← Тафсир

Тафсир · id 30194

قصص القرآن من تفسير السعدي

فايز السريح

Полный текст (290 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يسُبّونه ويسبّون مَنْ أنزله، فأنزل الله على رسوله آيات كثيرة في هذا المعنى يُبيّن حالهم مع سماع القرآن، وشدة نفورهم: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠، ٥١]، وأن شياطينهم ورؤساءهم في الشرِّ فكَّروا وقدَّروا، ونظروا فيما يقولون عن القرآن ويصفونه به؛ ليُنفِّروا عنه الناس، حتى قرَّ قرار رئيسهم الوليد بن المغيرة الذي سمَّاه الله وحيدًا، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥]، ولكن أبى الله إلا أن يعلو هذا الكلام كلَّ كلام، ويزهق هذا الحقُّ كلَّ باطل. وكانوا من إفكهم يقولون في القرآن الأقوال المتناقضة، يقولون: إنه سحر، إنه كهانة، إنه شعر، إنه كذب، إنه أساطير؛ فجعلوا القرآن عِضين (١)، كل هذا أثر البُغض الذي أحرق قلوبهم، حتى قالوا فيه مقالة المجانين، وكلما قالوا قولًا من هذه الأقوال أنزل الله آيات يُبطل بها ما قالوا، ويُبيّن زورهم وافتراءهم وتناقضهم. وكان من الأدلة والبراهين على رسالة محمد ﷺ ، وأن القرآن من عند الله، مقابلة المكذِّبين له، فإن مَنْ نظر إليها علم أنها سلاح عليهم، وأكبر دليل على أنهم مقاومون للحق، ساعون في إبطاله، وأنهم على الباطل الذي ليس له حظ من العقل، كما ليس له حظ من الدِّين، وكانوا أيضًا يقولون في النبي ﷺ الأقوال التي ليس فيها دلالة على ما كانوا يعتقدون، وليس فيها نقص بالنبي ﷺ ؛ يقولون: لو أن محمدًا صادق لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك، ولأغناه الله عن المشي في الأسواق، وطلب الرزق كما يطلبه غيره، ولجعل له كذا وكذا مما توحي إليهم عقولهم الفاسدة، ويذكرها الله في القرآن في مواضع متعددة؛ تارةً يُصوّرها للعباد فقط؛ لأن من تصوَّرها عرف بطلانها، وأنها ليست من الشُّبَه القادحة، فضلًا عن الحجج المعتبرة، وتارة يصوّرها، ويذكر ما يبطلها من الأمور الواضحة، وهذا كثير في القرآن.

стр. 212

ومن مقاماتهم مع النبي ﷺ : أنهم يسعون أشد السعي أن يَكُفَّ عن عيب آلهتهم، والطعن في دينهم، ويحبون أن يتركهم ويتركوه؛ لعلمهم أنه إذا ذكر آلهتهم، ووصفها بالصفات التي هي عليها من النقص، وأنها ليس فيها شيء من الصفات يوجب أن تستحق شيئًا من العبادة، يعرفون أن الناس يعرفون ذلك، ويعترفون به، فلا أَحَبَّ إليهم من التزوير، وإبقاء الأمور على عِلاتها من غير بحث عن الحقائق؛ لأنهم يعرفون حق المعرفة أن الحقائق إذا بانت ظهر للخلق بطلان ما هم عليه، وهذا الذي منه يفرون، وهذا المقام أيضًا ذكره الله في آيات متعددة مثل قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، ونحوها من الآيات. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فهذا إذا ترتب على السب المذكور سَبُّهم لله فإنه يُتْرَك؛ لما يترتب عليه من الشر. ومن مقاماتهم المتنوعة مع النبي ﷺ : أنهم كانوا يقترحون الآيات بحسب أهوائهم، ويقولون: إن كنت صادقًا فأتنا بعذاب الله، أو بما تَعِدُنا، أو أَزِل عنا جبال مكة، واجعل لنا فيها أنهارًا وعيونًا، أو حتى يحصل لك كذا وكذا مما ذكره الله عنهم، فيجيبهم الله عن هذه الأقوال بأن رسوله ﷺ قد أيده الله بالآيات، والله أعلم بما يُنَزِّل من آياته، وأعلم بما هو أنفع لهم، وأنه قد حصل المقصود من بيان صدقه، وقامت الأدلة والبراهين على ذلك، فقول الجاهل الأحمق: لو كان كذا وكذا، جهلٌ منه وكِبْر، ومشاغبة مَحْضَة. وتارة يخبرهم أنه لا يمنعه من الإتيان بها إلا الإبقاء عليهم، وأنها لو جاءت لا يؤمنون، فعند ذلك يعاجلهم الله بالعقاب. وتارة يُبَيِّنْ لهم أن الرسول إنما هو نذير مبين، ليس له من الأمر شيء، ولا من الآيات شيء، وأن هذا من عند الله، فطَلَبُهم من الرسول مَحْضُ الظلم والعدوان، وهذه المعاني في القرآن كثيرة بأساليب متعددة.

стр. 213

وأحيانًا يقدحون في الرسول قدحًا يعترضون فيه على الله، وأنه لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، ومحمد ليس كذلك، وإنك يا محمد لست بأولى بفضل الله منا؛ فلأي شيء تَفَضَّلُ علينا بالوحي، ونحوه من الأقوال الناشئة عن الحسد. فيجيبهم الله بذِكْر فضله، وأن فضله يؤتيه من يشاء، وأنه أعلم حيث يجعل رسالته، والمحل اللائق بها، ويشرح لهم من صفات رسوله التي يشاهدونها رأي عين ما يعلمون هم وغيرهم أنه أعظم رجل في العالم، وأنه ما وُجد ولن يوجد أحد يقاربه في الكمال، مؤيّدًا ذلك بالأمور المحسوسة والبراهين المسلّمة، وقد أبدى الله هذه المعاني، وأعادها معهم في مواضع كثيرة. ومن مقاماته ﷺ مع المؤمنين: الرأفة العظيمة، والرحمة لهم، والمحبة التامة، والقيام معهم في كل أمورهم، وأنه بهم أرحم وأرأف من آبائهم وأمهاتهم، وأحنى عليهم من كل أحد، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فلم يزل يدعو إلى التوحيد وعقائد الدين وأصوله، ويقرّر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بُعث إلى أن استكمل بعد بعثته نحو عشر سنين وهو يدعو إلى الله على بصيرة. ثم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليُرِيه من آياته، وعَرَج به إلى فوق السماوات السبع، وفرض الله عليه الصلوات الخمس بأوقاتها وهيئاتها، وجاءه جبريل على أثرها فعلَّمه أوقاتها وكيفيّاتها، وصلى به

стр. 214

يومين؛ اليوم الأول صلَّى الصلوات الخمس في أول وقتها، واليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: الصلاة ما بين هذين الوقتين، ففُرِضت الصلوات الخمس قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، ولم يُفْرَض الأذان في ذلك الوقت، ولا بقية أركان الإسلام. وانتشر الإسلام في المدينة وما حولها، ومن جملة الأسباب أن الأوس والخزرج كان اليهود في المدينة جيرانا لهم، وقد أخبروهم أنهم ينتظرون نبيًّا قد أطَلَّ زمانه، وذكروا من أوصافه ما دلَّهم عليه، فبادر الأوس والخزرج لما اجتمعوا بالنبي ﷺ في مكة، وتيقَّنوا أنه رسول الله، وأما اليهود فاستولى عليهم الشقاء والحسد، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] (١). وكان المسلمون في مكة في أذى شديد من قريش، فأذِن لهم النبي ﷺ في الهجرة أولًا إلى الحبشة، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة صارت الهجرة إلى المدينة. وحين خاف أهل مكة من هذه الحال اجتمع ملؤهم ورؤساؤهم في دار الندوة يريدون القضاء التام على النبي ﷺ ؛ فاتَّفق رأيهم أن ينتخبوا من قبائل قريش من كل قبيلة رجلًا شجاعًا، فيجتمعون ويضربونه بسيوفهم ضربة واحدة (٢). قالوا: لأجل أن يتفرَّق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن مقاومة سائر قريش فيرضون بالدية، فهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. فجاء الوحي إلى النبي ﷺ وعزم على الهجرة، وأخبر أبا بكر بذلك، وطلب منه الصحبة، فأجابه إلى ذلك، وخرج في تلك الليلة التي اجتمعوا

стр. 215

على الإيقاع به، وأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وخرج هو وأبو بكر إلى الغار، فلم يزالوا يرصدونه حتى برق الفجر، فخرج إليهم عليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. ثم ذهبوا يطلبونه في كل وجهة، وجعلوا الجعالات (١) الكثيرة لمن يأتي به، وكان الجبل الذي فيه الغار قد امتلأ من الخلق يطلبون رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدَمَيْه لأبصرنا. فقال: «يا أبا بكر، ما ظَنُّك باثنين الله ثالثهما؟» (٢)، وأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]. فهاجَرَ إلى المدينة، واستقرَّ بها، وأُذِن له في القتال بعدما كان قبل الهجرة ممنوعًا لحكمة مشاهدة، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وجعل يُرْسِل السرايا. ولما كانت السنة الثانية فرض الله على العباد الزكاة والصيام، فآيات الصيام والزكاة إنما نزلت في هذا العام، وكان وَقْت فرضها، وأما قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] فإن المراد زكاة القلب وطهارته بالتوحيد وتَرْك الشرك. وفي السنة الثانية أيضًا كانت وقعة بدر، وسببها أن عِيرًا لقريش تحمل تجارة عظيمة من الشام، خرج النبي ﷺ بمن خَفَّ من أصحابه لطلبها،

стр. 216

فخرجت قريش لحمايتها، وتوافَوْا في بدر على غير ميعاد، فالعير نجت، وكان النفير؛ التقوا مع الرسول وأصحابه، وكانوا ألفًا كاملي العدد والخيل، والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر على سبعين بعيرًا يعتقبونها، فهزم الله المشركين هزيمة عظيمة، قُتلت سَرَواتُهم (١) وصناديدهم، وأُسِرَ من أُسِرَ منهم، وأصاب المشركين مصيبةٌ ما أصيبوا بمثلها، وهذه الغزوة أنزل الله فيها وفي تفاصيلها سورة الأنفال، وبعدما رجع إلى المدينة منها مُظَفَّرًا منصورًا ذلَّ من بقي ممن لم يُسْلِمْ من الأوس والخزرج، ودخل بعضهم في الإسلام نفاقًا، ولذلك كانت جميع الآيات التي نزلت في المنافقين إنما كانت بعد غزوة بدر. ثم في السنة الثالثة كانت غزوة أحد، غزا المشركون وجيَّشوا الجيوش على المسلمين حتى وصلوا إلى أطراف المدينة، وخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه وعبَّأهم ورتَّبهم، والتقوا في أُحُد عند الجبل المعروف شمالي المدينة، وكانت الدائرة في أول الأمر على المشركين، ثم لما ترك الرماة مركزهم الذي رتَّبهم فيه رسول الله ﷺ وقال لهم: «لا تبرحوا عنه؛ ظهرنا أو غُلبنا» (٢)، وجاءت الخيل مع تلك الثغرة، وكان ما كان، حصل على المسلمين في أُحُد مَقْتَلَة أكرمهم الله بالشهادة في سبيله، وذكر الله تفصيل هذه الغزوة في سورة آل عمران، وبسط متعلَّقاتها، فالوقوف على هذه الغزوة من كتب السير يُعين على فَهْم الآيات الكثيرة التي نزلت فيها كبقية الغزوات. ثم في السنة الرابعة تواعد المسلمون والمشركون فيها - في بدر - فجاء المسلمون لذلك الموعد، وتخلَّف المشركون معتذرين أن السَّنة مُجدبة، فكتبها الله غزوة للمسلمين، ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤].

стр. 217

ثم في سنة خمس كانت غزوة الخندق، اتَّفق أهل الحجاز وأهل نجد، وظَاهَرَهُم بنو قُرَيْظة من اليهود على غزو النبي ﷺ ، وجمعوا ما يقدرون عليه من الجنود، فاجتمع نحو عشرة آلاف مقاتل وقصدوا المدينة، ولما سمع بهم النبي ﷺ خندق على المدينة، وخرج المسلمون نحو الخندق، وجاء المشركون كما وصفهم الله بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، ومكثوا محاصرين المدينة عدة أيام، وحال الخندق بينهم وبين اصطدام الجيوش، وحصلت مناوشات يسيرة بين أفراد من الخيل، وسبَّب الله عدة أسباب لانخذال المشركين، ثم انشمروا إلى ديارهم، فلما رجعوا خائبين لم ينالوا ما كانوا جازمين على حصوله تفرَّغ النبي ﷺ لبني قريظة الذين ظَاهَرُوا المشركين بقولهم وتشجيعهم على قَصْد المدينة، ومظاهرتهم الفعلية، ونَقْضهم ما كان بينهم وبين النبي ﷺ فحاصرهم، فنزلوا على حُكْم سعد بن معاذ ﵁، فحكم أن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذراريهم، وفي هذه الغزوة أنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] إلى قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]. ثم في سنة ست من الهجرة اعتمر ﷺ وأصحابه عمرة الحديبية، وكان البيت لا يُصَدُّ عنه أحد، فعزم المشركون على صدِّ النبي ﷺ عنه، ولما بلغ الحديبية، ورأى المشركين قد أَخَذَتْهم الحمية الجاهلية جازمين على القتال دخل معهم في صلح لحقن الدماء في بيت الله الحرام، ولِمَا في ذلك من المصالح، وصار الصلح على أن يرجع النبي ﷺ عامه هذا ولا يدخل البيت، ويكون القضاء من العام المقبل، وتضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين،

стр. 218

فكره جمهور المسلمين هذا الصلح حين تَوَهَّمُوا أن فيه غضاضة على المسلمين، ولم يَطَّلِعوا على ما فيه من المصالح الكثيرة. فرجع ﷺ عامه ذلك، وقضى هذه العمرة في عام سبع من الهجرة، فأنزل الله في هذه القضية سورة الفتح بأكملها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، فكان هذا الفتح؛ لما فيه من الصلح الذي تمكَّن فيه المسلمون من الدعوة إلى الإسلام، ودخول الناس في دين الله، حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور، وقد تقدَّم أن قصة بني قريظة دخلت في ضمن قصة الخندق، أما قبيلة بني النضير من اليهود فإنها قبل ذلك حين همُّوا بالفتك بالنبي ﷺ ، وكانوا على جانب المدينة غزاهم ﷺ ، واحتموا بحصونهم، ووعدهم المنافقون حلفاؤهم بنصرتهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، وأنزلهم رسول الله ﷺ على أن يَجْلُوا عن ديارهم، ولهم ما حَمَلَتْ إبلهم، ويدعوا الأرض والعقار، وما لم تحمله الإبل للمسلمين، فأنزل الله في هذه القضية أول سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] إلى آخر القصة. وفي سنة ثمانٍ من الهجرة، وقد نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ غزا مكة في جند كثيف من المسلمين يقارب عشرة آلاف، فدخلها فاتحًا لها، ثم تَمَّمَها بغزوة حُنَيْن (١) على هوازن وثقيف، فتمَّ بذلك نصر الله لرسوله وللمسلمين، وأنزل الله في ذلك أول سورة التوبة. وفي سنة تسع من الهجرة غزا تبوك، وأوعب (٢) المسلمون معه، ولم يتخلَّف إلا أهل الأعذار وأناس من المنافقين، وثلاثة من صلحاء المؤمنين: كعب بن مالك وصاحباه، وكان الوقت شديدًا، والحر شديدًا، والعدو كثيرًا،

стр. 219

والعُسْرة مشتدة، فوصل إلى تبوك، ومكث عشرين يومًا، ولم يحصل قتال، فرجع إلى المدينة، فأنزل الله في هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة التوبة، يذكر تعالى تفاصيلها وشدتها، ويثني على المؤمنين، ويَذُمُّ المنافقين وتخلفهم، ويذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العُسْرة، ويدخل معهم الثلاثة الذين خُلِّفوا بعد توبتهم وإنابتهم. وفي مطاوي هذه الغزوات يذكر الله آيات الجهاد وفرضه، وفضله وثواب أهله، وما للناكلين عنه من الذُّلِّ العاجل والعقاب الآجل، كما أنه في أثناء هذه المدة يُنْزِل الله الأحكام الشرعية شيئًا فشيئًا بحسب ما تقتضيه حكمته. وفي سنة تسع من الهجرة أو سنة عشر فرض الله الحج على المسلمين، وكان أبو بكر حَجَّ بالناس سنة تسع، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتمَّ عهود الذين لم ينقضوا. ثم حج النبي ﷺ بالمسلمين سنة عشر، واستوعب المسلمين معه، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١). * * *

стр. 220

قصة ذي القرنين كان ذو القرنين ملكًا صالحًا، وقد أعطاه الله من القوة وأسباب الملك والفتوح ما لم يكن لغيره، فذكر الله من حُسن سيرته ورحمته، وقوة ملكه وتوسّعه في المشارق والمغارب ما يحصل به المقصود التام من سيرته ومعرفة أحواله، ولهذا قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]، أي: من بعض أخباره، ومن المعلوم أن ما قصَّه الله في كتابه هو أحسن وأنفع ما يُقصُّ على العباد، فأخبر أنه أعطاه من كل شيء سببًا يحصل به قوة الملك، وعلم السياسة، وحُسْن التدبير، والسلاح الْمُخْضِع للأمم، وكثرة الجنود، وتسهيل المواصلات وجميع ما يحتاجه، ومع ذلك فقد عمل بالأسباب التي أُعْطِيها، فما كل أحد يُعطى الأسباب النافعة، ولا كل مَنْ أُعْطِيها يتبعها ويعمل بها. أما ذو القرنين فإنه تمَّ له الأمران؛ أُعطي سببًا فأتبع سببًا، فغزا بجيوشه الجرَّارة أدنى أفريقية وأقصاها حتى بلغ البحر المحيط الغربي، فوصل إلى محل إذا غربت الشمس ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، أي: رآها في رؤية العين كأنها تغرب في البحر، والبحر لونه أسود كالحَمْأَة (١)، والقصد أنه وصل إلى حيث منتهى الخُفِّ والحافر من بلاد أفريقية، ووجد في ذلك المحل وتلك الأقطار قومًا، منهم المسلم والكافر، والبرُّ والفاجر، بدليل قوله:

стр. 221

﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦]، إما أن القائل له نبي من أنبياء الله، أو أحد العلماء، أو أن المعنى أنه بسبب قدرته كان مخيرًا قَدَرًا، وإلا فمن المعلوم أن الشرع لا يُسَوِّي بين الأمرين المتفاوتين في الإحسان والإساءة. فقال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨]، وهذا يدل على عدله، وأنه ملك صالح، وعلى حُسن تدبيره. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩]، أي: ثم عمل بالأسباب التي أوتيها، بعدما أخضع أهل المغارب رجع يفتح الأرض قطرًا قطرًا حتى وصل إلى مطلع الشمس من بلاد الصين وشواطئ البحر المحيط الهادي، وهذا منتهى ما وصل إليه الفاتحون. ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَل لَهُم مِن دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠]، أي: لا ستر لهم عن الشمس، لا ثياب ينسجونها ويلبسونها، ولا بيوت يبنونها ويأوون إليها، أي: وجد هؤلاء القوم الذين في أقصى المشرق بهذه الصفة والوحشية بمنزلة الوحوش التي تأوي إلى الغياض (١) والغيران (٢) والأسراب منقطعين عن الناس، وكانوا في ذلك الوقت على هذه الحالة التي وصف الله، والمقصود من هذا أنه وصل إلى ما لم يَصِلْ إليه أحد. ثم كَرَّ راجعًا وأتبع سببًا يُمكِّنه من مناهج (٣) البلاد وتخضيع العباد قاصدًا نحو الشمال، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣]، أي: بلغ محلًّا متوسطًا بين

стр. 222

السَّدَّين الموجودين منذ خلق الله الأرض، وهما سلاسل جبال عظيمة شاهقة متواصلة من تلك الفجوة، وهي الريع إلى البحار الشرقية والغربية، وهي في بلاد التُّرك، على هذا اتَّفق المفسِّرون والمؤرِّخون، وإنما اختلفوا: هل هي سلاسل جبال القفقاس (١) أم دون ذلك في أذربيجان، أم سلاسل جبال ألتاي (٢)، أم الجبال المتصلة بالسور الصيني في بلاد منغوليا؟ وهو الظاهر، وعلى الأقوال كلها فقد وجد عند تلك الفجوة التي بين سلاسل هذه الجبال قومًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا؛ من بُعْدِ لغتهم، وثِقَل فَهْمِهم للغات الأمم، ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤]، وهم أمم عظيمة من نسل يافث بن نوح من العناصر التركية وغيرهم، كما هو مذكور مُفَصَّل من أحوالهم ومشروح من صفاتهم، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥] من القوة والأسباب والاقتدار خير، فأعينوني بقوة، أي: إن هذا بناء عظيم يحتاج في الإعانة عليه إلى مساعدة قوية في الأبدان. ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] ولم يقل: سَدًّا؛ لأن الذي بُني فقط هو تلك الثنية والريع الواقع بين السَّدَّين الطبيعيين، أي: بين سلاسل تلك الجبال، فدبَّرهم على كيفية آلاته وبنيانه، فقال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]، أي: اجمعوا لي جميع قِطَع الحديد الموجودة من صغار وكبار، ولا تَدَعُوا من الموجود شيئًا، واركموه بين السدين، ففعلوا ذلك حتى كان الحديد ثُلُولًا عظيمة موازنة للجبال، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦]، أي: الجبلين المكتنفين لذلك الرَّدْم قال: ﴿انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، أي: أمر بالنحاس، فأُذيب بالنيران، وجعل يسيل بين قطع الحديد، فالتحم بعضها ببعض، وصارت جبلًا هائلًا متَّصلًا

стр. 223

بالسَّدَّيْنِ، فحصل بذلك المقصود من عَيْث (١) يأجوج ومأجوج، ولهذا قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أي: يصعدوا ذلك الردم. ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٧ - ٩٨]، أي: ربي الذي وفقني لهذا العمل الجليل، والأثر الجميل، فرحمكم إذ منعكم من ضرر يأجوج ومأجوج بهذا السبب الذي لا قدرة لكم عليه. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨]، أي: هذا العمل، والحيلولة بينكم وبين يأجوج ومأجوج مُؤَقَّت إلى أجل، فإذا جاء ذلك الأجل قَدَّر الله للخلق من أسباب القوة والقدرة والصناعات والاختراعات الهائلة ما يُمكِّن يأجوج ومأجوج من وطء بلادكم، أيها المجاورون، بل وَمن وطء مشارق الأرض ومغاربها وأقطارها، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، أي: من كل مكان مرتفع، سواء مثل هذه السدود والبحار وجو السماء ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، أي: يسرعون فيها غير مكترثين، ولا حاجز يحجزهم، فلفظة ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ تشمل جميع المواضع والأقطار؛ سهلها وصعبها، منخفضها ومرتفعها، وإنما نصَّ الله على المرتفعات؛ لأن السهول والأماكن المنخفضة من باب أولى وأحرى، وقد ورد في صفاتهم أحاديث في الصحيحين تؤيد ما في هذه الآيات من صفاتهم، وأورد أصحاب السير والتواريخ الأول من صفاتهم وهيئاتهم آثارا لا خطام لها ولا زمام، شوَّشت أفكار أكثر الناس، ومنعتهم من الاستدلال بالآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية، وتطبيقها على الواقع، فعليك بلزوم ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، ودَعْ ما سوى ذلك؛ فإن فيه الهدى والرشد والنور. * * *

стр. 224

قصة لقمان ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٢ - ١٩]. يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان بالحكمة، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته؛ فهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام؛ فقد يكون الإنسان عالمًا، ولا يكون حكيمًا، وأما الحكمة فهي مستلزمةٌ للعلم، بل وللعمل، ولهذا فُسِّرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح.

стр. 225

ولَمَّا أعطاه الله هذه المنَّة العظيمة أمره أن يشكره على ما أعطاه؛ ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أنَّ شكر الشاكرين يعودُ نَفْعُه عليهم، وأنَّ مَنْ كفر فلم يشكُر الله عاد وبَالُ ذلك عليه، والله غنيٌّ عنه حميدٌ فيما يقدِّره ويقضيه على منْ خالف أمره؛ فغناه تعالى من لوازم ذاته، وكونه حميدًا في صفات كماله حميدًا في جميل صنعه من لوازم ذاته، وكلُّ واحد من الوصفين صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر زيادة كمال إلى كمال. واختلف المفسرون؛ هل كان لقمانُ نبيًّا، أو عبدًا صالحًا؟ والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدلُّ على حكمته في وَعْظِه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾، أو قال له قولًا به يَعِظُه، والوعظ: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ووجه كونه عظيمًا أنَّه لا أفظع ولا أبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسَوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمن له الأمر كلُّه، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالربِّ الكامل الغنيِّ من جميع الوجوه، وسوَّى من لم يُنْعم بمثقال ذرةٍ من النِّعَم، بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم وأبدانهم؛ إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟! وهل أعظم ظلمًا ممن خَلَقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أَخَسِّ المراتب، جعلها عابدةً لمن لا يسوى شيئًا، فظلم نفسه ظلمًا كبيرًا؟! ولما أمر بالقيام بحقِّه بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد أمر بالقيام بحق الوالدين، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾، أي: عَهِدْنا إليه، وجعلناه وصيةً عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟

стр. 226

فوصيناه ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾، وقلنا له: ﴿اشْكُرْ لِي﴾ بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنِعَمِي على معصيتي، ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما وإجلالهما، والقيام بمئونتهما، واجتناب الإساءة إليهما من كلّ وجه بالقول والفعل. فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أنَّ ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، أي: سترجع أيها الإنسان إلى من وصّاك، وكلّفك بهذه الحقوق، فيسألك: هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل، أم ضيَّعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل (١). ثم ذكر السبب الموجب لبرِّ الوالدين في الأم، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾، أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاقّ من حين يكون نطفة؛ من الوحَم، والمرض، والضعف، والثِّقَل، وتغيُّر الحال، ثم وجع الولادة ذلك الوجع الشديد، ثم ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وهو ملازمٌ لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسنُ بِمَنْ تحمَّل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب أن يؤكَّد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾، أي: اجتهد والداك ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ولا تظنَّ أنَّ هذا داخل في الإحسان إليهما؛ لأنَّ حق الله مقدَّم على حقِّ كل أحدٍ، و «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (٢)، ولم يقل: «وإنْ جاهداك على أن تُشرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ فعُقَّهما»، بل قال: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، أي: في الشرك، وأمّا بِرُّهما فاستمرَّ عليه، ولهذا قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتّباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي فلا تتَّبِعْهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ وهم

стр. 227

المؤمنون بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه، واتِّباع سبيلهم، أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله التي هي انجذاب دواعي القلب وإراداته إلى الله، ثم يتبعُها سعي البدن فيما يُرضي الله، ويُقرِّبُ منه، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ الطائع والعاصي والمنيب وغيره، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فلا يخفى على الله من أعمالهم خافيةٌ. ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ التي هي أصغرُ الأشياء وأحقرُها، ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾، أي: في وسطها، ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾، في أي جهة من جهاتهما؛ ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾؛ لسعة علمه، وتمام خبرته، وكمال قدرته، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، أي: لطف في علمه وخبرته حتى اطَّلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار. والمقصود من هذا الحثُّ على مراقبة الله، والعمل بطاعته مهما أمكن، والترهيبُ من عمل القبيح؛ قلَّ أو كَثُرَ. ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، حثَّه عليها، وخصَّها لأنّها أكبر العبادات البدنية، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وذلك يستلزم العلم بالمعروف؛ ليأمر به، والعلم بالمنكر؛ لينهى عنه، والأمر بما لا يتمُّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به؛ من الرفق والصبر، وقد صرَّح به في قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ ومن كونه فاعلًا لما يأمر به، كافًّا لما يُنْهَى عنه، فتضمَّن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك بأمره ونهيه. ولما عُلِم أنَّه لا بدَّ أن يُبتلى إذا أمر ونهى، وأنَّ في الأمر والنهي مشقَّة على النفوس؛ أمره بالصبر على ذلك، فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ﴾ الذي وعظ به لقمان ابنه ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: من الأمور التي يُعْزَم عليها، ويهتمُّ بها، ولا يوفَّق لها إلا أهل العزائم.

стр. 228

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تُمِلْهُ وتعبسُ بوجهك الناس تكبُّرًا عليهم وتعاظُمًا، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، أي: بَطَرًا، فخرًا بالنعم، ناسيًا المُنعم، معجبًا بنفسك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ في نفسه وهيئته وتعاظمه، ﴿فَخُورٍ﴾ بقوله. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: امش متواضعًا مستكينًا، لا مَشْيَ البَطَرِ والتكبر، ولا مشي التماوُت، ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أدبًا مع الناس ومع الله، ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾، أي: أفظعها وأبشعها، ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدةٌ ومصلحةٌ لَمَا اختصَّ بذلك الحمار الذي قد عُلِمَتْ خسَّتُه وبلادته. وهذه الوصايا التي وصَّى بها لقمان ابنه تجمع أمهات الحِكَم، وتستلزم ما لم يُذكر منها، وكلُّ وصيةٍ يُقرَن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدلُّ على ما ذكرنا في تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببرِّ الوالدين، وبيَّن له السبب الموجب لبرِّهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأنَّ محلَّ برِّهما وامتثال أوامرهما ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقُّهما، بل يُحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة الله، وخوَّفه القدوم عليه، وأنَّه لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً من الخير والشرِّ إلا أتى بها، ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البَطَر (١) والأشر (٢) والمرح (٣)، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضدِّ ذلك.

стр. 229

وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة وبالصبر اللَّذين يسهل بهما كلُّ أمر، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فحقيقٌ بمن أوصى بهذه الوصايا أن يكون مخصوصًا بالحكمة، مشهورًا بها، ولهذا فإن مِنْ منَّة الله عليه وعلى سائر عباده أن قصَّ عليهم من حكمته ما يكون لهم به أسوةٌ حسنةٌ. * * *

стр. 230

قصة طالوت وجالوت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦ - ٢٤٨]. يَقُصُّ تعالى على نبيه ﷺ قصة الملأ من بني إسرائيل، وهم الأشراف والرؤساء، وخصَّ الملأ بالذِّكر؛ لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا، فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى ﵇ فقالوا له: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾، أي: عيِّن لنا ملكًا، ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ ليجتمع متفرّقنا ويقاوم بنا عدوّنا، ولعلهم في ذلك

стр. 231

الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يُرضي الطرفين، ويكون تعيينه خاصًا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تَسُوسُهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر (١)، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة ﴿قَالَ﴾ لهم نبيهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، أي: لعلكم تطلبون شيئًا وهو إذا كُتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾، أي: أيُّ شيء يمنعنا من القتال وقد أُلْجِئْنَا إليه بأن أُخْرِجْنَا من أوطاننا، وسُبِيَتْ ذرارِيُّنَا، فهذا مُوجِب لكوننا نقاتل ولو لم يُكْتَب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يَقْوَ توكلهم على ربهم، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾، فجبُنُوا عن قتال الأعداء، وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخَوَرُ والجبن، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾، فعصمهم الله وثَبَّتَهم، وقوَّى قلوبهم فالتزموا أمر الله، ووطَّنُوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ مجيبًا لطلبهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾، فكان هذا تعيينًا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وتَرْك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، أي: كيف يكون ملكًا، وهو دوننا في الشرف والنسب، ونحن أحق بالملك منه.

стр. 232

ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدّمة عليها، فلهذا قال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾، فلزمكم الانقياد لذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، أي: فضّله عليكم بالعلم والجسم، أي: بقوة الرأي والجسم اللَّذين بهما تتم أمور الملك؛ لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختلّ عليه الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع؛ قوة على غير حكمة، ولو كان عالمًا بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يُفِدْه الرأي الذي لا ينفذه شيئًا، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ الفضل كثير الكرم، لا يخص برحمته وبرّه العام أحدًا عن أحد، ولا شريفًا عن وضيع، ولكنه مع ذلك ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة؛ لتبيينه أن أسباب الملك متوفّرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له رادّ، ولا لإحسانه صادّ. ثم ذكر لهم نبيُّهم أيضًا آية حسية يشاهدونها، وهي إتيان التابوت الذي قد فقدوه زمانًا طويلًا، وفي ذلك التابوت سكينة تسكن بها قلوبهم، وتطمئن لها خواطرهم، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فأتت به الملائكة حاملة له وهم يرونه عيانًا. ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ

стр. 233

فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩ - ٢٥٢]. أي: لَمَّا تملَّك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهَّزوا لقتال عدوهم، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل وكانوا عددًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فهو عاصٍ، ولا يتبعنا؛ لعدم صبره وثباته، ولمعصيته، ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾، أي: لم يشرب منه فإنه مني، ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قلّ عليهم ليتحقَّق الامتحان، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر المنهي عنه، ورجعوا على أعقابهم، ونكصوا عن قتال عدوهم، وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلًا على الله، وتضرعًا واستكانة وتبرؤًا من حولهم وقوتهم، وزيادة صبر؛ لقلتهم وكثرة عدوهم، فلهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾، أي: النهر، ﴿هُوَ﴾، أي: طالوت، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، وهم الذين أطاعوا أمر الله ولم يشربوا من النهر المنهي عنه، فرأوا قِلَّتهم وكثرة أعدائهم، ﴿قَالُوا﴾، أي: قال كثير منهم: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾؛ لكثرتهم وَعَدَدِهِم وعُدَدِهِم، ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾، أي:

стр. 234

يستيقنون ذلك، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ، مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم، وآمرين لهم بالصبر، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: بإرادته ومشيئته، فالأمر الله تعالى، والعزيز مَنْ أَعَزَّه الله، والذليل من أَذَلَّه الله، فلا تُغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت موعظته في قلوبهم وأثَّرت معهم. ولهذا لما برزوا لجالوت وجنوده ﴿قَالُوا﴾ جميعهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، أي: قَوِّ قلوبنا، وأوزِعْنا (١) الصبر، ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ عن التزلزل والفرار، ﴿وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. من هاهنا نعلم أن جالوت وجنوده كانوا كفارًا، فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء؛ لإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم، ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ﴾ ﵇، وكان مع جنود طالوت، ﴿جَالُوتَ﴾، أي: باشَرَ قَتْلَ ملك الكفار بيده؛ لشجاعته وقوته وصبره، ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾، أي: آتى الله داود ﴿الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾، أي: منَّ عليه بتملُّكه على بني إسرائيل مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ولهذا قال: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ من العلوم الشرعية والعلوم السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان مَنْ قَبْلَه من الأنبياء يكون الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك، فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، أي: لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كَيْدَ

стр. 235

الفُجَّارُ وتكالبُ الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها، وإقامتهم شعائر الكفر، ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم، ومَكَّنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالصدق الذي لا رَيْبَ فيه، المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، فهذه شهادة من الله لرسوله برسالته التي من جملة أدلتها ما قَصَّهُ الله عليه من أخبار الأمم السالفين والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم التي لولا خبر الله إياه لما كان عنده بذلك علم، بل لم يكن في قومه من عنده شيء من هذه الأمور، فدلَّ أنه رسول الله حقًّا ونَبِيُّه صدقًا الذي بعثه بالحق ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

стр. 236

فوائد من هذه القصة وفي هذه القصة من الآيات والعِبَر ما يتذكَّر به أولو الألباب: منها: فضيلة الجهاد في سبيله، وفوائده وثمراته، وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين، وحفظ الأوطان، وحِفْظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شَقَّت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلًا فإنهم سيتعبون طويلًا. ومنها: الانتداب لرياسة مَنْ فيه كفاءة، وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء؛ أنه ينبغي لأمير الجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع مَنْ لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب؛ لضعفه، أو ضعف صبره، أو لتخذيله، أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم، وحثُّهم على القوة الإيمانية، والاتكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحلُّ عزيمته، ولهذا من دعاء النبي ﷺ : «أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» (١)، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتَوْا بكلام يدل على العزم المصمّم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله ﷺ :

стр. 237

«وأسألك الرضا بعد القضاء» (١)؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي. ومنها: أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به؛ أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في تعيين ملك تجتمع به كلمتهم، ويَلُمُّ متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم. ومنها: أن الحق كلما عُورِض وأوردت عليه الشُّبَه ازداد وضوحًا، وتميَّز وحصل به اليقين التام، كما جرى لهؤلاء؛ لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أُجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال الشُّبَه والريب. ومنها: أن العلم والرأي مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فَقْد أحدهما نقصانها وضررها. ومنها: أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله، والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾، فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تَوَلَّوْا، والثاني في قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ومنها: أن من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز. ومنها: أن من رحمته وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، وأنه لولا ذلك لفسدت الأرض باستيلاء الكفر وشعائره عليها.

стр. 238

قصة أصحاب الكهف ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ٩ - ١٢]. ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي، أي: لا تظنَّ أنَّ قصَّة أصحاب الكهف وما جرى لهم غريبةٌ على آيات الله، وبديعةٌ في حكمته، وأنَّه لا نظير لها، ولا مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثيرٌ، من جنس آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يَزَل الله يُرِي عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبيَّن به الحقُّ من الباطل، والهدى من الضلال، وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصَّة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنَّما المراد أن جنسها كثيرٌ جدًّا؛ فالوقوف معها وحدها في مقام العجب والاستغراب نقصٌ في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله، التي دعا الله العبادَ إلى التفكر فيها؛ فإنَّها مفتاح الإيمان، وطريق العلم والإيقان، وأضافهم إلى الكهف الذي هو الغار

стр. 239

في الجبل، ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، أي: الكتاب الذي قد رُقِمَتْ (١) فيه أسماؤهم وقصَّتُهم؛ لملازمتهم له دهرًا طويلًا. ثم ذكر قصّتهم مجملةً، وفصّلها بعد ذلك، فقال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾، أي: الشباب، ﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ يريدون بذلك التحصُّن والتحرُّز من فتنة قومهم لهم، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أي: تُثبّتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير، ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، أي: يسّر لنا كلَّ سببٍ موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محلّ يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرُّعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيّض لهم ما لم يكن في حسابهم؛ قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾، أي: أنمنَاهم ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾، وهي ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظٌ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظٌ لهم من قومهم، وليكون آية بينة. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من نومهم، ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، أي: لنعلم أيُّهم أحصى لمقدار مدّتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآية، وفي العلم بمقدار لُبْثهم ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته؛ فلو استمرّوا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٣ - ١٤].

стр. 240

هذا شروعٌ في تفصيل قصّتهم، وأنَّ الله يقصُّها على نبيِّه بالحقِّ والصدق، الذي ما فيه شكٌّ ولا شبهةٌ بوجه من الوجوه، ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، وهذا من جموع القلّة، يدلُّ ذلك على أنهم دون العشرة، ﴿آمَنُوا﴾ بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان زادهم الله من الهدى الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾. ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: صبّرناهم وثبّتناهم، وجعلنا قلوبهم مطمئنّة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفه تعالى بهم وبِرِّه أن وفقهم للإيمان والهدى، والصبر والثبات، والطمأنينة، ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: الذي خلقنا ورزقنا، ودبّرنا وربَّنا هو خالق السماوات والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام التي لا تخلق ولا ترزق، ولا تملك نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، ولهذا قالوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾، أي: من سائر المخلوقات، ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾، أي: إنَّ دعاءنا معه آلهةً بعدما علمنا أنَّه الربُّ الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة إلا له ﴿شَطَطًا﴾، أي: ميلًا عظيمًا عن الحقِّ، وطريقًا بعيدة عن الصواب، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنَّه الحقُّ، وما سواه باطلٌ، وهذا دليلٌ على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم. ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، لما ذكروا ما مَنَّ الله به عليهم من الإيمان والهدى التفتوا إلى ما كان عليه قومهم؛ من اتخاذ الآلهة من دون الله، فمقتوهم، وبيّنوا أنهم ليسوا على يقين من أمرهم، بل في غاية الجهل

стр. 241

والضلال، فقالوا: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، أي: بحجة وبرهان على ما هم عليه من الباطل، ولا يستطيعون سبيلًا إلى ذلك، وإنما ذلك افتراءٌ منهم على الله وكذبٌ عليه، وهذا أعظم الظلم، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا﴾، أي: قال بعضهم لبعض: إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم فلم يَبْقَ إلا النجاة من شرِّهم، والتسبب بالأسباب المُفْضية لذلك؛ لأنه لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم وهم على غير دينهم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، أي: انضموا إليه واختفوا فيه، ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم مِرْفَقًا﴾ وفيما تقدَّم أخبر أنهم دَعَوْه بقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، فجمعوا بين التبري من حَوْلهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أنَّ الله نشر لهم من رحمته، وهيَّأ لهم من أمرهم مِرْفَقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خَلْقه، ونشر لهم من الثناء الحسن ما هو من رحمته بهم، ويسَّر لهم كلَّ سبب، حتى المحلَّ الذي ناموا فيه كان على غاية ما يمكن من الصيانة، ولهذا قال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: حفظهم الله من الشمس، فيسَّر لهم غارًا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينًا، وعند غروبها تميل عنه شمالًا، فلا ينالهم حرُّها فتفسد أبدانهم بها، ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، أي: من الكهف، أي: مكان متَّسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوَخَم والتأذي بالمكان الضيِّق، خصوصًا مع طول المُكث، و ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على قدرته

стр. 242

ورحمته بهم، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور، ولهذا قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، أي: لا سبيل إلى نَيْل الهداية إلا من الله؛ فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: لا تجد مَنْ يتولاه ويدبّره على ما فيه صلاحه، ولا يرشده إلى الخير والفلاح؛ لأنَّ الله قد حكم عليه بالضَّلال، ولا رادَّ لحكمه. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾، أي: تحسبهم أيها الناظر إليهم كأنَّهم أيقاظ، والحالُ أنَّهم نيامٌ، قال المفسرون: وذلك لأنَّ أعينهم منفتحة لئلَّا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظًا وهم رقود، ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾، وهذا أيضًا من حفظه لأبدانهم؛ لأنَّ الأرض من طبيعتها أكْلُ الأجسام المتصلة بها، فكان من قَدَر الله، أنْ قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالًا بقدر ما لا تُفسد الأرض أجسامهم، والله تعالى قادرٌ على حفظهم من الأرض من غير تقليب، ولكنه تعالى حكيمٌ، أراد أن تجري سنَّته في الكون، ويربط الأسباب بمسبّباتها، ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾، أي: الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطًا ذراعيه بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض، وأما حفظهم من الآدميين فأخبر أنَّه حماهم بالرُّعب الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحدٌ لامتلأ قلبه رعبًا، ووَلَّى منهم فرارًا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدَّة الطويلة وهم لم يَعْثُر عليهم أحدٌ، مع قُربهم من المدينة جدًّا، والدليل على قربهم أنَّهم لما استيقظوا أرسلوا أحدهم يشتري لهم طعامًا من المدينة، وبقوا في انتظاره، فدلَّ ذلك على شدَّة قربهم منها.

стр. 243

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠]. يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من نومهم الطويل، ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾، أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدّة لُبْثهم، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وهذا مبنيّ على ظنِّ القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه في طول مدّتهم؛ فلهذا ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، فردُّوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء جملةً وتفصيلًا، ولعلَّ الله تعالى بعد ذلك أطلعهم على مدّة لُبثهم؛ لأنَّه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنَّهم تساءلوا، وتكلَّموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم الاشتباه، فلا بدَّ أن يكون قد أخبرهم يقينًا؛ عَلِمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثًا، ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب عِلْمُها، وسعى لذلك ما أمكنه؛ فإنَّ الله يوضِّح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، فلولا أنَّه حصل العلم بحالهم لم يكونوا دليلًا على ما ذكر، ثم إنَّهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به؛ أرسلوا أحدهم بورِقِهم، أي: بالدراهم التي كانت معهم؛ ليشتري لهم طعامًا يأكلونه من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخيَّر من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذَّه، وأن يتلطَّف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويُخفي حال إخوانه، ولا يُشعرنَّ بهم أحدًا. ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾، وذكروا المحذور من اطّلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم؛ أنَّهم

стр. 244

بين أمرين: إما الرَّجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة؛ لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردُّوهم في مِلَّتهم، وفي هذه الحال لا يُفلحون أبدًا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾. يخبر الله تعالى أنَّه أطْلَعَ الناس على حال أهل الكهف، وذلك - والله أعلم - بعدما استيقظوا، وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعامًا، وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمرًا فيه صلاح للناس، وزيادةُ أجرٍ لهم، وهو أنَّ الناس رأوا منهم آيةً من آيات الله المشاهدة بالعيان على أنَّ وعد الله حقٌّ لا شكَّ فيه ولا مرية ولا بُعد، بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن مُثبتٍ للوعد والجزاء، ومن نافٍ لذلك، فجعل قصَّتهم زيادة بصيرة ويقين للمؤمنين، وحجَّةً على الجاحدين، وصار لهم أجرُ هذه القضية، وشَهَّر الله أَمْرَهم، ورفع قَدْرَهم حتى عظَّمهم الذين اطَّلعوا عليهم، قالوا: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا﴾ الله أعلم بحالهم ومآلهم! وقال من غلب على أمرهم، وهم الذين لهم الأمر: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾، أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكَّر به أحوالهم، وما جرى لهم، وهذه الحالة محظورةٌ، نهى عنها النبيُّ ﷺ ، وذمَّ فاعليها، ولا يدلُّ ذكرها هنا على عدم ذمِّها؛ فإنَّ السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأنَّ هؤلاء وصلت بهم الحالُ إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدًا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحَذَرِهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى. ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].

стр. 245

يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدَّة أصحاب الكهف اختلافًا صادرًا عن رَجْمهم بالغيب، وتقوُّلهم بما لا يعلمون، وأنَّهم فيهم على ثلاثة أقوال: منهم من يقولُ: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، ومنهم من يقول: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وهذان القولان ذكر الله بعدهما أنَّ هذا رجمٌ منهم بالغيب، فدلَّ على بطلانهما، ومنهم من يقول: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وهذا - والله أعلم - الصوابُ؛ لأنَّ الله أبطل الأوَّلَيْن ولم يبطله، فدلَّ على صحَّته، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحةٌ للناس دينيَّة ولا دنيويَّة، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم، ﴿فَلَا تُمَارِ﴾، أي: تجادل وتُحاج ﴿فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، أي: مبنيًّا على العلم واليقين، ويكون أيضًا فيه فائدة، وأما المماراة المبنيَّة على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها، إما أن يكون الخصم معاندًا، أو تكون المسألة لا أهميَّة فيها، ولا تحصل فائدة دينيَّةٌ بمعرفتها؛ كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك؛ فإنَّ في كثرة المناقشات فيها، والبحوث المتسلسلة تضييعًا للزَّمان، وتأثيرًا في مودَّة القلوب بغير فائدة، ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾، أي: في شأن أهل الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾، أي: من أهل الكتاب، ﴿أَحَدًا﴾، وذلك لأنَّ مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظنِّ الذي لا يُغني من الحقِّ شيئًا؛ ففيها دليلٌ على المنع من استفتاء من لا يصلُحُ للفتوى؛ إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلَّم به، وليس عنده ورعٌ يحجزه، وإذا نُهي عن استفتاء هذا الجنس فنهيُه هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى. وفي الآية أيضًا دليلٌ على أن الشخص قد يكون منهيّا عن استفتائه في شيء دون آخر، فيُستفتى فيما هو أهلٌ له بخلاف غيره؛ لأنَّ الله لم ينه عن استفتائهم مطلقًا، إنَّما نهى عن استفتائهم في قصَّة أصحاب الكهف، وما أشبهها.

стр. 246

فوائد من هذه القصة ففيها آيات بينات، وفوائد متعددة: ففي هذه القصة: دليلٌ على أنَّ مَنْ فرَّ بدينه من الفتن سلَّمه الله منها، وأنَّ من حرص على العافية عافاه الله، ومن أوى إلى الله آواه الله، وجعله هدايةً لغيره، ومن تحمَّل الذُّلَّ في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. ومنها: أن قصة أصحاب الكهف وإن كانت عجيبة فليست من أعجب آيات الله، فإن لله آيات عجيبة، وقصصًا فيها عبرة للمعتبرين. ومنها: أن مَنْ أوى إلى الله آواه الله، ولطف به، وجعله سببًا لهداية الضالين؛ فإن الله لطف بهم في هذه القومة الطويلة؛ إبقاءً على إيمانهم وأبدانهم من فتنة قومهم وقتلهم، وجعل هذه النَّوْمة من آياته التي يستدل بها على كمال قدرة الله، وتنوع إحسانه، وليعلم العباد أن وعد الله حق. ومنها: الحثُّ على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك، وببحثهم ثم بعلم الناس بحالهم حصل البرهان والعلم بأن وَعْدَ الله حقّ، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها. ومنها: الأدبُ فيمن اشتبه عليه العلم أن يَرُدَّه إلى عالمه، وأن يقف عند ما يعرف. ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك؛ لقولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].

стр. 247

ومنها: جواز أكل الطيبات، والتخيّر من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه، إذا لم تخرج إلى حدّ الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]. ومنها: الحثُّ والتحرُّز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر، وعلى إخوانه في الدين. ومنها: بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتَرْكِهم لأوطانهم وعوائدهم في الله. ومنها: ذِكْر ما اشتمل عليه الشر من المضارّ والمفاسد الداعية لبُغْضه وتَرْكه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين. ومنها: أن قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] فيه دليلٌ على أن هؤلاء القوم الذين بُعِثُوا في زمانهم أناس أهل تديّن؛ لأنهم عظّموهم هذا التعظيم حتى عزموا على اتخاذ مسجد على كهفهم، وهذا إن كان ممنوعًا - وخصوصًا في شريعتنا - فالمقصود بيان أن ذلك الخوف العظيم من أهل الكهف وقت إيمانهم ودخولهم في الغار أبدلهم الله به بعد ذلك أمنًا وتعظيمًا من الخلق، وهذه عوائد الله فيمن تحمّل المشاقّ من أجله أن يجعل له العاقبة الحميدة. ومنها: أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهميّة لها لا ينبغي الانهماك به؛ لقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]. ومنها: أن سؤال من لا علم له في القضية المسؤول فيها، أو لا يوثق به منهي عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].

стр. 248

قصة مؤمن آل فرعون ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ *

стр. 249

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٢٨ - ٤٦]. ومن جملة الأسباب (١) هذا الرجل المؤمن الذي من آل فرعون من بيت المملكة، لا بدَّ أن يكون له كلمةٌ مسموعةٌ، وخصوصًا إذا كان يُظهِرُ موافقتهم ويكتم إيمانه؛ فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر؛ كما منع الله رسوله محمدًا ﷺ بعمه أبي طالب من قريش؛ حيث كان أبو طالب كبيرًا عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع. فقال ذلك الرجل المؤمن الموفَّق العاقل الحازم مقبِّحًا فِعْلَ قومه، وشناعة ما عزموا عليه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، أي: كيف تستحلُّون قتله وهذا ذنبه وجَرْمه أنَّه يقول ربي الله؟! ولم يكن أيضًا قولًا مجرَّدًا عن البينات، ولهذا قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ لأنَّ بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله، فهلَّا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يردُّه، ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحلُّ قَتْلُه إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟! فأما وقد ظهرت حجته واستعلى برهانه فبينكم وبين حِلِّ قتله مفاوزُ تنقطع بها أعناق المطيِّ.

стр. 250

ثم قال لهم مقالة عقليةً تُقنع كلَّ عاقل بأي حالة قُدّرت، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، أي: موسى بين أمرين؛ إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختصّ به، وليس عليكم في ذلك ضررٌ؛ حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إنْ لم تجيبوه عذبكم الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة؛ فإنه لا بدَّ أن يصيبكم بعضُ الذي يَعِدُكم، وهو عذاب الدنيا. وهذا من حُسْن عقله، ولطف دَفْعه عن موسى؛ حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تلك الحالتين، وعلى كلِّ تقدير فقَتْلُه سَفَهٌ وجهلٌ منكم. ثم انتقل ﵁ وأرضاه، وغفر له ورحمه، إلى أمرٍ أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾، أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل، ﴿كَذَّابٌ﴾ بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب؛ لا في مدلوله، ولا في دليله، ولا يوفَّق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماويّة؛ فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليلٌ على كمال علمه وعقله ومعرفته بربِّه. ثم حذَّر قومه ونصحهم، وخوَّفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر، فقال: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، أي: في الدنيا ﴿ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، فهبكم حصل لكم ذلك وتمَّ، ولن يتمَّ؛ ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾، أي: عذابه، ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾، وهذا من حُسْن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركًا بينه وبينهم بقوله:
следующие страницы →