قصة صالح ﵇
كانت ثمود - وهي عاد الثانية - يسكنون في الحِجْرِ (١) وما حولها، وكانوا أهل مواشٍ كثيرة، وأهل حَرْثٍ وزروع، وتواصلت عليهم النِّعَم، فكانوا يتخذون من السهول قصورًا مزخرفة، ومن الجبال بيوتًا منحوتة مُتْقَنَةً، فَبَطَرُوا النَّعَم وكفروها، وعبدوا غير الله، فأرسل الله إليهم أخاهم صالحًا من قبيلتهم، يعرفون نسبه وحَسَبه، وفضله وكماله، وصدقه وأمانته، فدعاهم إلى الله، وإلى إخلاص الدين له، وتَرْكِ ما كانوا يعبدون من دونه، وذكَّرهم بنعم الله، وبأيامه بالأمم المجاورة لهم، فلم يتبعه إلا القليل.
وحين ذكَّرهم وأقام الأدلة والبراهين على وجوب توحيد الله اشمأزوا ونفروا واستكبروا، وقالوا: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢]، أي: قد كنا قد تخايلنا فيك أن تفْضُلَنا جميعًا؛ لكمالك وكمال أخلاقك، وآدابك الطيبة.
وهذا اعتراف منهم له بهذه الأمور قبل أن يقول ما قال، فما نَزَّلَه عن هذه المرتبة عندهم إلا أنه دعاهم إلى عبادة الخالق، من عبادة العبيد، وإلى السعادة الأبدية، وما ذنبه إلا أنه خالف آباءهم الضالِّين، وهم كانوا أضلَّ
стр. 37
منهم، ثم أقام لهم بينة عظيمة وبرهانًا ونعمة على جميع القبيلة بأَسْرها، وقال: هذه ناقة الله - التي لا يشبهها شيء من النوق في ذاتها وشرفها ومنافعها لكم - آيةٌ على صدقي، وعلى سعة رحمة ربكم، فذَرُوها تأكل في أرض الله، على الله رِزْقُها، ولكم نفعها، تَرِد الماء يومًا فترد القبيلة بأَسْرها على ضرعها، كلّ يصدر عن ضرعها قد ملأ آنيته، ثم تَرِدُون أنتم في اليوم الثاني، فمكثت على هذا ما شاء الله.
وكان في مدينتهم تسعةُ رهطٍ من شياطينهم قد قاوموا ما جاء به صالح أشد المقاومة، يَصُدُّون عن سبيل الله، ويُفسدون في الأرض ولا يُصْلحون، وكان صالح قد حذّرهم من عَقْر الناقة؛ لما رأى من كِبْرهم ورَدّهم الحق، فأول ما فعل أولئك الملأ الأشرار أن عقدوا مجلسًا عامًا ليتفقوا على عقر الناقة، فاتفقوا، فانتدب لذلك أشقى القبيلة، ولهذا قال الله تعالى:
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢]، أي: بعد اتفاقهم وندبهم إياه بعثوه لذلك، فانبعث واستعدَّ، وتكفَّل لهم بعقرها، وهم جميعهم راضون، بل آمرون، فعقرها، فكان هذا العقر مُؤْذِنًا بهلاك القبيلة بأسرها.
فلما شعر صالح بالأمر، ورأى منظرًا فظيعًا، علم أن العذاب قد تحتَّم لا محالة؛ لأن الجريمة قد تفاقمت، ولم يبقَ حالة يُرْجَى فيها لهم تقويم، فقال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، ونبَّه بهذا الكلام دانيَهم وقاصيهم، ففي أثناء هذه المدة اتَّفق هؤلاء الرهط التسعة على أمرٍ أغلظ من عَقْر الناقة؛ على قتل نبيهم صالح، وتعاهدوا وتعاقدوا، وحلفوا الأيمان المغلظة، وكتموا أمرهم خشيةً من منع أهل بيته؛ لأنه في بيت عزّ وشرف، وقالوا: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، ثم إذا ظُنَّ بنا أننا قتلناه حلفنا لأوليائه أننا ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، فدبَّرُوا هذا المكر العظيم، ولكنهم يمكرون ويمكر الله لنبيه صالح، فحين كمنوا في أصل جبل لينظروا
стр. 38
الفرصة في صالح بدأ الله بعقوبتهم، فكانوا سلفًا مقدَّمًا لقومهم إلى نار جهنم، فأرسل الله صخرة من أعلى الجبل فشدختهم (١)، وقتلوا أشنع قتلة، ثم لما تمت ثلاثة هذه الأيام جاءتهم صيحة من فوقهم، ورجفة من أسفل منهم، فأصبحوا خامدين، ونجى الله صالحًا ومن معه من المؤمنين، وتولى عنهم وقال: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩].
* * *
стр. 39
فوائد تتعلق بهذه القصة
منها: أن جميع الأنبياء دعوتهم واحدة، وأن مَنْ كذَّب واحدًا منهم فقد كذَّب الجميع؛ لأنه يكذِّب الحق الذي جاء به كل واحد منهم، ولهذا يقول في كل قصة: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾.
ومنها: أن عقوبات الله للأمم الطاغية عند تناهي طغيانها وتفاقم جرائمها، فكُفرهم وتكذيبهم مُوجِب للهلاك، ولكن تحتَّم الإهلاك عند تناهي إجرامهم؛ لأن الله تعالى بالمرصاد، فيُمهِل ثم يُمهِل، حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر.
ومنها: أن العقائد الباطلة الراسخة المأخوذة عمن يحسن بهم الظن من آباء أو غيرهم من أكبر الموانع لقبول الحق، والحال أنها ليست في العير ولا في النفير، ولا لها مقام في الحجج الصحيحة الدالة على الحقائق، فلهذا أكبر ما رَدَّ به قومُ صالح لدعوته أن قالوا: أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ وقالت جميع الأمم المكذِّبة رادِّين لدعوة الرسل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وهذا سبيل لا يزال معمورًا بالسالكين من أهل الباطل، نَهَجَتْه (١) الشياطين ليصدوا به العباد عن سبيل الله، ومن المعلوم أن طريق الرسل هي طريق الهدى والحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
* * *
стр. 40
قصة إبراهيم خليل الرحمن ﵇
قد ذكر الله في كتابه سيرة وأخبارًا كثيرةً من سيرة إبراهيم، فيها لنا الأسوة بالأنبياء عمومًا، وبه على وجه الخصوص؛ فإن الله أمر نبينا - باتباع ملَّته، وهي ما كان عليه من عقائد وأخلاق وأعمال قاصرة ومتعدية، فقد آتاه الله رُشْدَه، وعلَّمه الحكمة منذ كان صغيرًا، وأراه ملكوت السماوات والأرض، ولهذا كان أعظم الناس يقينًا وعلمًا وقوةً في دين الله ورحمته بالعباد، وكان قد بعثه الله إلى قوم مشركين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، وهم فلاسفة الصابئة (١) الذين هم من أخبث الطوائف، وأعظمهم ضررًا على الخَلْق، فدعاهم بطرق شتى، فأول ذلك دعاهم بطريقة لا يمكن لصاحب عقل أن ينفر منها، ولما كانوا يعبدون السبع السيارات التي منها الشمس والقمر، وقد بنوا لها البيوت، وسمَّوْها الهياكل، قال لهم ناظرًا ومناظرًا: هَلُمَّ يا قوم ننظر هل يستحق منها شيء الإلهية والربوبية؟ ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، والمناظرة تُخالِف غيرها في أمور كثيرة:
منها: أن المناظر يقول الشيء الذي لا يعتقده ليبني عليه حُجَّته، وليقيم الحجة على خصمه، كما قال في تكسيره الأصنام لما قالوا له:
стр. 41
﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]، فأشار إلى الصنم الذي لم يكسره فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، ومعلوم أن غرضه إلزامهم بالحجة، وقد حصلت.
فهنا يسهل علينا فَهْم معنى قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، أي: إن كان يستحق الإلهية بعد النظر في حالته ووصفه فهو ربي، مع أنه يعلم العلم اليقيني أنه لا يستحق من الربوبية والإلهية مثقال ذرة، ولكن أراد أن يلزمهم بالحجة: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، أي: غاب، ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] فإنَّ من كان له حال وجود وعدم، أو حال حضور وغَيْبة، قد علم كل عاقل أنه ليس بكامل، فلا يكون إلها، ثم انتقل إلى القمر، فلما رآه بازغًا: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]، يُريهم صلوات الله وسلامه عليه، وقد صوَّر نفسه بصورة الموافق لهم، لكن ليس على وجه التقليد، بل يقصد إقامة البرهان على إلهية النجوم والقمر، فالآن وقد أَفَلَتْ، وتبيَّن بالبرهان العقلي مع السمعي بطلان إلهيتها، فأنا إلى الآن لم يستقرَّ لي قرار على رب وإله عظيم، فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا أكبر من النجوم ومن القمر، فإن جرى عليها ما جرى عليهما كانت مثلهما، فلما أفلت وقد تقرَّر عند الجميع فيما سبق أن عبادة من يَأْفُل من أبطل الباطل، فحينئذ ألزمهم بهذا الإلزام، ووجَّه عليهم الحجة فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] أي: ظاهري وباطني، ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، هذا برهان عقلي واضح أن الخالق للعالم العلوي والسفلي هو الذي يتعيَّن أن يُقصد بالتوحيد والإخلاص، وأن هذه الأفلاك والكواكب وغيرها مخلوقات مُدبرات، ليس لها من الأوصاف ما تستحق العبادة لأجلها؛ فجعلوا يُخوِّفونه آلهتهم أن تَمَسَّهُ بسوء، وهذا دليل على أن المشركين عندهم من الخيالات
стр. 42
الفاسدة والآراء الرديئة ما يعتقدون أن آلهتهم تنفع مَنْ عَبَدَها وتضُرُّ مَنْ تركها أو قدح فيها، فقال لهم مبيّنًا لهم أنه ليس عليه شيء من الخوف، وإنما الخوف الحقيقي عليكم، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] أجاب الله هذا الاستفهام جوابًا يَعُمُّ هذه القصة وغيرها في كل وقت، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: بشِرْك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فرفع الله خليله إبراهيم بالعلم وإقامة الحجة، وعجزوا عن نصر باطلهم؛ ولكنهم صَمَّمُوا على الإقامة على ما هم عليه، ولم ينفع فيهم الوعظ والتذكير وإقامة الحجج، فلم يزل يدعوهم إلى الله، وينهاهم عما كانوا يعبدون نهيًا عامًا وخاصًا، وأخصُّ مَنْ دعاه أبوه آزر؛ فإنه دعاه بعدة طرق نافعة، ولكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، فمن جملة مقالاته لأبيه قوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٢ - ٤٣]، انظر إلى حُسْن هذا الخطاب الجاذب للقلوب؛ لم يقل لأبيه: إنك جاهل؛ لئلا ينفر من الكلام الخشن، بل قال له هذا القول: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٥]، فانتقل بدعوته من أسلوب لآخر لعله ينجح فيه أو يُفيد، ولكنه مع ذلك قال له أبوه: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، هذا وإبراهيم لم يغضب، ولم يقابل أباه ببعض ما قال، بل قابل هذه الإساءة الكبرى بالإحسان، فقال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]، أي: لا أتكلم معك إلا بكلام طيب لا غلظة فيه ولا خشونة، ومع ذلك فلستُ بآيسٍ من هدايتك:
стр. 43
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، أي: بَرًّا رحيمًا، قد عوَّدني لُطفه، وأجراني على عوائده الجميلة، ولم يَزَل لدعائي مجيبًا.
فلم يَزَل إبراهيم مع قومه في دعوة وجدال، وقد أفحمهم، وكسر جميع حُجَجِهم وشُبَهِهم، فأراد ﵇ أن يقاومهم بأعظم الحُجَج، وأن يصمد لبطشهم وجبروتهم، وقدرتهم وقوتهم، غير هائب ولا وَجِل (١)، فلما خرجوا ذات يوم لعيد من أعيادهم وخرج معهم، ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ لأنه خشي إن تخَلَّف لغير هذه الوسيلة لم يدرك مطلوبه؛ لأنه تظاهر بعداوتها، والنهي الأكيد عنها، وجهاد أهلها، فلما برزوا جميعًا إلى الصحراء كرَّ راجعًا إلى بيت أصنامهم، فجعلها جُذاذًا (٢) كلها إلا صنمًا كبيرًا أبقى عليه؛ ليُلزِمهم بالحجة، فلما رجعوا من عيدهم بادروا إلى أصنامهم صبابةً ومحبةً، فرأوا فيها أفظع منظر رآه أهلها، فقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٠]، أي: يعيبها ويذكرها بأوصاف النقص والسوء: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] فلما تحققوا أنه الذي كسرها: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١]، أي: بحضرة الخَلْق العظيم، ووبَّخوه أشد التوبيخ، ثم نكلوا به، وهذا الذي أراد إبراهيم؛ ليظهر الحق بمرأى الخلق ومسمعهم، فلما جُمع الناس وحضروا، وأحضروا إبراهيم، قالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْراهيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٦٣] مشيرًا إلى الصنم الذي سَلِم من تكسيره، وهم في هذه بين أمرين: إما أن يعترفوا بالحق، وأن هذا لا يدخل عقل أحد أن جمادًا معروفًا أنه مصنوع من مواد معروفة لا يمكن أن يفعل هذا الفعل، وإما أن يقولوا: نعم هو الذي فعلها وأنت سالم ناجٍ مِنْ تَبِعَتها، وقد علم أنهم لا يقولون
стр. 44
الاحتمال الأخير، قال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، وهذا تعليق بالأمر الذي يعترفون أنه محال، فحينئذ ظهر الحق وبان، واعترفوا هم بالحق، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، أي: ما كان اعترافهم ببطلان إلهيتها إلا وقتًا قصيرًا حيث ظهرت الحجة مباشرة التي لا يمكن مكابرتها، ولكن ما أسرع ما عادت عليهم عقائدهم الباطلة التي رسخت في قلوبهم، وصارت صفات ملازمة، إن وُجد ما ينافيها فإنه عارض يعرض ثم يزول: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فحينئذ وبخهم بعد إقامة الحجة التي اعترف بها الخصوم على رؤوس الأشهاد، فقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧]، فلو كان لكم عقول صحيحة لم تُقيموا على عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يدفع عن نفسه مَنْ يريده بسوء، فلما أعيتهم المقاومة بالبراهين والحُجَج عَدَلُوا إلى استعمال قوتهم وبطشهم وجبروتهم في عقوبة إبراهيم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾، فأوقدوا نارًا عظيمة جدًا فألقوه بها، فقال وهو في تلك الحال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله للنار: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فلم تضره بشيء، ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ لينصروا آلهتهم، ويُقيموا لها في قلوبهم وقلوب أتباعهم الخضوع والتعظيم، فكان مكرهم وبالًا عليهم، وكان انتصارهم لآلهتهم نصرًا عظيمًا عند الحاضرين والغائبين والموجودين والحادثين عليهم.
وانتصر الخليل على الخواص والعوام والرؤساء والمرؤوسين، حتى إن ملكهم حاجَّ إبراهيم في ربِّه بغيًا وطغيانًا، ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فألزمه الخليل بطَرْد
стр. 45
دليله بالتصرف المطلق، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
ثم خرج من بين أظهرهم مهاجرًا وزوجته وابن أخيه لوطًا إلى الديار الشامية، وفي أثناء مدة إقامته بالشام ذهب إلى مصر بزوجته سارة، وكانت أحسن امرأة على الإطلاق، فلما رآها ملك مصر - وكان جبارًا عنيدًا - لم يملك نفسه حتى أرادها على نفسها، فدعت الله عليه، فكاد أن يموت، ثم أُطلق، ثم عاد ثانية، وكلما أرادها دعت عليه فصُرع، ثم دعت له فأُطلق، فكفاهما الله شَرَّه (١)، ووهب لها هاجر جارية قبطية، وكانت سارة عاقرًا منذ كانت شابة، فوهبت هذه الجارية لإبراهيم ليتسرَّرها (٢) لعل الله يرزقه منها ولدًا، فأتت هاجر بإسماعيل على كِبَر إبراهيم، ففرح به فرحًا شديدًا، ولكن سارة ﵂ أدركتها الغيرة، فحلفت أن لا يساكنها بها، وذلك لما يريده الله، وهذا من جملة الأسباب لذهابه بها إلى موضع البيت الحرام، وإلا فهو متقرر عنده ذلك ﵇.
فذهب بها وبابنها إسماعيل إلى مكة، وهي في ذلك الوقت ليس فيها سكن ولا مسكن ولا ماء ولا زرع ولا غيره، وزوَّدهما بسقاء فيه ماء، وجراب فيه تمر، ووضعهما عند دَوْحة (٣) قريبة من محل بئر زمزم، ثم قَفَّى (٤) عنهما، فلما كان في الثَّنيَّة (٥) بحيث يُشرف عليهما دعا الله تعالى فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى آخر الدعاء.
стр. 46
ثم استسلمت لأمر الله، وجعلت تأكل من ذلك التمر، وتشرب من ذلك الماء حتى نَفِدَا، فعطشت ثم عطش ولدها، فجعل يتلوّى من العطش، ثم ذهبت في تلك الحال لعلها ترى أحدًا، أو تجد مُغيثًا، فصعدت أدنى جبل منها وهو الصفا، وتطلّعت فلم تَرَ أحدًا، ثم ذهبت إلى المروة فصعدت عليه فتطلّعت، فلم تَرَ أحدًا، ثم جعلت تتردّد في ذلك الموضع وهي مكروبة مضطرة مستغيثة بالله لها ولابنها، وهي تمشي وتلتفت إليه خشية السباع عليه، فإذا هبطت الوادي سعت حتى تصعد من جانبه الآخر؛ لئلا يخفى على بصرها ابنُها.
والفرج مع الكرب، والعُسْر يتبعه اليُسْر، فلما تمت سبع مرات تسمّعت حِسَّ المَلَك، فبحث في الموضع الذي فيه زمزم فنبع الماء، فاشتد فرح أم إسماعيل به، فشربت منه وأرضعت ولدها، وحمدت الله على هذه النعمة الكبرى، وحوّطت على الماء لئلا يسيح، قال النبي ﷺ : «رحم الله أم إسماعيل، لو تركت ماء زمزم - أي لم تُحوّطه - لكانت زمزم عينًا مَعِينًا» (١)، ثم عثرت بها قبيلة من قبائل العرب يقال لهم جُرْهُم، فنزلوا عندها وتمت عليها النعمة.
وشبّ إسماعيل شابًا حسنًا، وأعجب القبيلة بأخلاقه وعُلُوّ همّته وكماله، فلما بلغ تزوّج منهم امرأةً، ففي أثناء هذه المدة ماتت أمه ﵂، وجاء إبراهيم بغية إسماعيل يتصيّد، فدخل على امرأته فسألها عن زوجها وعن عيشهم، فأخبرته أن زوجها قد ذهب يتصيّد، وأن عيشهم عيش الشدة، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، وقولي له يُغيّر عتبة بابه، ورجع من فوره لحكمة أرادها الله، فلما جاء إسماعيل كأنه آنَسَ شيئًا، فسأل امرأته، فأخبرته أنه جاءهم شيخ بهذا الوصف، وأنه سأل عنك فأخبرته، وسألنا عن عيشنا فأخبرته أننا في شدة، وأنه يقرأ عليك السلام، ويقول لك: غيّر عتبة بابك، فقال: ذاك أبي، وأنتِ العتبة، الحَقِي بأهلك. ثم تزوّج إسماعيل غيرها.
стр. 47
ثم جاء إبراهيم مرة أخرى وإسماعيل أيضًا في الصيد، فدخل على امرأته، فسألها عن إسماعيل فأخبرته، وسألها عن عيشهم فأخبرته أنهم في نعمة وخير، وكانت امرأة طيبة شاكرة الله وشاكرة لزوجها، ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه ﵇، وقولي له يُثبِّتْ عتبة بابه، ثم رجع أيضًا من فَوْرِه قبل مواجهة إسماعيل لحكمة أرادها الله تعالى، فلما رجع إسماعيل من صيده قال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: جاءنا شيخ بهذا الوصف، فقال: هل قال لكم من شيء؟ فقالت: سألنا عنك فأخبرته، وسألنا عن عيشنا فأخبرته أنَّا في نعمة، وأثنيت على الله، فقال: فما قال؟ قالت: هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تُثبِّت عتبة بابك، فقال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أُمْسِكَك.
ثم عاد إبراهيم المرة الثالثة فوجد إسماعيل يَبْرِي نَبْلًا عند زمزم، فلما رآه قام إليه فصَنَعَا كما يصنع الوالد الشفيق والولد الشفيق، فقال: يا إسماعيل، إن الله أمرني أن أبني هنا بيتًا يكون معبدًا للخلق إلى يوم القيامة، قال: سأعينك على ذلك، فجعلا يرفعان القواعد من البيت (١)؛ إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].
فلما تمَّ بنيانه، وتمَّ للخليل هذا الأثر الجليل؛ أمره الله أن يدعو الناس، ويُؤذِّن فيهم بحَجِّ هذا البيت، فجعل يدعو الناس وهم يفِدُون إلى هذا البيت من كل فجٍّ عميق؛ ليشهدوا منافع دنياهم وأخراهم، ويسعدوا، ويزول عنهم شقاؤهم.
стр. 48
وفي هذه الأثناء حين تمكَّن حُبُّ إسماعيل من قلبه، وأراد الله أن يمتحن إبراهيم لتقديم محبة ربه وخُلَّته التي لا تقبل المشاركة والمزاحمة، فأمره في المنام أن يذبح إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي من الله، فقال لإسماعيل: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ ياأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٣]، أي: خضعا لأمر الله، وانقادَا لأمره، ووطَّنَا أنفسهما على هذا الأمر المزعج الذي لا تكاد النفوس تصبر على عُشْر مِعْشاره، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، نزل الفرج من الرحمن الرحيم، ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ ياإِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، فحصل توطين النفس على هذه المحنة والبلوى الشاقة المزعجة، وحصلت المقدمات والجزم المصمّم، وتمّ لهما الأجر والثواب، وحصل لهما الشرف والقرب والزلفى من الله، وما ذلك من ألطاف الرب بعزيز، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٥ - ١٠٧]، وأي ذبح أعظم من كونه حصل به مقصود هذه العبادة التي لا يُشبهها عبادة، وصار سُنَّة في عقبه إلى يوم القيامة يُتقرَّب به إلى الله، ويدرك به ثوابه ورضاه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩].
ثم إن الله أتم النعمة على إبراهيم، ورَحِم زوجته سارة على الكِبَر والعُقْم واليأس بالبشارة بالابن الجليل، وهو إسحاق، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾، فحين أرسل الله لوطًا إلى قومه، وتمرَّدوا عليه وحتَّم الله عقوبتهم، وكان لوط تلميذًا لإبراهيم، ولإبراهيم عليه حقوق كثيرة، فمرَّت الملائكة الذين أُرْسِلُوا لإهلاك قوم لوط بإبراهيم بصورة آدميين، فلما دخلوا عليه وسلموا ردَّ عليهم¬ السلام، وبادرهم بالضيافة، وكان الله قد أعطاه الرزق الواسع، والكرم العظيم، وكان بيته مأوى للأضياف، فبالحال راغَ إلى أهله بسرعة وخُفْية منهم، فجاء
стр. 49
بعجل سمين محنوذ؛ مشوي على الرَّضف (١) فقرَّبه إليهم، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧]، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]؛ إذ ظن أنهم لصوص: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، وكانت سارة قائمة في خدمتهم، وبشَّره بغلام عليم، فصرخت سارة وصكَّت وجهها متعجبة ومستبشرة ومتردِّدة ومتحيِّرة، وقالت: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] وقبل ذلك كنت عقيمًا، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾، فبشَّراهما بإسحاق، وأنه يعيش ويُولد له يعقوب ويدركانه، ولهذا حمد الله إبراهيم على تمام نعمته، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
стр. 50
فوائد من قصة إبراهيم الخليل ﵇
أولًا: لِيُعلم أن جميع ما قصَّه الله علينا من سيرة إبراهيم الخليل ﵇ فإننا مأمورون به أمرًا خاصًا، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] أي: الزموها. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ [الممتحنة: ٤] الآية، فما هو عليه في التوحيد والأصول والعقائد والأخلاق وجميع ما قصَّ علينا من نبئه فإن اتباعنا إياه من ديننا؛ ولهذا لما كان هذا أمرًا عامًا لأحواله كلها استثنى الله حالة من أحواله فقال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] أي: فلا تقتدوا به في هذه الحال بالاستغفار للمشركين، فإن استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾.
ومنها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بحالهم، وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضل إبراهيم الخليل ﵊؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها، والاعتناء بها.
ومنها: أن الله اتخذه خليلًا، والخُلَّة أعلى درجات المحبة، وهذه المرتبة لم تحصل لأحد من الخلق إلا للخليلين: إبراهيم، ومحمد ﷺ .
ومنها: ما أكرمه الله به من الكرامات المتنوعة، جعل في ذريته النبوة والكتاب، وأخرج من صُلبه أُمَّتَيْن هما أفضل الأمم: العرب وبنو إسرائيل، واختاره الله لبناء بيته الذي هو أشرف بيت، وأول بيت وُضع للناس، ووهب له الأولاد بعد الكِبَر واليأس، وملأ بذِكْره ما بين الخافقين (١)، وامتلأت قلوب الخلق من محبته، وألسنتُهم من الثناء عليه.
стр. 51
ومنها: أن الله رفعه بالعلم واليقين وقوة الحُجَج، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]، ومن شوقه إلى الوصول إلى غاية العلم ونهايته أن سأل ربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ومنها: أن مَنْ عَزَمَ على فِعْل الطاعات، وبذل مقدوره في أسبابها، ثم حصل مانع يمنع من إكمالها، أن أجره قد وجب على الله، كما قال الله ذلك في المهاجر الذي يموت قبل أن يصل إلى مُهَاجَره (١)، وكما ذكره الله في قصة الذبح، وأن الله أتمَّ الأجر لإبراهيم وإسماعيل حين أسلما لله وأذْعَنَا لأمره، ثم رفع عنهما المشقة، وأوجب لهما الأجر الدنيوي والأخروي.
ومنها: ما في قَصَصِه من آداب المناظرة: طُرقها ومسالكها النافعة، وكيفية إلزام الخصم بالطرق الواضحة التي يعترف بها أهل العقول، وإلجاؤه الخصم الأَلَدَّ إلى الاعتراف ببطلان مذهبه، وإقامة الحجة على المعاندين، وإرشاد المسترشدين.
ومنها: أن من نعمة الله على العبد هبة الأولاد الصالحين، وأن عليه في ذلك أن يحمد الله، ويدعو الله لذريته كما فعل الخليل ﵇ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] إلى آخر الدعاء.
وقال جلَّ ذِكْره في الثناء عمومًا على من يدعو الله بصلاح ذريته: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]،
стр. 52
«فإن العبد إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).
ومنها: أن المشاعر ومواضع الأنساك من جملة الحِكَم فيها أن فيها تذكيرات بمقامات الخليل وأهل بيته في عبادات ربهم، وإيمان بالله ورسله، وحثّ على الاقتداء بهم في كل أحوالهم الدينية، وكل أحوال الرسل دينية؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
ومنها: الأمر بتطهير المسجد الحرام من الأنجاس، ومن جميع المعاصي القولية والفعلية؛ تعظيمًا لله، وإعانةً وتنشيطًا للمتعبدين فيه، ومثله بقية المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
ومنها: أن أفضل الوصايا على الإطلاق ما وصَّى به إبراهيم بنيه ويعقوب؛ وهو الوصية بملازمة القيام بالدين، وتقوى الله، والاجتماع على ذلك، وهي وصيته تعالى للأولين والآخرين، إذ بها السعادة الأبدية، والسلامة من شرور الدنيا والآخرة.
ومنها: أن العامل كما عليه أن يُتقن عمله، ويجتهد في إيقاعه على أكمل الوجوه، فعليه مع ذلك أن يكون بين الخوف والرجاء، وأن يتضرع إلى ربه في قبوله وتكميل نقصه، والعفو عما وقع فيه من خلل أو نقص، كما كان إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت وهما بهذا الوصف الكامل.
ومنها: أن الجمع بين الدعاء لله بمصالح الدنيا والدين من سبيل أنبياء الله، وكذلك السعي في تحصيلهما الدين هو الأصل، والمقصود الذي خُلِق له الخَلْق، والدنيا وسيلة ومعونة عليه، لدعاء الخليل لأهل البيت الحرام
стр. 53
بالأمرين، وتعليله الدعاء بالأمور الدنيوية أنه وسيلة إلى الشكر، فقال: ﴿وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
ومنها: ما اشتملت عليه قصة إبراهيم من مشروعية الضيافة وآدابها، وأنَّها من سُنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمّدًا ﷺ وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، فإن الله أخبر عن ضيفه أنهم مُكْرَمون؛ يعني: أنهم كرماء على الله، وأيضًا إبراهيم أكرمهم بضيافته قولًا وفعلًا، فإكرام الضيف من الإيمان، وأنه خدمهم بنفسه، وبادر بضيافتهم قبل كل شيء، وأتى بأطيب ماله: عِجْل حَنِيذ سمين، وقرَّبه إليهم، ولم يُخْوِجهم إلى الذهاب إلى عمل آخر، وعرض عليهم الأكل بلفظ رقيق فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧].
ومنها: أنَّ إبراهيم ﵇ قد كان بيته مأوى للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في الابتداء بالسلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلامًا أكمل من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملةً اسميَّة دالَّة على الثبوت والاستقرار.
ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجله، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى (١) أضيافه.
ومنها: أنَّ الذبيحة الحاضرة التي قد أُعِدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جُعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم ﵇، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون.
ومنها: الترغيب في أن يكون أهل الإنسان ومَن يتولى شؤون بيته حازمين مستعدِّين لكل ما يراد منهم من الشؤون والقيام بمهمات البيت، فإن إبراهيم في الحال بادرَ إلى أهله فوجد طعام ضيوفه حاضرًا، لا يُخْوج إلا إلى تقديمه.
стр. 54
ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا لديه وفي بيته مُعَدًّا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران، أو غير ذلك.
ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجعله في موضع ويقول لهم: «تفضلوا، أو ائتوا إليه»؛ لأنَّ هذا أيسر عليهم وأحسن.
ومنها: حُسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين، خصوصًا عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، ولم يقل: ﴿كلوا﴾! ونحوه من الألفاظ التي غيرُها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ أو: «ألا تتفضلون علينا وتُشرِّفوننا وتُحسنون إلينا. . .»، ونحو ذلك.
ومنها: مشروعية السلام، وأن المبتدئ فيه هو الداخل وهو الماشي، وأنه يجب ردُّه، ومشروعية الوقوف على اسم مَنْ يتصل بك من صاحب ومعامل وضيف؛ لقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، أي: لا أعرفكم فأُحبُّ أن تُعرِّفوني بأنفسكم، وهذا ألطف من قوله: أنكرتكم، ونحوه.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، ولم يقل: «أنكرتكم»، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى.
ومنها: أنَّ مَنْ خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يُزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن رَوْعَه (١)، ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لما خافهم: ﴿لَا تَخَفْ﴾؛ وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم.
стр. 55
ومنها: أن إتيان الولد والبشارة به من سارة وهي عجوز عقيم؛ يُعَدُّ معجزة لإبراهيم، وكرامة لسارة، ففيه معجزة نبي وكرامة وَلِيّ، ونظيره بشارة الملائكة لمريم بعيسى، وبشارتهم بيحيى لزكريا وزوجته، وكون زكريا جعل الله آية وجود المبشَّر به أن لا يُكلّم الناس ثلاثة أيام، وهو سَوِيٌّ لا آفة فيه إلا بالرمز والإشارة، وكل هذا وما أشبهه من آيات الله، وأعجب من هذا إيجاده آدم من تراب، فسبحان من هو على كل شيء قدير.
ومنها: شدّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها، وصَرَّتها (١) غير المعهودة.
ومنها: ثناء الله على إبراهيم أنه أتى ربه بقلب سليم، وقد قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، والجامع لمعناه أنه سليم من الشرور كلها ومن أسبابها، ملآن من الخير والبر والكرم، سليم من الشُّبُهات القادحة في العلم واليقين، ومن الشهوات الحائلة بين العبد وبين كماله، سليم من الكِبْر ومن الرياء، والشقاق والنفاق، وسوء الأخلاق، وسليم من الغِلِّ والحقد، ملآن بالتوحيد والإيمان، والتواضع للحق وللخلق، والنصيحة للمسلمين، والرغبة في عبودية الله، وفي نفع عباد الله.
ومنها: ما ذكره في قصة نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩]، يتبعها بقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥]، فوعد الباري أن كل مُحْسِنٍ في عبادته مُحْسِنٍ إلى عباده؛ أن الله يجزيه الثناء الحسن، والدعاء من العالمين بحسب إحسانه، وهذا ثواب عاجل وآجل، وهو من البشرى في الحياة الدنيا، ومن علامات السعادة.
стр. 56
قصة لوط ﵇
قصة لوط ﵇ تبعٌ لقصة إبراهيم؛ لأنهُ تلميذُهُ، وقدْ تعلّمَ منْ إبراهيمَ، وكانَ لهُ بمنزلةِ الابنِ، فنبّأهُ اللهُ بحياةِ الخليلِ، وأرسلهُ إلى قرى سَدُومَ منْ غَوْرِ (١) فلسطينَ، وكانوا مع شركهم بالله يلُوطونَ بالذكورِ، ولم يسبقهم أحدٌ إلى هذه الفاحشةِ الشنعاء، فدعاهم إلى عبادةِ اللهِ وحدهُ، وحذّرهم من هذه الفاحشةِ، فلم يزدادوا إلا عُتُوًّا وتمادِيًا فيما هم فيه، ولما أراد الله هلاكهم أرسل الملائكة لذلك، فمرُّوا بطريقهم على إبراهيم وأخبروه بذلك، فجعل إبراهيم يجادل في إهلاكهم - وكان رحيمًا حليمًا - وقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، فقيل: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]، ولما ذهب الملائكة إلى لوط بصورة أضياف آدميين شباب ساء لوطًا ذلك، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]؛ لعلمه بما عليه قومه من هذه الجراءة الشنيعة، ووقع ما خاف منه، فجاءه قومه يهرعون إليه يريدون فِعْل الفاحشة بأضياف لوط، فقال: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؛ لعلمه أنه لا حق لهم فيهن، كما عرض سليمان للمرأتين حين اختصمتا في الولد، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، ومن المعلوم أنه لا يقع ذلك، وهذا مثله، ولهذا
стр. 57
قال قومه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، وأيضًا يريد بعض العذر من أضيافه، وعلى هذا التأويل لا حاجة إلى العدول إلى قول بعض المفسرين: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] يعني: زوجاتهم، يعني: لأن النبي أبٌ لأمته، فإن هذا يمنعه أمران:
أحدهما: قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] يشير إليهن إشارة الحاضر.
ثانيًا: هذا الإطلاق على زوجاتهم لا نظير له، وأيضًا النبي إنما هو بمنزلة الأب للمؤمنين به، لا للكفار، والمحذور الذي توهموه يزول بما ذكرنا، وأنه يعلم أنه لا حق لهم فيهن، وإنما يريد مدافعتهم بكل طريق.
فاشتد الأمر بلوط وقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أي: لدافعتكم، فلما رآهم جازمين على مرادهم الخبيث قال لقومه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] فاسْتَلَجُّوا في طغيانهم وسُكْرِهم، فحينئذ أخبرته ملائكة الرحمن بأمرهم، وأنهم أُرْسِلوا لإهلاكهم، فصدم جبريل أو غيره من الملائكة الذين يعالجون الباب ليدخلوا على لوط، فطمس بهذه الصدمة أعينهم (١)، فكان هذا عذابًا معجلًا وأنموذجًا لمن باشرُوا مُراودَة لوط على أضيافه، وأمروا لوطًا أن يَسْرِي بأول الليل بأهله، ويُلِحُّ في السير حتى يُخلَّف ديارهم، وينجو من مَعَرَّة العذاب، فخرج بهم، فما أصبح الصباح حتى خلَّفوا ديارهم، وقلب الله عليهم ديارهم، فجعل أعلاها أسفلها، وأمطر عليها ﴿حِجَارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يعملون عملهم ﴿بِبَعِيدٍ﴾.
стр. 58
فوائد من هذه القصة
وفي هذه القصة: أكبر دليل على أن فاحشة اللواط من أشنع القبائح، وأنها توجب العقاب الشديد، وأن من ابتلي بهذه الفاحشة فمع ذهاب دينه قد انقلب عليه الحسن بالقبيح، فاستحسن ما كان قبيحًا، ونفر من الطَّيِّب، وذلك دليل على انحراف الأخلاق.
وفيها وفي قصة إبراهيم جوازُ التعريض؛ أما قصة إبراهيم ففي قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]، وأما لوط ففي قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، والتعريض يكون في الأقوال، ويكون في الأفعال، وهو أن يقصد المتكلم أو العامل لعمل أمرًا من الأمور التي لا بأس بها، ويُوهم السامع والرائي أمرًا آخر؛ ليستجلب منفعة، أو يدفع مضرة.
ومنها: أن من علامة الرجل الرشيد أنه هو المسدَّد في أقواله وأفعاله، ومن ذلك أنه ينصر المظلومين، ويُفَرِّج الكرب عن المكروبين، ويأمر بالخير، وينهى عن الشر، هذا هو الرشيد حقيقة، فلهذا قال لوط: ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]؟ أي: فيأمر بمعروف، وينهى عن منكر، ويدفع أهل الشر والبغي.
ومنها: أنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُهلك قرية ازداد شرُّهم وطغيانهم، فإذا انتهى أوقع بهم من العقوبات ما يستحقونه.
ومنها: الحثُّ على السعي في الأعوان على أمور الخير ودفع الشر، ولو كان المعاون على ذلك من أهل الشر، فإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وَبأقوام لا خَلَاق (١) لهم عند الله، ولهذا قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].
стр. 59
وأكثر الأنبياء يبعثهم الله في أشراف قومهم، ويحصل بذلك من تأييد الحق وقمع الباطل، والتمكُّن من الدعوة ما لا يحصل لو لم يكن كذلك، واعتبر هذا بحال شعيب وقول قومه له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١].
وكذلك نبينا محمد ﷺ بُعث في أشرف بيت في قريش وأعزه، وقد رماه قومه بالعداوة البليغة، وعقدوا المجالس المتعدِّدة في إبطال قوله ودينه، بل وفي كيفية الفتك به، ومن الأسباب التي أوقفتهم عند حَدِّهم خوفُهم من قبيلته، وانظر إلى حالته في تضييقهم عليه بالشِّعْب، وانحياز قبيلته معهم - مسلمهم وكافرهم - ولم يخطر ببالهم أنهم يصلون إلى الفتك بشخصه الكريم حتى مكروا ذلك المكر العظيم؛ إذ اتفق رأيهم على أن ينتدب لقتله من كل قبيلة رجل ليتفرَّق دمه في القبائل (١)، فيعجز قومه عن الأخذ بثأره، ولكنهم يمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين.
* * *
стр. 60
قصة يوسف ﵇
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦]
اعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعُلم بذلك أنها قصة تامّة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يُذكر في الإسرائيليات التي لا يُعرف لها سند ولا ناقل، وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومُكمّل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحًا، فإن تضاعيف هذه السورة قد ملئت في كثير من التفاسير من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصَّه الله تعالى بشيء كثير؛ فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصَّه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي ﷺ يُنْقَل.
فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام، ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، فكانت هذه الرؤيا مقدِّمة لما وصل إليه يوسف ﵇ من الارتفاع
стр. 61
في الدنيا والآخرة، وهكذا إذا أراد الله أمرًا من الأمور العظام قدَّم بين يديه مقدّمة، توطئة له، وتسهيلًا لأمره، واستعدادًا لما يَرِد على العبد من المشاقّ، لطفًا بعبده، وإحسانًا إليه، فأوَّلها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكرامًا وإعظامًا، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدّمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض، وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب الذين سجدوا له، وصاروا تَبَعًا له فيها، ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، أي: يصطفيك ويختارك بما يمنُّ به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، أي: من تعبير الرؤيا، وبيان ما تؤول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ في الدنيا والآخرة، بأن يُؤتيك في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾، حيث أنعم الله عليهما بنِعَم عظيمة واسعة دينية ودنيوية، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عِلْمُه محيط بالأشياء، وبما احتوت عليه ضمائر العباد من البر وغيره، فيعطي كلًّا ما تقتضيه حكمته وحمده؛ فإنه حكيمٌ يضع الأشياء مواضعها، ويُنزلها منازلها.
ولما بانَ تعبيرها ليوسف قال له أبوه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، أي: حسدًا من عند أنفسهم؛ بأن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لا يفْتُر عنه ليلًا ولا نهارًا، ولا سِرًّا ولا جهارًا؛ فالبُعد عن الأسباب التي يتسلّط بها على العبد أولى، فامتثل يوسف أمرَ أبيه، ولم يُخبِر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٧ - ٩].
стр. 62
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ أي: عِبَر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة، ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لكل مَنْ سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال؛ فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعِبَر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات ولا بالقصص والبينات، ﴿إِذْ قَالُوا﴾ فيما بينهم: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامين؛ أي: شقيقه، وإلا فكلُّهم إخوة، ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة، فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة؟ ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي خطأ بَيِّن، حيث فضلَّهما علينا من غير مُوجِب نراه، ولا أمر نشاهده.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: غَيِّبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكن من رؤيته فيها؛ فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يتفرَّغ لكم، ويُقْبل عليكم بالشفقة والمحبة؛ فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف شغلًا لا يتفرَّغ لكم، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾، أي: من بعد هذا الصنيع ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرونه من بعد ذنبكم، فقدَّموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم؛ تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطًا من بعضهم لبعض.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠].
أي: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾: من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾، فإِنَّ قَتْلَه أعظمُ إثمًا وأشنعُ، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تُلْقوه ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وتتوعَّدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنه عبد مملوك آبق منكم، لأجل أن ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الذين يريدون مكانا بعيدًا، فيحتفظون به، وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرُّهم وأتقاهم في هذه القضية؛ فإن بعض الشرِّ أهونُ من بعض، والضرر الخفيف يُدفَع به الضرر الثقيل، فلما اتفقوا على هذا الرأي:
стр. 63
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ، لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ، لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١١ - ١٤].
أي: قال إخوة يوسف متوسّلين إلى مقصدهم لأبيهم: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ، لَنَاصِحُونَ﴾، أي: لأيِّ شيء يدخلك الخوف منّا على يوسف من غير سبب ولا موجب، والحال إنَّا ﴿لَهُ، لَنَاصِحُونَ﴾، أي: مشفقون عليه، نَوَدُّ له ما نودُّ لأنفسنا، وهذا يدل على أن يعقوب ﵇ لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبريّة ونحوها.
فلما نفوا عن أنفسهم التُّهمة المانعة من عدم إرساله معهم ذكروا له من مصلحة يوسف وأُنْسِه الذي يحبُّه أبوه له ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم، فقالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ أي: يتنزَّه في البريّة ويستأنس، ﴿وَإِنَّا لَهُ، لَحَافِظُونَ﴾ أي: سنراعيه، ونحفظه من أذى يريده، فأجابهم بقوله: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: مجرّد ذهابكم به يحزنني ويشقُّ عليَّ؛ لأنني لا أقدر على فراقه ولو مدة يسيرة؛ فهذا مانعٌ من إرساله، ومانعٌ ثانٍ وهو ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ أي: في حال غفلتكم عنه؛ لأنه صغير لا يمتنع من الذئب، ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة حريصون على حفظه؛ ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي: لا خير فينا ولا نفع يُرْجَى منَّا إن أكله الذئب وغلبنا عليه، فلما مهَّدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، وعدم الموانع؛ سمح حينئذ بإرساله معهم لأجل أُنْسه.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ، وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ
стр. 64
وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٦ - ١٨].
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعدما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب (١)، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذُوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحَرِجة: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبارٌ عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر. ففيه بشارة له بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العزِّ والتمكين له في الأرض، ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ ليكون إتيانهم متأخّرًا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلًا لهم، وقرينة على صدقهم، فقالوا متعذّرين بعذر كاذب: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ توفيرًا له وراحة، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ في حال غيبتنا عنه واستباقنا، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا؛ لما في قلبك من الحزن على يوسف والرقة الشديدة عليه، ولكن عدم تصديقك إيَّانا لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكلُّ هذا تأكيد لعذرهم، ومما أكدوا به قولهم ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ زعموا أنَّه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدّقهم أبوهم بذلك، و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا قبيحًا في التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ما دلَّه على ما قال. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي:
стр. 65
أمَّا أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرًا جميلًا سالمًا من السخط والتشكّي إلى الخَلْق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر، وشكا إلى خالقه في قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأنَّ الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل؛ لأنَّ النبيَّ إذا وعد وفى.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ١٩ - ٢٠].
أي: مكث يوسف في الجُبِّ ما مكث، حتى جاءت ﴿سَيَّارَةٌ﴾ أي: قافلة تريد مصر، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ أي: فَرَطهم ومُقدَّمهم الذي يَعُسُّ لهم المياه، ويَسْبِرها، ويستعد لهم بتهيئة الحياض، ونحو ذلك، ﴿فَأَدْلَى﴾ ذلك الوارد ﴿دَلْوَهُ﴾ فتعلق فيه يوسف ﵇ وخرج، ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ أي: استبشر، وقال: هذا غلامٌ نفيسٌ، ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، وكان إخوته قريبًا منه، فاشتراه السيارةُ منهم، ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: قليل جدًّا، فسرَّه بقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأنه لم يكن لهم قصدٌ إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصدٌ في أخذ ثمنه، والمعنى في هذا: أنَّ السيارة لما وجدوه عزموا أن يُسرُّوا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنَّه عبدٌ أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم.
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
стр. 66
أي: لما ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها، فاشتراه عزيز مصر، فلما اشتراه أعجب به، ووصى به امرأته، وقال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: إما أن ينفعنا كنفع العبيد بأنواع الخدم، وإما أن نستمتع فيه استمتاعنا بأولادنا، ولعلَّ ذلك أنه لم يكن لهما ولد، ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كما يسَّرنا له أن يشتريه عزيز مصر، ويُكرمه هذا الإكرام؛ جعلنا هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ إذا بقي لا شغل له ولا همَّ له سوى العلم صار ذلك من أسباب تعلُّمه علمًا كثيرًا من علم الأحكام، وعلم التعبير، وغير ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: أمره تعالى نافذ لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلذلك يجري منهم، ويصدر ما يصدر في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم أعجز وأضعف من ذلك.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، أي: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ يوسف ﴿أَشُدَّهُ﴾ أي: كمال قوته المعنوية والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة من النبوة والرسالة ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي: جعلناه نبيًّا رسولًا وعالمًا ربانيًّا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في عبادة الخالق ببذل الجهد والنصح فيها، وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم، نؤتيهم من جملة الجزاء على إحسانهم علمًا نافعًا. ودلَّ هذا على أن يوسف وفَّى مقام الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس، والعلم الكثير والنبوة.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
стр. 67
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٩].
هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظمُ أجرًا؛ لأنهُ صبرُ اختيارٍ مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدَّمَ محبةَ الله عليها، وأما محنته بإخوته فصَبْرُه صبرُ اضطرار؛ بمنزلة الأمراض والمكاره التي تُصيب العبد بغير اختياره، وليس له ملجأ إلا الصبر عليها طائعًا أو كارهًا، وذلك أنَّ يوسف ﵊ بقي مكرَّمًا في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك أن راودته ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: هو غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحدٍ، ولا إحساس بشرٍ، وزادت المصيبة بأن ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وصار المحلُّ خاليًا، وهما آمنان من دخول أحدٍ عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي: افعل الأمر المكروه وأقْبِلْ إليَّ! ومع هذا فهو غريبٌ لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسيرٌ تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شابٌّ عزبٌ، وقد توعَّدته إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن أو العذاب الأليم، فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القويِّ فيه؛ لأنه قد همَّ فيها هَمًّا تركه لله، وقدَّم مراد الله على مراد النفس الأمَّارة بالسوء، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان الموجب لترك كلِّ ما حرَّم الله - ما أوجب له البُعد والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة، و ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح؛ لأنه مما يُسخط الله ويُبعد منه، ولأنه خيانةٌ في حقِّ سيِّدي
стр. 68
الذي أكرم مثواي؛ فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يُفْلِح.
والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حقّ سيّده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظُّلم الذي لا يُفْلِح من تعاطاه، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه يقتضي منه امتثال الأوامر واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أنَّ الله صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النِّعم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خَلْقه.
ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلَّص ويهرب من الفتنة، فبادرت إليه، وتعلَّقت بثوبه، فشقَّت قميصه، فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال أَلْفَيَا (١) سيدها، أي: زوجها لدى الباب، فرأى أمرًا شقَّ عليه، فبادرت إلى الكذب، وأن المراودة قد كانت من يوسف، وقالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ولم تقل: "من فعل بأهلك سوءًا"؛ تبرئةً لها، وتبرئة له أيضًا من الفعل، وإنما النّزاع عند الإرادة والمراودة، ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: أو يعذَّب عذابًا أليمًا. فبرَّأ نفسه مما رَمَتْه به، وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ فحينئذ احتملت الحال صِدْقَ كلّ واحد منهما، ولم يعلم أيهما، ولكنَّ الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدلُّ عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمنَّ الله تعالى في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئةً لنبيّه وصفيّه يوسف ﵇، فانبعث شاهد من أهل بيتها يشهد بقرينة من وُجِدت معه فهو الصادق، فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ لأن
стр. 69
ذلك يدلُّ على أنه هو المقبل عليها المراودُ لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها، فشقَّت قميصه من هذا الجانب. ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنَّ ذلك يدلُّ على هروبه منها؛ وأنها هي التي طلبته، فشقَّت قميصه من هذا الجانب، ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ عرف بذلك صدق يوسف وبراءته، وأنَّها هي الكاذبة، فقال لها سيدها: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، وهل أعظم من هذا الكيد الذي برَّأت به نفسها ممَّا أرادت وفعلتْ، ورَمَتْ به نبيَّ الله يوسف ﵇، ثم إنَّ سيدها لما تحقق الأمر قال ليوسف: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: اترك الكلام فيه وتناسَهُ ولا تذكره لأحد؛ طلبًا للستر على أهله، ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ أيتها المرأة ﴿لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، فأمر يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠ - ٣٥].
يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدَّث به النسوة، فجعلن يَلُمْنَها، ويقلْن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي: هذا أمرٌ مُسْتَقْبَحٌ! هي امرأةٌ كبيرةُ القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزَلْ تراودُ فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإنَّ حبَّه قد بلغ من قلبها مبلغًا عظيمًا. ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي: وصل حبُّه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه
стр. 70
وشُوَيْدَاؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب. ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ حيث وُجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحطّ قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهنَّ مَكْرًا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنَّما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فُتِنَتْ به امرأة العزيز لتَحْنَق امرأة العزيز وتريهنَّ إياه ليَعْذِرْنَها، ولهذا سماه مكرا، فقال: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنَّ إلى منزلها للضيافة، ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي: محلًا مُهَيَّأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما أُتْرُجٌ، أو غيره، ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا﴾ ليقطعن فيها ذلك الطعام، ﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ في حالة جماله وبهائه.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أعْظَمْنَه في صدورهنَّ، ورأين منظرًا فائقًا لم يشاهدن مثله، ﴿وَقَطَّعْنَ﴾ من الدَّهش ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ بتلك السكاكين اللاتي معهن، ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: تنزيها لله، ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك أن يوسف أُعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء ما كان به آيةً للناظرين، وعبرةً للمتأملين.
فلما تقرَّر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية الإعجاب، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز شيء كثير؛ أرادت أن تُرِيَهُنَّ جماله الباطن بالعفة التامة، فقالت معلنة لذلك ومُبيِّنة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللُّوم انقطع عنها من النسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع، وهي مقيمة على مراودته، لم يزدها مرور الأوقات إلا قلقًا ومحبةً وشوقًا لوصاله وتوقًا، ولهذا قالت له بحضرتهنَّ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ لتلجئه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه، فعند ذلك اعتصم يوسف بربه، واستعان به على كيدهنَّ، و ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وهذا
стр. 71
يدلُّ على أن النسوة جعلن يُشِرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يكدنه في ذلك، فاستحبَّ السجن والعذاب الدنيويَّ على لذَّةٍ حاضرة توجب العذاب الشديد، ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أمِل إليهنَّ؛ فإني ضعيفٌ عاجز إن لم تدفع عنِّي السوء، ﴿وَأَكُنْ﴾ إن صَبَؤتُ إليهن ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، فإن هذا جهلٌ؛ لأنه آثَرَ لذة قليلة منغّصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومَن آثَرَ هذا على هذا فمَن أجهل منه؟! فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذَّتين، ويؤثر ما كان محمودَ العاقبة، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ حين دعاه، ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فلم تزل تراودُه وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل حتى أيَّسها، وصرف الله عنه كيدها، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء الداعي، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيّته الصالحة، وبنيّته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولُطفه، فهذا ما نجَّى الله به يوسف من هذه الفتنة المُلِمَّة والمحنة الشديدة، وأما أسياده فإنَّه لما اشتهر الخبر وبَانَ، وصار الناس فيها بين عاذر ولائم وقادح، ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ الدالة على براءته، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس؛ فإنَّ الشيء إذا شاع لم يزل يُذكر، ويُشاع مع وجود أسبابه، فإذا عُدمت أسبابه نُسي، فرأوا أنَّ هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ
стр. 72
وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٤١].
أي: ولما دخل يوسف السجن كان في جملة من دخل ﴿مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: شابان، فرأى كلُّ واحد منهما رؤيا، فقصَّها على يوسف ليعبرها، ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾، وذلك الخبز ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسنا إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسَّلا ليوسف بإحسانه، فقال لهما مجيبًا لطلبهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما، أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ولعل يوسف ﵇ قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بَدَتْ حاجتهما إليه؛ ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما، ثم قال: ﴿ذَلِكُمَا﴾ التعبير الذي سأعبره لكما ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي: هذا من علم الله علَّمنيه وأحسن إليَّ به، وذلك ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، والتَّرك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه يكون لمن لم يدخل فيه أصلًا، فلا يقال: إن يوسف كان من قبل على غير ملة إبراهيم، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، ثم فَسَّر تلك الملة بقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾ أي: ما ينبغي ولا يليق بنا ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، بل نُفْرد الله بالتوحيد، ونُخْلِص له الدين والعبادة، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: هذا من أفضل مِنَنِه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا؛
стр. 73
فإنه لا أفضل من منَّة الله على العباد بالإسلام والدين القويم؛ فَمَنْ قَبِله وانقاد له فهو حظُّه، وقد حصل له أكبر النِّعَم وأجلّ الفضائل، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، فلذلك تأتيهم المنَّة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، فإن الفتَيَيْنِ لما تقرَّر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال، وأنه محسنٌ معلمٌ؛ ذكر لهما أنَّ هذه الحالة التي أنا عليها كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتّباع ملة آبائه، فبهذا وصلتُ إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تسلُكا ما سلكتُ، ثم صرح لهما بالدعوة، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: أربابٌ عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ﴾ الذي له صفات الكمال، ﴿الْوَاحِدُ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء من ذلك، ﴿الْقَهَّارُ﴾ الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾.
ومن المعلوم أن مَنْ هذا شأنه ووَصْفُه خيرٌ من الآلهة المتفرقة التي هي مجرّد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها، ولهذا قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: كسوتموها أسماءً، وسميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهية شيء، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم يُنْزِلِ الله بها سلطانًا لم يكن طريقٌ ولا وسيلةٌ ولا دليلٌ لها؛ لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرِّع الشرائع، ويسنُّ الأحكام، وهو الذي أمركم، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان فإنها غير مستقيمة، بل معوجّة تُوصل إلى
стр. 74
كل شر، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها، ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك حصل منهم ما حصل من الشرك، فيوسف ﵇ دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيُحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويُحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك الحجة، ثم إنه ﵇ شرع يعبر رؤياهما بعدما وعدهما ذلك، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصرُ خمرًا، فإنه يخرج من السجن، ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمرًا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو: الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فإنه عبّر عن الخبز الذي تأكله الطير بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يُقْبَر ويُسْتَر عن الطيور، بل يُصْلَب ويُجْعَل في محلّ تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأنّ هذا التأويل الذي تأوّله لهما أنه لا بدّ من وقوعه، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢].
أي: ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: اذكر له شأني وقصّتي، لعله يرقُّ لي، فيُخرجني مما أنا فيه، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذِكرَ الله تعالى، وذِكْرَ ما يُقرِّب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذِكْرَ يوسف الذي يستحقُّ أن يُجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتمَّ الله أمره وقضاءه، ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج
стр. 75
يوسف من السجن؛ قدَّر لذلك سببًا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملك.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣ - ٤٩].
لما أراد الله تعالى أن يُخرج يوسف من السجن أرى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة، التي تأويلها يتناول جميع الأمة؛ ليكون تأويلها على يد يوسف، فيُظهر من فضله، ويبيّن من علمه ما يكون له رفعةً في الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها؛ لارتباط مصالحها به، وذلك أنه رأى رؤيا هَالَتْهُ (١)، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي منهم، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾، أي: سبعًا من البقرات ﴿عِجَافٌ﴾، وهذا من العجب، أن السبع العجاف الهزيلات اللاتي سقطت قوّتهن يأكلن السبع السمان التي كنَّ نهايةً في القوة، ورأيتُ سبع ﴿سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ يأكلهن سبع سنبلات يابسات؛ ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾؛ لأنَّ تعبير الجميع واحدٌ، وتأويلهنَّ شيءٌ واحدٌ، ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ فتحيّروا، ولم يعرفوا لها وجهًا، و ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أحلام لا حاصل لها، ولا لها