← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قالوا عن الكتاب • هذه نعمة عظيمة كنت أتمناها على الله تعالى منذ عشرات السنين. المؤلف الهلالي في «سبيل الرشاد» (٦/ ٣٠٦) • الغرض من تأليف هذا الكتاب إقامة البراهين على وجوب اتباع الكتاب والسنّة وترك التفرق والتحزب بشكل مذاهب أو طرائق أو أحزاب. المؤلف الهلالي في «سبيل الرشاد» (٣/ ١٤٤) • أنا الآن أؤلّف كتابًا، سميته «سبيل الرشاد»؛ إن يسر الله إتمامه وطبعه، فسيغني كل مؤمن حنيف عن غيره من كتب الوعظ، فأدعو الله أن يعينني على إتمامه ونشره. الهلالي في «العيون الزلالية» (ق ٣٣١) • أهم أمور الدين: توحيد الله تعالى في ربوبيته، فلا رب غيره، وفي عبادته فلا يعبد غيره، وفي أسمائه وصفاته فلا يشاركه فيها غيره، وفي الاتباع فلا يتبع إلا وحيه، وهو القرآن والحديث الثابت، وعلى هذه الأربعة نويت أن أؤلف هذا الكتاب، وقد بدأته وتمامه على الله، فاتباع توحيد الله بأنواعه الأربعة فرض على كل مسلم، والإعراض عن المشركين بمخالفتهم والبراءة منهم واجب حتم. المؤلف الهلالي في «سبيل الرشاد» (١/ ٣٦١) • كان الهلالي سلفي العقيدة، لو قرأت كتابه في التوحيد - يعني: «سبيل الرشاد» - لعلمت منه أنه لا يعرف في التوحيد الذي في القرآن مثله. العلامة حماد الأنصاري في «المجموع» (٢/ ٦١٧) • إذا قرأت سبيلًا للرشاد فعن … ذلك السبيل من الأغواء تبتعد تلميذه محمد بنعبود من قصيدة نشرها في جريدة «الإصلاح» المغربية، العدد السابع

стр. 2

قالوا عن المؤلف • كان العلامة الألباني يعد الهلالي ضمن خمسة لم ير مثلهم ألبتة في العلم والتحقيق، وهم: ابن باز، تقي الدين الهلالي، وعبد الرحمن المباركفوري، بديع الدين السندي، الشنقيطي - رحمهم الله تعالى أجمعين -. العلامة الإمام محدث الديار الشامية الألباني • في الحقيقة لم ألتق مع رجل يحوي علمًا جمًا في فنون عديدة مثل الدكتور الهلالي، وقد مضت علي الآن خمس وأربعون سنة لم أرَ مثله. المحدث العلامة حماد الأنصاري • إن محمد تقي الدين الهلالي المغربي أفضل من جاءكم من علماء الآفاق، فأرجو أن تستفيدوا منه. العلامة محمد رشيد رضا للملك عبد العزيز آل سعود • الهلالي من أفاضلنا الذين أجمع على الاعتراف بفضلهم الشرق والغرب، والعرب والعجم، والمسلمون وغير المسلمين، فهو في الحجاز نار على علم شهرة وفضلًا، وفي الهند تبوأ منصة التدريس في أرقى جامعاتها، وفي العراق معروف بدؤابه على خدمة هذه الأمة، وحرصه على خيرها، وهو الآن في ألمانيا موضع الحرمة من أركان جامعة (بن) التي يتولى التدريس فيها. فالأستاذ الهلالي رجل عالمي واسع النظر، واقف على أحوال الشرق والغرب. العلامة محب الدين الخطيب • للغرب الإفريقي ابن عالم بار، نسله بنو هلال، وأنجبه المغرب الأقصى، هو العلامة الأستاذ محمد تقي الدين الهلالي المدرّس بالهند، لهذا الأستاذ شهرة علمية إصلاحية عظيمة بالشرق، ومقالات رنانة في صحفه. العلامة عبد الحميد بن باديس

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَّ لَهُ، ومن يُضللْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه. أما بعد: فهذا كتابٌ يكادُ يكونُ دُرَّةً فريدةً في المكتبةِ الإسلاميةِ، إذ فيهِ عرضٌ للمُعتقدِ مرتبًا على أنواعِهِ حسبَ ورودِهِ في القرآنِ الكريمِ، وأقامهُ الشارحُ على القرآنِ أصالةً، وذكرَ تحتَ الآياتِ الأحاديثَ التي تناسبُها، والآثارَ التي تلائمُها، ونصرَ فيهِ عقيدةَ السلفِ بلغةٍ سهلةٍ، وحجةٍ قويةٍ، ولم يتعرضْ إلا للشبهِ السيارةِ الموجودةِ في هذا العصرِ، وأكثرُ من النقلِ عن كتبِ أئمةِ السلفِ قديمًا وحديثًا (١). _________ (١) انظرها تحت (طريقة تأليف الكتاب ومصادره فيه).

стр. 4

نسبة كتاب «سبيل الرشاد» ومدحه وثناء العلماء عليه كتاب «سبيل الرشاد» ثابت النسبة للهلالي، فقد طبع جله في حياته (١)، وأملاه من حفظه، مع مراجعات ونقولات من كتب عديدة، يأتي ذكرها. نعم، لم يذكره الهلالي ضمن قائمة مؤلفاته فيما كتب به للمجذوب (٢)، ذلك أن تأليفه لهذا الكتاب كان متأخرا، فهو من أواخر ما كتب، وأحب كتبه إليه، وأكثرها فائدة، وأوسعها علما، وأكبرها حجما، ووجدته يذكره في فتاواه المسماة «العيون الزلالية» (ق ٣٣١)، وسيأتي كلامه بحروفه قريبا. وممن ذكره له العلامة الإمام فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله قال: «ومن مؤلفاته الأخيرة «سبيل الرشاد»» (٣). وتلميذ المصنف الأستاذ عمر محسن في مقدمته للكتاب (٤)، وعنه الترجمة. _________ (١) وجدت في مقالة نشرت في صحيفة «الميثاق» المغربية، العدد (١٣٨) السنة (٢٤) بتاريخ فاتح ذي القعدة ١٤٠٧ هـ تحت عنوان (وفاة الدكتور تقي الدين الهلالي): «ومن آخر ما ألف كتاب «سبيل الرشاد» في عدة مجلدات، أخرج منها اثنين». (٢) ونشره المجذوب في كتابه القيم «علماء ومفكرون عرفتهم»، وسرد (٣٧) مؤلفا، وفاته الشيء الكثير، ذلك أن الذي كتبه الهلالي قديم، واعتمد كثير من المترجمين ولا سيما في مسرد المؤلفات على ما عند المجذوب فحسب، ففاتهم هذا الكتاب، مثل: نزار أباظة ومحمد رياض المالح في كتابهما إتمام الأعلام (٣٤٦)، والمستشار عبد الله العقيل في كتابه من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة (٤٩٤ - ٤٩٥)، وأصل ترجمته مقالة نشرها في مجلة «المجتمع» الكويتية، العدد (١٢٩٨)، محرم ١٤١٩ هـ -٥/ ٥/ ١٩٩٨ م (ص ٤٦ - ٤٨). (٣) «تحفة الإخوان بتراجم بعض الأعيان»، أرسل لي الأخ الباحث النابه محمد زياد التكلة ما يخص الهلالي من هذا الكتاب، وهو يقوم بتحقيقه، ولم يطبع بعد. (٤) أبقيناها في مقدمة طبعتنا هذه أيضا.

стр. 5

التي نشرت للهلالي في مجلة «الفرقان» (١)، العدد العاشر، سنة ١٩٨٧ م (ص ٤ - ٨) بعنوان (العالم الجليل الدكتور الهلالي في ذمة الله)، وذكر له أيضًا في مقالة مجلة «المنهل» العدد (٤٩٩)، المجلد (٥٤)، الربيعان ١٤١٣ هـ، سبتمبر، أكتوبر ١٩٩٢ م، ضمن مقالة بعنوان (أعلام عابرون) (ص ٢١٤) وفي التعريف به في أول مقالته المنشورة في مجلة البحوث الإسلامية العدد الثامن، ذو القعدة، ذو الحجة، عام ١٤٠٣ هـ، محرم - صفر عام ١٤٠٤ هـ، أغطس، سبتمبر، أكتوبر، نوفمبر عام ١٩٨٣ م (ص ٢٠٦). وذكره له مخلص السبتي في كتابه السلفية الوهابية بالمغرب، تقي الدين الهلالي رائدًا (ص ٤٧)، وصديقنا البحاثة أحمد العلاونة في ذيل الأعلام (ص ١٧٠). وفات ذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات الهلالي عدد (٢) ممن ترجم له! مع أنه أحب كتب المؤلف إليه، بل هو أمنية حققها الله له قبل وفاته. قال - رحمه الله تعالى - عن تأليف الكتاب: «وهذه نعمة عظيمة كنت أتمناها على الله تعالى منذ عشرات السنين» (٣). وذكر - قبل - أمنيته في الإتمام بقوله: «وهو - سبحانه - قادر على أن يبلغنا أمنيتنا في تمام «سبيل الرشاد» وانتفاعنا به قبل الموت، وهو الغني الكريم» (٤). وقال في فتاواه «العيون الزلالية» (ق ٣٣١): «أنا الآن أؤلف كتابًا سميته «سبيل الرشاد»؛ إن يسر الله إتمامه وطبعه، فسيغني كل مؤمن حنيف عن غيره من كتب الوعظ، فأدعو الله أن يعينني على إتمامه ونشره». وأعجب العلماء والباحثون والمطلعون على هذا الكتاب أيما إعجاب، وتطلبه العلماء قبل الطلبة النبهاء، وأذكر أن الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - كان يتطلبه ويسأل عنه، وقال العلامة الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله تعالى - فيما _________ (١) وظفرت بالترجمة نفسها منشورة في مجلة الاستجابة السودانية، السنة الثالثة، العدد التاسع، رمضان ١٤٠٨ هـ (ص ٤٢ - ٤٣). (٢) ممن فاته ذكر هذا الكتاب الأستاذ إدريس خليفة في كتابه الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال (٢/ ٦٦٦ - ٦٦٧)، وعبد الله بن العباس الجراري في كتابه التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين (ص ١٢٣ - ١٢٤). (٣) «سبيل الرشاد» (٦/ ٣٠٦). (٤) «سبيل الرشاد» (٣/ ١٥٦).

стр. 6

نقل عنه ابنه وصديقنا عبد الأول: «سمعته يقول: إن كتاب «سبيل الرشاد» للشيخ تقي الدين الهلالي أهداه لي لما التقيتُ به في دولة المغرب، ثم أرسل إلي نسخة أخرى، وأنا بالمدينة النبوية، وهذه النسخة أهديتها للشيخ بكر أبو زيد» (١). ومدح العلامة الأنصاري هذا الكتاب بقوله عن مؤلفه: «كان سلفي العقيدة، لو قرأت كتابه في التوحيد (٢)، لعلمت أنه لا يعرف [في] التوحيد الذي في القرآن مثله» (٣). وقال تلميذ الهلالي الشيخ محمد بن عبود - حفظه الله ورعاه ـ، مادحًا المؤلف وذاكرًا هذا الكتاب: (دكتورنا) الرجل الصنديد مفخرة … عزيزة كلما يستذكر العدد لسانه الصارم المقوال عدته … يراعه المنتج السيال والمدد إذا قرأت سبيلًا للرشاد فعن … ذاك «السبيل» من الأغواء تبتعد هذا الرثاء ولكن لا مبالغة … ولا غلوّ بما في القول ينتقد هي الحقيقة لا أعدو الحقيقة في … قولي، فلا قَلَقٌ فيها ولا فَنَدُ رحماك ربي لروح أنت قابضها … أنت الرحيم لها الغفار يا أحد (٤) والحاجة إلى مثل هذا الكتاب ماسة، فهو يكاد يكون في طريقة عرضه، وسهولة أسلوبه، وغزارة مادته، وربطه بالمخالفات العقدية والأمور الكلية التي شاعت وذاعت في كثير من الصقاع والبقاع دُرَّة فريدة، وجوهرة عزيزة أو عديمة!. • تأريخ تأليف الكتاب ومدة تأليفه : تأليف هذا الكتاب كان - كما قلنا - أمنية عزيزة عند المصنف، وحقق الله بمنه وفضله - له هذه الأمنية على وجه التمام والكمال في أحسن صورة، وأبهج حلّة. _________ (١) «المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد الأنصاري ﵀ وسيرته وأقواله ورحلاته» (٢/ ٦٣٣) رقم (٢٢٧). (٢) يريد «سبيل الرشاد» (هذا الكتاب). (٣) «المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد الأنصاري وسيرته وأقواله ورحلاته» (٢/ ٦١٧) رقم (١٥٢). (٤) جريدة «الإصلاح» جريدة نصف شهرية مغربية، العدد السابع.

стр. 7

أما عن تأريخ فكرته فهو قديم قديم، فأصغ إلى الهلالي وهو يقول: «لم أزل منذ عهد الشباب أتمنى أن يوفقني الله تعالى إلى جمع آيات التوحيد بأنواعه وتفسيرها بأحاديث النبي الكريم، وبأقوال الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين» (١). وأما ترجمة هذه الفكرة إلى واقع، وإبرازها على هيئة كتاب، فكانت - بتوفيق الله وكرمه - قبل موت صاحبها بقليل، ففي أول الطبعة الأولى منه (ص هـ -١١) في كلمة الملحق التعليمي السعودي بالمغرب بقلم الأستاذ محمد بن إبراهيم بن عبد السلام، وأرّخت في ٧/ ١٤٠٧/ ١ هـ -١١/ ١٩٨٦/ ٩ م، أي: قبل وفاة المصنف بقليل، إذ تأريخها في ١٠/ ٢٥/ ١٤٠٧ هـ -٧/ ١٩٨٧/ ٢٢ م فكان إعداد هذه الكلمة قبل وفاته بنحو تسعة أشهر، وجاء فيها الدعاء للمؤلف بالشفاء ونص العبارة: «فللمؤلف الجليل - شفاه الله - ولسماحة والدنا العلامة الشيخ … » (٢). وأما البدء الفعلي للكتاب، فاستغرق مدة من الزمن، فمؤلفه ﵀ جعله في أقسام ثلاثة (٣): فرغ من (القسم الأول) منه - وينتهي بالجزء الثاني من المطبوع -: يوم الجمعة، سابع عشر، صفر، سنة ١٣٩٥ هـ (٤)، بمدينة فاس، بحي النزهة. فرغ من (القسم الثاني) - وينتهي بالجزء الرابع من المطبوع -: بعد ظهر يوم السبت الخامس عشر من رمضان سنة ١٣٩٥ هـ. فرغ من (القسم الثالث) والأخير - وينتهي بالجزء السادس من المطبوع -: يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلون من شهر محرم الحرام سنة ست وتسعين وثلاث مئة وألف. ومنه يعلم أن مدة تصنيف الكتاب ناهزت السنة أو قاربتها، وأن نشره كان بعد فراغ المصنف منه بإحدى عشرة سنة، ولعلّ سبب هذا التأخير كبر مادة _________ (١) «سبيل الرشاد» (٥/ ٥). (٢) مقدمة «سبيل الرشاد» (٨٧). (٣) انظر ما سيأتي قريبًا تحت عنوان (التعريف بموضوع الكتاب ومادته). (٤) صرح فيه (٢/ ١٠٨) - وهو ضمن القسم الأول - «أنه في هذه السنة» وحددها بـ (١٣٩٤ هـ) وذكر قصة جرت له.

стр. 8

الكتاب، إذ هو أوسع كتاب له، فجل مصنفاته رسائل صغيرة، نشرها على حلقات في مجلات، ثم جمعها ونقح بعضها وزاد عليها، ونشرها على هيئة كتيبات. • هل تم تأليف الكتاب ؟: كان في بال مؤلفه طريقة نوى تأليف الكتاب على وفقها، أفصح عنها بقوله: «أهم أمور الدين توحيد الله تعالى في ربوبيته، فلا رب غيره، وفي عبادته، فلا يعبد غيره، وفي أسمائه وصفاته، فلا يشاركه فيها غيره، وفي الاتباع، فلا يتبع إلا وحيه، وهو القرآن والحديث الثابت» قال: «وعلى هذه الأربعة نويت أن أؤلف هذا الكتاب، وقد بدأته وتمامه على الله، فاتباع توحيد الله تعالى بأنواعه الأربعة فرض على كل مسلم، والإعراض عن المشركين بمخالفتهم، والبراءة منهم واجب حتم» (١). وكان الهلالي ﵀ عليه - يخشى من عدم إتمام الكتاب، ويتضرع إلى الله أن يمن عليه بإكماله، فها هو يسأل ويقول: «وقد أعانني الله سبحانه على إتمام هذا (الجزء الأول)، فلله الحمد والمنة، وإياه أسأل، وبأسمائه وصفاته أتوسل، أن يعينني على إتمام الجزئين الباقيين» (٢). وقال في أول (الجزء الثالث) (ص هـ): «لقد من الله علي وأعانني على إنجاز (القسم الأول) من كتاب «سبيل الرشاد» وهو في (توحيد الربوبية والعبادة)، فجاء في جزئين، يشتمل على ثمان مئة وخمسين صفحة (٣) تقريبا، وها أنذا أقف خاضعا ذليلا بباب الغني الكريم، وأسأله من فضله أن يعينني على تأليف القسم الثاني ثم القسم الثالث، والقسم الثاني في توحيد الاتباع كما هو معلوم. والمراد اتباع الكتاب والسنة في جميع أمور الدين، من عقيدة وأعمال وأخلاق ومعاملات». وكرر فيه هذا المعنى، فقال: «وهو قادر على أن يبلغنا أمنيتنا في إتمام «سبيل الرشاد» وانتفاعنا به قبل الموت، وهو الغني الكريم» (٤). وقال في آخر (الجزء الرابع) - وهو تمام (القسم الثاني) من الكتاب -: «لقد _________ (١) «سبيل الرشاد» (١/ ٣٦١). (٢) «سبيل الرشاد» (١/ ١٣٠). (٣) وبنحوه أيضا في هذه الطبعة، مع زيادة التخريج والتوثيق. (٤) «سبيل الرشاد» (٣/ ١٥٦).

стр. 9

من الله علي وأعانني على ختم هذا (القسم)، وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبمحبتنا واتباعنا لحبيبه وخليله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن يعينني على (القسم الثالث) … » (١). وكأني بالمصنف ﵀ يخشى أن يداهمه صارف، أو أن يعوقه عائق، أو أن تفجأه مصيبة الموت، فيحول دون إتمامه للكتاب، ولذا لما أتم (القسم الثالث) - وهو الأخير - منه، قال ما نصه: «تم بحمد الله وحسن عونه» وقال: «وكان الفراغ منه يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلون من شهر محرم الحرام سنة ست وتسعين وثلثمائة وألف من هجرة النبي الأكرم، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم وبمحبتي واتباعي لنبيك الكريم وإن كنت مقصرا أن تعينني على ما بقي وهو وضع (فهرست) واف للقسم الثاني وأن تنفعني به في الدنيا والآخرة وتنفع به خلقا كثيرا» (٢). فالمؤلف - رحمه الله تعالى - فرغ من كتابه، وجعله (ثلاثة أقسام)، مع أنه سبق عنه في أول هذا المبحث أنه نوى أن يؤلف كتابه على (أربعة أنواع) من التوحيد! فلماذا هذا التغيير، وما هو سببه، وهذا ما يجيبنا عنه المؤلف فيما سيأتي قريبا - إن شاء الله تعالى - عند الكلام على (الغرض من تأليف الكتاب ومنهجه فيه). بقي التركيز وإلقاء بعض الضوء على قوله: «أن تعينني على ما بقي وهو وضع (فهرست) واف للقسم الثاني … ». الناظر في الكتاب يجد أن (فهرست) (٣) للموضوعات، موجود في آخر كل جزء من الأقسام الثلاثة، وليست هناك فهرسة لكل قسم على حدة، ويوجد (فهرست) في آخر الجزء الثالث والرابع (٤)، ف الظاهر - والله أعلم - أن المعتني بنشر الكتاب أو مصححه هو الذي كمل هذا الفراغ وأتمه، ولعله كان في بال _________ (١) «سبيل الرشاد» (٥/ ٥). (٢) «سبيل الرشاد» (٦/ ٣٠٧). (٣) الأصوب في نظري أن يقال: الموضوعات والمحتويات، أو قائمة الموضوعات، إذ لا علاقة بين محتويات الكتاب وطرق الفهرسة المعروفة سواء على الحروف الأبجدية أو الهجائية! (٤) هذان الجزآن هما القسم الثاني من الكتاب.

стр. 10

المصنف شيء خاص من هذا القسم، ولم يتيسر له صنعته، والله أعلم. • طريقة تأليف الكتاب ومصادره فيه : كان المصنف - رحمه الله تعالى - قد أصيب بمرض في عينيه، وعمل على الاستشفاء والمعالجة منه قديمًا (١)، وضعف بصره في أواخر سني حياته، فكان مضطرًا في تأليف هذا الكتاب - وهو من كتبه المتأخرة (٢) - إلى مساعدة غيره من تلاميذه وأحبائه، وصرح المصنف فيه (٣) أنه فرغ من (القسم الأول) منه بدار السلفي الصالح الحاج (٤) محمد العلالي بمدينة فاس. وقال في آخر (القسم الثالث) منه (٦/ ٣٠٧): «وكان الكاتب لختام هذا الجزء رضا الله بن محمد إدريس المباركفوري رزقه الله العلم النافع والعمل الصالح وجعله من الأئمة الداعين إلى الله على بصيرة، وهداه وهدى على يديه خلقًا كثيرًا». وقال: «وقرأ علي هذا الكتاب وتولى تصحيحه حسب ما أمرته ابني البر ختني عبد الغني بوزكري وفقه الله لخدمة الإسلام والمسلمين وأطال بقاءه وختم له بالسعادة والغفران. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين». واعتمد المصنف على مجموعة من الكتب، وذكر أهمها وأشهرها في ديباجة الكتاب، فقال (١/ ١٣٢): «واعتمدت على «تفسير الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي» المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) - رحمة الله عليه -؛ لأني ما رأيت أحدًا من المفسرين يعتني بالتوحيد مثله (٥) وقد أشير بـ (الكاف) إلى «تفسير ابن كثير»، _________ (١) ذكر في «سبيل الرشاد» (٢/ ٢٤٩) أنه كان في (مستشفى العيون) عند وجوده في مدينة (بون) بجرمانية، وكان هذا قبل أكثر من ثلاثين سنة من مرضه ووفاته. (٢) انظر ما قدمناه (ص ٩). (٣) (٢/ ٣٧٦). (٤) يكثر المصنف في غير مقالة وكتيب من إطلاق هذه اللفظة، وتجنّبها أولى، فالحاج كالمصلي والمزكي، فلا داعي لها، ولا سيما أن بعض الجهلة ممن يحجون إن لم تُقل لهم؛ يغضبوا! (٥) للمصنف عناية شديدة بهذا التفسير، ونقد طبعاته، فها هو يقول في «سبيل الرشاد» (١/ ٣٣٥) عن طبعة منه كتب على طرتها: «قوبلت هذه الطبعة على عدة نسخ خطية بدار الكتب المصرية، وصححها نخبة من العلماء». وهي مطبوعة في طبعة الاستقامة بالقاهرة =

стр. 11

وبـ (الجيم) إلى «تفسير ابن جرير»، وبـ (القاف) إلى ما اتفق عليه البخاري ومسلم من الحديث، وبـ (الخاء) إلى ما انفرد به البخاري، وبـ (الميم) إلى ما انفرد به مسلم، وبـ (الدال) إلى «سنن أبي داود»، وبـ (التاء) إلى «جامع الترمذي»، وبـ (النون) إلى «سنن النسائي»، وبـ (الحاء والميم أو الألف المهموزة) إلى «مسند الإمام أحمد». انتهى. قال أبو عبيدة: رمز الهلالي أيضًا بحرف (خك) (١) لاختصار شيخنا محمد نسيب الرفاعي - رحمة الله عليه - لتفسير ابن كثير، المسمى بـ «تيسير العلي القدير» (٢)، وأكثر من النقل عنه، وتارة ينقل عباراته ويعزو لـ (ك)! _________ سنة ١٣٧٢ هـ، الطبعة الثانية: «سبحانك هذا بهتان عظيم. كيف تتفق عدة نسخ خطية على إسقاط ثلاث وعشرين كلمة من الحديث؟ وكيف جاز على نخبة من العلماء أن لا يتفطنوا إلى هذا الخلل؟ والحقيقة أن الكتب التي يطبعها التجار مضيعة، فلا مقابلة فيها ولا تصحيح، وبذلك يقع التغيير والتبديل والحذف … ». وقال فيه (١/ ٣٣٥) عن الطبعة نفسها: «فيها أخطاء كثيرة وبتر ونقص، وفي هذا الموضع ترك تفسير آية بأكملها، وقد فزعت إلى طبعة بيروت لعلي أجدها سالمة من ذلك الداء، فإذا بها مسروقة من الطبعة المذكورة: إنا لله وإنا إليه راجعون، على فساد الكنوز التي خلفها لنا السلف، فصارت بأيدي التجار الفجار يطبعونها لأجل الربح الدنيوي ولا يبالون بما يرتكبونه من الجرائم في حق طلبة العلم، وعلوم الإسلام يتيمة كعلوم اللغة العربية، ليس لها جماعة تشرف على طبعها ونشرها وتأذن في ذلك لمن يكون له أهلًا، وتضرب على هؤلاء التجار الفجار وليس للتجار ضمائر ولا مروءة تحملهم على المحافظة على هذا التراث وعلى أن لا يصدر من مطابعهم ما يشين سمعتهم، وهذا جزء من الشقاء الذي يعانيه المسلمون في هذا الزمان … ». وقال في (٣/ ٩٥) بعد كلام: «هذا تحريف وبتر من الناشرين المجرمين، وما أكثره في الطبعات المتعددة لـ «تفسير ابن كثير»». ومن شدة عناية المصنف بهذا «التفسير» أنه كاد أن يختصره، فها هو يقول في تقريظ «تيسير العلي القدير» لشيخنا محمد نسيب الرفاعي بعد مدحه له: «وكم عزمت على القيام بهذا العمل (الاختصار)، وبدأت فيه فعلًا، ولكن لم يقدّر لي الاستمرار فيه … »! ويقول في (٢/ ١٢٥): «إن كثيرًا من أهل هذا الزمان الذين لم يقتلوا «تفسير ابن كثير» درسًا وبحثًا، يخيّل لهم أن فيه خرافات إسرائيلية، تكدر صفوه، فيجب حذفها، فأقول لهم: على رسلكم! ومن ذا الذي حرم علينا ذكر الإسرائيليات وروايتها إذا كانت فيها فائدة … » إلخ ما قال. _________ (١) انظر - على سبيل المثال - (٣/ ١٢٠، ١٣٧، … ). (٢) للهلالي تقريظ لهذا الكتاب منشور في أوله، ومما قال فيه عن مؤلفه شيخنا الرفاعي =

стр. 12

• مصادره في التفسير : ومما تجدر الإشارة إليه أنه نقل من كتب أخرى في التفسير غير تفسيري ابن جرير وابن كثير، مثل: «فتح البيان في مقاصد القرآن» لصديق حسن خان، و «محاسن التأويل» للقاسمي، و «تفسير البيضاوي» و «جامع البيان في تفسير القرآن» لصفي الدين بن معين الدين، «فتح القدير» للشوكاني، و «الدر المنثور» للسيوطي، و «درة التنزيل وغرة التأويل» للخطيب الإسكافي، و «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج، و «تفسير السمرقندي»، و «تفسير الرازي»، و «تفسير ابن أبي حاتم» - ولعل النقل عنه بواسطة «الدر» أو «تفسير ابن كثير» - و «الكشاف». ومن التفاسير التي صرح بالنقل منها أيضًا (١): «معالم التنزيل» للبغوي، و «المحرر الوجيز» لابن عطية، و «تفسير القرطبي»، و «تفسير أبي السعود»، و «تفسير النسفي»، و «زاد المسير»، و «تفسير الجلالين»، و «حاشية الصاوي» عليه، «حاشية الجمل» المسماة «الفتوحات الإلهية»، و «روح البيان» للبروسوي. ونقل أيضًا من كتاب في الوقف والابتداء، وهو «المكتفى» لأبي عمرو الداني. أكثر المصنف من النقل عن بعض هذه التفاسير، واقتصر في كثير من المواطن على النظر في تفسير واحد منها، ولكنه في مواطن قليلة ينظر في جميعها، فأصغ إليه وهو يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]: طالعت كل ما عندي من التفاسير؛ لأجد تفسيرًا تطمئن نفسي إليه، فلم أحصل على طائل» (٢). ونقل المصنف في كتابه هذا من كتب له في التفسير، مثل: «فتح الرحمن _________ (١) لعله نقل من بعضها بالواسطة، فقد صرح في (٢/ ٣٩٢) أنه راجع كل التفاسير التي عنده، قال: «وهي خمسة»!! (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٤٩).

стр. 13

في تفسير «أم القرآن» وكذا من تفسيره في سورة الأنعام، المسمى «الإلهام والإنعام». ونقل في (الجمع بين الوصل والوقف) و (القراءة بصوت واحد) من كتاب محمد التهامي بن الطيب السجلماسي، المسمى «نصرة الكتاب» وقال في المبحث نفسه (٣/ ١٧٣): «شرع أخونا حسن وجاج في تأليف كتاب يقيم فيه البراهين القاطعة على بدعة ما يسمى عند المغاربة بالحزب، ويحدد تاريخ وصولها إلى المغرب، وما فيها من المفاسد، وهو عمل مشكور، نرجو أن ينفع الله به من شاء من عباده، حتى يُقضى على هذه البدعة التي أصيب بها المغاربة وحدهم دون جميع المسلمين، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل». والظاهر أن الهلالي يريد تقديمه لمنظومة أبي عمرو الداني «المنبهة» فإنه قد فصل فيها هذه المسألة، وهي أطروحته للدكتوراه (١). • مصادره في الحديث والتراجم والتاريخ : ذكر الهلالي اعتماده على ما في «الصحيحين» أو ما انفرد به أحدهما، وعلى «جامع الترمذي» و «سنن أبي داود» و «سنن النسائي» و «مسند أحمد»، وذكر (٢) رمزا لكل كتاب من هذه الكتب، ولم يذكر «سنن ابن ماجه»، وقد عزى له الكثير من الأحاديث، وكذلك نقل من «السنن الكبرى» للبيهقي. ونقل من مصادر أخرى صرح بها، ولكن لعله وقعت له بالواسطة، فصرح - مثلا - بأسماء: البزار وأبي يعلى - ولكل منهما «مسند» مطبوع - ومن «شرح معاني الآثار» للطحاوي، و «صحيح ابن حبان» و «موطأ مالك». وصرح بالنقل من كثير من كتب الحديث وشروحه ورجاله، فهو ينقل - مثلا -. ويكثر من «جامع العلوم والحكم» لابن رجب، ونقل أيضا من عدة شروح مثل: «نيل الأوطار»، و «سبل السلام»، و «مرقاة المفاتيح» لعلي القاري، و «شرح الطيبي على المشكاة» (٣)، و «شرح الزرقاني على الموطأ»، و «فتح الباري»، و «القبس شرح _________ (١) انظر تعليقنا على كلام الهلالي السابق في (٣/ ١٧٣). (٢) فيما مضى قريبًا من كلامه. (٣) لعل النقل منه بواسطة، إذ طبع لأول مرة بعد وفاة الهلالي.

стр. 14

الموطأ» (١) لابن العربي المالكي، وفيض القدير للمناوي، و «معالم السنن»، و أعلام الحديث (٢) كلاهما للخطابي، و «حاشية الشيخ أحمد على بلوغ المرام»، ومن «حاشية حسن المدابغي على شرح الهيتمي على أربعي النووي» نقل منه، ووقع العزو لـ «شرح الهيتمي»: انظر (٤/ ٢١٩)! وينقل من كتب الغريب، ويعتمد كثيرًا على «النهاية» (٣) لابن الأثير، وورد عنده ذكر لـ «غريب الحديث» (٢) للحربي. وينقل كثيرًا من الآثار والأشعار من «جامع بيان العلم» لابن عبد البر، وهنالك ذكر لعدة من كتب التراجم، مثل: «تاريخ دمشق» (٢) لابن عساكر، وفيه أيضًا إحالة على العقد الثمين للفاسي، ونقل من «الطبقات الكبرى» لابن سعد، و «معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي». وأظهر في الكتاب مجموعة من الكتب التي ترجمت للأصحاب - رضوان الله عليهم -، مثل: «الاستيعاب لابن عبد البر والإصابة» لابن حجر، و «أسد الغابة» لابن الأثير. واعتنى ببعض كتب السيرة والتأريخ، فنقل من بعضها مثل: «السيرة النبوية» لابن كثير، والروض الأنف شرح سيرة ابن هشام للسهيلي، ونقل أيضًا من بعض كتب البلدان، وسبق ذكر الدمشقيين والشناقطة وأنه نقل من مصنفات خاصة بهم، ونقل في تراجم المكيين زيادة على ما ذكرناه (٤) من «مثير الغرام» لابن الجوزي، ونقل في تاريخ المدينة من الدرة الثمينة لابن النجار، ومن الكتب التي نقل منها «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى». • مصادره في الفقه وأصوله : نقل الهلالي من عدة كتب في الفقه وأصوله، فورد ذكر لكتاب «المدونة»، و «التاج والإكليل»، و «مختصر خليل»، وكلها من كتب المالكية. _________ (١) لعل النقل منه بواسطة. (٢) لعل النقل منه بواسطة. (٣) قال عنه في (٦/ ٢٦٩): «كنت أظن أن ابن الأثير سلفي العقيدة بريء من التعطيل والتجهم لأني رأيت المتأخرين من المشتغلين ينقلون من كتابه شرح غريب الحديث، ولما رأيت شرحه لأسماء الله الحسنى وجدته من شرار الجهمية المعطلة، … ». (٤) أعني: «العقد الثمين» للفاسي، فهو خاص في المكيين.

стр. 15

ونقل من جملة كتب فقه المذاهب، فنقل - مثلًا - من مجموعة كتب للشافعية؛ كـ «المنهاج» و «شرح المهذب»، كلاهما للنووي، ومن «الأم» للشافعي، ومن «شرح الكنز» للزيلعي، و «فتاوى قاضي خان» وهما من كتب الحنفية، أما كتب الحنابلة، فقد نقل من «المغني» و «الكافي» كلاهما لابن قدامة، ونقل أيضًا من كتاب «المحلى» لابن حزم. ونقل من «كشف الغمة عن جميع الأمة» للشعراني، ولم يكن النقل منه في مسائل فقهية (١)، وإنما نقل عنه طويلًا (فصل في ذكر أزواج النبي ﷺ بالتفصيل، وذكر بعض فضلهن ﵅ قال: «وسأنقل ذلك من كتاب «كشف الغمة عن جميع الأمة»، لأني وجدته أحسن ترتيبًا وأسهل على القرّاء من سيرة ابن هشام وغيرها ممن جمع تراجم الأزواج الطاهرات، ولا ينقصه إلا عدم عزو الأحاديث، وذلك لا يضر؛ لأن أكثر ما ذكر هنا مروي في كتب الحديث المعتبرة» (٢). وأشار المصنف - كثيرًا - إلى مسألة قبض اليدين في الصلاة (٣)، وذكر كتاب «إبرام النقض في تقرير السدل وإبطال القبض» لمحمد الخضر بن مايابا الشنقيطي، وذكر أن الله هيأ له عالمًا شنقيطيًا من أهل بلده فألف كتابًا في الرد عليه، سماه «الصوارم والأسنة في الذب عن السنّة» (٤)، قال: و «تبرع بطبعه المجاهد الأكبر في المغارب كلها، الذي أنقذ الله به أهل المغرب الأكبر من حدود السنغال إلى حدود مصر من ربقة الاستعمار وظلمته إلى حرية الاستقلال ونوره، ألا وهو الملك محمد الخامس - رحمة الله عليه -» قال: «ومن أجل المكارم أن شريكه في الجهاد الملك الحسن الثاني - أطال الله بقاءه، وأدام ارتقاءه - لما نفذت نسخ هذا الكتاب أمر بطبعه ثانية، أجزل الله ثوابه، وجزاه أحسن الجزاء، ومؤلف هذا الكتاب هو العلامة السلفي المحدث الأصولي المفسّر الأديب الشاعر المتفنن محمد بن أبي مدين الأستاذ في معهد بوتيلمت من بلاد شنقيط، وهذا الرجل نادرة زمانه، يحتاج إليه أساتذة الأزهر. _________ (١) مع أن الكتاب في فقه الخلاف. (٢) «سبيل الرشاد» (٦/ ٢٣٧). (٣) انظر ما كتبناه عنها في التعليق على (٣/ ١٦، ١٨). (٤) نقل بواسطته من «إيقاظ الوسنان».

стр. 16

وأساتذة الجامعة الإسلامية بالمدينة، وكل جامعة عربية، لا أقول: الطلبة بل الأساتذة، ومن سوء حظ العرب في هذا الزمان عموم الجهل والتقليد فيهم، وسيرهم على صراط معوج؛ لأنهم لا يعتبرون العلم، وإنما يعتبرون الشهادات المزيفة، التي يحصل عليها كثير من الدواب، فيتسلمون أعلى المراتب في الجامعات، وهم صم بكم عمي، فوالله الذي لا إله إلا هو، لو ظفر بهذا الرجل أساتذة الجامعات في أوروبة لاستفادوا من علمه، وبذلوا النفس والنفيس في خدمته، ولكن كما قلنا من ضلالات العرب أنهم يتركون العين ويطلبون الأثر باعتمادهم على الشهادات» (١) قال: «فمن أراد أن يعرف تحريف المقلدين المتعصبين إلى أي حد بلغ في الإسفاف، فليقرأ هذين الكتابين، فيرى الأول ظلمة، ويرى الثاني نورًا» (٢). ومن الكتب التي أكثر من النقل عنها: «إعلام الموقعين» (٣)، وهنالك بعض النقول مأخوذة منه وهي طويلة جدًا، ونقل الهلالي أيضًا من «الإحكام» (٤) لابن حزم، و «إرشاد الفحول» للشوكاني، والاعتصام (٥) للشاطبي، و «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (٦) لأبي شامة المقدسي، و «البدع» لابن وضاح، و «الحوادث والبدع» للطرطوشي و الموافقات (٧) للشاطبي، ومن «حاشية محمد الخضر حسين عليه»، «وقواعد الأحكام» (٨) للعز بن عبد السلام، و «الرد على من _________ (١) «سبيل الرشاد» (٣/ ١٨ - ١٩). (٢) «سبيل الرشاد» (٣/ ١٩). (٣) حققته - ولله الحمد - معتمدًا على عدة نسخ خطية، وهو من منشورات دار ابن الجوزي، الدمام، في سبعة مجلدات. (٤) فرغت من مقابلته على نسختين خطيتين، وتخريج أحاديثه وآثاره، وسيرى - إن شاء الله تعالى - النور قريبًا. (٥) نشرته على نسختين خطيتين في أربع مجلدات في طبعة مجودة مخرّجة مفهرسة، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات. (٦) نشرته على نسخة شستربتي، وطبع ولم أراجعه، وسأعمل على طبعه من جديد، مزيدًا منقحًا، اللهم يسر ذلك بمنك وكرمك. (٧) طبع بتحقيقي - ولله الحمد - في ستة مجلدات، وحاز قبول ورضى النبهاء من طلبة العلم، والمنصفين من العلماء. (٨) حصلت ثماني نسخ خطية تمهيدًا لتحقيقه، وفرغت من تنكيتات عليه للسراج البلقيني، سماها «الفوائد الجسام» أملاها على تلميذه الكرماني، وهي بخطه في نسخة فريدة، خطها صعب غاية.

стр. 17

أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض للسيوطي. والملاحظ أن مباحث التقليد والاجتهاد لها نصيب كبير من هذه النقول، بل بعض الكتب السابقة مفردة في هذا الموضوع، وأكثر الهلالي من التركيز على ذم التعصب والتمذهب والتقليد وعدم الاتباع، وهذا الذي اضطره للنقل من بعض الكتب السابقة، ووقع له كثيرًا في هذا الباب النقل بالواسطة، مثل نقله من كتاب «المواق (سنن المهتدين)، والعمدة - عنده - على «الصوارم والأسنة». • كتب اللغة : أكثر الهلالي من النقل من مجموعة من المعاجم العربية، وبرز في كتابه النقل من «لسان العرب» لابن منظور، و «القاموس المحيط» للفيروزآبادي، وورد ذكر لكتاب «الكتاب» لسيبويه، و «الصحاح» للجوهري، و «تهذيب اللغة» للأزهري، و «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس، وكان النقل من آخر كتابين بالواسطة. • كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم : من النقولات الظاهرة، والمؤلفات الباهرة، التي أكثر المصنف من النقل عنها: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، مثل (١): «اقتضاء الصراط المستقيم»، و «مجموع الفتاوى»، و «الإيمان»، و «الرسالة المدنية»، «شرح حديث النزول»، و «الفرقان» بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان». ونقل أيضًا - وأكثر - من كتب الإمام ابن القيم (١)، فنقل من «الكافية الشافية» وشرحها «توضيح المقاصد» لأحمد بن عيسى، ومن «الجواب الكافي»، و «بدائع الفوائد»، و «مختصر الصواعق المرسلة»، و «زاد المعاد»، و «حادي الأرواح»، و «إغاثة اللهفان»، و «روضة المحبين»، و «مدارج السالكين»، وأكثر جدًا من النقل عن «اجتماع الجيوش الإسلامية» ولا سيّما في (الجزء الخامس) من الكتاب. • كتب التوحيد : التوحيد هو لب القصيد في كتابنا هذا، فمباحثه وأنواعه وتقريراته هي قطب الرحى، وكتبه التي نقل منها المصنّف ليست بتلك الكثرة، إلا أن الهلالي اختار _________ (١) وقع النقل من بعضها بالواسطة!

стр. 18

منها فأجاد وأفاد، وساقها في سياق قوي، وعلّق عليها بما يوضح المراد منها، وجل النقول جاءت في معرض التقرير، وأما الردّ فجاء بما يناسب الغرض من درء الشبه، والرد على كلام يردده المبطلون والمشعبون، وله أثر في عقول الناس وقناعات بعضهم، فهو ينقل زيادة على ما ذكرناه من كتب الإمامين ابن تيمية وابن القيم من كتاب الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب «التوحيد»، وأورد منه ومن شروحه - مثل: «فتح المجيد» و «تيسير العلي القدير» - نقولات طويلة، ونقل أشعارًا في مدح دعوة الإمام، ولا سيما من «دالية الصنعاني»، ولعله كان يحفظها. وهنالك نقولات من كتب أخرى، فأكثر من النقل من «الدين الخالص» لصديق حسن خان، ونقل من «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»، ومن «الإبانة في أصول الديانة» كلاهما لأبي الحسن الأشعري (١)، و «عقيدة السلف أصحاب الحديث»، و «عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي»، و «العقيدة السفارينية»، و «العلو للعلي العظيم»، وأكثر جدًا من النقل من «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي، و «الكواشف الجلية شرح العقيدة الواسطية» لعبد العزيز السلمان، ومن «المجموعة المفيدة» نقل منها في آخر (الجزء السادس) وقال عن صاحبها: «جمع العالم السلفي الشاعر الأديب علي بن سليمان القصيمي المتوفى بالدورة في جنوب العراق في نحو سنة ١٣٤١ هـ». ونقل من بعض كتب أهل البدع، وساقها للرد عليها، مثل كتاب «الرماح» لعمر بن سعيد الفوتي، قال عنه (٣/ ٣٤): «قال صاحب «الرماح» - وهو عمر بن سعيد الفوتي - أخبرني محمد الغالي أن الشيخ التجاني قال: صاحبي لا تمسه النار، ولو قتل سبعين روحًا إذا تاب بعد ذلك … » وذكر هذه القولة لهدم كلام آخر نقل عنه يعارضه، حتى جعل الهلالي يقول: «وهذه معضلة يجب على التيجانيين أن يحلّوها، ولن يستطيعوا لحلّها سبيلًا»! وأكثر الهلالي في كتبه بعامة من ذكر التيجانيين، وكشف بواطيلهم _________ (١) وصرح في (٦/ ٢٩٢) أنه نقل أيضًا من كتاب «الموجز» له، لكن بواسطة «الجيوش الإسلامية لابن القيم، وقال عن الموجز»: «ولم أطلع عليه».

стр. 19

وألاعيبهم، ولذا نقل في كتابه هذا بعض ما يخصهم من كتابه الخاص في الرد عليهم، وهو «الهدية الهادية». وتعرض أيضًا لشبه المجوزين للاستغاثة والتوسل البدعي، مما اضطره للنقل من «الصارم المنكي» لمحمد بن عبد الهادي، وأحال على «صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان» للشيخ بشير السهسواني الهندي. وذكر ألاعيب الشياطين ببعض المتكسبين بدينهم، مما اضطره للنقل من «تلبيس إبليس» لابن الجوزي. وذكر أحوال الأديان المحرفة، والفِرَق الباطلة، مما اضطره للإحالة على كتابه «البراهين الإنجيلية على أن عيسى ﵇ داخل (١) في العبودية ولا حظ له في الألوهية»، ونقل أيضًا من كتاب إظهار الحق لرحمة الله الهندي، ومن كتاب أديان الهند الكبرى للشلبي. هذه جُل مراجع الهلالي في كتابه هذا (٢)، عدا ما في ذاكرته من نقول وحكم وأمثال وأشعار، وقصص وحكايات. • الغرض من تأليف الكتاب ومنهجه فيه : ذكر العلامة الهلالي (الغرض) من تأليف كتابه هذا، فقال: «لما كان الغرض من تأليف هذا الكتاب إقامة البراهين على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك التفرق والتحزب بشكل مذاهب أو طرائق أو أحزاب لم أرد أن أتوسع فيما يرد أثناء البحث من المسائل الأخرى» (٣). وهذا الغرض الذي تكلم فيه إنما هو محصور في (قسم) من (أقسامه الثلاثة) وهو (توحيد الاتباع)، وقد صرّح بذلك في قوله فيه (٤/ ٢٤ - ٢٥) موضحًا معاني بعض الآيات: _________ (١) اقترح الهلالي على زهير الشاويش في رسالة وجهها إليه بتاريخ ٣/ ١٣٩١/ ٢٧ هـ أن يطبع هذا الكتاب، قال: «ولكم أن تجعلوا عنوان - مثلًا -: «البراهين الإنجيلية على أن عيسى بشر … ». (٢) عدا ما صرح به من كتب ألفت باللغة الإنجليزية، فقد صرّح في (٢/ ٣٦٨) بالنقل من (مختصر تاريخ أوروبة) وهو مقرر للمدارس الثانوية ببريطانيا، ومن كتاب «عصر العقل» لتوماس بين، ومن (ougesol) وقال أيضًا: «له مقالات بالإنجليزية مشهورة». (٣) سبيل الرشاد (٣/ ١٤٤ - ١٤٥).

стр. 20

قال محمد تقي الدين: أخبر الله مؤكدًا بالقسم وغيره من المؤكدات أن محمدًا ﷺ من المرسلين وأنه على صراط مستقيم، كل من اتبعه سعد، وكل من خرج عنه شقي. وأخبر سبحانه أنه أنزل هذا القرآن على رسوله لينذر به أهل الأرض، كلهم عامة والعرب خاصة، إذ لم يرسل إليهم نذير من قبله، ولا كان عندهم كتاب يرجعون إليه، ولا سنّة نبي يتمسكون بها، فهم لذلك في غاية الغفلة والجهالة والظلمة، ولما كذبوا الرسول وكفروا بما أنزل إليهم من ربهم وجحدوه ظلمًا وعلوًا، حقت عليهم كلمة الله وسدت عليهم أبواب الهداية، وتحتم عذابهم وشقاؤهم، وحيل بينهم وبين الإيمان بسبب إعراضهم وطغيانهم، ثم أخبر أن الذين ينتفعون بالإنذار هم الذين يستمعون القرآن ويتبعونه ويمنعهم خوف الله تعالى من مخالفة القرآن والرسول ﷺ ، فأولئك بشرهم الله بمغفرة ذنوبهم وبالأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، وصدق الله وعده فانتصروا على أعدائهم واستولوا على مشارق الأرض ومغاربها، وأذعنت لهم أمم الأرض وشعوبها ومضوا على ذلك قرونًا طوالًا حتى نبذوا القرآن والسنّة، فسلبهم الله ما وهبهم وجعلهم عبرة لأولي الأبصار. ولا يزال باب التوبة مفتوحًا أمامهم لو رجعوا إلى رشدهم وأنابوا إلى ربهم، ولما كان التقليد والتعصب والتفرق والتمذهب واتباع الطرائق القدد والأحزاب البدد والقوميات والوطنيات والأهواء والعادات من أعظم أسباب شقائهم التي سدّت عنهم أبواب الخير، وفتحت لهم أبواب الشقاء، عزمت في هذا القسم من «سبيل الرشاد» أن أبذل كل جهد في التحذير من هذه الطرق المعوجة وأنقل كلام الأئمة مصحوبًا بالحُجَّة. وسبق آنفًا (١) إيراد كلام للهلالي أنه نوى أن يجعل كتابه على أربعة أقسام، كل قسم في أنواع التوحيد الثلاثة، ثم توحيد الاتباع، إلا أنه صرح في تقديمه للكتاب أنه دمج توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية في نوع واحد، فلنسمع إليه وهو يقول «يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الكبير المتعالي محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي - عفا الله عنه ووفقه للعمل الصالح المتوالي -: خطر ببالي منذ مدة أن أؤلف كتابًا لنفسي ولمن شاء الله بعدي، أشرح فيه أنواع التوحيد _________ (١) انظر كلامه (ص ١٣).

стр. 21

الأربعة (١) التي أولها: توحيد الربوبية، وثانيها: توحيد العبادة، وثالثها: توحيد الاتباع، ورابعها: توحيد الأسماء والصفات، ثم رأيت أن آيات توحيد الربوبية في كتاب الله كثيرة لو استوعبتها مع ما يتعلق بها من الأحاديث النبوية وكلام علماء السلف، لعظم حجم الكتاب جدا لكثرتها، فجعلت الأقسام ثلاثة: الأول: في توحيد العبادة ممزوجا بما يحتاج إليه من آيات توحيد الربوبية. والقسم الثاني: يشتمل على آيات توحيد الاتباع - أعني الكتاب والسنة -. والقسم الثالث: يشتمل على آيات توحيد الأسماء والصفات وهي الآيات التي وصف الله بها نفسه سبحانه وما يتعلق بها من الأحاديث النبوية وأقوال أئمة السلف، وقد أعانني الله سبحانه على إتمام هذا (الجزء الأول) فلله الحمد والمنة، وإياه أسأل، وبأسمائه وصفاته أتوسل، أن يعينني على إتمام الجزءين الباقيين، وسميت هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة «سبيل الرشاد». أسأل الله تعالى أن يجعل النفع به كثيرا، وأن يجعله من الأعمال الباقية، وأن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم (٢). فاستقر الكتاب على ثلاثة (أقسام) أو (أنواع) كلية، وكان كل نوع في جزئين من المطبوع. وأراني هنا مضطرا للتركيز على بيان وإبراز حرص العلامة الهلالي ﵀ عليه - على التوحيد الصحيح، والاتباع السليم، فأقول وبالله سبحانه أصول وأجول: • حرص الهلالي على التوحيد (٣): كان الهلالي - رحمه الله تعالى - داعيا إلى التوحيد، وله في نصرته جولات وصولات، وجاهد في صيانة جنابه في جميع البلاد التي حل بها، وترك آثارا _________ (١) أنواع التوحيد في الحقيقة ثلاثة؛ لأن الثالث وهو الاتباع داخل في الثاني ولكنني جعلته قسما لكثرة خلاف المقلدين لما جاء به الرسول ﷺ (منه). (٢) «سبيل الرشاد» (١/ ١٣١). وللهلالي في «العيون الزلالية» (ق ٤٠٢ - ٤٠٤) كلمة موجزة عن الأنواع الأربعة المذكورة من أنواع التوحيد. (٣) للأخ عبد الرحمن العميسان أطروحة ماجستير سجلت في (الجامعة الإسلامية)، وهي بعنوان: «جهود العلامة محمد تقي الدين الهلالي في تقرير عقيدة السلف والرد على المخالفين» ما زالت قيد الإعداد.

стр. 22

جليلة في إظهار عقيدة أهل السنة والجماعة، عقيدة السلف الصالح. ولم تخل هذه المهمة العظيمة التي حملها الهلالي على كاهليه أحسن حمل من مُفارَقات وابتلاءات ومفاجآت، وجَرَتْ عليه في بعض البلاد بعض المشكلات. ومدحه غير واحد من عارفيه وملازميه بالمعرفة والحرص على العقيدة السلفية، حتى إن إمام الدنيا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز كان يقول عن هلالنا: «شيخي في التوحيد» (١)، وقال عنه العلامة حماد الأنصاري - وسبق ذلك عنه -: «كان سلفي العقيدة، لو قرأت كتابه في التوحيد - يعني «سبيل الرشاد» - لعلمت أنه لا يعرف التوحيد الذي في القرآن مثله». ولا غرو في ذلك، فها هو الهلالي يخبرنا عن نفسه في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ١٥) فيقول: «فإني نذرت الله أن أدعو إلى توحيده وسنة نبيه ﷺ حيثما كنت وهذا أهم غرض لي في الحياة». ووظف الهلالي مواهبه ومعارفه في سائر ضروب العلوم نصرة لعقيدة السلف والذب عنها، فنظم الشعر في هجاء مخالفيها، ودعا فيه الناس إلى التمسك بما عليه أسلافهم، وأن عزهم ومجدهم لا يتحقق إلا بذلك، ونشر أيضًا كثيرًا من «المقالات» (٢) في الأديان والفرق والمذاهب الضالة، وعَرّى أصحاب الدَّجَل، والخرافة، وسماهم، وجرّد عليهم سيف الحق والدليل والبرهان الناصع، وجهد في نصح العامة والدهماء ودعوتهم، ولاقى ألاقي وتحمّل المصاعب والمشاق في سبيل ذلك. وأما الكتب التي أفردها في التوحيد، فبلغت ثمانية عشر كتابًا، وحشى على ثلاثة كتب: اثنان للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، وواحد لشيخ الإسلام _________ (١) قال تلميذ العلامة ابن باز الشيخ محمد شطو - وفقه الله وأكرمه - عن هذه المقولة: «مشهورة عندنا؛ نقلها أخونا خالد الزهراني في أطروحة الماجستير: «تقي الدين الهلالي وجهوده في الدعوة إلى الله» (ص ٥٧ - مرقومة على الآلة الكاتبة)، ثم سمعتها من الشيخ شطو بنفسي في سحر الليلة الأخيرة من رمضان سنة ١٤٢٥ هـ، فالعهدة فيها عليه! (٢) جمعت كثيرًا من مقالاته في سائر ضروب وألوان العلوم، وبوبتها وعملت على تنضيدها، وستصدر قريبًا في مجموعة، يسر الله ذلك بمنه وكرمه.

стр. 23

ابن تيمية، وسيأتي ذكر ذلك - إن شاء الله تعالى - مفصلًا عند الحديث عن (مؤلفاته) في (مبحث ترجمته). وأكثر ما تظهر شدة الهلالي عند دفاعه على العقيدة السلفية، فها هو تلميذه الشيخ محمد زحل يقول عنه: «كان في طبعه حدة وكان متشددًا في كل ما يتعلق بالعقيدة، قال له شخص يومًا وقد جاءه بولد يدعو له: إنه ليس لي إلا ربي وهذا الولد، فادع له، فلم يكن من تقي الدين إلا أن يجيبه أطلب الله أن (يطيره) لكي يبقى لك الله وحده» (١). وهذه الشدّة التي فيه كانت من حرصه وغيرته على التوحيد، وإلا فهو - كما قال عنه تلميذ آخر: التزم المنهج السلفي، وصار من دعاته النشيطين، ولكنه كان متفتحًا غير متزمت، ومجتهدًا غير مقلد (٢). وقال عنه أيضًا: «وكان منهجه في التعليم والتربية الحرص على غرس التوحيد، والالتزام بالأركان، والعمل بالأصول (٣). وهاك مثالًا عمليًا، وقصة واقعية حكاها الهلالي عن نفسه في كتابنا هذا سبيل الرشاد» (٢/ ٣٤ - ٣٥) فيها دعوة الهلالي بالرفق والحكمة، ومراعاة حال المخاطب، والفحص عن استعداده وتهيئته لقبول الحق، وتحويله من المخالفة الشركية إلى العبادة الشرعية، قال - رحمه الله تعالى -: ولما حججت أول حجة سنة ١٣٤١ هـ في زمان الشريف حسين، لقيت رجلًا من بلادنا، فيلاليًا من الغرفة، فدعاني للعشاء، وكان بوابًا للملك حسين، فجاءني بطعام ملكي رفيع، وقال لي: يا ولد احفظ دينك وعقيدتك، فإن بلاد المشرق فيها عقائد كثيرة، وأكثرها ضلال، أما بلادنا المغرب فعقيدتنا واحدة على مذهب أهل السنة والجماعة، ومن أغرب هذه الفرق وأعجبها فرقة تسمى الوهابية، وهم في شرق مملكة الحجاز، مجاورون لهذه المملكة، فهؤلاء يكرهون النبي، ولا يحبون أن يسمعوا اسمه، وإذا سمعوه غضبوا وقتلوا من ذكره لهم، وهم لا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله كما نقول نحن، بل يقولون _________ (١) «السلفية الوهابية في المغرب» (ص ١٣٤). (٢) «من أعلام الحركة الإسلامية» (ص ٤٩١). (٣) المرجع نفسه (ص ٤٩١).

стр. 24

بدل محمد رسول الله، لا إله إلا الله مالك يوم الدين، فأظهرت له التعجب ولم يدر أنني من هذه الفرقة، وبعد ذلك بقليل استولى الملك عبد العزيز بن سعود على الحجاز، ولما حججت الحجة الثانية سنة ١٣٤٥ هـ، أنزلني الملك عبد العزيز ﵀ عليه - في دار الضيافة، فبحثت عن ذلك الرجل الفلالي، فوجدته ودعوته إلى دار الضيافة الخاصة بي، فتغدى معي، فعرف حينئذ أنه لما كان ينصحني كان مخطئا مغفلا، فسكت وكتم ما في نفسه، فلما تغدينا ذهبنا إلى المسجد الحرام، فوجدنا الشيخ عبد الظاهر أبا السمح جالسا على الحصباء، وهو إمام المسجد الحرام وخطيبه، وسلمت عليه وجلست معه، فلما جلس رفيقي قال: يا رسول الله، فقال الشيخ عبد الظاهر: قل: يا الله، فقال: ما أقول إلا يا رسول الله، يا رسول الله، يا رسول الله، اقطع رأسي إن قدرت، أنا قلت: يا رسول الله أمام الأمير محمد أخي الملك عبد العزيز، ثم التفت إلي وقال: هذا الشر كله ما أصابني إلا بسببك، لا أرافقك أبدا، فتبعته وصرت أتلطف معه لعل الله أن يهديه، فهرب ولم أره بعد ذلك، وحدثني الشريف محمد من أهل مكة في تلك السنة نفسها سنة ١٣٤١ هـ، قال لي: كنت مسافرا من المدينة إلى مكة، وكان صاحب البعير الذي أركبه نجديا وهابيا، فركب خلفي ليستريح فتنهدت وقلت: يا رسول الله، فلطمني لطمة أفقدتني صوابي وكدت أسقط من ظهر البعير، وقال لي: يا حمار ما تقول: يا الله، قال: فسكت على مضض. ولما وصلت إلى مكة ودخلت بيتي تركته على الباب ينتظر الكراء، فجاءني أولادي يسلمون علي، فقلت لهم: يا أولادي، إن هذا النجدي الذي عند الباب لطمني لطمة ما أصبت بمثلها في عمري كله، لا معلم المكتب، ولا والدي، ولا أحد لطمني مثل تلك اللطمة، فأحضروا عصيا، وقالوا له: ادخل، فلما دخل ضربوه حتى طاب خاطري وكففتهم عنه، فقلت له: أيها الشرقي هذا جزاء اللطمة التي لطمتني، وينبغي أن أنبه هنا على أن ذلك الأخ النجدي مع حسن نيته ارتكب خطأ فهو يعلم أن الملك حسينا كان يعادي أهل نجد، وقد منعهم من الحج اثنتي عشرة سنة، فكان ينبغي له أن يتلطف مع ذلك الرجل ويقول له: يا أخي صل على النبي واسأل حاجتك من الله واستغث به وحده، وتوسل إلى الله بمحبة النبي واتباع النبي والصلاة على النبي، فإن الله لا يرضى أن يدعى معه غيره، والنبي ﷺ لا يرضى بذلك، قال تعالى في آخر سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ والله يغفر لنا وله». _________ ١ - في الأصل: «سنة ١٣٤١».

стр. 25

ودعوةُ الهلاليِّ للتوحيدِ قديمةٌ، منذ أن عرَّفه اللهُ الحقَّ، وأرشده إلى العقيدةِ السُّنِّيَّة السُّنِّيَّة، فامتنَّ اللهُ عليه بالهدايةِ من ضلالاتِ التجانيةِ التي مكث مُعتقدًا إياها مُلازمًا أورادَها، مُتشبِّثًا بتعاليمها تسعَ سنواتٍ (١)، ووصل فيها إلى أعلى الدرجاتِ (درجةَ الخليفةِ) (٢)، وذكر قصةَ خروجهِ منها في مقالاتٍ نُشرت في بعض المجلاتِ (٣)، وأجمل ذلك في كتابه «سبيل الرشادِ» (٤)، فقال بعد كلامهِ على التقليدِ: «وهذا ما وقع لنا معشر الحنفاء الموحدين فأنا مثلًا وجدت والدي مُقلَّدًا للمذهب المالكي ومنتسبًا إلى الفرقة الأشعريةِ ومُتمسكًا بالطريقة الدرقاويةِ الشاذليةِ، فلم يكن لي بدٌ من اتباعه، ثم انتقلت من الدرقاويةِ إلى التيجانيةِ وبقيت فيها مدةَ تسع سنين حتى لقيت شيخنا العلامةَ الداعي إلى الله على بصيرةٍ محمد بن العربي العلوي في مدينة فاس سنة ١٣٣٨ هـ في ربيع الأول في اليوم (١٢)، منه وهو الذي يحتفل به المبتدعون وعبّاد القبور أجمعون، وكان عمري حينئذ (٢٨) سنة، وقد قرأت القرآن وحفظته وجودته، وقرأت عبادات خليل، ومن علم النحو درست: «الآجرومية»، و «ملحة الإعراب»، و «ألفية بن مالك» ومع ذلك كله بقيت على عقيدة أبي وأمي، ففتح أستاذي بإذن الله عين بصيرتي وعلمت أني كنت في ظلمات بعضُها فوق بعض، وتبت إلى الله من عقيدة الأشعرية المتأخرين ومن التقليد ومن الطريقة. إذا اصطفاك لأمر هيأتك له … يد العنايةِ حتى تبلغ الأملا وهذا يبين لك شؤم التفرق في الدين وأنه سبيل الهالكين. وأراني في هذا المقام مُضطرًا لذكر ما جرى له بالتفصيل في قصة رجوعه من الضلالة إلى الهداية، ومن ظلمات البدع إلى نور السنّة، وقد فصل ذلك في كتابه «الهداية الهادية» (٥) وسأنقل منه باختصار وتصرف يسير، قال - رحمه الله تعالى -: _________ (١) «الهدية الهادية» (ص ٩). (٢) سمعت ذلك من الشيخ زهير الشاويش - حفظه الله -. (٣) أفاد في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ٧٣ - ٧٤) أنه نشر في صحيفة «الحرية» المغربية ثلاث مقالات بعنوان: (كيف خرجت من الطريقة التيجانية) قال: «ذكرت فيها قصة خروجي وتوبتي من هذه الطريقة، وأقمت البراهين على بطلانها». (٤) (٤/ ١٢٦ - ١٢٧). (٥) (ص ١٢ - ٢٢).

стр. 26

«لقد كنت في غمرة عظيمة وضلال مبين، وكنت أرى خروجي من الطريقة التيجانية (١) كالخروج من الإسلام، ولم يكن يخطر لي ببال أن أتزحزح عنها قيد شعرة. وكان الشيخ عبد الحي الكتاني عدوا للطريقة التيجانية … ففي ربيع الأول من سنة أربعين من هذا القرن الهجري سافرت إلى فاس ودعيت في اليوم السابع منه لحضور حفل على الطريقة الكتانية، فامتنعت من مشاركتهم؛ لأن من شروط التيجاني المخلص (٢) أن لا يذكر مع أهل طريقة أخرى ذكرهم وأن لا يرقص معهم، ولكن الجماعة ألحوا علي وجروني جرا حتى أوقفوني في حلقتهم، فرأيت أفواها مفغورة من وجوه بعضها في لحية سوداء، وبعضها فيه لحية خطها الشيب، وبعضها أمرد ليس له لحية من الغلمان الذين لم يلتحوا بعد، وسمعت أصواتا تنبعث من تلك الأفواه، ليس لها معنى في أي لغة كانت بعضها آآآ، وبعضها آه آه آه، وبعضها أح أح أح .. فاستنكرت تلك الهيئة وقلت في نفسي: إن الله لا يرضى بهذه الحالة أن تكون عبادة له لبشاعتها، ثم ندمت على ذلك ندامة الكسعي (٣) وقلت في نفسي: كيف يسوغ لي أن أنكر شيئا حضر مثله خاتم الأولياء _________ (١) الطريقة التيجانية طريقة صوفية أسسها أحمد بن محمد بن المختار، وقد عاش ما بين (١١٥٠ - ١٢٣٠ هـ) وولد في قرية عين ماضي بالجزائر وأنشأ طريقته التيجانية عام ١١٩٦ هـ في قرية أبي سمعون بفاس وأصبحت فاس هي المركز الأول لنشر هذه الطريقة في العالم، ومن بعض معتقداتها يزعمون أن مشايخهم يكشف عن بصائرهم وأن أحمد التيجاني قد التقى بالنبي ﷺ لقاء حسيا ماديا، وأنه قد كلمه مشافهة، وأنه قد علمه صلاة الفاتح لما أغلق، وأن النبي ﷺ أخبره أن المرة الواحدة منها تعدل قراءة القرآن ست مرات، ومن معتقداتهم أنهم يجيزون التوسل بالنبي ﷺ وهذا من الشرك الصريح. انظر: «الموسوعة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة» (١/ ٢٨١ - ٢٨٤). (٢) وصف الهلالي نفسه في غير كتاب من كتبه بهذا الوصف، فها هو يقول عن نفسه في «سبيل الرشاد» (٣/ ٩٢) عند مناقشة رجل له في وقت الظهر ومخاصمته له وشتمه إياه، قال: «فأخذت سبحتي وأنا يومئذ تيجاني مخلص في الطريقة أشد الإخلاص من فرط جهلي وشقائي، فوجهت سبحتي كالبندقية إلى خيمته طلبا للانتقام منه، فخاف خوفا شديدا، وانصرف، وفي ذلك اليوم ضلت له أحسن ناقة من إبله، فجاءني في الغد خاشعا ذليلا، وقال لي: يا سيدي محمد! إنك قطعت في خويدمك؛ أي انتقمت منه بلا رحمة … » إلخ ما قال … (٣) هذا مثل مشهور، انظر قصته في: «مجمع الأمثال» (٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩).

стр. 27

القطب سيدي أحمد التيجاني فتبتُ من ذلك الخاطر، ولكن جاءني امتحان آخر أن الشيخ عبد الحي الكتاني قال لي منتقدًا: إن الطريقة التيجانية مبنية على شفا جرف (١) وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتمسك بها. فقلت له: والطريقة الكتانية التي أنت شيخها؟ فقال لي: كل الطرائق باطلة وإنما هي صناعة للاحتيال على أكل أموال الناس بالباطل وتسخيرهم واستعبادهم. قال الهلالي: إذن أنت تستحلّ أموال الناس بالباطل وتسخرهم وتستعبدهم؟ قال: أنا لم أؤسس الطريقة، وإنما أسسها غيري وهذه الأموال التي أخذها منهم أنفقها في مصالح لا ينفقونها هم فيها. ثم قال الهلالي له: وما حملك على الطعن في الطرائق وما دليلك على بطلانها!؟ فقال لي: ادعاء كل من الشيخين أن النبي ﷺ يحضر بذاته وظيفة أصحابه حين يذكرونها، وهذه قلة حياء منهما (٢) وعدم تعظيم للنبي ﷺ ، كيف تكلفونه أن يخرج من قبره، ويقطع هذه المسافات من البر والبحر، ليجلس أمامكم، فأنتم تبسطون له ثوبًا أبيض، ليجلس عليه، وأصحابنا يقومون ويذهبون إلى الباب ليتلقوه. فقال الهلالي: إذن أنت لا تعتقد صحة طريقتك؟ فقال الكتاني: لا أعتقدها أبدًا، وقد أخبرتك أنها صناعة لأكل أموال الناس بالباطل، وأزيدك على ذلك: إن اعتماد طريقتكم على كتاب جواهر المعاني الذي تزعمون أن شيخكم أحمد التيجاني أملاه على علي حرازم مسروق، فأحد المجلدين - وهو الأول - مسروق بالحرف، وهو تأليف لمحمد عبد الله المدفون بكذا وكذا بفاس، وسمى ناحية نسيها الهلالي. قال الكتاني وأنا قابلت الكتابين من أولهما إلى آخرهما، فوجدت المجلد الأول من «جواهر المعاني» مسروقًا كله من كلام الشيخ المذكور … _________ (١) هذا حق أكيد ومحاولة محمد بن محمد الصغير الشنقيطي التشيتي في كتابه «الجيش الكفيل بأخذ الثأر ممن سلّ على الشيخ التيجاني سيف الإنكار» فاشلة، لا وزن لها في التحقيق العلمي والمنهج السلفي، وهي كالماء لا تشد اليد بها البتة! (٢) انظر هذه (الأكذوبة) وتفصيل ردّها في كتابي «قصص لا تثبت» (الجزء الثالث) (ص ١٩٨) وما بعد.

стр. 28

وهكذا بدأ التفكير المُلِحّ لدى الهلالي للخروج من الطريقة التيجانية، وشاء الله أن يجالس الهلالي الشيخ عمر بن الخياط بائع كتب بقرب القرويين وناقشه في الموضوع نفسه، فما كان من البائع إلا أن أرشده إلى العالم الكبير الشيخ محمد بن العربي العلوي - رحمه الله تعالى - فذهب إليه وقابله واستضافه الشيخ في بيته (١)، فلما رأى الشيخ محمد بن العربي إحجام الهلالي قال له: ما سبب انقباضك؟ قال: سببه أنكم تطعنون في الطريقة التيجانية وأنا تيجاني ولا يجوز لي أن أجلس في مجلس أسمع فيه الطعن في شيخي وطريقته. فقال لي: لا بأس عليك أنا أيضًا كنت تيجانيًا فخرجت من الطريقة التيجانية لما ظهر لي بطلانها، فإن كنت تريد أن تتمسك بهذه الطريقة على جهل وتقليد، فلك علي أن لا تسمع بعد الآن في مجلسي انتقادًا لها، أو طعنًا فيها، وإن كنت تريد أن تسلك مسالك أهل العلم فهلم إلى المناظرة، فإن ظهرت علي رجعت إلى الطريقة، وإن ظهرت عليك، خرجت منها كما فعلتُ أنا. قال الهلالي: فأخذتني النخوة، ولم أرض أن أعترف أني أتمسك بها على جهل، فقلت: قبلت المناظرة. ثم قال ابن العربي: أنا أريد أن أناظرك في مسألة واحدة إن ثبتت، ثبتت الطريقة كلها، وإن بطلت بطلت الطريقة كلها. قال الهلالي: ما هي؟ قال ابن العربي: ادعاء التيجاني أنه رأى النبي ﷺ يقظة لا منامًا وأعطاه هذه الطريقة بما فيها من الفضائل، فإن ثبتت رؤيته للنبي ﷺ يقظة وأخذه منه الطريقة فأنت على حق وأنا على باطل، والرجوع إلى الحق حق، وإن بطل ادعائه ذلك فأنا على حق، وأنت على باطل، فيجب عليك أن تترك الباطل، وتتمسك بالحق، ثم قال: تبدأ أنت أو أبدأ أنا؟ قال الهلالي: ابدأ أنت. قال ابن العربي: عندي أدلة كل واحد منها كافٍ في إبطال دعوى التيجاني. قال الهلالي: هات ما عندك وعلي الجواب، فقال: الأول: إن أول خلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ كان بسبب _________ (١) ذكر الهلالي في «الهدية الهادية» (ص ١٦) - (١٧) تفصيلًا واستطرادًا حذفناه طلبًا للاختصار.

стр. 29

الخلافة، قالت الأنصار للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير، وقالت المهاجرون: إن العرب لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش، ووقع نزاع شديد بين الفريقين حتى شغلهم عن دفن النبي ﷺ فبقي ثلاثة أيام بلا دفن - صلاة الله وسلامه عليه ـ، فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصل النزاع بينهم، ويقول: الخليفة بعدي فلان، فينتَهي النزاع؟!! كيف يترك هذا الأمر العظيم لو كان يكلم أحدًا يقظة بعد موته لكلم أصحابه وأصلح بينهم، وذلك أهم من ظهوره للتِّيجاني بعد مضي ألف ومائتي سنة ولماذا ظهر؟ ظهر ليقول له: أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين ومن أخذ وردك يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب هو ووالده وأولاده وأزواجه إلى الحفدة. فكيف يترك النبي ﷺ الظهور يقظة والكلام لأفضل الناس بعده في أهم الأمور، ويظهر لرجل لا يساويهم في الفضل ولا يقاربهم لأمر غير مهم. فقال الهلالي: قد أجاب الشيخ عن هذا الاعتراض في حياته فقال: إن النبي ﷺ كان يلقى الخاص للخاص والعام للعام في حياته، أما بعد موته انقطع لقاء العام للعام وبقي لقاء الخاص للخاص … فقال ابن العربي: أنا لا أسلم أن في الشريعة خاصًا وعامًا؛ لأن أحكام الشرع خمسة وهذا الورد وفضائله إن كان من الدين، فلا بد أن يدخل في الأحكام الخمسة لأنه عمل أعد الله العامله ثوابًا، فهو إما واجب أو مستحب، ولم ينتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى بين لأمته جميع الواجبات والمستحبات، فلم يستطع الهلالي أن يجيب بجواب مقنع، ثم قال الهلالي: الشيخ التيجاني عالم بالكتاب والسنة. قال ابن العربي: احفظ هذا، ثم قال: الأمر الثاني: اختلاف أبي بكر الصديق مع فاطمة الزهراء ﵄ على الميراث، فلا يخفى أن فاطمة طلبت من أبي بكر ميراث أبيها … فقال لها أبو بكر: إن النبي ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» (١). وقد حضر ذلك جماعة من الصحابة، فبقيت فاطمة الزهراء مغاضبة لأبي بكر حتى ماتت بعد ستة أشهر بعد وفاة أبيها ﷺ . _________ (١) أصل الحديث عند البخاري (٢٩٢٦)، ومسلم (١٧٥٧)، وانظر تحريف بعض أهل البدع له في شرحي على الورقات للجويني (ص ٢٤٦ - ٢٤٧)، وهو - الله الحمد - مطبوع عن دار الإمام مالك في الإمارات العربية.

стр. 30

فهذان حبيبان لرسول الله ﷺ … وهذه المُغاضبة التي وقعت بين أبي بكر وفاطمة تسوء النبي ﷺ ، فلو كان يظهر لأحد بعد وفاته لغرض من الأغراض لظهر لأبي بكر الصديق، وقال له: إني رجعت عما قلته في حياتي، فأعطها حقها من الميراث، أو لظهر لفاطمة، وقال لها: يا ابنتي لا تغضبي على أبي بكر، فإنه لم يفعل إلا ما أمرته به. فقال الهلالي: ليس ما عندي من الجواب إلا ما سمعت. قال ابن العربي: احفظ هذا، وقال: الأمر الثالث: الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بن أبي طالب من جهة أخرى واشتد النزاع بينهم حتى وقعت حرب الجمل، في البصرة فقتل فيها خلق كثير من الصحابة والتابعين وعقر جمل عائشة، فكيف يهون على النبي ﷺ سفك هذه الدماء ووقوع هذا الشر بين المسلمين بل بين أخص الناس به، وهو يستطيع أن يحقن هذه الدماء بكلمة واحدة وقد أخبر الله في آخر سورة التوبة برأفته ورحمته بالمؤمنين وأنه يشق عليه كل ما يصيبهم من العنت وذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. فقال الهلالي: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت وظهوره وكلامه للشيخ التيجاني فضل من الله، والله يؤتي فضله من يشاء. قال: احفظ هذا وفكر فيه. الأمر الرابع: خلاف علي مع الخوارج، وقد سفكت فيه دماء كثيرة، ولو ظهر النبي ﷺ لرئيس الخوارج وأمره بطاعة إمامه لحقنت تلك الدماء. فقال الهلالي: الجواب هو ما سمعت، فقال لي ابن العربي: احفظ هذا وفكر فيه، فإني أرجو أنك بعد التفكير ترجع إلى الحق … والأمر الخامس: النزاع الذي وقع بين علي ومعاوية، وقد قتل في الحرب التي وقعت بينهما خلق كثير، منهم عمار بن ياسر، فكيف يترك النبي ﷺ الظهور الأفضل الناس بعده وفي ظهوره هذه المصالح المهمة من جمع كلمة المسلمين وإصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم، وهو خير المصلحين العاملين بقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا

стр. 31

بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠] ثم يظهر للشيخ التيجاني في آخر الزمان لغرض غير مهم وهو في نفسه غير معقول؛ لأنه مضاد لنصوص الكتاب والسنة فلم يجد عند الهلالي جوابًا غير ما تقدم، ولكنه لم يُسلِّم له. فقال ابن العربي له: فكّر في هذه الأدلة وسنتَباحث في المجلس الآخر، فعقد الهلالي وابن العربي بعد هذا المجلس سبعة مجالس كل منها كان يستمر من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء بكثير. وحينئذ أيقن الهلالي أنه كان على ضلال، ولكن أراد أن يزداد يقينًا فقال له: من معك من العلماء هنا في المغرب على هذه العقيدة؟ وهي أن كل مسألة في العقائد أو في الفروع يجب أن نعرضها مع قصر باعنا وقلة اطلاعنا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فما ظهر لنا أنه موافق لهما قبلناه، وما ظهر لنا أنه مخالف رددناه. فقال ابن العربي: يوافقني على هذا أكبر مقدم للطريقة التيجانية في المغرب كله وهو الشيخ الفاطمي الشرادي، فكاد الهلالي أن يكذبه، قال: لأن المشهور في جميع أنحاء المغرب أن هذا الرجل من كبار العلماء، وهو أكبر مقدم للطريقة التيجانية … فتوجه صاحبنا الهلالي إلى الشيخ الفاطمي ﵀ وكان الوقت ضحى، وقد أوصاه محمد بن العربي أن لا يسأله إلا في خلوة فوجده الهلالي عنده جماعة فانصرف بعضهم، وجاء آخرون وبقي ينتظر أن يخلو به حتى صليا الظهر، وجاء الغداء فلم يستطع الهلالي أن يخلو به، وكان ثلاثة ممن كانوا في مجلسه حاضرين، فقال الهلالي له: إن الشيخ محمد بن العربي العلوي يقول: يجب علينا أن نعرض جميع المسائل أصولًا وفروعًا على كتاب الله وسنة رسوله، فما وافق في نظرنا القاصر قبلناه وما خالف رددناه؛ ولو قال به الإمام مالك أو الشيخ أحمد التيجاني، فأشار الفاطمي إلى الهلالي بيده يستمهله، وكان جلوس الهلالي عنده قد طال فانصرف العلامة الفاطمي إلى مدرسة الشراطين حيث كان نازلًا قبل لقاء الهلالي بالشيخ العلوي. وفي ذلك اليوم بعد صلاة العشاء جاء الهلالي بواب المدرسة وقال له: إن الشيخ الفاطمي الشرادي أرسل إليك عبده وبغلته يطلب أن تزوره، فتعجب الهلالي كثيرًا لأمرين: أحدهما: أن الوقت ليس وقت زيارة، وثانيهما: أنه لم تجر العادة أن كبار العلماء الطاعنين في السن، يبعثون الدابة للركوب إلا لمن هو

стр. 32

مثله في السن والعلم، وهو شاب، فركب البغلة وسار العبد أمامه حتى وصل إليه وسلم عليه فرد أحسن ردّ ورحب بالهلالي وقال له: يا ولدي أنا رجل كبير طاعن في السن، ليس لي قدرة على القتال، أما سيدي محمد بن العربي العلوي فهو شاب مستعد للقتال وأنت سألتني أمام الناس عن مسألة مهمة لا يسعني أن أكتم جوابها ولا أستطيع أن أصرّح به أمام الناس. فاعلم أن ما قال لك سيدي محمد بن العربي العلوي هو الحق الذي لا شك فيه وقد أخذت الطريقة القادرية وبقيت فيها زمانًا، ثم أخذت الطريقة الوزانية وبقيت فيها زمانًا، ثم أخذت الطريقة التيجانية والتزمتها حتى صرت مقدمًا فيها فلم أجد في هذه الطرائق فائدة وتركتها كلها ولم يبق عندي من التصوف إلا طلب الشيخ المربي على الكتاب والسنة علمًا وعملًا، ولو وجدته لصاحبته وصرت تلميذًا له وأنت تريد أن تسافر إلى الشرق، فإن ظفرت بشيخ مربّ متخلق بأخلاق الكتاب والسنة علمًا وعملًا فاكتب إلي وأخبرني به حتى أشد الرحال إليه. قال الهلالي: فازددت يقينًا بالنتيجة التي وصلت إليها في مناظرتي مع الشيخ العلوي. وقال أيضًا: ولو كان عندي من العلم مثل ما عندي الآن لقلت له: إن ضالتك المنشودة هي أقرب إليك من كل قريب، فإن هذا الشيخ الذي تطلبه وتريد أن تشد الرحال إليه ولو بعدت الدار وشط المزار هو أنت نفسك، بشرط أن يكون عندك العزم التام على العمل بالكتاب والسنة وطرح التقليد جانبًا كيفما كان الأمر، فجزاهم الله خيرًا وتغمدهما برحمته. قال الهلالي: وبعد ذلك بعشرين سنة اجتمعت مع الشيخ عبد العزيز بن إدريس من علماء تطوان وهو أحد تلامذة الشيخ الفاطمي ذكرت له الحكاية السالفة، فقال لي: وأنا أيضًا وقع لي ما يشبه هذا، فإني بعد إتمام دراستي في جامع القرويين ذهبت إليه وهو أفضل شيوخي فقال له: أيها الشيخ أريد أن أرجع إلى وطني تطوان فأريد أن تزوّدني بدعاءك الصالح وأن تلقنني ورد الطريقة التيجانية، فقال لي: يا أسفًا عليك أن تحفظ كتاب الله وقد درست العلوم الإلهية التي تمكنك من فهم كتابه وسنة رسوله ﷺ ولم يكفك ذلك كله حتى تطلب الهدى في غيره والطريقة لا شيء، فعليك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قال الهلالي بعد ذكره هذه المناظرة: كشف الله عني بفضله ظلام الشرك

стр. 33

والبدعة وفتح لي باب التوحيد والاتباع فله الحمد والمنة، نسأله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه الهادي إلى الصراط المستقيم. وقال أيضا مبينا تحوله من ظلمات البدع إلى أنوار التوحيد والاتباع، وهي منعطف خطير في حياته تجاه الاستقامة والدين الحق: «هذا سبب خروجي من الطريقة التيجانية الذي لم يكن يخطر ببالي، وإنما اضطرني إليه البرهان اليقيني الذي لا يترك شكا ولا ريبا في أن هذه الطريقة كما هي في كتب أهلها وفي اعتقادهم لا يمكن الجمع بينها وبين اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ البتة» (١). وهكذا أصبح الهلالي إماما في التوحيد والسنة، وله فيها مؤلفات ومقالات، وجهود ومواقف (٢). أسأل الله أن يتقبلها منه، ويجعلها في ميزان حسناته. وحصل له بسبب هذا التحول ابتلاءات وإيذاءات، فها هو تلميذه الأستاذ محمد بن عودة (٣) يقول عن شيخه الهلالي بعد استطراد: «ولنعد إلى تقي الدين، إن تشبثه بدعوة الناس إلى العقيدة الصافية، وتشدده في ذلك قد كاد يدخله السجن، حتى بعد الاستقلال، ذلك أنه كان له أشياع كثيرون، وكان في مكناس حيث تكثر الطرق، فدأب هو على الطعن في أربابها مما أثار الطرقيين فبدأوا يثيرون الفتنة، وكان من نتائج ذلك أن كاد بنهيمة يلقي عليه القبض لولا أن تريث في الأمر وكتب إلى وزارة الخارجية، فأخبر أنه من كبار العلماء الوطنيين، فأكبر شأنه ولم يؤذه» (٤). ومن أوائل من عارضه عند رجوعه بعض شيوخه، بل خالفه أيضا مريدوه وأحباؤه وتلاميذه، ممن اشتروا الضلالة بالهدى، وآثروا الطريقة الخلفية البدعية على المنهج السني القويم، واقتصر على ذكر مثالين: أحدهما: لشيخه أحمد سكيرج، قال الهلالي في «سبيل الرشاد» (٢/ ١١٩): «ولما خرجت من الطريقة التيجانية على يد شيخنا محمد بن العربي العلوي _________ (١) «الهدية الهادية» (ص ٢٢). (٢) سنذكر - إن شاء الله تعالى - لاحقا قصصا ونماذج من حياته في الدعوة إلى التوحيد. (٣) الموظف في وزارة الخارجية، القسم القانوني، الرباط. (٤) «السلفية الوهابية في المغرب» (ص ١٣٢).

стр. 34

- رحمة الله عليه - في فاس في ربيع الأول سنة ١٣٣٨ هـ ورجعت إلى وجدة، حيث كنت معلمًا عند الشيخ أحمد سكيرج لابنه عبد الكريم وابن أخيه عبد السلام، وكان يجلني ويكرمني، وكنا في الهوى سواء، هو مقدم كبير في الطريقة التيجانية، وأنا مريد، فلما علم أني نبذت الطريقة التيجانية نبذ النوى، أظهر الحزن، وجمع عليَّ علماء وجدة، فناظروني فظهرت عليهم بالحجج القاطعة، فخوّفوني من انتقام الشيخ، وذكروني بما نسب إلى الشيخ أحمد التيجاني، أنه قال: من ترك طريقته وأخذ طريقتنا فلا خوف عليه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيًا كان، من الأحياء أم من الأموات، أما من أخذ طريقتنا هذه الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التيجانية وتركها، فإنه يحل به البلاء دنيا وأخرى، ولا يموت إلا كافرًا قطعًا، وبذلك أخبرني سيد الوجود ﷺ يقظة لا منامًا، فقلت لهم: دعوني من هذا الوعيد الذي لم يرد في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله ولا قام عليه دليل بل هو مضاد للدليل كما أخبرتكم بالأدلة القاطعة، فغضبوا وقالوا للشيخ أحمد سكيرج: (هذا مفلس) لا تنفع فيه النصيحة، والمفلس - بفتح اللام وتشديده وضم الميم وتسكن تخفيفًا في اللغة المغربية - هو الذي بلغ غاية الضلال» (١). والآخر: تلميذه محمد بناني، فاسمع إليه وهو يقول عن شيخه الهلالي بعد توبته من التيجانية: كان لتقي الدين لسانًا حادًا، يهجو كل العلماء الذين يخالفونه في الرأي، ويكتب فيهم «المعلقات»، كتب في الفقيه المرير، والفقيه الفرطاخ، والفقيه _________ (١) واستطرد قائلًا: «ووقع لي مثل ذلك في تطوان لما أصابني مرض الربو، زعم المشركون أن الشيخ السعيدي هو الذي أصابني بذلك المرض، لأني قلت لهم: لا تذبحوا له وتطلبوا منه حاجة، فإنه لا يضر ولا ينفع وكنت أعلم أن سبب المرض هو التعرض للبرد بعد الخروج من الحمام، وعلمت بعد ذلك بالتجربة أن هذا النوع من الربو دواؤه: الانتقال من قرب البحر إلى الأماكن التي هواؤها جاف خال من الرطوبة، لأني إذا كنت في البلاد البعيدة من البحر، كسجلماسة، ومدينة مراكش، ومدينة النبي ﷺ ومكة، وشمال العراق، لا يصيبني أبدًا، فأين غضب السيد السعيدي وانتقامه مني حين أكون في البلاد البعيدة من البحر، وهل سيدي السعيدي يرضى أن يعبده الناس، لو كان كذلك لما كان صالحًا، إذ لا يرضى بعبادة الناس له إلا شيطان أو طاغوت، فما أسفه عقول المشركين!!».

стр. 35

الرهوني، والفقيه الحداد، وكان الصدر الأعظم عند العلماء في تطوان، فقلت له يوما: هل كان الناس في نظرك لا يصلحون؟ إن الدكتور قد سلب فأحرم من الفيوضات الربانية - التي يتمتع بها كل صوفي - لما خرج من الطريقة التيجانية، أتيت له يوما على ذكر مولاي عبد السلام، فقال لي: أنت المثقف تقول مولاك عبد السلام؟!!! إن سب العلماء شيء فظيع … تقي الدين أخذ الدكتوراه في العلم، فأين الدكتوراه في التقوى؟ كان له علم الأوراق دون العلم اللدني، فعنده إذا قلت للشخص «مولاي» فذلك كفر صراح (!!) وكان يكره شيوخ الطرق ولا يعترف بهم، وأكثر من ذلك فلقد كان يقول: لا واسطة بين الإنسان وربه في حين الواسطة كانت أول الزمان، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨]. ولم يكتف التلميذ بهذا، بل دفعه بغضه له للافتراء والكذب عليه، لما قال: «كان تقي الدين يقول بزواج المتعة» (١)!! وهذا شأن المصلحين والموفقين، فمن سنة الله التي لا تتخلف فيهم، ووجود المادحين والقادحين، ومن هؤلاء: الهلالي، ولا سيما أنه عاش في عصر غربة العقيدة، إذ اتخذ الناس - آنذاك - الأضرحة وقدسوها، وكانوا يشدون الرحال إليها، ويصنعون الطعام الخالي من الملح ويقدمونه لها، فعمت آنذاك الجهالة، وظهرت الخرافات والانحرافات ووصل الأمر إلى أن بعض الناس أن طافوا بالأشجار والأحجار في المناطق النائية. قال العلامة عبد الله كنون عن صديقه الشيخ الهلالي: إنه لم يكن ليتوانى لحظة عما أنذر نفسه له، وأنه ﵀ كان حربا على (الكفار) لم يكن يكني أو يستعير، بل يصرح بالكفر الصراح على كل من عبد (قبرا) (٢). وقد صرح الهلالي بعداوة الطرقيين وأصحاب الخرافة، وقلبهم ظهر المجن له حين نبذهم ومال إلى قفو الكتاب والسنة، فأصغ إليه وهو يقول ضمن قصيدة طويلة: _________ (١) «السلفية الوهابية» (ص ١٣٣). (٢) انظر: «السلفية الوهابية بالمغرب» (ص ١٢٩).

стр. 36

ولما أبان الله لي نور دينه … وأنقذني من طرق أصحاب خرقة أولئك قوم بدلوا الدين بالردى … وقد مرقوا من هديه شر مرقة وأبغضني الأقوام حين نبذتهم … وملتُ إلى قفو الكتاب وسنة وقد قلبوا ظهر المجن وخشنت … صدورهم لي واستعدوا لمحنتي وقد زعموا هجري وشتمي قربة … وكل جليس لي سيردى بسرعة وقد جزموا أني أموت على الردى … وأخلد في النيران من أجل رجعتي أماني حمق تضحك الشاكل التي … بواحدها سارت ركاب المنية نبذتهم نبذ النوى وتركتهم … وهاجرت كي أحظى بسؤلي ومنيتي وما لي ولي أو رفيق مصاحب … ولا ناصر إلا إله البرية عليه اعتمادي لا على أحد سوا … هـ فهو قدير أن يجود ببغيتي وما طلب المال الذي هو زائل … سوى بلغة لا بد منها لخلتي (١) وهذه الحقيقة مسلمة لا شية فيها عند الهلالي، فها هو يقرر ويذكر أن أول داع إلى الإسلام تلبّد عليه أعداء الإسلام وتألبوا عليه، قال: «وهكذا كل داع يدعو إلى اتباعه في زمان غربة الإسلام» (٢). ونعمة الدعوة إلى التوحيد والتزامه كانت عند الهلالي من أعظم النعم، فها هو يشكر الله عليها بقوله: «اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا، وأخرجتنا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان» (٣). ومن تمام شكر الهلالي نعمة الله عليه عند توبته من هذه الطريقة، أنه جهد في فضح أصحابها، وكشف سوءاتهم، وخصهم بتأليف مفرد (٤)، وكتب عنهم مقالات (٥)، وجرى ذكرهم في جلّ كتبه في معرض التحذير والتنفير، بل لم يقتصر. _________ (١) الدعوة إلى الله (ص ١٣٩). (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٥٨)، ويقول أيضًا فيه (٢/ ٧٧): «فالتوحيد الصحيح لا يقوم إلا على الحب في الله، والبغض في الله، والولاية الله، والعداوة لله». قلت: وتحقق الولاية والعداوة على التوحيد هو من أقوى آثار الإيمان الصحيح الذي تحلّى به صاحبنا الهلالي، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا. (٣) «سبيل الرشاد» (٣/ ٩٢). (٤) هو «الهدية الهادية». وسيأتي ذكره في ترجمته. (٥) نشرها في جريدة «الحرية»، كذا قال في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ٧٣ - ٧٤)!

стр. 37

على النثر في معركته معهم، فتعدّاه إلى الشعر (١)، ولم يخلص منه أصحابه الذين عرفهم وهو في هذه الطريقة، فوصلهم خيره ونهيه وأمره، ذكر ذلك في مقالة له نشرت في صحيفة «الصراط المستقيم» الجزائرية، السنة الأولى، العدد (١٦) بتاريخ ١٥ رمضان، سنة ١٣٥٢ هـ (ص ٣ - ٤)، قال تحت عنوان (هنيئًا هنيئًا) ما نصه: «تلقيت بسرور عظيم خبر تعيين المكرم السيد محمد بن زيان الصمغوني أميرًا لبلد أبي صمغون، وتكلل مساعي أصدقائنا الصمغونيين بالنجاح للصداقة القديمة التي بيني وبين أهل هذا البيت الكريم، وقد اشتمل هذا النبأ على شيء آخر كان فرحي به أعظم وجذلي به أتم، ألا وهو كون الصديق الكريم الحميم السيد الطاهر بن زيان ركنًا من أركان الإصلاح في ذلك البلد، فقد كان هذا الأخ الكريم من خالص أحبائي في زمان الانحراف عن المحجة البيضاء، وأظن أنني بعدما اهتديت إلى توحيد ربّ العالمين واتباع حجة الله على العالمين محمد خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه كتبت إلى جميع أصدقائي في تلك النواحي ومنهم السيد الطاهر، ونصحت لهم بالرجوع إلى الجادة، وبلغني أن كثيرًا منهم سبوني وشتموني ولم آسف لذلك وإنما أسفت لبقائهم محرومين من بركة ونعمة اتباع الرسول والسلف الصالح، لما جاءني البشير بأن السيد المذكور تخلص مما كان فيه، حمدت الله على ذلك فعسى أن يكون صحيحًا وعسى أن كثيرًا من أصدقائي هناك أتحفوا بهذه النعمة الكبرى: على نفسه فليبك من ضاع عمره … وليس له منها نصيب ولا سهم نسأل الله أن يجمع كلمة إخواننا أهل المغرب على الهدى ويؤيد بهم الإسلام كما صنع بأسلافهم إنه على ذلك قدير تحية ودعوة من الشمال الشرقي الهند إلى الغرب فيه، وربنا أكرم من أن يردها». ويذكر الهلالي أثره على الناس في مدينته مكناس، وأنها تغيّرت وتحوّلت بما أعانه الله عليه، ووفقه إليه، فقال: «ومدينة مكناس هذه كانت قبل خمس عشرة سنة، هي مركز الشرك والبدع، _________ (١) جمعت شعره من جميع كتبه ومقالاته، وألحقته بالترجمة المفردة التي كتبتها له، يسر الله إتمامها ونشرها.

стр. 38

ولكن الله الكريم بارك في دعوتي التي بدأتها وحدي، فاستجاب إليها كثير من الناس، فأينما ذهبت في أنحاء المدينة تجد أنصار التوحيد، إخوان من وحد الله، ولا تزال دعوة التوحيد تنتشر وتنتصر يوما بعد يوم، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، فلك الحمد، ولك الشكر» (١). ويرى الهلالي أن التوحيد ومعرفة معاني الشهادتين والعمل بمقتضاها هو السبيل الوحيد لعلاج واقع الأمة الأليم، قال - رحمه الله تعالى - عن أثر التوحيد في العرب قديما: «فدانت العرب لقريش، وملكوا بها العجم، وسرها لا يزال فيها كما كان، فكل من أخذها بصدق في كل زمان ومكان ملك العالم». ثم عرج على حال العرب وتخبطهم اليوم، فقال: «وهؤلاء العرب الذين يتخبطون في محنتهم الحاضرة، ويبحثون عن حل لمشكلتهم وغسل العار عنهم، فدواؤهم حاضر في غاية السهولة، وهو في أيديهم، ولا يحتاجون أن يسافروا إلى (موسكو)، ولا (بكين)، ولا (واشنطن)، ولا (باريس)، ولا (لندن)، وإنما يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويعتقدون معناهما، ويعملون بمقتضاهما، فيملكون العالم مرة أخرى، وبدون هذا الحل الذي هو الشفاء الوحيد، سيبقون يئنون من مرضهم العضال إلى الأبد، وما أحسن ما قال الشاعر، وهو منطبق عليهم أتم انطباق: ومن العجائب والعجائب جمة … قرب الحبيب وما إليه سبيل كالعيس في البيدا يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول (٢) وأكد في كثير من المواطن على هذا المعنى، وأن قيام هذه الأمة ونصرها مناط بالتوحيد، وهذه نقولات عنه تؤكد ذلك (٣): _________ (١) «سبيل الرشاد» (٢/ ٢١٦)، وقال فيه (٢/ ٣٦١) عن أهل (ريمون) من مديرية أسيوط بمصر: «وقد مضى عليهم أربع وخمسون سنة، لم تستطع فتنة الاشتراكية أن تنال من عقيدتهم مثقال ذرة … ، وإذا رسخت عقيدة التوحيد في القلوب لا يستطيع أحد أن يزلزلها». (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٢١٧)، وبنحوه فيه (٤/ ١١٥). (٣) اقتصرنا على اليسير منها، وانظرها في «سبيل الرشاد» (٣/ ١٢١ - ١٢٢، ١٢٤، ١٢٦، ١٢٨، ١٣٤، ٢٦٨ - ٢٦٩، ٣٠٢، ٣٣٧، ٣٤٥ و ٤/ ٧٦، ٩٩، ١٩٦).

стр. 39

قال في «سبيل الرشاد» (٢/ ٦٩): «إن نصر الله للموحدين وإهلاكه للمشركين سنة الله التي قد خلت من قبل (١)، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، فإذا لم ينتصر الموحدون، فطال عليهم زمان غلبة أعدائهم فاعلم أن توحيدهم ضعيف، وإيمانهم ناقص، فإن الله وعد كل من نصر دينه الحق بالنصر، فقال تعالى في سورة محمد ﷺ : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾. وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. اللهم اجعلنا ممن نصر دينك ونصرته». وقال (٢/ ٨٣): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. وقد فعل من نزول هذه الآية إلى يومنا هذا، وسيفعل ذلك إلى يوم القيامة، فكل هزيمة أصابت المؤمنين، فهي من ضعف إيمانهم، وعدم قيامهم بالواجبات». «وقال (٢/ ٨٤): قال ﷺ : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: نتائجها، فمن أحسن حسنت عاقبته، ومن أساء ساءت عاقبته، فعاقبة التوحيد فوز، وعاقبة الشرك خسران». وهذه سنن شرعية كونية ثابتة مستمرة مستقرة حاكمة لا تتبدل ولا تتخلف. • شكواه من مظاهر الكفر والشرك : مثل على ذلك كثيرًا بأهل المغرب. ومما قال: «لما حصر الفرنسيون مدينة فاس في عهد السلطان عبد الحفيظ، استنصر الجهال بالإمام إدريس بن عبد الله له، فعاقب الله جميع المغاربة بالخذلان والهزيمة، وانتصر عليهم _________ (١) قال في «سبيل الرشاد» (٣/ ١١١): «وقد رأينا تاريخ الإسلام وتتبعناه من أوله، فرأينا المسلمين حين كانوا يخافون الله نصرهم الله في كل معركة وفي كل مكان، فلما قل خوفهم من الله، قل انتصارهم، وفي هذا الزمان انعدم انتصارهم، وصاروا عبرة لأولي الأبصار، وأصيبوا بذل لم ير التاريخ مثله» ونحوه في (٤/ ٧٣).

стр. 40

الفرنسيون، وحكموا بلادهم ثلاثًا وأربعين سنة، وهذا جزاء من يستنصر بغير الله» (١). وقال أيضًا: «تقدم في مواضع أخرى أن معنى إله: معبود، ولذلك كان مفتاح الإسلام «لا إله إلا الله» فقائلها بالصدق يشهد على نفسه ويعاهد ربه أنه لا يعبد إلا الله، ولكن أكثر من يقولها في هذا الزمان لا يعرفون معناها ولا يفكرون فيه، ولا يبحثون عنه، فتكون أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم مضادة لـ «لا إله إلا الله»، ويكونون أعداءها وهم لا يشعرون، فالمغربي حين يقول: «يا فكاك الوحائل، يا مناع الرحايل، يا غياث أصحابه في الضيقات، يا مولاي عبد القادر الجيلاني» معناه: يا من ينقذ من استغاث به في الشدائد ويغيث من التجأ إليه عند الضيق يا مولاي يا عبد القادر الجيلاني، فهذا يهدم «لا إله إلا الله» ويقضي عليها قضاء تامًا؛ لأن تلك الصفات التي جعلها أولئك الجهال لعبد من عباد الله هي خاصة بالله تعالى، فمن جعلها لغيره فقد كفر به» (٢). وذكر أيضًا أنه إذا قيل: ادعوا الله وحده، وتوجهوا إليه، واتركوا أولياءكم، يقولون: (الله ورجاله)، ثم مثل على عبارة أهل المغرب، فقال: «وبعبارتهم الخاصة: (رب برجالو) يعنون: إن الله لا يكفيهم ولا تُقضى حاجاتهم إلا إذا أشركوا به رجالًا مخلوقين، فأنّ لهم» (٣). وذكر ساحرًا خسيسًا في تطوان، ونوّه ببعض ألاعيبه، فقال: «ومن مصائب هذا الزمان أن الناس مفتونون بالخوارق فصاروا بذلك فريسة للدجالين والمحتالين يوقعونهم في حبائلهم بأدنى الأسباب، وقد كان في تطوان شيخ ضال يدّعي التصوف وكان يمخرق على الناس بسحر خسيس، وذلك أنه يدعو شخصًا من المغفلين فيملأ كأسًا من الماء ويأخذه المغفل في يده فيتكلم الشيخ الضال بكلام من السحر مما يسمونه (استحضار الأرواح)، فلا يزال كذلك حتى تهتز الكأس في يد المغفل، وذلك علامة على أن شيطانه قد حضر فيسأل حاجته منه، وقد دعا أحد المفتونين صاحبنا الشيخ الزبير التفروتي لمشاهدة هذه _________ (١) «سبيل الرشاد» (٢/ ٢٠٢). (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧). (٣) «سبيل الرشاد» (٢/ ٨٣).
следующие страницы →