← Тафсир

Тафсир · id 30194

قصص القرآن من تفسير السعدي

فايز السريح

Полный текст (290 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يدلُّ على أن النسوة جعلن يُشِرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يكدنه في ذلك، فاستحبَّ السجن والعذاب الدنيويَّ على لذَّةٍ حاضرة توجب العذاب الشديد، ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أمِل إليهنَّ؛ فإني ضعيفٌ عاجز إن لم تدفع عنِّي السوء، ﴿وَأَكُنْ﴾ إن صَبَؤتُ إليهن ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، فإن هذا جهلٌ؛ لأنه آثَرَ لذة قليلة منغّصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومَن آثَرَ هذا على هذا فمَن أجهل منه؟! فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذَّتين، ويؤثر ما كان محمودَ العاقبة، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ حين دعاه، ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فلم تزل تراودُه وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل حتى أيَّسها، وصرف الله عنه كيدها، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء الداعي، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيّته الصالحة، وبنيّته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولُطفه، فهذا ما نجَّى الله به يوسف من هذه الفتنة المُلِمَّة والمحنة الشديدة، وأما أسياده فإنَّه لما اشتهر الخبر وبَانَ، وصار الناس فيها بين عاذر ولائم وقادح، ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ الدالة على براءته، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس؛ فإنَّ الشيء إذا شاع لم يزل يُذكر، ويُشاع مع وجود أسبابه، فإذا عُدمت أسبابه نُسي، فرأوا أنَّ هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن. ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ

стр. 72

وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٤١]. أي: ولما دخل يوسف السجن كان في جملة من دخل ﴿مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: شابان، فرأى كلُّ واحد منهما رؤيا، فقصَّها على يوسف ليعبرها، ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾، وذلك الخبز ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسنا إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسَّلا ليوسف بإحسانه، فقال لهما مجيبًا لطلبهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما، أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ولعل يوسف ﵇ قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بَدَتْ حاجتهما إليه؛ ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما، ثم قال: ﴿ذَلِكُمَا﴾ التعبير الذي سأعبره لكما ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي: هذا من علم الله علَّمنيه وأحسن إليَّ به، وذلك ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، والتَّرك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه يكون لمن لم يدخل فيه أصلًا، فلا يقال: إن يوسف كان من قبل على غير ملة إبراهيم، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، ثم فَسَّر تلك الملة بقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾ أي: ما ينبغي ولا يليق بنا ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، بل نُفْرد الله بالتوحيد، ونُخْلِص له الدين والعبادة، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: هذا من أفضل مِنَنِه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا؛

стр. 73

فإنه لا أفضل من منَّة الله على العباد بالإسلام والدين القويم؛ فَمَنْ قَبِله وانقاد له فهو حظُّه، وقد حصل له أكبر النِّعَم وأجلّ الفضائل، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، فلذلك تأتيهم المنَّة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، فإن الفتَيَيْنِ لما تقرَّر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال، وأنه محسنٌ معلمٌ؛ ذكر لهما أنَّ هذه الحالة التي أنا عليها كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتّباع ملة آبائه، فبهذا وصلتُ إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تسلُكا ما سلكتُ، ثم صرح لهما بالدعوة، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: أربابٌ عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ﴾ الذي له صفات الكمال، ﴿الْوَاحِدُ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء من ذلك، ﴿الْقَهَّارُ﴾ الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾. ومن المعلوم أن مَنْ هذا شأنه ووَصْفُه خيرٌ من الآلهة المتفرقة التي هي مجرّد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها، ولهذا قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: كسوتموها أسماءً، وسميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهية شيء، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم يُنْزِلِ الله بها سلطانًا لم يكن طريقٌ ولا وسيلةٌ ولا دليلٌ لها؛ لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرِّع الشرائع، ويسنُّ الأحكام، وهو الذي أمركم، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان فإنها غير مستقيمة، بل معوجّة تُوصل إلى

стр. 74

كل شر، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها، ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك حصل منهم ما حصل من الشرك، فيوسف ﵇ دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيُحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويُحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك الحجة، ثم إنه ﵇ شرع يعبر رؤياهما بعدما وعدهما ذلك، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصرُ خمرًا، فإنه يخرج من السجن، ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمرًا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو: الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فإنه عبّر عن الخبز الذي تأكله الطير بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يُقْبَر ويُسْتَر عن الطيور، بل يُصْلَب ويُجْعَل في محلّ تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأنّ هذا التأويل الذي تأوّله لهما أنه لا بدّ من وقوعه، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. أي: ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: اذكر له شأني وقصّتي، لعله يرقُّ لي، فيُخرجني مما أنا فيه، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذِكرَ الله تعالى، وذِكْرَ ما يُقرِّب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذِكْرَ يوسف الذي يستحقُّ أن يُجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتمَّ الله أمره وقضاءه، ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج

стр. 75

يوسف من السجن؛ قدَّر لذلك سببًا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملك. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣ - ٤٩]. لما أراد الله تعالى أن يُخرج يوسف من السجن أرى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة، التي تأويلها يتناول جميع الأمة؛ ليكون تأويلها على يد يوسف، فيُظهر من فضله، ويبيّن من علمه ما يكون له رفعةً في الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها؛ لارتباط مصالحها به، وذلك أنه رأى رؤيا هَالَتْهُ (١)، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي منهم، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾، أي: سبعًا من البقرات ﴿عِجَافٌ﴾، وهذا من العجب، أن السبع العجاف الهزيلات اللاتي سقطت قوّتهن يأكلن السبع السمان التي كنَّ نهايةً في القوة، ورأيتُ سبع ﴿سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ يأكلهن سبع سنبلات يابسات؛ ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾؛ لأنَّ تعبير الجميع واحدٌ، وتأويلهنَّ شيءٌ واحدٌ، ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ فتحيّروا، ولم يعرفوا لها وجهًا، و ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أحلام لا حاصل لها، ولا لها

стр. 76

تأويلٌ، وهذا جَزْمٌ منهم بما لا يعلمون، وتعدُّرٌ منهم بما ليس بعُذْر، ثم قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغات (١) أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها! وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحِجَى (٢)، وهذا أيضًا من لُطْف الله بيوسف ﵇. فإنه لو عبرها ابتداءً قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم فيعجزوا عنها؛ لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتمًّا لها غايةً، فعبَّرها يوسف؛ وقعت عندهم موقعًا عظيمًا. وهذا نظيرُ إظهار الله فضْلَ آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا، ثم سأل آدم، فعلَّمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يُظهر فضل أفضل خَلْقِه محمد ﷺ في القيامة أن يُلهم الله الخَلْق أن يتشفَّعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى ﵈، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدًا ﷺ فيقول: «أنا لها، أنا لها»، فيشفع في جميع الخلق (٣)، وينال ذلك المقام المحمود الذي يَغْبِطه به الأولون والآخرون، فسبحان من خَفِيَت ألطافه، ودقَّت في إيصاله البِرَّ والإحسان إلى خواصّ أصفيائه وأوليائه. ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي: من الفتيَيْنِ، وهو: الذي رأى أنه يعصرُ خمرًا، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكره عند ربه، ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: وتذكَّر يوسف، وما جرى له في تعبيره لرؤياهما، وما وصَّاه به، وعَلِم أنه كفيلٌ بتعبير

стр. 77

هذه الرؤيا بعد مدة من السنين، فقال: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ إلى يوسف لأسأله عنها، فأرسلوه، فجاء إليه، ولم يعنفه يوسف على نسيانه، بل استمع ما يسأله عنه، وأجابه عن ذلك، فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله، ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فإنهم متشوفون لتعبيرها، وقد أهمتهم، فعبر يوسف السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر بأنهن سبع سنين مُخصبات، والسبع البقرات العجاف والسبع السنبلات اليابسات بأنهن سنين مُجدبات، ولعلّ وجه ذلك - والله أعلم - أنَّ الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيًا عليه، وأنه إذا حصل الخصب قويت الزروع والحروث، وحسن منظرها، وكثرت غلالها، والجدب بالعكس من ذلك، وكانت البقر هي التي تُحرث عليها الأرض، وتُسقى عليها الحروث في الغالب، والسنبلات هي أعظم الأقوات وأفضلها؛ عبرها بذلك؛ لوجود المناسبة، فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، ويستعدُّون به من التدبير في سني الخصب إلى سني الجدب، فقال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: متتابعات، ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ من تلك الزروع، ﴿فَذَرُوهُ﴾ أي: اتركوه ﴿فِي سُنبُلِهِ﴾؛ لأنه أبقى له وأبعد من الالتفات إليه، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: دبروا أيضًا أكلكم في هذه السنين الخصبة، وليكن قليلًا؛ ليكثر ما تدَّخرون ويعظم نفعه ووقعه، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد تلك السنين السبع المخصبات، ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ أي: مُجدبات جدًّا ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: يأكلن جميع ما ادَّخرتموه ولو كان كثيرًا، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي: تمنعونه من التقديم لهن، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد السبع الشداد ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: فيه تَكثرُ الأمطار والسيول، وتكثر الغلات، وتزيد على أقواتهم، حتى إنهم يعصرون العنب ونحوه زيادةً على أكلهم، ولعلّ

стр. 78

استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مُصرَّح به في رؤيا الملك؛ لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد أنَّ العام الذي يليها يزول به شدَّتُها، ومن المعلوم أنَّه لا يزول الجدب المستمرُّ سبع سنين متوالياتٍ إلا بعام مُخصبٍ جدًّا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا؛ عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشدَّ الفرح. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٧]. يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ لمن عنده ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: بيوسف ﵇، بأن يُخرجوه من السجن ويُحضِروه إليه، فلما جاء يوسف الرسولُ وأمره بالحضور عند الملك امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتَّى تتبيّن براءته التامة، وهذا من صبره وعقله ورأيه التام، فقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني به: الملك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن؛ فإنَّ أمرهن ظاهرٌ متضح، ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، فأحضرهنَّ الملك، وقال: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي: شأنكُن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فهل رأيتن منه ما يَريب؟! فبرَّأنه و ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: لا قليل ولا كثير، فحينئذ زال السببُ الذي تُبنَى عليه التُّهمة، ولم يَبْقَ إلا ما عند امرأة العزيز، فقالت

стр. 79

﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: تمحص وتبين بعدما كنّا نُدخل معه من السوء والتهمة ما أوجب السجن ليوسف، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في أقواله وبراءته، ﴿ذَلِكَ﴾ الإقرار الذي أقررت أني راودت يوسف، ﴿لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ يحتمل أن مرادها بذلك زوجها؛ أي: ليعلم أني حين أقررت أني راودت يوسف أني لم أخُنْه بالغيب، أي: لم يَجْرِ منّي إلا مجرَّد المراودة، ولم أُفسِدْ عليه فراشه، ويُحتمل أنَّ المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا التي راودتُه، وأنه صادقٌ؛ أني لم أخُنْه في حال غَيْبته عني، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ فإنَّ كلَّ خائن لا بدَّ أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بدَّ أن يتبيَّن أمره. ثم لما كان في هذا الكلام نوع تزكية لنفسها، وأنه لم يَجْرِ منها ذنب في شأن يوسف استدركت فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أي: من المراودة والهمّ، والحرص الشديد، والكيد في ذلك، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب؛ فإنها مركب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ فنجَّاه من نفسه الأمَّارة، حتى صارت نفسه مطمئنةً إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصية عن داعي الرَّدى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: هو غفور لمن تجرَّأ على الذنوب والمعاصي، إذا تاب وأناب، ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول توبته، وتوفيقه للأعمال الصالحة، وهذا هو الصوابُ؛ أنَّ هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف؛ فإنَّ السياق في كلامها ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر، فلما تحقق الملك والناس براءةَ يوسف التامة أرسل إليه الملِك، وقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله خصيصة لي ومقرَّبًا لديَّ. فأتوه به مكرَّمًا محترمًا، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أعجبه كلامه، وزاد موقعه عنده، فقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا ﴿مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: متمكِّن، أمينٌ على الأسرار، فقال يوسف طلبًا للمصلحة العامة:

стр. 80

﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: على خزائن جبايات الأرض وغلالها، وكيلًا حافظًا مدبرًا، ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي: حفيظ للذي أتولاه فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع والتصرُّف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصًا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاه إياها. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: بهذه الأسباب والمقدّمات المذكورة، ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ في عيش رغد، ونعمة واسعة، وجاه عريض، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: هذا من رحمة الله بيوسف التي أصابه بها وقدَّرها له، وليست مقصورة على نعمة الدنيا، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ويوسف ﵇ من سادات المحسنين، فله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ولهذا قال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من أجر الدنيا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ أي: لِمَنْ جَمَع بين التقوى والإيمان؛ فبالتقوى تُترك الأمور المحرَّمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التام يحصل تصديق القلب بما أمر الله بالتصديق به، وتتبعه أعمال القلوب وأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبَّات. ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ * وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ

стр. 81

رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٥٨ - ٦٨]. أي: لما تولى يوسف ﵇ خزائن الأرض دبَّرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة زروعًا هائلة، واتَّخذ لها المحلَّات الكبار، وجبى من الأطعمة شيئًا كثيرًا وحفظه، وضبطه ضبطًا تامًا، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة (١) إلى مصر، ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: لم يعرفوه، ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾، أي: كَالَ لهم كما كان يَكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يَكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخًا عند أبيهم، وهو بنيامين، فقال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، ثم رغَّبهم في الإتيان به، فقال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ في الضيافة والإكرام، ثم رهَّبهم بعدم الإتيان به، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأنَّ ذلك يحملهم على الإتيان به، فقالوا: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾، دلَّ هذا على أن يعقوب ﵇ كان مولَعًا به لا يصبر عنه، وكان يتسلَّى به بعد يوسف، فلذلك

стр. 82

احتاج إلى مراودةٍ في بعثِهِ معهم، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ لما أمرتنا به، ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ الذين في خدمته: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة، ﴿فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلًا وافيًا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يُحِسُّون بها، ولا يشعرون لما يأتي؛ فإنَّ الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمُحسن، ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي: إن لم تُرْسِلْ معنا أخانا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ أي: ليكون ذلك سببًا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يعرض له ما يكره، ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوب ﵇: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قد تقدَّم منكم التزام، أكثر من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا لم تَّفُوا بما عقدتم من التأكيد، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالى، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: يعلم حالي، وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويردُّه عليَّ، وكأنَّه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم. ثم إنهم لما ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ هذا دليلٌ على أنه قد كان معلومًا عندهم أن يوسف قد ردَّها عليهم بالقصد، وأنه أراد أن يملكهم إياها، فقالوا لأبيهم ترغيبًا في إرسال أخيهم معهم: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: أيُّ شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل، حيث وفَّى لنا الكيل، وردَّ علينا بضاعتنا على هذا الوجه الحسن، المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟! ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا ذهبنا بأخينا صار سببًا لكيله لنا، فَمِرنا أهلنا، وأتينا لهم بما هم مضطرون إليه من القوت، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ بإرساله معنا؛ فإنه يكيل لكل واحد حِمْل بعير، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل لا ينالك ضررٌ؛ لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد

стр. 83

تبينت. فقال لهم يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهدًا ثقيلًا وتحلفون بالله ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن يأتيكم أمرٌ لا قِبَل لكم به، ولا تقدرون دفعه، ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ على ما قال وأراد؛ ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي: تكفينا شهادته علينا وحفظه وكفالته. ثم لما أرسله معهم وصّاهم إذا هم قدموا مصر أن لا يدخلوا ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لكثرتهم وبهاء مَنْظَرهم؛ لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب، وإلا فما ﴿أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ فالمقدّر لا بدَّ أن يكون، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بدَّ أن يقع، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصّيتكم به من السبب، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإن بالتوكّل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب، ﴿وَلَمَّا﴾ ذهبوا و ﴿دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ﴾ ذلك الفعل ﴿يُغْنِي عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوع طمأنينة، وقضاء لما في خاطره، وليس هذا قصورًا في علمه، فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ أي: لَصاحب علم عظيم، ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: لتعليمنا إيّاه، لا بحوله وقوّته أدْرَكه، بل بفضل الله وتعليمه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عواقب الأمور ودقائق الأشياء، وكذلك أهل العلم منهم يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير. ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا

стр. 84

جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ * قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٦٩ - ٧٩]. أي: لما دخل إخوة يوسف على يوسف ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي: شقيقه، وهو «بنيامين» الذي أمرهم بالإتيان به، وضمه إليه، واختصّه من بين إخوته، وأخبره بحقيقة الحال، و ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا تحزن، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإنَّ العاقبة خير لنا، ثم أخبره بما يريد أن يصنع ويتحيَّل لبقائه عنده إلى أن ينتهي الأمر، ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: كال لكل واحدٍ من إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا، ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ وهو: الإناء الذي يُشرب به، ويُكال فيه، ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ﴾ أَوْعَوْا متاعهم (١)، فلما انطلقوا ذاهبين ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، ولعل هذا المؤذِّن لم يعلم بحقيقة الحال، ﴿قَالُوا﴾ أي: إخوة يوسف، ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ لإبعاد التُّهمة؛ فإنَّ السارق ليس له همٌّ إلا البُعْد والانطلاق عمَّن سرق منه؛ لتسلُم له سرقته، وهؤلاء جاؤوا مُقبلين إليهم، ليس لهم همٌّ إلا إزالة التهمة التي رُمُوا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؟ ولم يقولوا: "ما الذي سرقنا؟ "؛ لجزمهم بأنهم بُرَآء من السرقة، ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: أجرة له

стр. 85

على وجدانه، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل، وهذا يقوله المؤذِّن المتفقّد، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ بجميع أنواع المعاصي، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾؛ فإنَّ السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض، وإنما أقسموا على علمهم أنَّهم ليسوا مفسدين ولا سارقين؛ لأنَّهم عرفوا أنهم سَبَرُوا من أحوالهم ما يدلُّهم على عفَّتهم وورعهم، وأنَّ هذا الأمر لا يقع منهم بعلم مَنْ اتَّهموهم، وهذا أبلغ في نفي التُّهمة من أن لو قالوا: "تالله لم نُفسد في الأرض ولم نسرق"، ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: جزاء هذا الفعل، ﴿إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ بأنَّ كان معكم؟ ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ﴾ أي: الموجود في رَحله، ﴿جَزَاؤُهُ﴾ بأن يتملَّكه صاحب السرقة، وكان هذا في دينهم؛ أنَّ السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكًا لصاحب المال المسروق، ولهذا قالوا: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، ﴿فَبَدَأَ﴾ المفتِّش ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾، وذلك لتزول الريبة التي يظنُّ أنها فُعِلَت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئًا ﴿اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ ولم يقل: "وجدها"، أو: "سرقها أخوه" مراعاةً للحقيقة الواقعة، فحينئذ تمَّ ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: يسَّرنا له هذا الكيد الذي توصَّل به إلى أمرٍ غير مذموم، ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾؛ لأنَّه ليس من دينه أن يُتملَّك السارق، وإنما له عندهم جزاء آخر، فلو رُدَّت الحكومة إلى دين الملك لم يتمكَّن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم؛ ليتمَّ له ما أراد، قال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلم النافع، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها، كما رفعنا درجات يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، فكل عالم فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة، فلما رأى إخوة يوسف ما رأوا ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ هذا الأخ فليس هذا غريبًا منه، ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون:

стр. 86

يوسف ﵇، ومقصودهم تبرئة أنفسهم، وأنّ هذا وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا، وفي هذا من الغَضّ عليهما ما فيه، ولهذا أسرّها ﴿يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسرّ الأمر في نفسه، و ﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ حيث ذممتمونا بما أنتم على أشرّ منه، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ منّا من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها، ثم سلكوا معه مسلك التملّق لعله يسمح لهم بأخيهم، فقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي: وإنه لا يصبر عنه، وسيشقّ عليه فراقه، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فأحسن إلينا وإلى أبينا بذلك، فقال يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: هذا ظلم منا، لو أخذنا البريء بذنب من وجدنا متاعنا عنده، ولم يقل: «من سرق»، كلُّ هذا تحرّز من الكذب، ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي: إن أخذنا غير مَنْ وُجد في رَحْله ﴿لَظَالِمُونَ﴾ حيث وضعنا العقوبة في غير موضعها. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٠ - ٨٣]. أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، أي: اجتمعوا وحدهم ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون

стр. 87

فيما بينهم، فقال: ﴿كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ في حفظه، وأنكم تأتوني به إلا أن يُحاط بكم، ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾، فاجتمع عليكم الأمران؛ تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق؛ فليس لي وجه أواجه به أبي، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾، أي: سأقيم في هذه الأرض ولا أزال بها، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، أي: يقدِّر لي المجيء وحدي، أو مع أخي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، ثم وصّاهم بما يقولون لأبيهم، فقال: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي: وأخذ بسرقته، ولم يحصل لنا أن نأتيك به، مع ما بذلنا من الجهد في ذلك، والحال أنَّا ما شهدنا بشيء لم نعلمه، وإنما شهدنا بما علمنا؛ لأنَّنا رأينا الصُّواع استُخرج من رحله، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾، أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، ولَمَّا أعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فلم نظنَّ أن الأمر سيبلغ ما بلغ، ﴿وَاسْأَلِ﴾ إن شككت في قولنا ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، فقد اطلعوا على ما أخبرناك به، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ لم نكذب، ولم نغيِّر ولم نبدِّل، بل هذا الواقع، فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بهذا الخبر اشتد حزنه وتضاعف كَمَده، واتَّهمهم أيضًا في هذه القضية، كما اتَّهمهم في الأولى، و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، أي: ألجأ في ذلك إلى الصبر الجميل، الذي لا يصحبه تسخُّط ولا جزعٌ، ولا شكوى للخلق، ثم لجأ إلى حصول الفرج لَمَّا رأى أن الأمر اشتدَّ، والكربة انتهت، فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾، أي: يوسف وبنيامين، وأخوهم الكبير الذي أقام في مصر، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ الذي يعلم حالي، واحتياجي إلى تفريجه ومنَّته، واضطراري إلى إحسانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾، الذي جعل لكل شيء قدرًا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما اقتضته حكمته الربانية.

стр. 88

﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٤ - ٨٦]. أي: وتولَّى يعقوب ﵊ عن أولاده بعدما أخبروه هذا الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضَّت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضَّت عيناه من ذلك، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾، أي: ظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكَّرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى المصيبة الأولى، فقال له أولاده متعجبين من حاله: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، أي: لا تزال تذكر يوسف في جميع أحوالك، ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، أي: فانيًا لا حراك فيك ولا قدرة على الكلام، ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾، أي: لا تترك ذِكْرَه مع قدرتك على ذِكْرِه أبدًا، فقال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾، أي: ما أبثُّ من الكلام، ﴿وَحُزْنِي﴾ الذي في قلبي ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده، لا إليكم ولا إلى غيركم من الخلق، فقولوا ما شئتم، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أنَّه سيردُّهم عليَّ، ويُقرُّ عيني بالاجتماع بهم. ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ * فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٧ - ٩٢].

стр. 89

أي: قال يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: احرصوا واجتهدوا على التفتيش عنهما، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، فإنهم - لكفرهم - يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين، ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله ورَوْحه، فذهبوا ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، أي: على يوسف، ﴿قَالُوا﴾ متضرعين إليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، أي: قد اضطررنا نحن وأهلنا ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، أي: مدفوعة مرغوب عنها لقلتها، وعدم وقوعها الموقع ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾، أي: مع عدم وفاء العرض، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ بالزيادة عن الواجب، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ بثواب الدنيا والآخرة. فلما انتهى الأمر، وبلغ أشُدَّه، رَقَّ لهم يوسف رقةً شديدةً، وعرفهم بنفسه، وعاتبهم فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، أما يوسف فظاهر فعلهم فيه، وأما أخوه فلعله - والله أعلم - قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أو أن الحادث الذي فرَّق بينه وبين أبيه هم السبب فيه، والأصل الموجب له، ﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾، وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم، أو توبيخ لهم إذ فعلوا فِعْلَ الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا يليق منهم، فعرفوا أن الذي خاطبهم هو يوسف، فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا، وذلك بسبب الصبر والتقوى، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، أي: يتقي فِعْلَ ما حرَّم الله، ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾،

стр. 90

فإنَّ هذا من الإحسان، والله لا يُضيعُ أجر مَنْ أحسن عملًا، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم، وأسأنا إليك غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله تعالى ومكّنك مما تريد، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، وهذا غاية الاعتراف منهم بالجُرم الحاصل منهم على يوسف، فقال لهم يوسف ﵇ كرمًا وجودًا: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، أي: لا أُثَرِّبُ عليكم ولا ألومكم، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فسمح لهم سماحًا تامًا من غير تعيير لهم على ذِكْر الذَّنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتّى إلا من خواصّ الخلق وخيار المصطفَيْن. ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٣ - ٩٨]. أي: قال يوسف ﵇ لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾؛ لأنَّ كلَّ داءٍ يداوَى بضده؛ فهذا القميصُ - لمَّا كان فيه أثر ريح يوسف الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يَشُمَّه فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، والله في ذلك حِكَمٌ وأسرارٌ لا يطّلع عليها العباد، وقد اطّلع يوسف من ذلك على هذا الأمر، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلهم؛ ليحصل تمام اللقاء، ويزول عنكم نكد المعيشة، وضنك الرزق. ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ عن أرض مصر مقبلةً إلى أرض فلسطين شمَّ يعقوبُ ريح القميص،

стр. 91

فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾، أي: تسخرون منِّي، وتزعمون أنَّ هذا الكلام صدر منِّي من غير شعور؛ لأنَّه رأى منهم من التعجب من حاله ما أوجب له هذا القول، فوقع ما ظنَّه بهم، فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، أي: لا تزال تائها في بحرٍ لُجِّيٍّ، لا تدري ما تقول، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، ﴿أَلْقَاهُ﴾، أي: القميص ﴿عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضَّت عيناه من الحزن، فقال لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفنّدون رأيه، ويتعجَّبون منه منتصرًا عليهم، مُتبجّحًا بنعمة الله عليه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، حيث كنتُ مترجيًّا للقاء يوسف، مترقِّبًا لزوال الهمِّ والغمِّ والحزن، فأقرُّوا بذنبهم، ونجعوا بذلك، و ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، حيث فعلنا معك ما فعلنا. فقال مجيبًا لطلبتهم، ومسرعًا لإجابتهم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أي: ورجائي به أن يغفر لكم ويرحمكم، ويتغمدكم برحمته، وقد قيل: إنه أخَّر الاستغفار لهم إلى وقت السَّحَر الفاضل؛ ليكون أتمَّ للاستغفار، وأقرب للإجابة. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠١]. ﴿فَلَمَّا﴾ تجهَّز يعقوب وأولاده وأهلهم أجمعون، وارتحلوا من بلادهم قاصدين الوصول إلى يوسف في مصر وسُكْناها، فلما وصلوا إليه، و ﴿دَخَلُوا

стр. 92

عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾، أي: ضمَّهما إليه، واختصَّهما بقُربه، وأبدى لهما من البر والإكرام والتبجيل والإعظام شيئًا عظيمًا، ﴿وَقَالَ﴾ لجميع أهله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارة، وزال عنهم النَّصب ونكد المعيشة، وحصل السرور والبهجة، ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾، أي: على سرير الملك، ومجلس العزيز، ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، أي: أبوه، وأمه وإخوته، سجودًا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، ﴿وَقَالَ﴾ لما رأى هذه الحال، ورأى سجودهم له: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين؛ فهذا وقوعُها الذي آلتْ إليه ووصلت، ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ فلم يجعلها أضغاث أحلام، ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ إحسانًا جسيمًا، ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾، وهذا من لُطْفه وحُسْنِ خطابه ﵇، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجُبِّ؛ لتمام عَفْوه عن إخوته، وأنَّه لا يذكر ذلك الذنب، وأنَّ إتيانكم من البادية من إحسان الله إليَّ، فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: «أحسنَ بكم»، بل قال: ﴿أَحْسَنَ بِي﴾، جعل الإحسان عائدًا إليه، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده، ويَهَبُ لهم مِنْ لَدُنْه رحمةً، إنه هو الوهاب، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، فلم يقل: «نزغ الشيطان إخوتي»، بل كأن الذنب والجهل صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودَحَره، وجمعنا بعد تلك الفُرقة الشاقة، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ يوصلُ بِرَّه وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويُوصِلُه إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في وضعه الأشياء مواضعَها، وسَوْقِه الأمور إلى أوقاتها المقدَّرة لها، لما أتمَّ الله ليوسف ما أتمَّ من التمكين في الأرض والملك، وأقرَّ عينه

стр. 93

بأبويه وإخوته، وبعد العلم العظيم الذي أعطاه الله إيَّاه، قال مُقِرًّا بنعمة الله شاكرًا لها، داعيًا بالثبات على الإسلام: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، وذلك أنَّه كان على خزائن الأرض وتدبيرها، ووزيرًا كبيرًا للملك، ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، أي: من تأويل أحاديث الكتب المنزَّلة، وتأويل الرؤيا، وغير ذلك من العلم، ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، أي: أدِمْ عليَّ الإسلام، وثبِّتني عليه حتى توفَّاني عليه، ولم يكن هذا دعاءً باستعجال الموت، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من الأنبياء الأبرار والأصفياء الأخيار. * * *

стр. 94

فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇ فهذه فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇ هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾، وقال في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والعبرة ما يُعتبر به، ويعبر منه إلى معانٍ وأحكام نافعة، وتوجيهات إلى الخيرات، وتحذير من المهلكات. فمن ذلك: أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ وفيها آيات وعبر منوّعة لكل من يسأل ويريد الهدى والرشاد؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنّة، ومن ذلّ إلى عزّ، ومن رقّ إلى ملك، ومن فُرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن وتَرَحٍ إلى سرور وفرح، ومن رخاء إلى جَدْب، ومن جدبٍ إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، ومن إنكارٍ إلى إقرار، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة، فتبارك مَنْ قصَّها فأحسنها، ووضّحها وبيّنها. ومنها: أن فيها أصولًا لعلم تعبير الرؤيا؛ فإنَّ علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله مَنْ يشاء من عباده، منهم مَنْ بناه على حُسْن الفهم، والعبور من الألفاظ والمحسوسات والمعنويات، أو ما يناسبها بحسب حال الرائي، وبحسب الوقت والحال المتعلقة بالرؤيا. وقد أثنى الله على يوسف ﵊ بعلمه بتأويل الأحاديث؛ تأويل أحاديث الأحكام الشرعية، والأحاديث المتعلقة بتعبير الرؤيا، والفرق بين الأحلام التي هي أضغاث أحلام لا تأويل لها، مثل ما يراه من يفكر ويطيل تأمُّله لبعض الأمور، فإنه كثيرًا ما يرى في منامه من جنس ما يُفكّر به في يقظته، فهذا النوع الغالب عليه أنه أضغاث أحلام لا تعبير له، وكذلك نوع آخر

стр. 95

ما يُلقيهِ الشيطان على روح النائم من المرائي الكاذبة والمعاني المتخبّطةِ، فهذه أيضًا لا تعبير لها، ولا ينبغي للعاقل أن يشغل بها فكره، بل ينبغي له أن يُلهى عنها. وأما الرؤيا الصحيحة فهي إلهامات يُلهمها الله للروح عند تجرُّدها عن البدن وقت النوم، أو أمثال مضروبة يضربها المَلَك للإنسان ليفهم بها ما يناسبها، وقد يرى الشيء على حقيقته ويكون تعبيره هو ما رآه في منامه؛ فيوسف ﵇ أعطاه الله من العلم ما يميّز به بين المرائي الصحيحة والباطلة، والحق والباطل منها، وهذه القصة فيها الدلالة على تعبير الرؤيا من وجوه؛ أحدها: رؤيا يوسف التي قصَّها على أبيه يعقوب ﵇: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، ففسَّرها يعقوب ﵇ بغاياتها، وما تؤول إليه، وبوسائلها التي تتقدّم عليها، ففسَّر الشمس والقمر بأبي يوسف وأمه، والكواكب الأحد عشر بإخوته، وأن الحال سيكون مآلها أن الجميع لَيَسْجدون ليوسف ويخضعون له، ولهذا لما حصل الاجتماع ودخل أبوه وأمه وإخوته مصر ورفع أبويه على العرش خرَّ الجميع له سُجَّدًا، وقال يوسف متذكّرًا ذلك التعبير والتفسير: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]، وهذا أمر عظيم اتَّصل بيوسف في الحال أن يكون مُعَظَّمًا تعظيمًا بليغًا عند أبويه وإخوته، وكذلك عند الناس. وهذه الغاية تستدعي وسائل ومقدّمات لا تحصل إلا بها، وهو العلم الكثير العظيم، والعمل الصالح، والإخلاص، والاجتباء من الله، والقيام بحق الله وحقوق الخلق، فلهذا قال سبحانه في ذِكْر السبب الموصل لهذه الغاية الجليلة: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦]، يعني: لا بد أن يُتِمَّ الله عليك نعمته بتعليم العلوم النافعة، والأعمال الصالحة،

стр. 96

والاجتباء من الله، وحصول الأخلاق الجميلة والمقامات الجليلة، فيُبَشِّره بحصول هذه الأمور، ثم بالوصول إلى الرفعة في الدنيا والآخرة. فإنَّ رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين وجه المناسبة فيها: أنَّ هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها، وبها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء زينة للأرض وجمال، وبهم يُهْتَدَى في الظُّلمات كما يُهْتَدَى بهذه الأنوار، ولأنَّ الأصل أبوه وأمه، وإخوته هم الفرع؛ فمن المناسب أن يكون الأصلُ أعظمَ نورًا وجِرْمًا لما هو فرعٌ عنه، فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته. ومن المناسبة أنَّ الشمس لفظٌ مؤنثٌ، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكَّرات؛ فكانت لأبيه وإخوته. ومن المناسبة أنَّ الساجد معظمُ مُحترم للمسجود له، والمسجودُ له معظم مُحترم؛ فلذلك دلَّ ذلك على أن يوسف يكون معظَّمًا محترمًا عند أبويه وإخوته، ومن لازم ذلك أن يكون مجتبًى مُفَضَّلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك، ولذلك قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. وفي ضمن هذا التعبير من يعقوب ليوسف بشارةٌ له، وتسهيل لما سيناله من المشقات والكروب مع إخوته وفي السجن، فإن مَنْ عَلِمَ أن المكاره والمشقَّات تُفْضِي إلى الخير والراحات تَسلَّى، وهانت عليه مشقَّتُها، وسهلت عليه وطأتها، وحصل بذلك من اللطف والرَّوْح شيء عظيم، وهذا من جملة اللطف الذي أشار إليه يوسف في قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وهذا من مقتضى حكمة الله أن المراتب العاليات لا تُنال إلا بالوسائل الجليلة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦]. ومن فوائد هذا التعبير لرؤيا يوسف بشارة عظيمة ليعقوب وأم يوسف وإخوته بحصول الرفعة والصلاح والخير؛ فيعقوب ﵇ من أكابر الأنبياء

стр. 97

وأفاضل الأصفياء، وأمَّله لها من الخير والصلاح والرفعة في الدنيا والآخرة، حيث شُبّهت بالشمس أو بالقمر؛ على اختلاف القولين، وإخوة يوسف وإن كان قد جرى منهم في حق أبيهم وأخيهم من الأذية والعقوق والقطيعة ما جرى، ولكنَّ أباهم وأخاهم عَفَوْا عنهم، واستغفروا الله تعالى أرحم الراحمين، فالشمس والقمر والنجوم تضمَّنت النور والارتفاع، ولكنها متفاوتة في نورها بحسب التفاوت بين الأبَوَيْنِ وبين الإخوة. فالحاصل أن هذه الرؤيا تضمَّنت ما حصل ليوسف ﵇ من خير الدنيا والآخرة، والمقامات العظيمة، والوسائل والمِنَن التي أوردتها هذه الأمور، وما حصل لأبَوَيْه وإخوته من مشاركته في خير الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم. وأما رؤيا الفَتَيَيْنِ حيث: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، فتلطَّفوا ليوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما لما شاهدا من إحسانه للأشياء، وإحسانه إلى الخلق، ففسَّر رؤيا مَنْ رأى أنه يعصر خمرًا أنه ينجو من سجنه، ويعود إلى مرتبته وخدمته لسيده، فيعصر له العنب الذي يُؤَوَّل إلى الخمر، وفسَّر رؤيا الآخر بأنه يُقتل ثم يُصْلَب، فتأكل الطير من رأسه. فالأول: رؤياه جاءت على وجه الحقيقة، والآخر رؤياه جاءت على وجه المثال، وأنه يُقْتَل، ومع قتله يُصْلَب ولا يُدْفَن حتى تأكل الطيور من رأسه، وهذا من الفهم العجيب، والغوص إلى المعاني الدقيقة. وذلك أن العادة أن المقتول يُدْفَن في الحال، ولا تتمكَّن السباع والطيور من الأكل منه، ففهم أن هذا سيُقْتَل ولا يُدْفَن سريعًا حتى يصل إلى هذه الحال، وفي هذا من فضيحته وخزيه وسوء مصيره الدنيوي ما تَقْشَعِرُّ منه الجلود، وحيث علم أن هذه الرؤيا صحيحة لا بد من وقوعها، قال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]، وهذا من كمال علمه للتعبير الذي

стр. 98

لا يُعبّر عن ظنّ وتَوهُّم، وإنما يعبّر عن علم ويقين، وأما المناسبة في ذلك أن الطيور لا تقرب الحي، وإنما تتناول الميت إذا لم يكن عنده أحد، وهذا إنما يكون بعد قتله وصلبه. ومن المناسبة في رؤيا الفتيين: أنّه أوّل رؤيا الذي رأى أنَّه يعصرُ خمرًا؛ أنَّ الذي يعصر الخمر في العادة يكون خادمًا لغيره، والعصرُ يُقْصَد لغيره؛ فلذلك أوّله بما يؤول إليه؛ أنَّه يسقي ربَّه، وذلك متضمّن لخروجه من السجن. وأوّل الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه بأنَّ جلدة رأسه ولحمه، وما في ذلك من المخّ، أنه هو الذي يحمله، وأنه سيبرز للطيور، بمحلّ تتمكَّن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنَّه سيُقتَل، ويُصلَب بعد موته، فيُبْرَز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل. وأما رؤيا الملك، فإنه رأى سبع بقراتٍ سمان يأكلهن سبع بقراتٍ عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن ويستولي عليهن سبع سنبلات يابسات ضعيفات، فهالته، وجَمَعَ لها كل من يظن فيه المعرفة، فلم يكن عند أحد منهم علم بتعبيرها، وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]. وبعد هذا تفطّن الذي خرج من السجن لحالة يوسف، وما هو عليه من العلم العظيم والعلم بالتعبير، وتفطّن لوصيته التي أنساه الشيطان ذِكْر ربه لحكمة قد فصح أمرها، وأنه لا يخرج من السجن إلا بعد اشتهاره، وتميزه العظيم على الناس كلهم بتعبير رؤيا الملك، فطلب هذا الرجل من الملك أن يُرْسِله إلى يوسف، وأنه كفيل بمعرفة تفسيرها، فلما جاء يوسف قال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦]، فإن الملك والناس معه أرسلوني إليك لتفسيرها لهم، وهم بانتظار ذلك متشوقين إليه غاية التشوق، ولهذا قال: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] ما ألهم الملك وأزعجه ولاعه.

стр. 99

ففي الحال فسّرها يوسف ﵇، وزادهم مع التفسير حُسْن العمل بها وحُسْن التدبير، فأخبرهم أن البقر السّمَان والسنابل السبع الخضرات هي سنون رخاء وخصب متواليات، تتقدّم على السنين المجدبات، وأن البقر العجاف والسنابل اليابسات سنون جَدْب تليها، وأن بعد هذه السنين المجدبات عامًا فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، وأنه ينبغي لهم في السنين المخصبات أن ينتهزوا الفرصة، ويُعدُّوا العدة للسنين الشديدات، فيزرعون زروعًا هائلة أزيد بكثير من المعتاد، ولهذا: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧]. ومن المعلوم أن جميع السنين يزرع الناس، لكنه أراد منهم أن يزرعوا زروعًا كثيرة، ويبذلوا قواهم في كل ما يَقْدِرون عليه، وأنهم يحتاطون في الغلات إذا حصلت بالتحصين والاقتصاد، فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧]، أي: احفظوا الحاصلات من الزرع حِفْظًا تَسْلَم به من الفساد والسوس بأن تبقى في سنابلها، ويقتصدون في هذه المدة مدة الرخاء فلا يُسْرِفوا في الإنفاق، بل يأكلون القليل ويحفظون الكثير. وإن بعد هذه السنين المخصبات سيأتي سبع سنين مجدبات شديدات تشمل الديار المصرية وما حولها، وإنها تأكل ما قُدّم لها مما حُفظ في سنين الخصب إلا قليلًا مما تُحْصِنون، ووجه المناسبة أنه كما تقدّم أن الرؤيا تعبّر بحال رائيها والمناسبات المتعلقة بها؛ كالرائي لها الملك الذي تتعلق به أركان الرعية وأمورها، ولهذا كانت رؤياه ليست خاصة له، بل تشمل الناس والرعية. ووجه المناسبة في تفسير البقرات والسنابل بالسنين ظاهر في البقر من وجهين: أحدهما: أنها هي التي في الغالب يُحْرَث عليها الأرض، والحروث والزروع وتوابعها تبعٌ للسنين في خصبها وجدبها.

стр. 100

والوجه الثاني: البقر من المواشي التي سِمنها وعَجَفها تَبَعٌ للسنين أيضًا، فإذا أخصبت سمنت، وإذا أجدبت عَجِفت وهَزَلَتْ، وكذلك السنابل تزهو الزروع وتكمل وتنمو مع كثرة الماء والسنين المخصبات، وتضعف وتيبس مع السنين المجدبات، فكانت رؤياه في البقرة والسنابل من أوصاف السنين وآثارها، ومِن ذِكْر الوسائل والغايات، فالحرث للأراضي وسيلة، ونمو الزرع وحصول السمن في المواشي هو الغاية من ذلك والمقصود. وأما قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، أي: يحصل للناس فيه غيث مُغيث تُعيد الأراضي خصبها، ويزول عنها جدبها، وذلك مأخوذ من تقييد السنين المجدبات بالسبع، فدلَّ هذا القيد على أنه يلي هذه السبع ما يُزيل شدتها ويرفع جدبها، ومعلوم أن توالي سبع سنين مجدبات لا يُبقي في الأرض من آثار الخضر والنبات والزروع ونحوها لا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم، وهذا ظاهر جدًّا، أخذه من رؤيا الملك. ومن العجب أن جميع التفاسير التي وقفت عليها لم تذكر هذا المعنى مع وضوحه، بل قالوا: لعل يوسف ﵇ جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه، بل هو والله الحمد ظاهر من مفهوم العدد، وأيضًا ظاهر من السياق، فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحًا لرؤيا الملك. ثم اعلم أن رؤيا الملك وتعبير يوسف لها، وتدبيره ذلك التدبير العجيب من رحمة الله العظيمة على يوسف، وعلى الملك، وعلى الناس، فلولا هذه الرؤيا وهذا التعبير والتدبير لهجمت على الناس السنون المجدبات قبل أن يُعدُّوا لها عدتها، فيقع الضرر الكبير على الأقطار المصرية وعلى ما جاورها.

стр. 101

فصار ذلك رحمة بهم وبغيرهم من الخلق، ألا ترى كيف شمل الجدب البلاد المصرية، وشمل البلاد الشامية وفلسطين وغيرها، حتى احتاجوا إلى الاكتيال من مصر، واحتاج يوسف أن يُقدّر للجميع، ويوزّع عليهم توزيعًا عادلًا، فيه الرفق بالجميع والإبقاء عليهم، وكان هذا العلم العظيم من يوسف هو السبب الأعظم في خروجه من السجن، وتقريب الملك له من اختصاصه به، وتمكينه من ﴿الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، وهذا من إحسانه، والله لا يضيع أجر المحسنين، ومع هذا الفضل، وفضل الله أعظم من ذلك، يصيب برحمته من يشاء ممن يختاره، ويختصه ويجمع له خير الدنيا والآخرة. ومنها: ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد ﷺ ، حيث قصّ على قومه هذه القصة الطويلة وهو لم يقرأ كتب الأولين، ولا دَارَسَ أحدًا يراه قومه بين أظهرهم صباحًا ومساءً، وهو أمّيٌّ لا يخطُّ ولا يقرأ، وهي موافقة لما في الكتب السابقة حيث قصَّها على الوجه المطابق، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾، كما ذكر الله هذا المعنى في قصة موسى وغيره من الأنبياء؛ لأن الغيوب نوعان: أمور سابقة قد اندرس علمها، نبّأه الله بها، وأمور مستقبلة قد نبّأه الله بها قبل أن تقع فوقعت، ولا تزال تقع شيئًا بعد شيء مطابقةً لما أخبر به ﷺ في كتاب الله وفي سنة رسوله، وكلها براهين على رسالته. ومنها: أنه ينبغي البُعْد عن أسباب الشر، وكتمان ما تُخْشَى مضرّته، والحث على التحرز منه؛ لقول يعقوب ليوسف: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وما فيها من التأكيد عليهم في حفظه حين أرسله معهم، ثم عند إرسال أخيه بنيامين بعد ذلك أخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، فالإنسان مأمور بالاحتراز، فإن نفع فذاك، وإلا لم يَلُم العبد نفسه.

стр. 102

ومنها: أنه يجوز ذِكْر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره؛ لقوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾. ومنها: أنّ نعمة الله على العبد نعمةٌ على مَنْ يتعلَّق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنَّه ربما شملتهم، وحصل لهم ما حصل له بسببه، كما قال يعقوبُ في تفسيره لرؤيا يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾، ولما تمَّت النعمة على يوسف حصل لآل يعقوبَ من العزِّ والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف. ومنها: أنَّ العدل مطلوبٌ في كل الأمور، لا في معاملة السلطان رَعِيَّتَه، ولا فيما دونه، حتى في معاملة الوالد لأولاده في المحبَّة والإيثار وغيره، وأنَّ في الإخلال بذلك يختلُّ عليه الأمر، وتفسُد الأحوال، ولهذا لما قدَّم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته جرى منهم ما جرى على أنفسهم، وعلى أبيهم وأخيهم. ومنها: أنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يُخْفِي ذلك مهما أمكنه، وألاّ يُفَضِّله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيءٍ من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرِّهم به، واتفاقهم فيما بينهم، ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمرٍ وخيم، وهو التفريق بينه وبين أبيه، وهذا صريح جدًّا؛ أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا بيوسف من التفريق بينه وبين أبيه هو تمييزه بالمحبة، ومع هذا فلا يحل هذا الأمر الشنيع، وهم يعلمون أنه لا يحل لهم، ولكنهم قالوا: افعلوا هذا الجرم العظيم وتوبوا إلى الله بعده، وهذا لا يحل أن يواقع العبد الذنب بأي حالة يكون ولو أضمر أنه سيتوب منه، فالذنب يجب اجتنابه، فإذا وقع وجبت التوبة منه.

стр. 103

ولعل من حكمة الله ورحمته بيعقوب ما قدّره عليه من الفُرقة التي أحدثت له من الحزن والمصيبة ما أحدثت رفعةً لمقاماته في الدنيا والآخرة، وليكون للنعمة عند حصول الاجتماع لها الموقع الأكبر والشكر الكثير، والثناء على الله بها، وليصل ولده يوسف إلى ما وصل إليه من المقامات الجليلة. ومنها: أن آيات الله إنَّما ينتفع بها السائل المستهدي الذي قصده معرفة الحق واتباعه؛ لقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، أما الغافلون المعرضون أو المعارضون المعاندون فإنه يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فالنظر في آيات الله المتلوّة وآيات الله الكونية ينفع من قصده الحق، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وكم في القرآن تقييد الانتفاع بهذا القيد، كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧] ﴿آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]. ومنها: الحذر من شؤم الذنوب، وأنَّ الذنب الواحد يستتبع ذنوبًا متعددة، ولا يتمُّ لفاعله إلا بعدة جرائم؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مرات، وزوَّروا على أبيهم في القميص والدَّم الذي فيه، وفي إتيانهم عشاءً يبكون، ولا تستبعد أنَّه قد كَثُرَ البحث فيها في تلك المدَّة، بل لعلَّ ذلك اتَّصل إلى أن اجتمعوا بيوسف، وكلما صار البحث حصل من الإخبار بالكذب والافتراء ما حصل، وهذا شؤمُ الذنب وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة. ومنها: أنه لا ينبغي أن يغترَّ بمجرد صورة القرائن، ولما أتت إلى شُرَيح امرأة مع خصمها أرسلت عينيها بالبكاء، فقال لشريح بعضُ الحاضرين: ما أظن البائسة إلا مظلومة، فقال شريح: ألم تسمع قصة إخوة يوسف إذ أتوا

стр. 104

﴿أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾، هل كانوا مظلومين أو ظالمين؟! فكم حصل بمثل هذه التمويهات من الاغترار وقلب الحقائق، لهذا كان الأذكياء يجعلون كل احتمال على بالهم، وينظرون إلى الأمور من جميع جهاتها ونواحيها. ومنها: أنَّ العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإنَّ أولاد يعقوب ﵇ جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدُّعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقّه فالله خير الراحمين، ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدلُّ على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيّرة، والكواكب فيها النور والهداية، الذي من صفات الأنبياء، فإنْ لم يكونوا أنبياء فإنَّهم علماء هداة. ومنها: ما منَّ الله به على يوسف ﵊ من العلم والحلم، ومكارم الأخلاق، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعَفْوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به، وتمَّ ذلك بأن لا يُثَرِّب عليهم ولا يُعَيِّرَهم به، ثم برُّه العظيم بأبويه، وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق. ومنها: أن بعض الشرِّ أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإنَّ إخوة يوسف لما اتَّفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضًا، وقال قائل منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾؛ كان قوله أحسن منهم وأخفَّ، وبسببه خفَّ عن إخوته الإثم الكبير. ومنها: أنَّ الشيء إذا تداولته الأيدي، وصار من جملة الأموال، ولم يُعْلَم أنه كان على غير وجه الشرع؛ أنَّه لا إثم على مَنْ باشره ببيع أو شراء، أو

стр. 105

خدمةٍ أو انتفاع، أو استعمال؛ فإنَّ يوسف ﵇ باعه إخوته بيعًا حرامًا لا يجوز، ثم ذهبتْ به السيارة إلى مصر، فباعوه بها، وبقي عند سيّده غلامًا رقيقًا، وسمّاه الله سيدًا، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم. ومنها: أن الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى العباد سبب يُنال به العلم، وتُنال به خيرات الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، وقوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧]، فجعل الله الإحسان سببًا لنَيْل هذه المراتب العالية. ومنها: أن النظر إلى الغايات المحبوبة يهوّن المشاق المعترضة في وسائلها، فمتى علم العبد عاقبة الأمر وما يئول إليه من خير الدنيا والآخرة هانت عليه المشقة، وتسلَّى بالغاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]، فأوحى إلى يوسف في هذه الحال المزعجة أن الأمر سيكون إلى خير وسعة، وبعد هذه الإهانة الصادرة من إخوتك لك ستكون لك الأثرة عليهم والعاقبة الحميدة، وفي هذا من اللطف والتسلية وتخفيف البلاء ما هو من أعظم نِعَم الله على العبد، ولهذا المعنى الجليل يذكّر الله عباده عند المشاق والأمور المزعجة ما يترتب على ذلك من الثواب والخير والطمع في فضله، قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء التي يُخشى منهنَّ الفتنة، والحذر أيضًا من المحبَّة التي يُخشى ضررها؛ فإنَّ امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحدها بيوسف، وحبّها الشديد له، الذي ما تركها حتّى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه، فسُجن بسببها مدة طويلة.

стр. 106

ومنها: أنَّ الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله مما يقرِّبه إلى الله زلفى؛ لأنَّ الهمَّ داعٍ من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبَّة الله وخشيته غلبت محبَّة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فكان ممن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، ومن السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أحدهم: «رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» (١)، وإنَّما الهمُّ الذي يُلام عليه العبد هو الهمُّ الذي يساكنه، ويصير عزمًا ربَّما اقترن به الفعل. ومنها: أنَّ مَنْ دخل الإيمانُ قلبه، وكان مخلصًا لله في جميع أموره؛ فإنَّ الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاءٌ لإيمانه وإخلاصه؛ لقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، على قراءة مَنْ قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح فإنَّه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله، وخلَّصه من الشرور، وعصمه من السوء والفحشاء. ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلًّا فيه فتنة وأسباب معصية أن يفرَّ منه ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكَّن من التخلُّص من المعصية؛ لأنَّ يوسف ﵇ لما راودته التي هو في بيتها فرَّ هاربًا يطلبُ الباب ليتخلَّص من شرِّها. ومنها: أنَّ القرائن يُعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار فما يصلُح للرجل فإنَّه للرجل، وما يصلُح للمرأة فهو لها، هذا إذ لم يكن بيِّنة، وكذا لو تنازع نجارٌ وحدادٌ في آلة حرفتهما من غير بيِّنة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر من هذا الباب؛ فإنَّ شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قَدِّ القميص، واستدلَّ بقدِّه من دُبُره على صِدْق يوسف وكذبها.

стр. 107

ومما يدلُّ على هذه القاعدة أنّه استدلَّ بوجود الصُّواع في رَحْل أخيه على الحكم عليه بالسرقة من غير بيّنة شهادةٍ ولا إقرار، فعلى هذا إذا وُجِد المسروق في يد السارق، خصوصًا إذا كان معروفًا بالسرقة؛ فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيَّأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيّد حاملًا؛ فإنه يُقام بذلك الحدُّ ما لم يقم مانعٌ منه، ولهذا سمّى الله هذا الحكم شاهدًا، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. ومنها: تكميل يوسف صلوات الله عليه لمراتب الصبر، الصبر الاضطراري: وهو صبرٌ على أذية إخوته، وما ترتَّب عليها من بُعْده عن أبويه، وصبره في السجن بضع سنين، والصبر الاختياري: هو صبر على مراودة سيدته امرأة العزيز مع وجود الدواعي القوية من جمالها وعلو منصبها، وكونها هي التي راودته عن نفسه وغلَّقت الأبواب، وهو في غاية ريعان الشباب، وليس عنده من قرابته ومعارفه الأصليين أحد، ومع هذه الأمور ومع قوة الشهوة مَنَعَهُ الإيمان الصادق، والإخلاص الكامل من مواقعة المحظور، وهذا هو المراد بقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فهو برهان الإيمان الذي يغلب جميع القوى النفسية، فكان هو مقدَّم السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله»، ثم بعد ذلك راودته المرأة، واستعانت بالنسوة اللاتي قطّعن أيديهن، فلم تُحدِّثه نفسه، ولم يَزَل الإيمان ملازمًا له في أحواله، حتى قال بعدما توعَّدته بقولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٢، ٣٣]، فاختار السجن على مواقعة المحظور، ومع ذلك فلم يَتَّكل على نفسه، بل استغاث بربه أن يصرف عنه شرهن، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]، وكما أنه كمَّل مراتب الصبر، فقد كمَّل مراتب العدل والإحسان للرعية حين

стр. 108

تولى خزائن البلاد المصرية، وكمل مراتب العفو والكرم حين قال له إخوته: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢]، فارتقى ﷺ إلى أعلى مقامات الفضل والخير والصدق والكمال، ونشر الله له الثناءين الكاملين في العالمين. ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن؛ فإنَّ جماله الظاهر أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لُمْنَها على ذلك أن قطعن أيديهنَّ، وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وأما جماله الباطن فهو العفَّة العظيمة عن المعصية مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾، وقالت بعد ذلك: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وقالت النسوة: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾. ومنها: أن يوسف ﵇ اختار السجن على المعصية؛ فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين؛ إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيوية؛ أن يختار العقوبة الدنيوية على واقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان أن يكره العبدُ أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله عند خوف الوقوع في فتن المعاصي والذنوب، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته، مع الصبر والاجتهاد في البُعد عنها، كما فعل يوسف ﵇ ودعا ربه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وأن العبد لا حول ولا قوة ولا عصمة له إلا بالله، فالعبد مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، مع الاستعانة بالملك الشكور.

стр. 109

ومنها: أنَّ العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه عن الشر، وأنَّ الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس، وإن كان معصية ضارًا لصاحبه. ومنها: أن الجهل كما يطلق على عدم العلم فإنه يطلق على عدم الحلم، وعلى ارتكاب الذنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وأما قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] ليس المعنى في ذلك عدم العلم، وإنما هو عدم العمل به واقتحام الذنوب، ومنه قول موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، وكل من عصى الله فهو جاهل باعتبار عدم العمل بالعلم؛ لأن العلم الحقيقي ما زال به الجهل وأوجب العملَ. ومنها: أنَّه كما على العبد عبوديَّة لله في الرخاء، فعليه عبودية له في الشدَّة؛ فيوسف ﵇ لم يَزَلْ يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمرَّ على ذلك، ودعا الفتيَيْن إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته ﵇ أنَّه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنَّا فيه الظنَّ الحسن، وقالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأتياه لأن يعبُر لهما رؤياهما، فرآهما متشوقَيْن لتعبيرها عنده، رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبُر رؤياهما؛ ليكون أنجح لمقصوده، وأقربَ لحصول مطلوبه، وبيَّن لهما أولًا أنَّ الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم إيمانه وتوحيده، وتركُه مِلَّة مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاءٌ لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبيَّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه. ومنها: أنَّه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنَّه إذا سُئِل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد؛ أنَّه ينبغي له أن يعلِّمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله؛

стр. 110

فإنَّ هذا علامةٌ على نُصح المعلِّم وفطنته، وحُسْن إرشاده وتعليمه؛ فإنَّ يوسف لما سأله الفتيان عن الرؤيا قدَّم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له. ومنها: الإرشاد إلى طريق نافع من طريق الجدال والمقابلة بين الحق والباطل، وهو بيان ما في الحق من الخير والمنافع العاجلة والآجلة، وما في الباطل من ضد ذلك، قال تعالى في دعوة يوسف للتوحيد: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، فذكر ما في الشرك من القُبح وسوء الحال واتباع الظنون الباطلة، وأن كل طائفة من المشركين لهم معبود؛ إما نار، أو صنم، أو قبر، أو ملك، أو ميت، أو غير ذلك من المعبودات المتفرقة، التي لا تملك لنفسها ولا لأهلها نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وكل طائفة تضلل الأخرى، وكلهم ضالُّون هالكون فيها، هذه الأرباب والمعبودات خير أم الله الواحد القهار؟ فذكر له ثلاثة أوصاف عامة عظيمة؛ أنه الله الذي له الأسماء والصفات العليا، ومنه النعم كلها، وبذلك استحق أن يكون الله المألوه إله أهل الأرض وأهل السماء، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه الواحد المتفرِّد بكل صفة كمال، المتوحِّد بنعوت الجلال والجمال، الذي لا شريك له في شيء من الأفعال، وأنه القهار لكل شيء، فجميع العالم العلوي والسفلي كلهم مقهورون بقدرته، خاضعون لعظمته، مُتذلِّلون لعزته وجبروته، فَمَنْ هذه صفاته العظيمة هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له. ومنها: أن الدين المستقيم الذي عليه جميع الرسل وأتباعهم هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ لقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠]، فهو الدين المستقيم المقيم للعقائد والأخلاق والأعمال، الذي لا تستقيم أمور الدين والدنيا إلا به.
следующие страницы →