Полный текст (188 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
تقديم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس، أمة مرحومة مغفورة، لا يُدرى أوَّلُها خير أم آخرها من شمول النعم، وخدمة القيم، أنشأنا بقدرته، وهدانا للإسلام وفطرته، وفضلنا بمحمد وشرعته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم رسله، جامع علوم الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه السالكين سبل الهداية بآثار فضله وبعد؛
الحديث عن الكتب الموروثة والمخطوطات النادرة له أهمية بالغة في حياة الناس، إذ يربط ماضيها بحاضرها، وما تفاضل الأمم فيما بينها إلا بقدر ما تحمله من ذلك الموروث الثقافي والمعرفي، إلا أن أمتنا كان لها قصب السبق بين تلك الأمم فنحن الآخرون السابقون الأوَّلون؛ ولا شك أن التراث المخطوط سيبقى مصدر إشعاع علمي لا ينضب لما يحمله من كنوز أفكار عباقرة
стр. 2
هذه الأمَّة الذين أفنوا أعمارهم وأوقفوا حياتهم للبحث والإبداع.
لذا دأب مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة ومنذ نشأته مطلع الألفية الميلادية الجديدة على الإسهام في خدمة كل ما يتعلق بهذا الموروث ونوادره النفيسة فأنشأ مكتبة عامرة تضم في جنباتها آلاف المطبوعات وانتقى قسمًا منها لنوادر النسخ لتحفظ بشكل خاص في خزانة المركز جنبًا إلى جنب مع تلك الأصول الخطية الأصلية في مختلف العلوم والفنون على الرغم من التكلفة الباهظة لبعض تلك الأصول.
وترجمة لهذا المجهود في إحياء الكنوز النادرة والآثار القيمّة والنفيسة والإشادة بها وإبانتها - وذلك من خلال تحقيقها تحقيقًا علميًا يليق بها لتخرج في ثوب علميٍّ قشيب أقْرَب ما يكون إلى وضعها الأوَّل على ما أراده مؤلفها - نعرض لمحبي التراث نادرة من نوادر النُّسخ الخطية التي يحتفظ بها مركز سعود البابطين والتي لا توجد في غيره من المراكز العلميَّة - حسب ما وصل إليه اطلاعنا
стр. 3
في فهارس المكتبات العامة والخاصة ـ؛ وهو كتاب: «الشَّواهد» أو «شواهد القرآن» لأبي عبيد القاسم بن سلَّام الهروي ت ٢٢٤ هـ ﵀؛ كان يُعدُّ من الكتب المفقودة لدى جل العاملين في الأسرة التراثيَّة، حتى قال أحدهم: «لا يمكن التكهُّن بمحتواه ولا بمنهجه» (١)، وهو في جواز التمثيل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس أيضًا فيما يَحسُن ويَجمُل إذا كان للوعظ والتذكير والثناء والدعاء (٢)، يروي الكتاب عن مصنفه
_________
(١) أبو عبيد القاسم بن سلام، فضائل القرآن ومعالمه وآدابه، تحقيق: أ. أحمد بن عبد الواحد الخيَّاطي، د. ط، المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، ١/ ١٣٥.
(٢) نصَّ عليه ابن عبد البر وابن رشيق والنووي، انظر: ابن عبد البر، التمهيد، تحقيق: مصطفى العلوي، ومحمد البكري، د. ط، المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ١٣٨٧ هـ، ٢/ ٢٢٣، والنووي، شرح صحيح مسلم، ط ٢، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٣٩٢ هـ، ١٢/ ١٦٤، والسيوطي، تنوير الحوالك، د. ط، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م، ١/ ٣١٢.
стр. 4
ناسخُهُ العماد الهكَّاري ت ٧٠٨ هـ الذي كتب بخطه الحسن الشيء الكثير، فرغ منه بمكة - شرفها الله - تجاه الكعبة، يرويه بسنده إلى مؤلفه من طريق الحافظ أبي الحسن البغوي ت ٢٨٧ هـ صاحب أبي عبيد قراءةً على مؤلفه.
والنسخة جيدة، عليها دوائر المقابلة باللون الأحمر
وعلى هوامشها تصحيحات، وسماع، وقيود قراءة كتبت على كاغد مشرقي أصيبت بعض أوراقها بثقوب بسبب الأرضة وبرطوبة وبلل، غير أن النص متاح للقراءة، وخط النسخة: نسخٌ واضح ضبطت كلماتها كثيرًا بالشكل، كما اعتمد الناسخ على نظام التعقيبة في وصل ورقات النسخة عدا بعض المواضع فقد خلت من التعقيبة.
وبتكليف من المركز لأحد أفاضل المحققين المتمرّسين بفنّ تحقيق التُّراث وطباعته أوكل العمل للدكتور رياض حسين عبد اللطيف الطائي - وفقه الله - للقيام بهذه المهمة النبيلة لخدمة هذا الكتاب وفق أصول منهج التحقيق وضوابطه، ليخرج هذا العمل مستوفيًا للشروط
стр. 5
شكلًا ومضمونًا، حيث قام مشكورًا بتحقيقه مع إخراج النصِّ على أحسن وجه مع مقدمة شملت تمهيدًا لموضوع الشواهد وترجمة للمؤلف مع دراسة تحليلية للكتاب.
وأخيرًا؛ نسأل الله العلي القدير أن ينفع بهذا السِّفْر النَّادر طلبة العلم ودور المكتبات وخاصة الأسرة التراثية منهم بأن يجدوا فيه ما يسد حاجتهم ويروي ظمأهم، كما يتوقع الظمآن للماء الزلال، والصائم لهلال شوال.
كما لا يفوتنا إسداء الشكر لصاحب هذا الصرح الشامخ الشيخ عبد اللطيف بن سعود بن عبد العزيز البابطين وأولاده على إتاحتهم الفرصة في إخراج هذا الكتاب ليرى النُّور بعدما تعرض فيه لمخاطر الفناء والتَّلف ليكتب له حياة جديدة وعمرًا آخر بإذن الله، فالله نسأل لهم وافر الأجر والمثوبة؛ والحمد لله رب العالمين.
مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة
إدارة البحوث والنشر
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَستَعِينُ بِهِ وَنَسْتَغفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا ومِن سَيئاتِ أَعمالِنا.
مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فلا هادِيَ لَه. وأَشهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ لَه، وأَشهدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبدُه ورَسولُه.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحمَّدٍ، وباركْ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحمَّدٍ، كَما صَلَّيتَ وبارَكْتَ عَلى إِبراهيمَ وآلِ إِبراهيمَ في العالَمِينَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
أما بَعدُ، فقد أَنْزَلَ اللهُ كِتابَه الكَريمَ - القُرآنَ - هدًى ونورًا ورحمةً وحُجَّةً وحَكَمًا، ليُخرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ومِن عَنَتِ الجاهليةِ إلى رحابةِ الإسلامِ، ومن الذُّلِّ والمَهانة إلى العِزّة والمَنَعة.
أَنزلَ القُرآنَ فأثَّرَ على البشرية جمعاء، على قلوبهم ونفوسهم وأعرافهم وآدابهم، بل حتى على ألسنتهم.
стр. 7
كان العَرَبُ - حينما نَزَلَ القُرآنُ - يتفاخرون بلُغَتِهم، ويتبجّحون بفصاحتها وعُلُوِّ ألفاظِها، إذ بَلَغَتْ فيهم أرقى منازل الفَخامة وأرفعَ مراتبِ السُّمُوِّ؛ فبَسَطَ سُلطانَه عَلَى هذه اللُّغة، وأخَذَ بزمامِها، ومَلَكَ ناصيتَها، وطغى عليها - بجميع آدابها وفنونها -.
لقد كان في القُرآن - من إعجاز بلاغته، وجَلال فصاحته، وحُسْن بيانه، وخصائص أسلوبه، وحلاوة كلامه - ما أدهشَ العربَ أولي الفصاحة وأربابَ البلاغةِ وفرسانَ المعاني وأمراءَ البيانِ، فمَلَّكُوا بيانَه نواصِيَهم، وبذلوا لسُلطانِه مَقادَتَهم.
ارتفعوا بالقُرآن، فرفَعَهم اللهُ، واعتزوا إليه فأعزَّهم اللهُ.
نَعَم، حَمَلَت الأُمَّةُ أمانةَ العِلم بكتابه، والعَمَل بمَضامينه، وتبليغ أحكامه وآدابِه، فاتخذوه هِجِّيراهم، يقتبسون من هُدَى أحكامه، ونور آدابه، وسموّ أخلاقه.
ولم يكن الأثرُ الذي أحدَثَه القرآنُ في لسان العرب ولغتهم بأقلَّ شأنًا من أثره في قلوبهم ونفوسهم وسلوكهم
стр. 8
وأخلاقهم، فقد طَغَى القرآنُ على اللُّغة العربية، فكساها من رونق الألفاظ، وبراعة البيان، وسموّ المعاني ما جعلها تبلغ ذُرَى مَجد اللُّغات.
من أجل هذا عُنِيَ النّاسُ بلُغةِ القُرآن أشدَّ العناية، وصُرفتِ الهممُ إليها، واقتبسوا من بديع نصوصه، وبليغ عباراته، كما نهلوا من مُحكَم أحكامه، وجميل آدابه وأخلاقه.
وظَهَرَتْ آثارُ لُغةِ القُرآن الكريم على حَديثِ رسول الله ﷺ ، أفصحِ النّاسِ لسانًا، وأحسنهم بيانًا، وأبلغهم تبيانًا. ثُمَّ على كلام أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان.
وكان من جُملة تأثّرهم بلُغة القرآن الكريم: استشهادهم بآياته، وحِجاجهم بعباراته، واكتساءُ خطابهم بألفاظه ومفرداته، وتضمينُ كلامهم لسياقاته، واقتباسُهم من كلماته.
لقد كان للقُرآن أبلغُ الأثر في بلاغتهم، حتى فاقت بلاغةُ شِعرهم ونَثرهم بلاغةَ فحول شُعراء الجاهلية
стр. 9
وخطبائها وبُلغائها، وهذا التأثُّر هو الذي جعل «كلام الإسلاميّين من العرب أعلى طبقةً في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهليّة في منثورهم ومنظومهم» (١).
لقد أفصح العلامّة ابن خلدون عن أسرار هذا السبب بأفصح عبارة، فقال: «والسبب في ذلك أنَّ هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سَمعوا الطَّبقةَ العاليةَ منَ الكلام في القُرآن والحديث اللَّذَين عَجَزَ البشرُ عن الإتيان بمثليهما لكونها وَلَجَتْ في قلوبهم، ونشأتْ على أساليبها نفوسُهم، فنَهَضَتْ طِباعُهم، وارتقتْ مَلَكاتُهم في البلاغة على مَلَكاتِ مَنْ قبلَهم من أهل الجاهليّة ممّن لم يَسمعْ هذه الطَّبقةَ ولا نَشَأَ عَلَيها، فكان كلامُهم - في نَظمهم ونثرِهم - أحسنَ ديباجةً وأصفى رَونَقًا من أولئك وأرصفَ مبنًى وأعدلَ تثقيفًا؛ بما استفادوه من الكلام العالي الطَّبقة. وتأملْ ذلكَ يَشهدْ لكَ به ذوقُكَ، إن كُنْتَ من أهل الذَّوقِ والبَصَرِ بالبلاغة» (٢).
_________
(١) ابن خلدون، المقدمة (١/ ٧٩٨).
(٢) المقدمة (١/ ٧٩٨).
стр. 10
ومن ظواهر تأثر الأمة بكتاب الله ظاهرةُ الاقتباس من القرآن، والتمثّل بآياته، والاستشهاد بنصوصه.
وهذا فنٌّ لطيفٌ مستظرفٌ يبحثه البلاغيون في علم البديع، ويعتني به المترسلون في صناعة الكتاب أبلغ العناية (١)؛ لما يُكسبه من قوة الحُجَّة، وسداد الاستدلال، وحلاوة الكلام، ورصانة السياق، ورونق العبارة.
قال أبو الحسين الكاتب: «وإذا استعمل المترسل في كتبه التمثيل بآداب الأوائل والاستشهاد بالقرآن كان ذلك أحلى لمنطقه، وأحسن عند سامعه» (٢).
ولا شك أن استشهاد القائل والكاتب بالقرآن يزيده بهاءً وجلالًا وقوَّة.
_________
(١) ينظر: «الرسالة العذراء» (ص: ٧)، و «المثل السائر» (١/ ١٠٠ - ١٠١، ١٣٤)، و «حسن التوسّل» لمحمود بن سليمان الحلبي (ص: ٢، ٩٠)، و «صبح الأعشى» للقلقشندي (١/ ٢٢٩).
(٢) «البرهان في وجوه البيان» (ص: ٢٨٤).
стр. 11
قال العلَّامة النُّوَيريّ: «ومن شَرَفِ الاستشهادِ بالكتابِ العزيزِ إقامةُ الحُجَّة، وقَطْعُ النِّزاع، وإرغامُ الخَصْم … وقد تقومُ الآيةُ الواحدةُ المُستشهَدُ بها - في بُلوغ الغَرَضِ وتوفيةِ المَقاصِدِ - ما لا تَقومُ به الكُتُب المُطَوَّلةُ، والأدِلَّةُ القاطعة» (١).
وقد كَثُر ذلكَ في كلام الناس؛ نثره ونظمه، فكان منهم المُقِلّ والمستكثِر، والمُحتاطُ والمتجاسِر، والمنضبط بالشرع والمتجرِّئ عليه.
فمن أجل ذلك تطرَّق إليه أهلُ العلم من حيثُ النظرُ في حكمه وضوابط استعماله.
وقد ذَهَبَ جمهورُ الفقهاء إلى جواز الاقتباس - في الجُمْلة - إذا كان لمقاصدَ لا تخرُجُ عن المَقاصِدِ الشَّرعيَّةِ تَحسينًا للكلام، أمَّا إن كان كلامًا فاسدًا فلا يَجوزُ الاقتباسُ فيه من القرآن، وذلك ككَلام المُبتدِعة وأهلِ المُجونِ والفُحش (٢).
_________
(١) «نهاية الأرب» (٧/ ٢٩، ٣٠).
(٢) ينظر: «الموسوعة الفقهية» (٦/ ١٧).
стр. 12
وذَكَرَ الحافظُ السيوطيُّ أنه لا يَعلَمُ خِلافًا في جواز الاقتباس في النَّثْر في غير المُجون والخَلاعة وهَزْل الفُسّاق ونحوِ ذلك (١).
والتمثُّل بالقرآن والاستشهاد به صورةٌ من صور الاقتباس مستحسنةٌ، وبخاصة إذا رُوعي فيها حُسنُ المناسبة، واعتبُر سدادُ الغرض وسلامةُ المَقصد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنْ تلا الآية عند الحُكم الذي أُنزِلت له أو ما يُناسبه من الأحكام فحَسَن. ومن هذا الباب ما بَيّنه الفُقَهاءُ من الأحكام الثابتة بالقياس، وما يتكلّم فيه المَشايخُ والوعّاظ، فلو دُعيَ الرَّجلُ إلى معصية قد تاب منها فقال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وكذا لو قال عند همّه وحزنه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ونحو ذلك كانَ حَسَنًا … » (٢).
ولا شكَّ أن من أعظم ما يُستدَلُّ به على جواز الاقتباس
_________
(١) ينظر: تنوير الحوالك (٢/ ٢٣).
(٢) «الفتاوى المصرية» (ص: ٦٢٢).
стр. 13
من القرآن والتمثّل بآياته: ما ثبت في الأحاديث الصحيحة الشريفة الدالّة على استشهاد النبي ﷺ بالقُرآن في مواضع كثيرة، ومناسبات عديدة.
وكذا ما اشتهر من فِعل أصحابه والتابعين لهم بإحسان من أهل العلم والإيمان.
لم تكن هذه الأحاديث والآثار مجموعةً في ديوان واحد، حتى جاء الإمام الحافظ الفقيه الحُجّة أبو عُبَيد القاسم بن سَلّام، فصنّف فيه كتاب «الشواهد» إذْ جمع فيه جملةً كبيرة من الأحاديث والآثار المتضمنة لاستشهادات النبي ﷺ والصحابة والتابعين، فجاء كتابه حافلًا بالنصوص، عمدةً في بابه، أصلًا في مادته.
وهذا الكتاب الذي أشرُف بخدمته وتحقيقه، ظلّ دهرًا قابعًا في غياهب المكتبات، حتى عُدّ من المفقودات!
فلله الحمدُ والمنّة على فضله وإحسانه، أن وفّقني إلى خدمته، وأسأله سبحانه أن يتقبله بقبول حَسَن، وأن
стр. 14
يكتب له الرضى والاستحسان، وأن ينفع به، إنه سميع عليم.
ولا يَسعُني في مقام التَّنويه والإشادة إلا أن أزجي شكري وامتناني إلى فضيلة الشيخ الدكتور عادل بن عبد الشَّكور الزُّرقِيّ الذي طوّقني بجميل إسناده تحقيقَ الكتاب إليّ، فله مني الشكر الجزيل، والثناء الجميل.
وكتب
رياض بن حسين بن عبد اللطيف الطائي
في دار مهجره بإسطنبول
٢٠/¬١٤٤٢/¬١
стр. 15
ترجمة المصنف (١)
_________
(١) ينظر في ترجمته: ابن سعد «الطبقات الكبير» ٩/ ٣٥٨، والبخاري «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٢٧ و «الأوسط» ٤/ ١٠٠٠، وابن قتيبة «المعارف» (ص: ٥٤٩)، وابن أبي حاتم «الجرح والتعديل» ٧/ ١١١، وأبو الطيب اللغوي «مراتب النَّحويّين» (ص: ٩٣)، وابن حبّان «الثقات» ٩/ ١٦، والأزهري «تهذيب اللغة» ١/ ١٩، والزُّبيدي «طبقات النحويّين واللغويّين» (ص: ١٩٩)، والنديم «الفهرست» ١/ ٢١٤، والتَّنُوخي «تاريخ العلماء النحويين» (ص: ١٩٧)، والخطيب «تاريخ مدينة السلام بغداد» ١٤/ ٣٩٢ و «المتفق والمفترق» ٣/ ١٧٨١، والشيرازي «طبقات الفقهاء» (ص: ٩٢)، وابن أبي يَعلى «طبقات الحنابلة» ٢/ ٢١٠، وابن عساكر «تاريخ دمشق» ٤٩/ ٥٨، وابن الأنباري «نزهة الألباء» (ص: ١٠٩)، وابن الجوزي «المنتظم» ١١/ ٩٥ و «صفة الصفوة» ٤/ ١٣٠، وياقوت الحَمَوي «معجم الأدباء» ٥/ ٢١٩٨، والقِفطي «إنباه الرواة» ١٢/ ٣، وسبط ابن الجوزي «مرآة الزمان» ١٤/ ٣٠٠، واليغموري «نور
стр. 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
القبس المختصر من المقتبس في أخبار النحاة للمرزباني» (ص: ٣١٤)، والنووي «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٥٤٢ (٨٢٧)، وابن خلّكان «وفيات الأعيان» ٤/ ٦٠، والمزي «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٣٥٤، وعبد الباقي اليماني «إشارة التعيين» (ص: ٢٦١)، والذهبي «تاريخ الإسلام» ٥/ ٦٥٤ و «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٤٩٠ و «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٤١٧ و «العبر» ١/ ٣٩٢ و «معرفة القراء الكبار» ١/ ٣٦٠ و «تذهيب التهذيب» ٧/ ٣٦١، وابن فضل الله العمري «مسالك الأبصار» ٢٧/¬٧، وابن شاكر الكتبي «عيون التواريخ» وفيات ٢٢٤ هـ (باريس ١٥٨٨/ ل: ٣٩)، والصفدي «الوافي بالوفيات» ٢٤/ ٩١، واليافعي «مرآة الجنان» ٢/ ٦٣، والسبكي «طبقات الشافعية» ٢/ ١٥٣، وابن كثير «البداية والنهاية» ١٤/ ٢٦٨، والفيروزابادي «البلغة في تاريخ أئمة اللغة» (ص: ٢٣٣)، وتقي الدين الفاسي «العِقد الثمين» ٧/¬٢٣، وابن الجزري «غاية النهاية في أسماء رجال القراءات» ٣/¬٤٢، وابن ناصر الدين «التبيان لبديعة البيان» ٢/ ٦٢٢، وابن قاضي شهبة «طبقات الشافعية» ١/¬١٩، وابن حجر «تهذيب التهذيب» ٨/ ٣١٥ و «تقريب التهذيب» (٥٤٦٢)، والعيني «مغاني الأخيار» ٢/ ٤٦٢، والداوودي «طبقات
стр. 17
اسمه ونسبه :
هو أبو عُبَيْدٍ (١) القاسمُ بن سَلَّام - زاد الذهبيُّ: ابن عبد الله - (٢) الهَرَويُّ، التُّركيُّ، الرُّوميُّ، الأزديُّ مولاهم؛ مولى الأنصارِ منهم، الخُزاعيُّ، البغداديُّ.
وقد نُسِبَ جُمَحِيًّا - نسبةً إلى بني جُمَح؛ بطن من قُرَيش - على سبيل التوهّم والغلط؛ ولعلَّ سببَ ذلك
_________
المفسرين» ٢/ ٣٢، وطاش كبري زاده «مفتاح السعادة» ٢/ ١٦٧، ٣٠٦، وحاجي خليفة «كشف الظنون» ١/ ٤٧، ١٦٧، ٣٨٥، وابن العماد «شذرات الذهب» ٣/ ١١١، وصديق حسن خان «التاج المكلل» (ص: ٨٣)، والزركلي «الأعلام» ٥/ ١٧٦، وصالح العثيمين «تسهيل السابلة» ١/ ٣٠١، وسائد بكداش «أبو عبيد القاسم بن سلام» ضمن سلسلة أعلام المسلمين، بتسلسل ٣٥.
(١) ووقع في صفحة عنوان كتابنا تكنيته بـ (أبي عبد الله)، ولا تصح.
(٢) أما تسمية النديم - ومن تبعه كعَلَم الدين السخاوي والروداني وسزكين - جدَّه «مسكينًا» فذاك راوٍ آخر. فمن أجل ذا أورده الخطيب في «المتفق والمفترق» للتمييز بينهما.
стр. 18
ظنُّهم وجودَ الصّلةِ بينه وبين محمد بن سَلّام الجُمَحيِّ الأخباري صاحب كتاب «طبقات الشعراء» المتوفى سنة ٢٣١ هـ، وليس ذلكَ كذلك.
والظَّاهرُ أنَّ هذا الغلطَ قَديم، فقد وَرَدَ في نُسَخٍ وطباق قديمة، كما وقع في أول نسخة «الشَّواهد» التي بين أيدينا!
ومما وقفتُ عليه من أغلاط نسبته إلى بَني جُمَح: ما
ورد في نسخة توبنجن من «فضائل القرآن» في صفحة عنوانه بخطٍّ قديم وآخرَ حديثٍ، وفي طبقةٍ من طباق سَماعه بخطّ الفقيه يوسف بن عبد المنعم المقدسيّ الحَنبليّ (ت: ٦٣٨ هـ).
إن إقحامَ هذه النسبة في روايات ونُسَخِ مصنفات الإمام أبي عُبيد مرصود قديمًا، فمن ذلك ما قاله الإمام أبو الطيب اللُّغويّ: يظنُّ قومٌ أنّ القاسم بن سَلّام البغداديَّ ومحمد بن سَلّام الجُمَحيَّ صاحب «الطبقات» أخوان! ولقد رأيتُ نسخةً من كتاب «الغريب المصنَّف» على ترجمته: (تأليف أبي عبيد القاسم بن سَلّام الجُمَحي)!
стр. 19
وليس أبو عُبيد بجُمَحيّ ولا عَرَبيّ، وإنما الجُمَحيُّ محمدٌ مؤلِّفُ كتاب «طبقات الشعراء»، وأبو عُبيد في طبقةِ مَنْ أخذ عنه (١).
وهذا الإقحام في النسخ الخطية لعله كان سببًا في الاسترواح إلى ذكره في نَسَب الإمام أبي عُبيد من قبل بعض أفاضل أهل العلم في أثباتهم وفهارسهم، كما وقع للحافظ الدمياطي، والقزويني، وغيرهما (٢).
مولده ونشأته وأسرته :
وُلِدَ الإمام أبو عُبيد ﵀ في مدينة
_________
(١) مراتب النحويين (ص: ٢). وانظر: «المزهر» للسيوطي (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
(٢) ينظر: «معجم شيوخ الدمياطي» (ج ٧/ ل ٦٩ ب)، و «مشيخة القزويني» (ص: ١٩٣، ١٩٥، ٢١٩، ٣٧٣)، و «مشيخة محيي الدين اليونيني» (ص: ٨٤)، و «مصاعد النظر» للبقاعي (٢/ ٢٨٤)، و «كشف الظنون» (٢/ ١٢٧٧) و «سلم الوصول إلى طبقات الفحول» (٣/ ٢١) لحاجي خليفة، و «أبجد العلوم» للقنوجي (٢/ ٣٩٩).
стр. 20
هَرَاة (١)، وقد كان أبوه عبدًا روميًّا لبعض أهل هراة الأزدِيّينَ. وظاهرُ مِنْ نَسَبه أن مولاه كان مِنَ الأنصار - حيّ من أحياء خزاعة - من الأزد.
وكان أبوه أعجميَّ اللِّسان لا يُحسِنُ العربية، إلا أنه عُني بابنه القاسم؛ لِما رأى من نَجابته المُبكِّرة وتفرَّسَ فيه الذكاء والتفوُّق، فقد رُويَ أنه خَرَجَ يومًا ووَلَدُه أبو عُبيد مع ابن أستاذه في المكتب، فقال للمُعلِّم: عَلِّمي القاسِمَ، فإِنَّها كيِّسة!
وقد اختُلِف في سنة ولادته كما اختُلِف في سنة وفاته.
فقيل: سنة ١٥٠، وقيل: ١٥٤، وقيل - أيضًا - سنة ١٥٧ هـ.
لكن بالنظر إلى ما قاله تلميذُه وأخصُّ أصحابه الحافظُ عليُّ بن عبد العزيز البغويُّ بأنه توفي سنة ٢٢٤ هـ
_________
(١) مدينة هراة: من أكبر حواضر خراسان، تقع - اليوم - شمال غربي أفغانستان.
стр. 21
عن ثلاث وسبعين سنة، تكون ولادته عام ١٥١ هـ على أرجح الأقوال وأوفقها.
ولم تُسعفنا المصادر في تصوّر نشأته وأحواله وعائلته، إلا أن الظاهر أنه بدأ بطلب العلم في مدينته هراة.
ثم ارتحل في طلب العلم صوب العراق، فقصد بغداد والكوفة وواسط والبصرة، فطلب العلم، وسمع الحديث من كبار محدّثي العراق، ودرس الأدب على كبار أئمة اللغة من متقدمي المدرستين البصرية والكوفية، ونظر في الفقه وحصله على كبار فقهاء العراق، وقرأ القراءات على كبار القُرّاء في تلك الأمصار.
ثم رَحَلَ إلى الرِّقّة وغيرها من الأمصار.
وبعدها عاد إلى خراسان، فعمل مؤدِّبًا لآل هرثمة بن أعين (ت: ٢٠٠ هـ)، ثم لآل ثابت بن نصر الخزاعي (ت: ٢٠٨ هـ)، وقد لازمه، حتى إن ثابتًا لمّا ولي طَرَسُوسَ تولّى أبو عُبَيد القضاء فيها حتى سنة وفاة ثابت.
стр. 22
ثم عاد إلى بغداد، واتصل بعبد الله بن طاهر الخزاعي
الأمير العادل، وحظي عنده، وأكرمه عبد الله بن طاهر وأغدق عليه، فكان ذلك سبب تفرّغه لتصنيف كتبه، وكان إذا ألّف كتابًا أهداه إليه، فيحمل إليه عبد الله بن طاهر مالًا خطيرًا؛ استحسانًا لذلك.
ومع ذلك، فإنه كان دائم الرّحلة للاستزادة من العلم وطلبه، فرحل من بغداد إلى الشام ومصر سنة (٢١٣ هـ) بصحبة يحيى بن معين، ثم عاد إلى بغداد.
وفي سنة (٢١٩ هـ) خرج إلى الحجّ، فدخل المدينة، فسمع من أهلها، واستفاد منهم ما قيّده في مصنّفاته من الفوائد عنهم.
ثم بقيَ مجاورًا في مكّة حتى توفاه الله في المحرّم سنة ٢٢٤ هـ، على أصح الأقوال.
شيوخه :
اكتسب الإمامُ أبو عُبيد من رحلته التفنّنَ في موارد العلم ومآخذه من أشياخه، فتعدّدت فنون العلم التي برز فيها، نتيجة تنوّع العلوم التي تلقّاها على شيوخه.
стр. 23
فأخذ علومَ اللُّغة من كبار أئمتها، وكان منهم:
أبو عَمرُو الشيبانيّ، والكسائيّ، ويحيى الفرّاء، وابن الأعرابي من الكوفيين، والأصمعي، وأبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنّى، ويحيى بن المبارك اليزيدي من البصريين.
وأخذ القراءات من كبار أصحابها، ومنهم:
إسماعيل بن جعفر المَدَنيّ صاحب الإمام نافع المقرئ، وحجّاج بن محمد المَصّيصي، وشجاع بن أبي نصر البَلْخيّ المقرئ صاحب أبي عَمرو بن العلاء، والكسائي أحد القراء السبعة، وهشام بن عمّار عالم أهل الشام ومقرئهم - وهو آخر شيوخه موتًا -.
واستفاد الفقه من جملةٍ من فقهاء عصره، كالإمام محمد بن الحسن الشيباني، وأبي يوسف، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله النخعي - وهو أكبر شيخ له ـ، وابن المُبارك، ومن أقرانه كالشافعي وأحمد، وغيرهم.
стр. 24
أما في الحديث والآثار فقد أحصى الحافظ المزي من شيوخه عددًا غفيرًا.
وفي كتابنا هذا بلغوا خمسة وأربعين نفسًا. وهم:
إبراهيم بن سليمان، أبو إسماعيل المؤدّب: ٥٨
ابن بكير = يحيى بن عبد الله بن بكير
أبو إسماعيل = إبراهيم بن سليمان
أبو الأسود = النضر بن عبد الجبار
أبو النضر = هاشم بن القاسم
أبو اليقظان = عمار بن محمد الثوري
أبو اليمان = الحكم بن نافع
أبو سعد الخراساني = محمد بن ميسر
أبو صالح = عبد الله بن صالح
أبو مسهر = عبد الأعلى بن مسهر
أبو معاوية = محمد بن خازم
أحمد بن حنبل: ٢٣، ١٠٢
стр. 25
أحمد بن عثمان المروزي، حَمدويه: ٤١، ٦٩، ٨٠، ١١٥، ٩٨
إسحاق بن عيسى ابن الطباع: ٧٩
إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلَيّة: ١، ٨، ١٢، ٤٣، ٨٢، ٦٠، ٥٧، ٥٦، ٤٥
إسماعيل بن جعفر المدني: ٣، ٩
إسماعيل بن مجالد: ٧٥
الأشجعي = عبيد الله بن عبد الرحمن
حَجَّاج بن محمد المَصّيصي: ٢، ٣٨، ٥٤، ٥٥، ١٣٨، ١٣٧، ١٣٢، ٩٤، ٩٢
حسّان بن عبد الله الواسطي المصري: ١٢٩
الحَكَم بن نافع أبو اليمان الحِمصي: ١٦، ٣٩
خالد بن عمرو الأموي الكوفي: ٩٦
خلف بن خليفة الأشجعي: ٣٥
سعيد بن أبي مريم: ٤٦
стр. 26
سفيان بن عيينة: ١٣، ٥١
شجاع بن الوليد السكوني، أبو بدر الكوفي: ٣١
عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي: ٩٩
عبد الرحمن بن مهدي: ٤، ٧، ١١، ١٥، ١٨، ٢٠، ٢٦، ٣٧، ٤٧، ٥٠، ٧٢، ٨٣، ٨٥، ٨٨، ١٠٦، ١٠٨، ١١١، ١١٨، ١٢٣، ١٢٨، ١٣١، ١٣٥، ١٤٢، ١٤٧
عبد الله بن المبارك: ٧١، ١٢٢
عبد الله بن صالح المصري: ٦، ٢٨، ٧٣، ١٠٣
عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي: ٦٢، ١٣٩
علي بن معبد الرقيّ: ١٠١، ١٤٦
عمّار بن محمد الثّوريّ، أبو اليقظان الكوفي: ١١٤
عمر بن يونس اليمامي: ١٠
الفَرَج بن فَضَالَة: ٧٧
قبيصة بن عُقبة: ٥٢، ١١٠
стр. 27
كَثِير بن هشام الكِلابي: ٢٩، ١٣٣، ١٣٦
المبارك بن سعيد الثوري: ٦٧
محمد بن جعفر غُنْدَر: ٤٨
محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير: ٣٣، ٦١، ٦٨، ٨٤، ١١٢، ١١٩
محمد بن عُبيد الطنافسي: ٥٣
محمد بن كثير الصنعاني الدمشقي: ٣٤، ٤٢، ٧٠، ٧٤، ٩٠، ١٠٤، ١١٣، ١٢٤، ١٤١، ١٤٤
محمد بن ميسَّر الصاغاني، أبو سعد الخراساني: ٦٥
محمد بن يزيد الكلاعي الواسطي: ٢٥، ٧٦ مروان بن معاوية الفزاري: ١٤، ٥٩، ٨٧، ١١٧، ١٢٦، ١٤٠
مُعاذ بن مُعاذ العَنبَري: ١١٦
النَّضر بن إسماعيل البَجَلي: ٦٦
النَّضر بن عبد الجبار: ٥، ٦٤، ٨٩
стр. 28
هاشم بن القاسم، أبو النضر البغدادي: ١٩، ٢٤، ٣٦، ٧٨، ٩١، ٩٣، ١٣٤، ١٤٥
هشام بن عمار: ٢١
هشيم بن بشير: ٢٧، ٣٠، ٦١، ٦٣، ١٠٠، ١٠٧، ١٣٠
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: ٨١
يحيى بن سعيد القطان: ٨٦، ١٢١، ١٢٥، ١٣١
يحيى بن عبد الله بن بكير المصري: ٢٢، ١٠٥
يزيد بن هارون: ١٧، ٣٢، ٤٠، ٤٩، ٥٥، ٩٥، ٩٧، ١٠٩، ١٢٠، ١٤٣
تلامذته :
إمامٌ بمكانة الإمام أبي عُبيد ومرتبته في العلم، لا غَروَ أن يَحمِلَ عنه جُملةٌ من الأكابر، يرحلون إليه، ويسعون في التحصيل على يديه.
فكان من جُملة هؤلاء: الإمام الحافظ علي بن
стр. 29
عبد العزيز البغوي أجلُّ أصحاب أبي عُبيد وأثبتهم فيه، والحارث بن أبي أسامة، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأحمد بن يحيى البلاذري، وعباس الدوري، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأبو بكر ابن أبي الدنيا، وغيرهم.
وقد تزاحم الأكابر على القراءة عليه والسماع منه.
ومن ذلك: ما رُوِيَ من سماع عليّ بن المديني وأحمد وابن مَعين كتابه «غريب الحديث» منه، إن صحّت الحكاية.
مصنفاته :
كان الإمام أبو عُبيد متفنّنًا في أصناف العلوم، إمامًا في الفقه والحديث واللغة والقراءات وأيّام الناس، ممن جمع و «صنف التصانيف المونقة التي سارت بها الركبان» (١)، وكان له في كلّ فنٍّ تصنيف مستحسن متلقًى بالثناء والإطراء.
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩١).
стр. 30
وحسبُك بمصنَّفات الإمام أبي عُبيد أنها نيفت على ثلاثين كتابًا تُعدّ أصولًا في بابها، أمَّاتٍ في فنّها، متقدّمةً على ما سواها، مع كونه مسبوقًا إلى أغلب ما صنّفه.
ومن أشهر مصنَّفاته المطبوعة :
١ - كتاب الأمثال. طبع بتحقيق: د. عبد المجيد قطامش. نشر: دار المأمون للتراث، دمشق.
٢ - كتاب الأموال. وله عدة طبعات. فقد نشره الشيخ محمد حامد الفقي سنة ١٣٥٣، ثم حققه الأستاذ محمد خليل هرّاس سنة ١٣٨٨، ثم طبع محققًا مخرَّج الأحاديث والآثار، بتحقيق سيد بن رجب، وتقديم وتعليق: أبي إسحاق الحويني. نشر: دار الفضيلة، الرياض.
٣ - كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته. طبع بتحقيق العلامة محمد ناصر الدين الألباني، ثم نشر بتحقيق: عبد الحميد الدرويش؛ ضامًّا إليه جُزؤًا من حديث البغوي عن أبي عُبيد القاسم بن سلَّام. نشر: دار المقتبس، بيروت.
стр. 31
٤ - كتاب الخُطَب والمواعظ. طبع بتحقيق وتعليق الدكتور رمضان عبد التواب. نشر: مكتبة الثقافة الدينية،
القاهرة.
٥ - كتاب الطهور. طبع بتحقيق مسعد السعدني، نشر: دار الصحابة بطنطا. ثم طبع بتحقيق مشهور حسن سلمان، نشر: مكتبة الصحابة بجدة.
٦ - الغريب المصنَّف. طبع طبعاتٍ عدّة. وأفضلها التي بتحقيق الدكتور صفوان داوودي، نشر: دار الفيحاء، دمشق. ٧ - غريب الحديث. طبع عدّة مرّات، وأفضل نشراته التي بتحقيق الدكتور حسين محمد محمد شرف، ومراجعة الأستاذ عبد السلام هارون.
٨ - فضائل القرآن ومعالمه وآدابه. طبع بتحقيق مروان العطية وزملائه، ونشر بدار ابن كثير، دمشق. وطبع - كذلك - بتحقيق الأستاذ أحمد الخياطي، وطبع بمطبعة فضالة بالمملكة المغربية.
стр. 32
٩ - كتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن. طبع طبعاتٍ، منها التي بدراسة وتحقيق محمد بن صالح المديفر، نشر: مكتبة الرشد، الرياض.
١٠ - كتاب النَّسَب. طبع بتحقيق مريم محمد خير الدرع. نشر: دار الفكر، بيروت.
стр. 33
كتاب شواهد القرآن دراسة وتحليل
يُعَدّ كتاب «شواهد القرآن» لأبي عُبيد أوّلَ كتابٍ مصنَّفٍ في هذا الباب.
وقد ضَمّ بين دفّتيه أزيدَ من مائة وأربعين حديثًا وأثرًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوع الاستشهاد والاقتباس من القرآن الكريم.
وظاهرٌ أنّ غرضَ الإمام أبي عُبيد من تأليفه هذا الكتاب حشد الأحاديث النبوية والآثار السلفية الدالة على جواز التمثل والاستشهاد بالآيات القرآنية.
قال الحافظ السيوطي: وألّف قديما في جواز المسألة الإمام أبو عُبيد القاسِمُ بنُ سَلّام كتابا ذَكَر فيه جَميعَ ما وَقَعَ للصحابة والتابعين مِنْ ذلك، أورده بالأسانيد المُتَّصلة إليهم (١).
_________
(١) «تنوير الحوالك» (٢/ ٢٤).
стр. 34
قلت: وهذا وصف جيّد للكتاب، إلا أن المصنّف لم يَستوعب جميعَ ما وقع للصحابة والتابعين، بلة الثابت من تمثل النبيّ ﷺ واستشهاده، فإنه لم يشترط استيعابَ ذلك البتّة.
اسم الكتاب :
ثبت اسم الكتاب في أوّل الجزء بعنوان: «كتاب الشَّواهد». وكذلك جاء في آخر الجزء الأول منه، وكذا في آخر الجزء (ق ٦١/ أ) وفي طباق السَّماع.
وهكذا وردتْ تَسميتُه عند عَدَد من المصنفين، مثل مكي بن أبي طالب القيسي (١)، والسمعاني (٢)، والذَّهبي (٣)،
_________
(١) «الهداية إلى بلوغ النهاية» (١٠/ ٦٧٥٨).
(٢) «التحبير في المعجم الكبير» (١/ ١٨٥)، و «المنتخب من معجم شيوخه» (١/ ٥٨٩).
(٣) «تاريخ الإسلام» (١١/ ٢٣٤)، و «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٠٦).
стр. 35
والقزويني (١)، والسُّيوطي (٢).
ووَرَدَتْ تسميته عند الإشبيلي بعنوان «شواهد القرآن» (٣).
فآثرتُ تثبيت الاسمين بالمظهر الذي تراه في غلاف الكتاب.
والعنوان شارح لمضمون الكتاب ومقصد المُصنّف منه، فهو كتاب جامع للشواهد القرآنية التي تَمثَّلَ بها النبيُّ ﷺ واستشهَدَ بها، وكذلك أصحابه والتابعون من بعدهم.
منهج المصنف في عرض مادته :
اجتهد المصنّف ﵀ في ترتيب أحاديث الكتاب وآثاره بحسب ترتيب سُور القرآن، وقد نَدَّ له في ذلك مواضع.
_________
(١) «مشيخة السراج القزويني» (ص: ٣٧٣/ رقم: ١٨٥).
(٢) «أنساب الكُتب» (ص: ١٦١/ رقم: ٥٠٦) وقد أشار إلى أنه من زوائده على «المعجم المفهرس» للحافظ ابن حجر.
(٣) «فهرسة ابن خير الإشبيلي» (ص: ١٠٥/ رقم: ١١٩).
стр. 36
والصنّف في كتابه هذا سار على طريقة المحدّثين في إيراد الأحاديث والآثار المُسنَدة، من دون تكلّف شرحها وبيان فقهها.
فكتابُه هاذا كتابُ حديثٍ، يُضاف إلى تراث الإمام أبي عُبَيدٍ الحَدِيثيِّ.
إثبات نسبة الكتاب إلى المصنّف :
لا يُساور الباحثَ شكٌّ في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أبي عُبيد، فقد اجتمعت الدلائل على ثبوت نسبته إليه. فمن ذلك:
١ - نسبة جَمع من العلماء كتاب «الشواهد» إلى المُصنّف، وقد قدمتُ جملةً منهم آنفًا.
٢ - روايته عن شيوخه المعروفين، وقد سردتُ أسماءهم آنفًا.
٣ - ما ورد في مصنفاته الأخرى من أحاديث كتابه، إذ رواها كما هنا حرفًا بحرف.
٤ - نقلُ العلماء عن الكتاب وعزوُهم إليه،
стр. 37
كالسُّيوطي في «الدر المنثور» وغيره.
٥ - الإسناد الصحيح المثبت في النُّسخة الخطّيّة وطباق السّمّاعات فيها، والذي تداوله العلماء في مصنفاتهم.
فهذه الأدلّة كافية في إثبات نسبة الكتاب إلى المصنّف، ولله الحمد.
إسناد الكتاب إلى المصنف :
يروي الكتاب عن مصنّفه ناسخه العماد محمد بن أحمد بن عثمان الهكّاري، عن أبي العباس الفاروثي، عن ابن بكرون، عن أبي محمد الموصلي، عن شجاع الذهلي، عن أبي الحسين الآبنوسي، عن الفرضي، عن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن بكير، عن البغوي، عن المصنف.
ويرويه ابن بكرون أيضًا عن ابن أبي الوفاء بن أبي طالب الحاجي، وأبي المحاسن الجوهري، ومحمد بن أبي نعيم الحداد، ثلاثتهم عن أبي علي الحَدّاد، عن أبي نعيم الأصبهاني، عن الإمام الطبراني، عن البغوي.
стр. 38
وابن بكرون يرويه كذلك عن أبي بكر ابن المقرّب، عن ابن الطيوريّ، عن أبي الحسن ابن قشيش، عن أبي حفص الآجرّيّ، عن عبيد الله بن بكير، عن البغوي.
وأنا ذاكرٌ تراجمَ إسناد الكتاب على سبيل التدلّي.
١ - علي بن عبد العزيز بن المرزبان، أبو الحسن البغوي. الإمام الحافظ نزيل مكة. أجلُّ أصحاب أبي عبيد، وأثبتهم فيه، وهو راوي أكثر مصنفاته. توفي سنة ٢٨٦ هـ (١).
٢ - عبيد الله بن أحمد بن عبد الله بن بُكير، أبو القاسم التميميّ. وثّقه الخطيب. توفي سنة ٣٣٤ هـ (٢).
٣ - سليمان بن أحمد الطبراني، الإمام الحافظ مُسند
_________
(١) ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (٦/ ٧٨٢)، و «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٣٤٨).
(٢) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٢/ ٧٣) و «تاريخ الإسلام» (٧/ ٦٧٩)
стр. 39
الدُّنيا، صاحب المعاجم الثلاثة. توفي سنة ٣٦٠ هـ (١).
٤ - أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد بن أبي مسلم البغدادي، الإمام الفَرَضِيّ المقرئ. أحد
شيوخ العراق، ومن سار ذكره في الآفاق. كان ثقة ورعًا ديّنًا. توفي سنة ٤٠٦ هـ (٢).
٥ - عُمر بن أحمد بن هارون، أبو حفص المقرئ المعروف بابن الآجُرِّيّ. كان ثقةً أمينًا صالحًا دَيِّنًا. توفي سنة ٣٨٢ هـ (٣).
٦ - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، الإمام الحافظ، العلامة الثقة. صاحب «الحلية». توفي سنة ٤٣٠ هـ (٤).
_________
(١) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ١١٩).
(٢) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٢/ ١١٣)، و «تاريخ الإسلام» (٩/ ١٠٦).
(٣) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٣١)، و «تاريخ الإسلام» (٨/ ٥٣٦).
(٤) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٤٥٣).
стр. 40
٧ - أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، ابن الآبنوسي البغدادي.
٨ - الحَسَنُ بن أحمد الحَدّاد، أبو علي الأصبهاني، شيخ أصبهان ومسندها في القراءات والحديث. توفي سنة ٥١٥ هـ (١).
٩ - علي بن محمد بن الحسن، أبو الحسن الحَربيّ السمسارُ أبوه، المعروف بابن قَشِيشٍ المالكي. قال الخطيب: كان صدوقًا يتفقه بمذهب مالك. توفي سنة ٤٣٧ هـ (٢).
١٠ - شجاع بن فارس بن حسين، أبو غالب الذهلي البغدادي، الإمام الحافظ الثقة المفيد الناسخ. توفي سنة ٥٠٧ هـ (٣).
١١ - عبد الرحيم بن أبي الوفاء علي بن أبي طالب
_________
(١) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٠٣).
(٢) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٨٤)، و «تاريخ الإسلام» (٩/ ٥٦٧)، و «توضيح المشتبه» (٢/ ٥٢٦).
(٣) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٥٥).
следующие страницы →