والصنّف في كتابه هذا سار على طريقة المحدّثين في إيراد الأحاديث والآثار المُسنَدة، من دون تكلّف شرحها وبيان فقهها.
فكتابُه هاذا كتابُ حديثٍ، يُضاف إلى تراث الإمام أبي عُبَيدٍ الحَدِيثيِّ.
إثبات نسبة الكتاب إلى المصنّف :
لا يُساور الباحثَ شكٌّ في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أبي عُبيد، فقد اجتمعت الدلائل على ثبوت نسبته إليه. فمن ذلك:
١ - نسبة جَمع من العلماء كتاب «الشواهد» إلى المُصنّف، وقد قدمتُ جملةً منهم آنفًا.
٢ - روايته عن شيوخه المعروفين، وقد سردتُ أسماءهم آنفًا.
٣ - ما ورد في مصنفاته الأخرى من أحاديث كتابه، إذ رواها كما هنا حرفًا بحرف.
٤ - نقلُ العلماء عن الكتاب وعزوُهم إليه،
стр. 37
كالسُّيوطي في «الدر المنثور» وغيره.
٥ - الإسناد الصحيح المثبت في النُّسخة الخطّيّة وطباق السّمّاعات فيها، والذي تداوله العلماء في مصنفاتهم.
فهذه الأدلّة كافية في إثبات نسبة الكتاب إلى المصنّف، ولله الحمد.
إسناد الكتاب إلى المصنف :
يروي الكتاب عن مصنّفه ناسخه العماد محمد بن أحمد بن عثمان الهكّاري، عن أبي العباس الفاروثي، عن ابن بكرون، عن أبي محمد الموصلي، عن شجاع الذهلي، عن أبي الحسين الآبنوسي، عن الفرضي، عن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن بكير، عن البغوي، عن المصنف.
ويرويه ابن بكرون أيضًا عن ابن أبي الوفاء بن أبي طالب الحاجي، وأبي المحاسن الجوهري، ومحمد بن أبي نعيم الحداد، ثلاثتهم عن أبي علي الحَدّاد، عن أبي نعيم الأصبهاني، عن الإمام الطبراني، عن البغوي.
стр. 38
وابن بكرون يرويه كذلك عن أبي بكر ابن المقرّب، عن ابن الطيوريّ، عن أبي الحسن ابن قشيش، عن أبي حفص الآجرّيّ، عن عبيد الله بن بكير، عن البغوي.
وأنا ذاكرٌ تراجمَ إسناد الكتاب على سبيل التدلّي.
١ - علي بن عبد العزيز بن المرزبان، أبو الحسن البغوي. الإمام الحافظ نزيل مكة. أجلُّ أصحاب أبي عبيد، وأثبتهم فيه، وهو راوي أكثر مصنفاته. توفي سنة ٢٨٦ هـ (١).
٢ - عبيد الله بن أحمد بن عبد الله بن بُكير، أبو القاسم التميميّ. وثّقه الخطيب. توفي سنة ٣٣٤ هـ (٢).
٣ - سليمان بن أحمد الطبراني، الإمام الحافظ مُسند
_________
(١) ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (٦/ ٧٨٢)، و «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٣٤٨).
(٢) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٢/ ٧٣) و «تاريخ الإسلام» (٧/ ٦٧٩)
стр. 39
الدُّنيا، صاحب المعاجم الثلاثة. توفي سنة ٣٦٠ هـ (١).
٤ - أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد بن أبي مسلم البغدادي، الإمام الفَرَضِيّ المقرئ. أحد
شيوخ العراق، ومن سار ذكره في الآفاق. كان ثقة ورعًا ديّنًا. توفي سنة ٤٠٦ هـ (٢).
٥ - عُمر بن أحمد بن هارون، أبو حفص المقرئ المعروف بابن الآجُرِّيّ. كان ثقةً أمينًا صالحًا دَيِّنًا. توفي سنة ٣٨٢ هـ (٣).
٦ - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، الإمام الحافظ، العلامة الثقة. صاحب «الحلية». توفي سنة ٤٣٠ هـ (٤).
_________
(١) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ١١٩).
(٢) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٢/ ١١٣)، و «تاريخ الإسلام» (٩/ ١٠٦).
(٣) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٣١)، و «تاريخ الإسلام» (٨/ ٥٣٦).
(٤) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٤٥٣).
стр. 40
٧ - أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، ابن الآبنوسي البغدادي.
٨ - الحَسَنُ بن أحمد الحَدّاد، أبو علي الأصبهاني، شيخ أصبهان ومسندها في القراءات والحديث. توفي سنة ٥١٥ هـ (١).
٩ - علي بن محمد بن الحسن، أبو الحسن الحَربيّ السمسارُ أبوه، المعروف بابن قَشِيشٍ المالكي. قال الخطيب: كان صدوقًا يتفقه بمذهب مالك. توفي سنة ٤٣٧ هـ (٢).
١٠ - شجاع بن فارس بن حسين، أبو غالب الذهلي البغدادي، الإمام الحافظ الثقة المفيد الناسخ. توفي سنة ٥٠٧ هـ (٣).
١١ - عبد الرحيم بن أبي الوفاء علي بن أبي طالب
_________
(١) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٠٣).
(٢) ترجمته في: «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٨٤)، و «تاريخ الإسلام» (٩/ ٥٦٧)، و «توضيح المشتبه» (٢/ ٥٢٦).
(٣) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٥٥).
стр. 41
حمد الأصبهاني، أبو مسعود الحاجّيّ، الحافظ المعدّل. توفي سنة ٥٦٦ هـ (١).
١٢ - محمد بن عبد الخالق بن أبي شكر الجوهري، أبو المحاسن الأنصاري الأصبهاني. شيخ مسند. توفي سنة ٥٨٣ هـ (٢).
١٣ - محمد بن أبي نُعيم عُبيد الله بن أبي عليّ الأصبهاني الحداد. كان خطيبًا نبيلًا، حريصًا على الرواية، له فهم ومعرفة (٣).
١٤ - عبد الله بن منصور بن هبة الله، أبو محمد ابن أبي الفوارس الموصلي، البغدادي الشاهد المعدّل. شيخ بغدادي، صحيح السماع. توفي سنة ٥٦٧ هـ (٤).
١٥ - أحمد بن المقرّب بن الحسين البغدادي،
_________
(١) ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (١٢/ ٣٥٣).
(٢) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٢١/ ١٢٣).
(٣) ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (١٢/ ٥٤٢).
(٤) ترجمته في: «ذيل تاريخ بغداد» لابن الدبيثي (٣/ ٥١٧)، و «تاريخ الإسلام» (١٢/ ٣٦٦).
стр. 42
أبو بكر الكَرْخيّ. الشيخ الجليل الثقة المُسنِد، شيخ دَيّن، صحيح السماع. توفي سنة ٥٦٣ هـ (١).
١٦ - أحمد بن عمر بن أحمد بن الحسن بن بكرون المعدّل الرئيس، أبو المعالي البغدادي، إمام النظامية. كان ثقةً متحرّيًا في الشهادة والرواية. توفي سنة ٦٢٩ هـ (٢).
١٧ - أحمد بن إبراهيم بن عمر بن الفرج الفاروثي، عزّ الدين أبو العباس المصطفويّ الواسطيّ. الإمام المقرئ الواعظ، المفسّر الخطيب، شيخ المشايخ. توفي سنة ٦٩٤ هـ (٣).
أما ناسخ الكتاب فهو:
القاضي عماد الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن عيسى بن عمر بن الخضر الهَكّاريّ الكرديّ، أخو القاضي عز الدين عبد العزيز الهَكّاريّ (٤).
_________
(١) ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٢٠/ ٤٧٣).
(٢) ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (١٣/ ٨٧٦).
(٣) ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (١٥/ ٧٨٢).
(٤) ترجمته في: «ذيل مرآة الزمان» لليونيني (٢/ ١٢٣٠)، ?
стр. 43
كان من طلبة الحديث المشتغلين به، من أصحاب الحافظ الدِّمياطيّ.
قال العلّامة المقريزيّ: كان فاضلًا، من بيت عِلمٍ وديانة. سَمِع كثيرًا، وكَتَبَ بخَطِّه كثيرًا خطًّا حَسَنًا.
قلت: وانتساخه لكتاب أبي عُبيدٍ خَيرُ شاهد على حُسنِ خَطِّه، والظّاهر أنه كان معتنيًا بمُصنّفات أبي عُبيد، فقد حَفِظتْ لنا دار الكتب الظاهرية نسخة من كتاب «فضائل القرآن» لأبي عُبيد، من منتسخاته.
توفي ﵀ بالأشمونين - وهي قرية من قرى محافظة المنيا - في آخر شهر رجب، سنة ٧٠٨ هـ، وصُلِّي عليه بالجامع الأزهر بالقاهرة صلاة الغائب.
_________
و «المقتفي» للبرزالي (٣/ ٣٩٩)، و «المقفّى الكبير» للمقريزي (٥/ ١٢٣)، و «الدرر الكامنة» لابن حجر (٣/ ٤٢٧).
стр. 44
وصف النسخة الخطية المعتمدة
نسخة خطية، أحسبها فريدة، إذ لم أقف - بعد طول بحث وتفتيش - على غيرها، وهي من محفوظات مركز سعود البابطين الخيري للتُّراث والثَّقافة، بالرِّياض، تفضَّلوا بها؛ لغرض تحقيقها، فلهم وافر التقدير، وجزيل الشُّكر والثناء.
تقع النُّسخة الخطية في خمس وعشرين لوحة، أوَّلهنَّ
صفحة عنوان الكتاب، وآخرهُنَّ طباق السَّماع.
وهي ضمن مجموع، رقم الحفظ: (٢/ ١٠٥٩)، في ٢٥ ورقة.
وقد رُقِّمت أوراق المجموع ترقيمًا حديثًا، فكان ترقيم صفحات الكتاب من صفحة ٣٧، حتى صفحة ٦١.
والكتاب مكوَّن من جزأين ينتهي أوَّلهما في اللَّوحة ١٤ التي تقابل الصفحة
وقد وقع في النُّسخة سَقْطٌ بعد (ق ٥٩/ ب) وقبل
стр. 45
بين الحَدِيثَيْنِ (١٣٥) و (١٣٦) أقدِّره بورقة أو ورقتين تتضمنان الأحاديث والآثار المتعلّقة بما بين سورتي (الطلاق) و (المدّثر)، بحسب سياق المصنِّف وترتيبه لكتابه.
انتُسِخَ الكتاب بمكة تُجاه الكعبة المعظمة زادها الله تشريفًا، إلا أن النُّسخة قد خَلَتْ من تاريخ انتساخها، لكن يُستظهَر من خلال سند الكتاب وطبقة السَّماع في آخره أنّها نُسِخَتْ سنة ٦٨٩ هـ، وهي السَّنة التي قرأ الناسخ فيها الكتاب - مع جماعة - على أبي العباس الفاروثي.
ونُسخة الكتاب حَسَنة الخط مليحة جدًّا، وناسخُها معروف بحُسن خَطّه، كما تقدّم في ترجمته.
ومع ذلك فقد وَقَعَتْ فيه هنات، وتصحيف وأوهام، نبّهتُ عليها في مواضعها.
стр. 46
منهجي في تحقيق الكتاب
١ - انتسخت المخطوطة، ثم قابلت نسختي على المخطوط.
٢ - ضبطتُ النصَّ بالشكل المناسب، مراعيًا تشكيل الأحاديث والآثار بالشكل التامّ، من غير إثقال للكلمات بالحركات المعلومة الظاهرة.
٣ - عُنيت بضبط الآيات القرآنية، مراعيًا اختيارات الإمام أبي عُبيد التي أثبتها الناسخ.
٤ - قمتُ بتخريج الأحاديث والآثار بما يُناسِب المَقام، مراعيًا تخريجها أولًا من مصنفات الإمام أبي عُبيد، والإشارة إلى المصنفات التي أخرجتْها من طريقه. ثم أردفتُ ذلك بعزوها إلى المصادر المناسبة، من غير توسّع مُفرطٍ أو اقتضابٍ مخلٍّ.
٥ - قدّمتُ للكتاب بمقدّمة تتضمن ملخصًا من سيرة المصنف وأحواله ومصنفاته وشيوخه وتلامذته،
стр. 47
مع دراسةٍ للكتاب وتحليلٍ لمادّته.
٦ - صنعتُ للكتاب فهارسَ تقرّب مادته العِلمية، شملتْ فهرسًا للآيات وفهرسًا للأحاديث وفهرسًا للآثار، ثم فهرسًا لمحتويات الكتاب.
وبعدُ، فهذا الكتاب أشرفُ بتقديمه للمكتبة الإسلامية، وأرجو أن أكون قد وُفّقتُ في خدمته على الوجه المرضي.
وأسأل الله أن يكتب لي به الأجر والمثوبة، إنه سميع مجيب الدعاء.
وصلى اللهُ وسلّم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 48
كتابُ الشَّوَاهِدِ
تأليفُ
الإمام أبي عبد الله (١) القاسم بن سَلَّام الجُمَحي (٢)
رحمةُ الله عليه ورضوانُه
رواية
الإمام أبي الحسن عليّ بن عبد العزيز البَغَويّ عنه
стр. 49
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صَلَّى اللهُ على سيدنا محمّدٍ وآلِه
أخبرنا شيخُنا الإمامُ الأوحدُ العلَّامةُ عزُّ الدِّينِ أبو العباسِ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُمَرَ بنِ الفَرَجِ الفاروثيُّ الواسطيُّ الواعظُ المُقرِئُ المُصطَفَويُّ - فَسَحَ اللهُ في مدَّةِ حياتِه ونفعَ ببَرَكاتِه - قراءةً عليه ونحنُ نسمعُ، بالمسجدِ الحَرامِ تُجاهَ الكعبةِ المُعَظَّمةِ - شَرَّفها اللهُ تعالى - في شهر ربيع الأول من سنة تسع وثمانين وستمائة، قيل له: أخبركَ أبو المعالي أحمد بن عُمر بن أحمد بن الحَسن بن بكرون - قراءة عليه وأنتَ تَسمعُ -، في سنة تسع وعشرين وستمائة: أنا أبو مُحمَّد الموصليّ: أنا شجاع بن فارس الذُّهليّ، عن أبي الحُسين (١) ابنِ الآبَنُوسيّ، عن الفَرَضيّ، عن أبي القاسم عُبيد الله بن أحمد بن بُكير التَّميميِّ، عن أبي الحَسن عليّ بن عبد العزيز. ح
стр. 50
قال ابنُ بَكْرُون: وأنا الشيوخُ؛ عبد الرحيم (١) بن أبي الوفاء بن أبي طالب الحاجيُّ، وأبو المَحاسنِ محمَّدُ بن عبد الخالقِ الجَوهريُّ، ومحمَّد بن أبي نُعيم عُبيد الله بن أبي علي الحَدَّاد - جميعًا - إجازةً، عن أبي عليٍّ الحَسَن بن أحمد الحَدَّاد، عن أبي نُعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانيِّ الحافظ، عن أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطَّبَرانيِّ، عن علي بن عبد العزيز. ح
قال ابن بكرون: وأنا - أيضًا - أبو بكر بن المُقرَّب - إجازةً -، عن أبي الحُسين بن الطُّيوريِّ، عن أبي الحَسَن بن قَشِيشٍ، عن أبي حفص عُمر بن أحمد بن هارون الآجُرِّيِّ، عن أبي القاسم عُبيدِ الله بن أحمدَ بنِ بُكير التَّميميِّ، عن أبي الحَسَن علي بن عبد العزيز، قال: سَمعتُ هذا الكتاب قراءةً على أبي عُبيدِ القاسم بن سَلَّامٍ
стр. 51
الجُمَحِيّ (١) ﵀ غيرَ مرّة، وسألناه: نروي عنك ما قُرِئَ عليك؟ فقال: نعم.
١ - قال أبو عُبيد: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، عن عُيينةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ جَوْشَن، عن أبيه، عن ابن عبّاس ﵄: أنّه نُعِيَ إليه أخوه قُثَمُ بن عبّاس ﵄ وهو في مَسيرٍ، فاسترجعَ ثُمَّ تَنَحَّى عن الطَّريقِ، فأناخَ فصَلَّى رَكْعتينِ أطالَ فيهما الجُلُوسَ، ثُمَّ قامَ يمشي إلى راحِلَتِهِ وهو يقولُ - أو يقرأُ -: ﴿وَاسْتَعِينُوا
стр. 52
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] (١).
٢ - قال أبو عُبيد: ثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيج قال: بَلَغَنا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «ما مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فاسْتَرْجَعَ إلَّا اسْتَوْجَبَ مِنَ اللهِ ثَلاثَ خِصالٍ، كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فيها» (٢).
قال أبو عُبيد: يعني: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
стр. 53
وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧].
٣ - قال أبو عُبيد: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عَمرو بن عَلَقَمة، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لو حَدَّثْتُكُم بِكُلِّ ما أَعلمُ - حسبتُ أنه قال -: لَرَمَيْتُموني بالقِشَع (١)، ولكنَّ اللهَ المَوعِدُ، ولولا أنه في كتاب الله ما حدّثتكم شَيئًا؛ إنّ الله - تعالى - يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٢)
стр. 54
٤ - قال أبو عُبيد: ثنا ابنُ مَهديٍّ، عن عَبد الله بن أبي سعيد، قال: سمعتُ الحَسَنَ وسأله رجلٌ فقال: يا أبا سَعيد، غُلامِي لا يُصلّي، أفأضْرِبهُ؟ قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (١).
стр. 55
٥ - قال: ثنا أبو الأسود، عن ابن لهيعة، عن عياش بن عَبَّاس [صح]، عن أبي المَعَارك الوادِيّ (١): أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَني غافِقٍ كانَ له على رَجُلٍ مِنْ مَهْرَةَ (٢) مائةُ دينار، في زمن عثمان بن عفان - رضوان الله
стр. 56
عليه - فغَنِمُوا غَنيمةً حَسَنةً، فقال الرجلُ: أُعَجِّلُ لكَ تسعينَ دينارًا وتمحو عنّي المائةَ؟ - وكانت مُستأخِرةً - فرَضِيَ بذلك الغافقيُّ، فمرَّ بهم المِقدادُ بن الأسود ﵁، فأخذا بلجام دابّته؛ ليُشهداهُ، فلمّا قصَّا عليه القصةَ قال: كلاكُما قد أَذِنَ بحَربٍ منَ اللهِ ورسوله (١).
٦ - قال أبو عُبيد: ثنا عبدُ الله بن صالح، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمَة، عن أيوبَ السَّخْتيانيّ، عن
стр. 57
سَعِيد بن جُبَيْر قال: كَانَ ابن عبَّاس ﵄ يقول: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمونَ إلَى أجَلٍ مَعلومٍ، بكَيْل مَعلومٍ أو وَزْنٍ مَعلومٍ أحَلَّهُ اللهُ وأذِنَ فيهِ، أمَا تقرؤون: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ فَسواءٌ: باعَ الطَّعامَ إلَى أجَلٍ واكتَتَبَ ذَهَبًا، أو أعطى ذَهَبًا إلى أجَلٍ واكتَتَبَ طَعامًا (١).
٧ - قال أبو عُبيد: ثنا عبدُ الرحمن بن مَهديّ،
стр. 58
عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن صَعصَعةَ قالَ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ ﵄: إنَّا نَسيرُ بأرضِ أهلِ الذِّمَّةِ فنُصيبُ مِنْ طَعامِهم وعَلَفِهم؟ فقال: بغَيرِ ثَمَنٍ؟! قلتُ: نعم. قال: فقال (١): كما قالَ أهلُ الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] (٢).
стр. 59
٨ - قال أبو عُبيد: ثنا إسماعيلُ بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيكة: أنَّ امرأتين كانتا في بيتٍ لَيس معهما غيرُهما، فسَمِعوا الصَّوتَ فدَخَلوا عَليهما، فإذا المِخرَزُ في كَفِّ إحدَيهما، قال ابن أبي مُلَيكة: فأتيتُ بهما، فأرسلتُ إلى ابن عبّاس ﵄ في ذُلك فقال: سَلْهُما واقرأ عليهما الآيةَ التي في آل عِمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فإنْ أقرَّت، وإلَّا فأحلِفْها وخَلِّ سبيلها (١).
стр. 60
٩ - قال أبو عُبيد: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نَمِر، عن عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، واللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، إِنَّ المِسْكِينُ المُتَعَفِّفُ، اقرَؤُوا إِنْ شِئْتُم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]» (١).
١٠ - قال أبو عُبيد: ثنا عُمَر بن يونس، عن عِكرمة بن عَمّار، عن شَدّاد بن عبد الله، قال:
١١ - قال أبو عُبيد: ثنا عبد الرحمن، عن سفيان: ثنا أبو حَيّان التَّيميّ: ثنا أبو الزنباع: ثنا أبو الدِّهقان، قال: صَحِبَ رَجُلٌ الأحْنَفَ بنَ قيسٍ، فلَمَّا مَرَّ بمكانِهِ قال: يا أبا بَحْرٍ: ألَا تعرضُ إلى المنزلِ فنحمِلَكَ ونفعَلَ! قال: لعلَّكَ من العَرَّاضينَ الذين يُحبّونَ ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. فقال: يا أبا بَحر: إنّي، وإنّي! فقال: يا ابنَ أخي: إذا رَأيتَ الحقَّ فاقصدْ لَهُ، و ألَّهَ عَمَّا سِواه (١).
قال أبو عُبيد: في العربية: وألَّهَ عمَّا سواه.
١٢ - قال أبو عُبيد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن
стр. 63
زياد بن مخراق، عن مُعاوية بن قُرّة، قال: أتينا أنس بنَ مالكٍ ﵁ فكانَ فيما حَدَّثنا أن قال: (لم أرَ مِثْلَ) (١) الّذي بَلَغَنا عن رَبّنا ﷻ لم يُخرجْ من كلّ أهل ومالٍ. ثم سَكَتَ هُنَيّةً (٢)، ثم قال: واللهِ لَمَا كَلَّفَنا رَبُّنا أهونُ من ذلك، لقد تجاوزَ لنا عَنْ ما دُونَ الكبائر، فما لَنا ولَها؟! ثُمّ قَرأ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (٣).
١٣ - قال أبو عُبيد: ثنا سُفيان بن عُيينة، عن ابن أبي لَيلى، عن المنهال بن عَمرو، عن عَبّاد بن
стр. 64
عبد الله، عن عليّ ﵁ في رَجُلٍ تزوَّجَ امرأةً فشَرَطَ لها دارَهَا (١). قال: شَرطُ الله - تعالى - قبل شَرطِها (٢).
قال أبو عُبيد: أُراهُ أرادَ قولَه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
١٤ - قال أبو عُبيد: ثنا مَروان بن مُعاوية، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، قال: كُنْتُ جالسًا عند محمد بن كعب القُرَظيّ، فأتاه رجلٌ، فقال له القَومُ: أينَ كُنْتَ؟ فقال: أصلَحتُ بين قَومي، فقال له ابنُ كَعبٍ:
أَصَبْتَ مِثلَ أَجْرِ المُجَاهِدِ. ثم قرأ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ
стр. 65
مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) [النساء: ١١٤].
١٥ - قال أبو عُبيد: ثنا عبدُ الرّحمن، عن حمّاد بن سلمة، عن حُمَيد، عن الحَسَن قال: مَنْ شَفَعَ شَفاعَةً حَسَنَةً كانَ لَهُ أجْرُها وإِنْ لم يُشَفَّعْ؛ لأنَّ اللهَ - تعالى - قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، ولم يَقُلْ: يُشَفَّعْ (٢).
١٦ - قال أبو عُبيد: حدَّثنا أبو اليَمان، عن فُلانٍ
стр. 66
- قد سَمَّاه ـ، عن الجَرَّاح بن عبد الله (١) أنه قال: قلَّما حَرَصَ الناسُ على القِتَالِ، واللهِ لو أنَّ هذا الأمرَ الذي فيما بَيننا وبينَهُم كان جَزْعًا من نار فَقَبَضُوا على طَرَفِهِ، وقَبَضْنا على الطَّرَف الآخر، لكُنَّا أولى بالله وبالصَّبْرِ عَلَى ما كَرِهنا منهُم، وذلك أنَّ اللهَ - تعالى - يقولُ: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
١٧ - قال أبو عُبيد: ثنا يزيدُ، عن (٢) العَوَّام بن حَوْشَب، عن فلان - قد سَمَّاه ـ، عن أبي وائلٍ، قال: إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ في المَجلسِ بالكلمةِ مِنَ الكَذِبِ لِيُضحِكَ بها جُلَساءَه، فيَسخَطُ (٣) اللهُ - تعالى - عليهم جميعًا.
стр. 67
قال العَوَّامُ: فذَكَرتُ ذلك لإبراهيم (١)، فقال: صَدَقَ، أوليسَ ذلك في كتاب الله ؟ ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَقَدْ نُزِّلَ (٢) عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] (٣).
١٨ - قال أبو عُبيد: ثنا ابن مَهديٍّ، عن أبي الأشهب، عن الحَسَنِ في قوله: ﴿لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا
стр. 68
قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، قال: إنَّما صَلَّى قليلًا لأنه كانَ لغير الله (١).
١٩ - قال أبو عُبيد: ثنا أبو النَّضْر، عن ابن أبي الوَضَّاح، عن أبي عَمرو، عن المُسيب بن رافع، عن عليّ ﵇ قال: ما قلَّ عَمَلٌ مَعَ تَقوَى، وكيف يَقِلُّ ما يُتقبَّل؟! (٢).
стр. 69
٢٠ - قال أبو عُبيد: ثنا ابنُ مَهديّ، عن ابن أبي الوضّاح، عن رجل، عن المُسيّب بن رافع، عن عليّ ﵁ مثله.
٢١ - قال أبو عُبيد: ثنا هشام بن عمّار، عن هشام بن يحيى الغسّانيّ، عن أبيه، قال: جاءَ سائلٌ إلى ابن عُمر ﵄ فقال لابنه: أعطه دينارًا.
فلما انصرَفَ قال له ابنه: تقبَّلَ اللهُ منك يا أبتاه.
стр. 70
فقال: لو عَلِمتُ أَنَّ اللهَ - تعالى - تَقَبَّلَ مِنِّي سَجَدَةً واحدةً، أو صدقةَ درهم لَم يَكُنْ غَائِبٌ أَحَبَّ إليَّ مِنَ لمَوْتِ، أَتَعُدُّني (١) مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ اللهُ ! ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٢)
٢٢ - قال أبو عُبيد: ثنا ابن بُكَيْر، عن ابن لَهيعةَ، عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّ أبا عليٍّ الهَمْدَانِيَّ حَدَّثَهُ: أنَّهم كانوا مع فَضَالَةَ بن عُبَيد ﵁ في البَحر، فأُتي بِرَجُلٍ من المُسلمينَ قد فَرَّ إلى العَدُوِّ فأقاله الإسلامَ فأَسْلَمَ، ثم فرَّ الثَّانيةَ، فأُتي به فأقاله الإسلامَ، ثم فرَّ الثَّالِثَةَ، فأُتي به فَأُقْرِعَ بهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ﴾
стр. 71
كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ (١).
٢٣ - قال: حدّثنا أبو عبد الله (٢)، عن عبد الله بن إدريس، عن مُطَرِّف، عن الشَّعبي، قال: قال لي مَسروقٌ: أرأيتَ لو أن صَفَّيْنِ اصْطَفَّا للقتال، ففرجَ السَّماءَ مَلَكٌ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ (٣) عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا
стр. 72
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، أَتراهُم كانوا مُتَحاجِزينَ؟ قلتُ: نعم، إلّا أن يكونوا حِجارَةً صُمًّا.
قال: فواللهِ، لقد نَزَلَ بها صَفِيُّه من الملائكةِ، على صَفِيِّهِ من بَني آدَمَ، ولأن يؤمنوا بالغيبِ خَيْرٌ لَهم من أن يؤمنوا بعدَ أن يُعاينوا (١).
٢٤ - قال أبو عُبيد: ثنا أبو النَّضْر، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمّد بن كعب، عن عُبَيد الله - أو: عبد الله - بن
دارةَ، عن حُمرانَ بنِ أبانَ، عن عُثمان ﵁
стр. 73
قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ».
قال ابنُ كَعب: وكنتُ إذا سَمِعتُ الحَديثَ طَلَبتُ تصديقه في القُرآنِ، وطَلبتُ تصديقَ هذا فوجَدتُه، قال الله - تعالى - لنبيّه ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢]، فجَعَلَ تمامَ النِّعمةِ أن غفَرَ له ذَنْبَه، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فعَلِمتُ حينَ جَعَلَ تمامَ النِّعمة على النَّبيِّ ﷺ المَغفِرَةَ أنّها - هاهنا - مثلُ ذلك، حتّى قال: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (١).
стр. 74
قال أبو عُبيد: هذا الحَديثُ كَتَبتهُ على المَعنى، ولا أدري أهو على هذا اللَّفظ أم لا؟
٢٥ - قال أبو عُبيد: ثنا محمد بن يزيد، عن العوّام بن حوشب، عن يزيد الفقير، قال: قلتُ لجابر بن عبد الله ﵄: إنكم - أصحاب محمد ﷺ تقولون: إنّ قومًا يَخرجونَ مِنَ النار، وإنّ الله - تعالى - يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، فقال: إنكم تجعلون الخاصّ عامًّا، اقرأْ ما قبلها، فقرأتُ ما قبلها فإذا هي في الكُفّار (١).
стр. 75
٢٦ - قال أبو عُبيد: ثنا ابنُ مَهديّ، عن حَمّاد بن سَلَمة، عن حُميد، عن الحَسَن ﵀ قال: إنّ الله أخَذَ على الحُكّام ثلاثًا: أن لا يَتَّبِعوا الهَوَى، وأن يَخشَوه ولا يَخشَوا النّاسَ، وأن لا يَشْتَرُوا بآياتِهِ ثمنًا قليلًا، ثُمّ قرأ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى … ﴾ الآية [ص: ٢٦]، وقرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (١).