمن يرجونه من المحاربين لله ورسوله يكون لهم حصنًا عند الاحتياج إليه، فبيَّن تعالى خِزْيَهم، وأظهر سِرَّهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾، أي: مضارَّة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه، ﴿وَكُفْرًا﴾، أي: مقصدهم فيه الكفر إذا قصد غيرهم الإيمان، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليتشعَّبوا ويتفرَّقوا ويختلفوا، ﴿وَإِرْصَادًا﴾، أي: إعدادًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: إعانة للمحاربين لله ورسوله، الذين تقدَّم حرابهم واشتدَّت عداوتهم، وذلك
стр. 283
كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدِم النبيُّ ﷺ وهاجر إلى المدينة كفر به، وكان متعبِّدًا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول الله ﷺ ، فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعدٍ وممالأة هو والمنافقون، فكان مما أعدُّوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي ﷺ من يهدمه ويحرقه، فهُدِم وحُرِّق، وصار بعد ذلك مزبلةً.
قال تعالى بعدما بيَّن من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ في بنائنا إيَّاه ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾، أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم، ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، أي: لا تُصَلِّ في ذلك المسجد الذي بُني ضرارًا أبدًا؛ فالله يُغنيك عنه، ولست بمضطرٍّ إليه. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ظهر فيه الإسلام في قُباء، وهو مسجد قُباء أُسِّس على إخلاص الدين الله، وإقامة ذِكْره وشعائر دينه، وكان قديمًا في هذا عريقًا فيه، فهذا المسجد الفاضل ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وتتعبَّد، وتذكر الله تعالى، فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم الله بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذُّنوب، ويتطهَّروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث، ومن المعلوم أنَّ مَنْ أحبَّ شيئًا لا بدَّ أن يسعى له ويجتهد فيما يحبُّ، فلا بدَّ أنهم كانوا حريصين على التطهُّر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد مع رسول الله ﷺ وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرَّزون من مخالفة الله ورسوله.
وسألهم النبي ﷺ بعدما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، فأخبروه أنهم يُتْبِعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم (١).
стр. 284
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ الطهارة المعنوية؛ كالتنزُّه من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسيَّة؛ كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث.
ثم فاضل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه، فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾، أي: على نيّة صالحة وإخلاص، ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ بأن كان موافقًا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا﴾، أي: على طرف ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾، أي: بالٍ قد تداعى للانهدام، ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لما فيه مصالح دينهم ودنياهم.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، أي: شكًّا وريبًا ماكثًا في قلوبهم، ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بأن يندموا غاية الندم، ويتوبوا إلى ربهم، ويخافوه غاية الخوف، فبذلك يعفو الله عنهم، وإلا فبنيانهم لا يزيدهم إلا ريبًا إلى ريبهم، ونفاقًا إلى نفاقهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بجميع الأشياء؛ ظاهرها وباطنها، خفيّها وجليّها، وبما أسرّه العباد وأعلنوه، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يفعل ولا يخلقُ، ولا يأمر ولا ينهى؛ إلا ما اقتضته الحكمة وأمر به، فلله الحمد.
* * *
стр. 285
في هذه الآيات فوائد عدة
منها: أنَّ اتخاذ المسجد الذي يُقصد به الضَّرار لمسجدٍ آخر بقربه أنه محرَّم، وأنه يجب هدمُ مسجد الضرار الذي اطُّلع على مقصود أصحابه.
ومنها: أن العمل، وإن كان فاضلًا، تُغيِّره النية، فينقلب منهيًا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.
ومنها: أنَّ كل حالة يحصلُ بها التفريق بين المؤمنين فإنَّها من المعاصي التي يتعيَّن تركها وإزالتها؛ كما أنَّ كل حالة يحصل بها جمعُ المؤمنين وائتلافهم يتعيَّن اتباعها والأمر بها، والحثُّ عليها؛ لأنَّ الله علَّل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله.
ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها.
ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثَّرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونُهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثِّر في الأماكن كما أثَّرت في مسجد قُباء، حتى قال الله فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان ﷺ يزور قُباء كلَّ سبتٍ يصلي فيه، وحثَّ على الصلاة فيه.
ومنها: أنه يُستفادُ من هذه التعاليل المذكورة في الآية أربع قواعد مهمَّة، وهي: كل عمل فيه مضارَّة لمسلم، أو فيه معصيةٌ لله - فإن المعاصي من فروع الكفر - أو فيه تفريقٌ بين المؤمنين، أو فيه معاونةٌ لمن عادى الله ورسوله؛ فإنه محرَّم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.