← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولما أبان الله لي نور دينه … وأنقذني من طرق أصحاب خرقة أولئك قوم بدلوا الدين بالردى … وقد مرقوا من هديه شر مرقة وأبغضني الأقوام حين نبذتهم … وملتُ إلى قفو الكتاب وسنة وقد قلبوا ظهر المجن وخشنت … صدورهم لي واستعدوا لمحنتي وقد زعموا هجري وشتمي قربة … وكل جليس لي سيردى بسرعة وقد جزموا أني أموت على الردى … وأخلد في النيران من أجل رجعتي أماني حمق تضحك الشاكل التي … بواحدها سارت ركاب المنية نبذتهم نبذ النوى وتركتهم … وهاجرت كي أحظى بسؤلي ومنيتي وما لي ولي أو رفيق مصاحب … ولا ناصر إلا إله البرية عليه اعتمادي لا على أحد سوا … هـ فهو قدير أن يجود ببغيتي وما طلب المال الذي هو زائل … سوى بلغة لا بد منها لخلتي (١) وهذه الحقيقة مسلمة لا شية فيها عند الهلالي، فها هو يقرر ويذكر أن أول داع إلى الإسلام تلبّد عليه أعداء الإسلام وتألبوا عليه، قال: «وهكذا كل داع يدعو إلى اتباعه في زمان غربة الإسلام» (٢). ونعمة الدعوة إلى التوحيد والتزامه كانت عند الهلالي من أعظم النعم، فها هو يشكر الله عليها بقوله: «اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا، وأخرجتنا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان» (٣). ومن تمام شكر الهلالي نعمة الله عليه عند توبته من هذه الطريقة، أنه جهد في فضح أصحابها، وكشف سوءاتهم، وخصهم بتأليف مفرد (٤)، وكتب عنهم مقالات (٥)، وجرى ذكرهم في جلّ كتبه في معرض التحذير والتنفير، بل لم يقتصر. _________ (١) الدعوة إلى الله (ص ١٣٩). (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٥٨)، ويقول أيضًا فيه (٢/ ٧٧): «فالتوحيد الصحيح لا يقوم إلا على الحب في الله، والبغض في الله، والولاية الله، والعداوة لله». قلت: وتحقق الولاية والعداوة على التوحيد هو من أقوى آثار الإيمان الصحيح الذي تحلّى به صاحبنا الهلالي، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا. (٣) «سبيل الرشاد» (٣/ ٩٢). (٤) هو «الهدية الهادية». وسيأتي ذكره في ترجمته. (٥) نشرها في جريدة «الحرية»، كذا قال في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ٧٣ - ٧٤)!

стр. 37

على النثر في معركته معهم، فتعدّاه إلى الشعر (١)، ولم يخلص منه أصحابه الذين عرفهم وهو في هذه الطريقة، فوصلهم خيره ونهيه وأمره، ذكر ذلك في مقالة له نشرت في صحيفة «الصراط المستقيم» الجزائرية، السنة الأولى، العدد (١٦) بتاريخ ١٥ رمضان، سنة ١٣٥٢ هـ (ص ٣ - ٤)، قال تحت عنوان (هنيئًا هنيئًا) ما نصه: «تلقيت بسرور عظيم خبر تعيين المكرم السيد محمد بن زيان الصمغوني أميرًا لبلد أبي صمغون، وتكلل مساعي أصدقائنا الصمغونيين بالنجاح للصداقة القديمة التي بيني وبين أهل هذا البيت الكريم، وقد اشتمل هذا النبأ على شيء آخر كان فرحي به أعظم وجذلي به أتم، ألا وهو كون الصديق الكريم الحميم السيد الطاهر بن زيان ركنًا من أركان الإصلاح في ذلك البلد، فقد كان هذا الأخ الكريم من خالص أحبائي في زمان الانحراف عن المحجة البيضاء، وأظن أنني بعدما اهتديت إلى توحيد ربّ العالمين واتباع حجة الله على العالمين محمد خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه كتبت إلى جميع أصدقائي في تلك النواحي ومنهم السيد الطاهر، ونصحت لهم بالرجوع إلى الجادة، وبلغني أن كثيرًا منهم سبوني وشتموني ولم آسف لذلك وإنما أسفت لبقائهم محرومين من بركة ونعمة اتباع الرسول والسلف الصالح، لما جاءني البشير بأن السيد المذكور تخلص مما كان فيه، حمدت الله على ذلك فعسى أن يكون صحيحًا وعسى أن كثيرًا من أصدقائي هناك أتحفوا بهذه النعمة الكبرى: على نفسه فليبك من ضاع عمره … وليس له منها نصيب ولا سهم نسأل الله أن يجمع كلمة إخواننا أهل المغرب على الهدى ويؤيد بهم الإسلام كما صنع بأسلافهم إنه على ذلك قدير تحية ودعوة من الشمال الشرقي الهند إلى الغرب فيه، وربنا أكرم من أن يردها». ويذكر الهلالي أثره على الناس في مدينته مكناس، وأنها تغيّرت وتحوّلت بما أعانه الله عليه، ووفقه إليه، فقال: «ومدينة مكناس هذه كانت قبل خمس عشرة سنة، هي مركز الشرك والبدع، _________ (١) جمعت شعره من جميع كتبه ومقالاته، وألحقته بالترجمة المفردة التي كتبتها له، يسر الله إتمامها ونشرها.

стр. 38

ولكن الله الكريم بارك في دعوتي التي بدأتها وحدي، فاستجاب إليها كثير من الناس، فأينما ذهبت في أنحاء المدينة تجد أنصار التوحيد، إخوان من وحد الله، ولا تزال دعوة التوحيد تنتشر وتنتصر يوما بعد يوم، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، فلك الحمد، ولك الشكر» (١). ويرى الهلالي أن التوحيد ومعرفة معاني الشهادتين والعمل بمقتضاها هو السبيل الوحيد لعلاج واقع الأمة الأليم، قال - رحمه الله تعالى - عن أثر التوحيد في العرب قديما: «فدانت العرب لقريش، وملكوا بها العجم، وسرها لا يزال فيها كما كان، فكل من أخذها بصدق في كل زمان ومكان ملك العالم». ثم عرج على حال العرب وتخبطهم اليوم، فقال: «وهؤلاء العرب الذين يتخبطون في محنتهم الحاضرة، ويبحثون عن حل لمشكلتهم وغسل العار عنهم، فدواؤهم حاضر في غاية السهولة، وهو في أيديهم، ولا يحتاجون أن يسافروا إلى (موسكو)، ولا (بكين)، ولا (واشنطن)، ولا (باريس)، ولا (لندن)، وإنما يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويعتقدون معناهما، ويعملون بمقتضاهما، فيملكون العالم مرة أخرى، وبدون هذا الحل الذي هو الشفاء الوحيد، سيبقون يئنون من مرضهم العضال إلى الأبد، وما أحسن ما قال الشاعر، وهو منطبق عليهم أتم انطباق: ومن العجائب والعجائب جمة … قرب الحبيب وما إليه سبيل كالعيس في البيدا يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول (٢) وأكد في كثير من المواطن على هذا المعنى، وأن قيام هذه الأمة ونصرها مناط بالتوحيد، وهذه نقولات عنه تؤكد ذلك (٣): _________ (١) «سبيل الرشاد» (٢/ ٢١٦)، وقال فيه (٢/ ٣٦١) عن أهل (ريمون) من مديرية أسيوط بمصر: «وقد مضى عليهم أربع وخمسون سنة، لم تستطع فتنة الاشتراكية أن تنال من عقيدتهم مثقال ذرة … ، وإذا رسخت عقيدة التوحيد في القلوب لا يستطيع أحد أن يزلزلها». (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٢١٧)، وبنحوه فيه (٤/ ١١٥). (٣) اقتصرنا على اليسير منها، وانظرها في «سبيل الرشاد» (٣/ ١٢١ - ١٢٢، ١٢٤، ١٢٦، ١٢٨، ١٣٤، ٢٦٨ - ٢٦٩، ٣٠٢، ٣٣٧، ٣٤٥ و ٤/ ٧٦، ٩٩، ١٩٦).

стр. 39

قال في «سبيل الرشاد» (٢/ ٦٩): «إن نصر الله للموحدين وإهلاكه للمشركين سنة الله التي قد خلت من قبل (١)، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، فإذا لم ينتصر الموحدون، فطال عليهم زمان غلبة أعدائهم فاعلم أن توحيدهم ضعيف، وإيمانهم ناقص، فإن الله وعد كل من نصر دينه الحق بالنصر، فقال تعالى في سورة محمد ﷺ : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾. وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. اللهم اجعلنا ممن نصر دينك ونصرته». وقال (٢/ ٨٣): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. وقد فعل من نزول هذه الآية إلى يومنا هذا، وسيفعل ذلك إلى يوم القيامة، فكل هزيمة أصابت المؤمنين، فهي من ضعف إيمانهم، وعدم قيامهم بالواجبات». «وقال (٢/ ٨٤): قال ﷺ : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: نتائجها، فمن أحسن حسنت عاقبته، ومن أساء ساءت عاقبته، فعاقبة التوحيد فوز، وعاقبة الشرك خسران». وهذه سنن شرعية كونية ثابتة مستمرة مستقرة حاكمة لا تتبدل ولا تتخلف. • شكواه من مظاهر الكفر والشرك : مثل على ذلك كثيرًا بأهل المغرب. ومما قال: «لما حصر الفرنسيون مدينة فاس في عهد السلطان عبد الحفيظ، استنصر الجهال بالإمام إدريس بن عبد الله له، فعاقب الله جميع المغاربة بالخذلان والهزيمة، وانتصر عليهم _________ (١) قال في «سبيل الرشاد» (٣/ ١١١): «وقد رأينا تاريخ الإسلام وتتبعناه من أوله، فرأينا المسلمين حين كانوا يخافون الله نصرهم الله في كل معركة وفي كل مكان، فلما قل خوفهم من الله، قل انتصارهم، وفي هذا الزمان انعدم انتصارهم، وصاروا عبرة لأولي الأبصار، وأصيبوا بذل لم ير التاريخ مثله» ونحوه في (٤/ ٧٣).

стр. 40

الفرنسيون، وحكموا بلادهم ثلاثًا وأربعين سنة، وهذا جزاء من يستنصر بغير الله» (١). وقال أيضًا: «تقدم في مواضع أخرى أن معنى إله: معبود، ولذلك كان مفتاح الإسلام «لا إله إلا الله» فقائلها بالصدق يشهد على نفسه ويعاهد ربه أنه لا يعبد إلا الله، ولكن أكثر من يقولها في هذا الزمان لا يعرفون معناها ولا يفكرون فيه، ولا يبحثون عنه، فتكون أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم مضادة لـ «لا إله إلا الله»، ويكونون أعداءها وهم لا يشعرون، فالمغربي حين يقول: «يا فكاك الوحائل، يا مناع الرحايل، يا غياث أصحابه في الضيقات، يا مولاي عبد القادر الجيلاني» معناه: يا من ينقذ من استغاث به في الشدائد ويغيث من التجأ إليه عند الضيق يا مولاي يا عبد القادر الجيلاني، فهذا يهدم «لا إله إلا الله» ويقضي عليها قضاء تامًا؛ لأن تلك الصفات التي جعلها أولئك الجهال لعبد من عباد الله هي خاصة بالله تعالى، فمن جعلها لغيره فقد كفر به» (٢). وذكر أيضًا أنه إذا قيل: ادعوا الله وحده، وتوجهوا إليه، واتركوا أولياءكم، يقولون: (الله ورجاله)، ثم مثل على عبارة أهل المغرب، فقال: «وبعبارتهم الخاصة: (رب برجالو) يعنون: إن الله لا يكفيهم ولا تُقضى حاجاتهم إلا إذا أشركوا به رجالًا مخلوقين، فأنّ لهم» (٣). وذكر ساحرًا خسيسًا في تطوان، ونوّه ببعض ألاعيبه، فقال: «ومن مصائب هذا الزمان أن الناس مفتونون بالخوارق فصاروا بذلك فريسة للدجالين والمحتالين يوقعونهم في حبائلهم بأدنى الأسباب، وقد كان في تطوان شيخ ضال يدّعي التصوف وكان يمخرق على الناس بسحر خسيس، وذلك أنه يدعو شخصًا من المغفلين فيملأ كأسًا من الماء ويأخذه المغفل في يده فيتكلم الشيخ الضال بكلام من السحر مما يسمونه (استحضار الأرواح)، فلا يزال كذلك حتى تهتز الكأس في يد المغفل، وذلك علامة على أن شيطانه قد حضر فيسأل حاجته منه، وقد دعا أحد المفتونين صاحبنا الشيخ الزبير التفروتي لمشاهدة هذه _________ (١) «سبيل الرشاد» (٢/ ٢٠٢). (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧). (٣) «سبيل الرشاد» (٢/ ٨٣).

стр. 41

الكرامة بزعمه وناوله الشيخ الضال الكأس مملوءة بالماء، وأحذ يتكلم بالسحر حتى اهتزت الكأس في يد الشيخ الزبير فألقاها في الأرض فانكسرت وأريق ماؤها، فقال الشيخ الزبير للسحار: هل تستطيع أن ترد الكأس صحيحة وترد لها ماؤها ولو أنك استطعت ذلك ما آمنت بسحرك فبطل كيد الساحر وافتضح. والجهال المحرومون يستدلون بمثل هذه المخارق على استقامة فاعلها وصلاحه وولايته لله وإن طريقته مقبولة عند الله» (١). وقال أيضًا: «من عجائب ما يقع في المغرب وينسب إلى الإسلام - والإسلام بريء منه - شيء يسمونه (الفدية)، وهو شائع عند الجهلة يدعو أولياء الميت جماعة من البطالين المحتالين ليعملوا لهم «فدية» للميت تنقذه من العذاب وتجعله من أهل الجنة، فإذا كان قبره حفرة من حفر النار ينقلب في الحين روضة من رياض الجنة، وذلك أن أولئك البطالين يذكرون «لا إله إلا الله» سبعين ألف مرة يتقاسمون العدد فيما بينهم كل واحد بضعة آلاف فيطعمهم ذلك المسكين ويعطي كل واحد منهم شيئًا من الدراهم يأكلها سحتًا، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]» (٢). وقال أيضًا شاكيًا من مظاهر الشرك، ذاكرًا السبيل للقضاء عليها، فقال: «من سوء حظنا في هذا الزمان أننا نرى أوثانًا لها بيوت وأفنية يذبح لها ويطاف بها، وتقبل ويتمسح بها بقصد التبرك أكثر مما كان عند العرب، ونحن عاجزون عن هدمها؛ لأن عبادها لا يزال عددهم كثيرًا، ولكننا نستطيع القضاء عليها إذا وفقنا الله تعالى بدعوة الناس إلى هجرها والكفر بها، فيطول عليها الزمان فتتهدم من تلقاء نفسها، ويستريح الناس من شرها» (٣). واستطاع الهلالي من خلال رحلاته، وإلمامه بكثير من اللغات أن يعرف مظاهر الكفر في سائر أرجاء المعمورة، فاسمع إليه واصفًا مَنْ يعبد الشمس من دون الله مسفّها أحلامهم: _________ (١) «سبيل الرشاد» (٣/ ٢٣٦). (٢) سبيل الرشاد (٦/ ١٩٥). (٣) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣١١).

стр. 42

«لما كانت الشمس أعظم المخلوقات التي نشاهدها افتتن بها قوم من الذين يغترون بالظواهر، ولا ينظرون ما وراءها فاتخذوها إلها يعبدونها من دون الله، ومن بقاياهم الشعب الياباني، فإنهم يعتقدون أن ملكهم المسمى عندهم (مكدو) هو ابن الشمس، فهم يعبدونه من دون الله، ويوجد في شمال بلاد (نرويج) قوم من أهل البادية يسكنون الخيام في تلك الأراضي القطبية الشديدة البرد، فإنها في وقت شتائها تغيب عنها الشمس ثلاثة أشهر، ولكن القمر يبقى ظاهرا فهم يعبدونه، وأما أهل المدن فإنهم نصارى كسائر الأوروبيين، ولو كانت الشمس هي التي أوجدت نفسها، وهي التي تدير نفسها، ولها علم وإرادة تسير باختيارها، لكان هنالك العذر لمن يعبدها، ولكنها مخلوقة لها أجل محدود لم تكن من قبل ثم كانت، وإذا انقضى أجلها تفنى، وقد قدر علماء الفلك في هذا العصر حسب حدسهم وتخمينهم عمر الشمس بعشرين ألف مليون سنة، وزعموا أن نصف هذه المدة قد مضى، ونصفها باق، وهو عشرة آلاف مليون سنة، ولا يوجد أحد منهم في هذا الزمان يدعي أن الشمس أزلية، ولا أنها تطلع باختيارها وتغرب باختيارها، وتعطي الضوء والحر من تريد، وتمنعهما ممن تريد، وعباد البقر في الهند أقل حماقة من عباد القبور، فلا ينبغي أن يعبد إلا رب العرش العظيم، وهو على كل شيء قدير» (١). وقال واصفا بعض المخالفات العقدية التي فيها شرك في الألوهية ويفعلها بعض جهلة المصريين والمغاربة، واستطرد في بيان صنيع أهل نجد في هذا الباب قبل دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، فقال: «إن الذبح بقصد التعظيم عبادة، فمن ذبح على قبة، أو قبر، أو شجرة، أو حجر، أو عين ماء، أو ذبح للجنية عائشة قنديشة، أو لزميلتها مسعودة، أو للشيخ جمعة - وهو اسم جني يعبده جهال المصريين -، أو لميمون بن شمهروش - وهو من معبودات المغاربة -، أو ذبح للجن بدون تعيين بعد نهاية بناء دار لئلا يؤذوه، أو ذبح على أهل بيت ليزوجوه ابنتهم، كل ذلك شرك وكفر، وأكل تلك الذبيحة حرام؛ لأن كل ذلك مما أهل به لغير الله وإن ذكر اسم الله عليها؛ لأن الأعمال إنما هي بالنيات وهم قد قصدوا تعظيم تلك البقعة بالذبح». _________ (١) «سبيل الرشاد» (٢/ ١٢٤ - ١٢٥).

стр. 43

ثم استطرد في بيان مظهر شركي يُعرف بـ (قرعة الأنبياء)، وآخر بـ (الخط بالرمل)، وفصل في فضح أصحابه وبين دجلهم، فقال: «الاستقسام بالأزلام موجود عند الشعوب الجاهلة بما جاء به الأنبياء والمرسلون من توحيد الله تعالى، واعتقاد أنه لا يعلم الغيب غيره والمجرمون المحتالون يستغلون جهل الشعوب فيستقسمون لهم بالأزلام بطرق مختلفة، منها ما ذكر في تفسير هذه الآية، ومنها في هذا الزمان شيء يسمى (قرعة الأنبياء) وهو جدول كل بيت من بيوته فيه اسم نبي، فيجيء الجاهل أو الجاهلة إلى الكاهن فيضع له الجدول ويقول: غمض عينيك وضع أصبعك، فيضع أصبعه، فإن أصابت سهم آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى يقرأ عليه ما كتب من القصة، فيخبره بأنه سيجري عليه من المصائب أو النعم تقريبا مثل ما جرى على ذلك النبي، ويزد في ذلك ويزخرف القول ويجعل النتيجة حسنة والعاقبة حميدة، فيأخذ منه شيئًا من الدراهم على هذا التكهن، وبعضهم يستعمل خط الرمل وبعض الكهان يبيتون». وفصل في ذلك لما عرج على بلاد شرقي الحجاز، فقال: «ولما زرت بلاد شرقي الحجاز وأوائل نجد وجدت عندهم كاهنات إذا أراد شخص أن يتزوج أو يسافر أو يتجر في شيء يأتي إلى الكاهنة ويقدم لها الحلوان ولا يكون أقل من بعير فتبيت له، وفي الصبح تخبره وتأمره بالإقدام أو الإحجام، وهؤلاء القوم من أهل البادية لم تبلغهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فدعوتهم إلى توحيد الله وسنّة رسول الله وكان معي أحد أمراء تلك النواحي ماجد بن موكد أمير النخيل». وفصل في أسماء (المقامات) التي تشد إليها الرّحال، ويعظمها الدهماء، ويقصدونها بأعمال شركية في كثير من بلاد الدول العربية، وأكثر من ذكر مدن العراق لإقامته بها نحو ثلاثين سنة، فقال في مقالة نشرت في مجلة «الجامعة السلفية» الهندية، المجلد (السادس عشر)، العدد (الثاني)، ربيع الآخر، ١٤٠٤ هـ (ص ٣ - ٤) فقال: «إن الأصنام أحجارًا، أو رخامًا، أو ذهبًا، أو شمسًا، أو قمرًا، أو نارًا، أو ماء، أو قبورًا، أو قبابًا، أو أشجارًا، أو أكوامًا من الحجارة، أو أشخاصًا أحياء، أو أمواتًا، أو دواب، وإنما لبَّسَتْ عليهم الشياطين فأوهمتهم، ثم أقنعتهم

стр. 44

أن تلك الأشياء قد حل فيها سر الألوهية، وهو ما يسميه المغاربة (بركة) فهذا السر عندهم يجوز أن يحل في كل شيء، ومتى حل في شيء وجب تقديسه وعبادته وأصبح يضر وينفع، فلو أن سادنا أخذ أحجارا من جبل وبنى بها قبة وضريحا على قبر، سواء أكانت فيه جثة أم لا، وسواء أكانت تلك الجثة جثة صالح أو طالح أو حيوان. فإذا وضع على ذلك الضريح تابوتا وستارا من حرير، وعلق المصابيح الثمينة والثريات، وفرش أرض القبة بالزرابي، وملأ جوها طيبا بالبخور وغيره، وتزيا بزي المشايخ بتفخيم العمامة وتكويرها، وإطالة اللحية وشعر الرأس، ولبس الثياب الفضفاضة، وأخذ يحكي حكايات تثبت أن ذلك المدفون له كرامات وأنه يقضي الحاجات يتهافت عليه عباد الأوثان، ويأتونه من كل مكان بما شاء من هدايا ونذور وشمع وبخور وثيران تخور، ومواسم يختلط فيها الرجال بالنساء والحابل بالنابل. وهذا أصل عبادة الأصنام والأوثان قديما وحديثا، وبعض المضلين من الذين يسمون أنفسهم أو تسميهم العامة علماء يزيدونهم ضلالا، فيسمون ذلك الشرك كرامات الأولياء، ويسمون كل وثن وليا، وينسبون ذلك الوثن إلى اسم نبي، كمقام النبي جرجيس في الموصل، والنبي بولس بقرب الموصل في خرائب نينوى، والنبي شيث في كركوك. والتحقيق أنه لا يوجد قبر نبي معلوم إلا قبر نبينا محمد ﷺ . وأما قبر الخليل إبراهيم فليس بمعلوم بالتعيين، إلا أنه دفن بقرب المكان المنسوب إليه في الأردن. ومن هذا القبيل ضريح النبي زكريا في قلب جامع بني أمية بدمشق، فإنك ترى المصلين يصلون وإلى جانبهم العابدين والعابدات والطائفين والطائفات بذلك الوثن المنسوب كذبا إلى ذلك النبي. ولو فرضنا أنه مدفون هناك ما جاز أن يتخذ قبره وثنا، ولا يبنى عليه، ولا يطاف به، ولا ينذر له، ولا يعبد بأي نوع من أنواع العبادة». ولم تقتصر معرفته ودعوته لعابدي القبور والأنصاب، بل فصل في عبادة (الأشجار) و (الأحجار) و (المياه) و (الحمير)! وذكر بعض القصص التي وقعت له، ولنرخي عنان القلم للهلالي ليحدثنا في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ٢٠ - ٢٢) عن ذلك، قال وهو بصدد حديثه عن عبادة الأشجار: فقد حدثت من عهد بعيد، فقد ذكر ابن أبي شامة في كتاب «البدع» (١) له _________ (١) المسمى «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص ١٠١ - بتحقيقي).

стр. 45

أن شجرة كانت تعبد في دمشق في زمانه، وأما في هذا الزمان فحدث عن البحر ولا حرج، فقد شاهدت شجرة عظيمة وافرة الأغصان تعبد في مصر وأخبرني الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة أنه هم بقطعها وأخذ فأسا واشتغل طول الليل إلى أن كاد الفجر يطلع، فلم يستطيع أن يقطع إلا جزءا يسيرا من أغصانها، فجاء عبادها في الصباح بالنذور فوجدوا بعضها مقطوعا، فغضبوا غضب العابد لمعبوده واتهموا الشيخ المذكور، ورفعوا شكوى إلى العمدة، فطالبهم بالبينة فقالوا: لا يوجد أحد في هذه الناحية يشنع على المتبركين بها إلا هذا الرجل، فقال العمدة: إنني لا أستطيع أن أعاقبه بهذه الحجة التي لا تتجاوز الظنون، وأخبرني الحاج محمد أجانا - وهو رجل قضى عمره في البدع حتى بلغ السبعين، ثم هداه الله إلى التوحيد بدعوتنا - أن له شجرتين يعبدهما الفلاحون إحداهما اسمها أبو بكر، والأخرى نسيت اسمها، وإن الفلاحين يضعون أدوات الحرث وغيرها مما يثقل عليهم حمله إلى جانب إحدى الشجرتين فلا يتجرأ أحد أن يسرق شيئا من ذلك مع أنهم سرقوا حصر المسجد، ولو ذهبنا نعدد وقائع عبادة الأشجار لطال بنا الكلام». وقال: وأما عبادة الأحجار فهي كثيرة أورد بعض وقائعها، فمن ذلك: حجر كبير ناشز في جبل بالصعيد في مديرية أسيوط، أخبرني أصحابنا أنه كان يسمى الشيخ دغارا، وأن جماعة منهم ذهبوا ذات ليلة بمعاولهم واشتغلوا طول الليل فتركوا الشيخ دغارا أثرا بعد عين، ومنها أن صخرة في مرسى مدينة طنجة داخل البحر تسمى سيدي ميمونا يعبدها أهل تلك الناحية، وسبب اطلاعي على عبادتها أني كنت راكبا في سيارة حافلة من طنجة إلى تطوان سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة وألف بتاريخ النصارى وأتباعهم، وكان إلى جانبي رجل معه امرأة فسلم علي وقال لي: أنا ممن يحضر دروسك في الجامع الكبير، وقد هداني الله إلى التوحيد بسبب ذلك ولكن زوجتي هذه لا تزال متمسكة بالشرك، فأرجو من فضلك أن تعظها لعل الله يهديها بوعظك كما هداني أنا، وذكر لي قضية اشتد نزاعهما فيها تتعلق بعبادة الصخرة البحرية المسماة بسيدي ميمون. وحاصلها: أنهما لا يعيش لهما أولاد إذا بلغ الصبي سنة يموت، فنذرت زوجته أن تذبح عن ولدها في كل سنة شاة لسيدي ميمون، وقد حانت نهاية السنة الأولى من عمر الصبي قال: فامتنعت أنا من الوفاء بهذا النذر وقلت: إن عمر

стр. 46

الصبي بيد الله وميمون صخرة لا تضر ولا تنفع فلم تقبل، فوعظتها من طنجة إلى تطوان مدة ساعة، ولا أدري هل انتفعت بوعظي وتابت من الشرك أم بقيت على شركها. وأكتفي بهذا القدر من الشواهد على عبادة الأحجار. ومن عبادة المياه: أن بئرًا بالقصر الكبير يعبدها السفهاء ويسمونها سيدي ميمونا، ويزعمون أن ابن أمير الجن شمهروش كثيرًا ما يحضرها، خبرني بذلك غير واحد في البلد المذكور وشاهدت حوادث أخرى من عبادة المياه فلا أطيل بذكرها. وأما عبادة الحمير: فأذكر فيها قصتين: إحداهما وقعت في طرابلس الغرب على ما حدثني به ثقة، وذلك أنه كان في تلك الديار شيخ متصوف اسمه عبد السلام الأسمر، كان يرقص مع أصحابه ويضربون بالدفوف حتى يخروا صرعى على الأرض، ويعتقدون أن الدف الذي كان يضرب به الشيخ عبد السلام نزل من الجنة وكان يضرب به علي بن أبي طالب للنبي، والشيخ عبد السلام والمريديون المنقطعون للعبادة معه لم يكونوا يكتسبون معيشتهم؛ لأنهم كانوا بزعمهم متوكلين، وكان للشيخ المذكور حمارًا يطوف على بيوت البلد وحده كل صباح ومساء وعليه خرج، فكلما وقف بباب بيت يضع أهله شيئًا من الطعام في ذلك الخرج فيرجع إلى الشيخ والمريدين بطعام كثير غدوة وعشية، فلما مات الشيخ وتفرّق المريدون بقي الحمار بلا عمل فصار الناس يقدمون له العلف ويتبركون به إلى أن مات فدفنوه وعكفوا على قبره يعبدونه. والقصة الثانية في المغرب الأقصى: قرأت في سنة ستين وتسعمائة وألف بتاريخ النصارى في (صحيفة العلم) مقالًا لمعلمة اسمها خديجة النعيمي من الدار البيضاء، قالت خديجة: خرجت مع نسوة جاهلات نتجول خارج المدينة فمررنا بكوم من حجارة، فأخذت النسوة يقبلن تلك الحجارة ويتمسحن بها قائلات: (أنتاع الله الله يا للا حمارة) معناه: نسألك متاع الله؛ أي ما أعطاك الله من الكرامة يا سيدتنا الأتان، قالت: فأنكرت صنيعهن، وقلت لهن: ويحكن تتخذن أولياء حتى من الحمير؟ فقلن لي: اسكتي إنك لا تعرفين قدر هذه الولية، فكم قضت من حاجات ونخاف عليك أن تضربك ضربة يكون فيها حتفك، فسلمي للفارغ لكي تنجي من العامر. قلت: وهذا مثل يضربه المغاربة لمن اعترض على عبادة شخص وقال: إنه لا ينفع ولا يضر يقول له عباده: (سلم للخاوي تنجي من العامر) معناه: هب أنه فارغ من الولاية فخير لك أن لا تعترض عليه وأن لا تنكر

стр. 47

ولايته؛ لأنك إن استمررت في الإنكار يخشى عليك أن تصادف وليا حقيقيا فيصيبك بشر، ثم وجهت الكاتبة المذكورة دعوة إلى العلماء، وقالت: يا علماء الدين اتقوا الله، وعلموا الناس توحيد الله وشعائر دينهم، فإنكم ضيعتم الأمانة التي حملكم الله إياها حتى وصل الناس إلى عبادة الحمير دون الله. فكتبت ثلاث مقالات تلبية لدعوتها ونشرت في صحيفة «العلم» (١)، ولم يلب دعوتها أحد غيري من قراء صحيفة «العلم» وهم يعدون بالآلاف، وأظن أن هذا القدر يكفيك إن كنت منصفا ويقنعك إن كنت متعسفا». وأفلح الهلالي في دعوته، ونجح في جميع الميادين التي وصل إليها، واستطاع بإذن الله أن يجعل كثيرا من الناس يرجعون إلى التوحيد، ويفرون إلى الله تعالى الفرار الشرعي السليم دون وسائط ولا شرك، وكان علما في بلاده على التوحيد الصحيح، وسبق بيان بعض آثاره في بلاده (٢)، وتعداه ذلك من خلال مقالاته وكتبه ورسائله الخاصة. فها هم جماعة من اليمنيين يتبرؤون من شيخ طريقة لهم يسمى (الحلول)، ويذكرون أن الهلالي أرسل لهم كتابا خاصا بهم، ونعتوه في أوله بقولهم: «هو عبارة عن قلادة من اللآلئ والجواهر، وكلما تأمله الإنسان، وأعاد قراءته وجد من معانيه شيئا جديدا، فهو كما قيل: تزين معانيه ألفاظه … وألفاظه زائنات المعاني ويقولون له في آخره: «ولا يعزبن عن ذهنكم أو كتابتكم ونصائحكم ستكون نافعة نفعا عاما شاملا ليس في اجتناب الطريقة الحلولية فحسب، بل في الابتعاد عن كل عقيدة تخالف ما كان معلوما في عهد السلف الصالح وتجعل الناس يفرون من الدجاجلة فرارهم من الأسد، وأملنا أنكم ستكاتبوننا ولو ببعض كلمات مختصرة ليصير لنا الشرف وليزداد الناس إيمانا واطمئنانا في اجتناب البدع والأضاليل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» (٣). _________ (١) على ثلاث حلقات بعنوان (صور من حياتنا الاجتماعية)، وهي منشورة في السنة (١٥)، منها أعداد رقم (٤١١٣، ٤١١٩، ٤١٣١) بتأريخ ربيع الثاني جمادى الأولى والثانية من سنة ١٣٨٠ هـ - الموافق: ١٩٦٠ م. (٢) انظر ما سبق قريبا عند كلامه على دعوته في مكناس. (٣) انظر: مجلة «الصراط السوي» الجزائرية.

стр. 48

وجعل الهلالي محاربة البدع والأضاليل والدعوة إلى الاتباع ونبذ التقليد والتمذهب والتعصب والتفرق والتحزب من صلب دعوته، وجعلها في قائمة الأولويات وأهم المهمات. ولذا زاد - كما قلنا - نوعًا رابعًا على أنواع التوحيد المعروفة الثلاثة، ألا وهو توحيد الاتباع، ولا بد لنا من كلمة سريعة حول: • حرص الهلالي على الاتباع ونبذه الفرقة والتحزب والتعصب والتمذهب : للهلالي جهود مبرورة في الدعوة والتأليف في الاتباع والسنة، والتنبيه على خطورة التقليد وآثاره السيئة، وانتقل بفضل الله ورحمته مباشرة من ظلمات وخرافات وانحرافات الطرقيين إلى أنوار الاتباع والسنّة. وكانت دعوة الهلالي للاتباع تسير جنبًا إلى جنب مع دعوته إلى التوحيد، قال ﵀: «أول ما دعوتُ في صعيد مصر إلى توحيد الله، واتباع سنة رسوله ﷺ ، ونبذ البدع والمحدثات» (١). وقال: «كل مسجد بني أو يبنى إلى يوم القيامة وعمارته التوحيد واتباع السنّة، وإن كان من قصب، وخرابه الشرك والبدعة وإن كان من ذهب» (٢). ولذا يذكر الهلالي إن أحب الأعمال إليه: حب الدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة، وإن أبغضها إليه التقليد كيف ما كان نوعه (٣). ويترتب على هذا بغضه للبدع والمبتدعة، وما أحدثوه من الطرائق القدد (٤). فها هو الهلالي يقول رادًا على أهل الطرق وأصحاب الأحزاب: «فهل أحدث الصحابة طرائق في الدين، فكانت هناك طريقة بكرية، وطريقة عمرية، وطريقة عثمانية، وطريق علوية، وطريقة جابرية، وطريقة مسعودية، … إلخ، معاذ الله أن يتفرّق أصحاب رسول الله ﷺ في دينهم» (٥). وقال مبينًا حقيقة الأحزاب: «ومن طبع الأحزاب والفرق أن يفرح كل حزب بما عنده، ويدَّعي أنه الحق، ولكن عند الصباح يحمد القوم السرى، _________ (١) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٦١). (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٥٨). (٣) انظر: «علماء ومفكرون عرفتهم» (١/ ١٩٢). (٤) «سبيل الرشاد» (٢/ ١٦٠ - ١٦١). (٥) للهلالي في (ذم الطرق) عدة مقالات تنظر تحت في (سبيل الإصلاح) من مقالاتنا التي جمعناها له، يسر الله نشرها بخير وعافية.

стр. 49

والصباح الموت وما بعده، فحينئذ يفرح أهل الحق الذين وحدوا الله، واتبعوا رسله، ويندم أهل الباطل الذين أشركوا بالله وابتدعوا في دين الله» (١). وذكر أن من الضلال إحداث المذاهب والتعصب لها، وقال: «يجب على المسلمين في كل زمان ومكان أن يكونوا في دين الله كما كان أصحاب رسول الله ﷺ ، لم يكن عندهم مذاهب ولا طرق ولا فرق ولا نحل، فلو كان التفرق حقًا لكان أصحاب رسول الله ﷺ على مذاهب: بكرية، وعمرية، وعثمانية، وعلوية - حاشاهم من ذلك - وهم خير القرون. نسأل الله أن يجعلنا ممن اتبعهم بإحسان» (٢). ونردد مع صاحبنا العلامة الهلالي أن ما نراه اليوم من أحوال العرب وسائر المسلمين من تخبط في الظلمات إنما سببه الإعراض عن القرآن واتخاذهم إياه مهجورًا، وأنهم لن يخرجوا من ظلماتهم إلا بالرجوع إليه، والاستضاءة به، واتخاذه إمامًا وحكمًا، والتمسك بسنة رسول الله ﷺ التي تبينه وتشرحه (٣). وركز الهلالي على هذا المفهوم، وأعاده وكرره، فها هو يقول: «لا يرتاب أحد - لا مسلم ولا كافر - أن القرآن أخرج العرب من الظلمات إلى النور، وأخرج جميع الدول الإسلامية السابقة من ظلمات الجهل والفقر والذلة والتشتت والضعف إلى أضدادها، وفي قتال المسلمين لجميع دول أوروبا بملوكها وجيوشها مدة مائة وتسعين سنة على أرض فلسطين وما حولها، وانتصار المسلمين عليهم شاهد من أعظم الشواهد للمقارنة مع استيلاء ثلاثة ملايين من غرباء الآفاق من اليهود على المسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة المقدسة عند المسلمين، ويقابل هذه الملايين الثلاثة مائة مليون من العرب وستمائة مليون من المسلمين غير العرب (٤)، وقد حارب العرب اليهود مرارًا وتكرارًا فلم يحصلوا على طائل (٥)، فكل من اتبع القرآن والسنّة من الشعوب والدول والأفراد يخرجه الله من الظلمات إلى النور، وكل من خالفهما بعد المعرفة يخرجه الله من النور إلى _________ (١) «سبيل الرشاد» (٢/ ٩٤). (٢) «سبيل الرشاد» (٢/ ١٦٧). (٣) انظر: «سبيل الرشاد» (٢/ ٢٧٤). (٤) هكذا كان عددهم آنذاك! (٥) بل جعله في «سبيل الرشاد» (٤/ ١٩٣) من العذاب الأكبر، قال: «إن عجز ثمان مئة مليون عن مقاومة ثلاثة ملايين من العذاب الأكبر ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 50

الظُّلمات، ومن المخالفين لهما المقلَّدون وأصحاب الطَّرائق الذين فرَّقوا دينهم وصاروا شِيعًا» (١). ويقول أيضًا: «أُعيد وأكرّر أن كلَّ شعب أو أُمَّة أو فرد بلغه أمرُ ربِّه بواسطة رسل الله تعالى، فعصى أمرَه وكذَّب رسله يعذِّبه الله في هذه الدنيا عذابًا أليمًا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ولا يفلح أبدًا، فإن قلت: هذه الأُمم الأوروبية نراها تعيش في سعادة دنيوية عزيزة منصورة موسَّعًا عليها في الرزق مع أنها عتت عن أمر ربها فالجواب: من بلَّغها الإسلام على وجهه؟! ونحن نعلم أن ارتقاءها بدأ عند انحطاط المسلمين ورجوعهم إلى الوراء» (٢). ويقول أيضًا: «القرآن كنز عظيم جاءنا به النبيُّ الكريم، فاستغله سلفُ هذه الأُمَّة أحسنَ استغلال وبلغوا به أوج العلا في سعادة الروح الجسد، وحكموا به مشارق الأرض ومغاربها وملأوا الدنيا علمًا وعدلًا ثم خلف من بعدهم خلوف نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم؛ فردوا إلى أسفل سافلين وهم في ظلماتهم يعمهون، وقد تعلقوا بالسراب يظنون أنه شراب! ولن يجدوا لدائهم دواء ولا لمشاكلهم حلًا إلا بالرجوع إلى القرآن درسًا وتعليمًا وتحكيمًا، ويتخذونه سراجًا لهم يضيء ظلمات الحياة الدنيا ويسعدهم في الأخرى» (٣). والكلام في التقليد والاتباع كثير كثير، وله عند الهلالي عدة اتجاهات، وخاض غماره بتفصيل وتأصيل وتدليل في كثير من كتبه، ولا سيما في القسم الذي خصصه لذلك في كتابنا «سبيل الرشاد» وللهلالي مناظرات ومناقشات واختيارات نصر فيها التوحيد والسنة، عملنا على ذكر بعضها في كتابنا المفرد في ترجمته، يسر الله لنا إتمامه بخير وعافية، وبسطنا فيه كلامه على التحزب ومحاربته لأهل البدع، وذكرنا نماذج من كلامه وفتاويه، واعتنينا فيه بجوانب الإصلاح عنده، وفصلنا أعماله ومهامه في كل بلدة نزل فيها واستقر، أو رحل إليها وزارها، مع بيان المجريات التي وقعت له، وهو شامل حافل، أخذناه _________ (١) «سبيل الرشاد» (٤/ ١٧٠). (٢) «سبيل الرشاد» (٤/ ١٩٥). (٣) «سبيل الرشاد» (٤/ ٢١٦ - ٢١٧).

стр. 51

باستقراء وتتبّع لما في كتبه ومقالاته وهذا الّذي سطّرناه وزبرناه هنا فيه غنية وكفاية - إن شاء الله - لمن رام أن يعرف منزلة صاحبنا من العلم والدعوة، وأثره في الإصلاح والتّغيير، ودوره في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وفيه إطلالة جيدة على مدى عناية الهلاليّ بالتّوحيد وحرصه على الدّعوة إليه. وبذا نكون قد أزحنا الستار، وكشفنا اللثام، وحقّقنا المقام لعَلَم من الأعلام، ورحالة حاز قصب السّبق في توصيل دعوة الحقّ إلى الأنام في عصر استحكمت فيه غربتا الزّمان والمكان للإسلام، ولذا فَقَدَه النّاسُ لما رحل عنهم - إن شاء الله تعالى - إلى دار السلام. • أسلوب المؤلّف في الكتاب ومادّته وموضوعه وردّه على الأخطاء والبواطيل والخرافات والشّرك : كتابنا «سبيل الرّشاد» مفيد جدًّا، صاغه صاحبه بأسلوب جذّاب، ولغة سلسة، بعيدة عن الغريب والحشو، وزيّنه بحكم وقصص وأشعار، وعمل فيه على الاختصار، إلّا أنّه لم يستطع أن يكبح جماح اليراع، فاسترسل المصنّف في ذكر أشياء ليست من مادّته ولا صلبه، ولكنّها خرجت عفو الخاطر دون تكلّف، وهي لا تخلو من فائدة مهمّة، فذكر - مثلًا - (١/ ٤٠١ - ٤٠٢) مناظرته في حجّته الأولى سنة ١٣٤١ هـ في زمان ملك الحجاز الحسين بن عليّ، واجتماعه بمحمد حبيب الله بن مايابا الشنقيطيّ، وأنه قال له: أنت وهّابيّ! ونقل الهلالي على لسانه أنّه قال له: «وأنتم عندي معشر الوهابيّة ثلاثة أصناف: الصّنف الأول: أهل نجد، وهم عندنا كفّار كاليهود والنّصارى ونحن المسلمون. والصّنف الثّاني: وهابيّة الشّام، وأنت منهم، وهذا الصّنف عندنا ضلال. والصنف الثّالث: وهم وهابيّة الهند وهم عندنا مخطئون». قال الهلالي: وبعد هذه المناظرة سمعت أنّ جماعة من الحجّاج الأندونيسيين من أصحاب الشّيخ أحمد السركتيّ (١) ﵀ عليه - جاهروا _________ (١) مؤسّس جمعية «الإرشاد» في سورابايا، أندونيسية، ولها الآن فروع كثيرة، ودرست - والله الحمد - محاضرات عديدة في هذه الجمعية، وعقدت فيها مع بعض إخواني من طلبة العلم دورات للعلوم الشّرعية أكثر من مرة، وحصل بها نفع عظيم، ووجدنا بشاشة =

стр. 52

بالتوحيد، فأنكر عليهم الناس وساقوهم إلى مجلس العلماء، فسألهم أولئك المسمون بالعلماء!! فاعترفوا فاستتابوهم وهددوهم، فتابوا». قال الهلالي: «فلما سمعت هذا الخبر اختفيت ثمانية أيام في (المعايدة) عند المغاربة خوفًا من أن يخبر الشيخ المذكور مجلس العلماء فيستتيبوني … ». وذكر كثيرًا من القصص التي وقعت له (١)، واستطرد في ذلك، ولكنه كان - غالبًا - يمثل بها على تأصيل وتقعيد يخدم قواعد ومسائل التوحيد، وهذا يسهل وييسر فهم مادة الكتاب ولا سيّما من قبل المبتدئين من الطلبة، وعامة المثقفين والمطلعين. ولم يَفُتِ المصنّف التنبيه - ولو بالإيماء - على أخطاء لغوية اشتهرت بين الناس، فقال - مثلًا - في (١/ ٥٠٢ - ٥٠٥): «والجهال من أهل هذا الزمان يعبرون بالأبسط على الأسهل، وبالبسيط عن السهل أو القليل، ويزيدون على ذلك جهلًا فيقولون: بسط الشيء - بتشديد الشين -، بمعنى: سهله! ويقولون: قواعد النحو المبسطة، وكل ذلك ضلال، فإن (بَسَط) - بالتشديد - معناه: كثرة التوسيع، كقَتَّل وقَتَل - بالتشديد» (٢). ولم يخل كتابه من تقويم للكتب فهو يمدح بعضًا منها، وسبق كلامه قريبًا على «الصوارم والأسنة» وقال عن كتاب «إيقاظ همم أولي الأبصار» للفلاني: «فعليك بقراءة هذا الكتاب، فإن فيه من الفوائد العلمية ما تشتدّ حاجة كل طالب علم إلى معرفته» (٣). وقال عن مؤلفه: «الإمام المجدد محيي السنّة ومميت البدعة وعدو التقليد» (٤). _________ = واستجابة وترحيبًا وتقديرًا من إخواننا هناك - فجزاهم الله خيرًا .. وحصلت - ولله الحمد - على كثير من الجهود العلمية التي قام بها الشيخ السركتي، وهي جيدة ونافعة، ولعلي أجمعها في (مقالات) مفردة، اللهم يسر لي خدمة ما ينفع دينك، ويكون سببًا لنشر التوحيد وصحيح السنة. (١) انظر - على سبيل المثال -: (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، و (٢/ ١٢٤) (ذكر فيه رحلته للنرويج)، و (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، (٣/ ٩١ - ٩٢، ٢٦٥). (٢) للهلالي في كتابه «تقويم اللسانين» (ص ٣٢ - ٣٤) بسط لهذا الخطأ، وأصل كتابه مقالات نشرها في مجلة «دعوة الحق» المغربية، وهي ضمن «مقالات الهلالي» التي جمعناها له، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (٣) «سبيل الرشاد» (٣/ ١٣٤). (٤) «سبيل الرشاد» (٣/ ٢٨٠).

стр. 53

وقال أيضًا عند كلامه على الجمع بين (الوصل والوقف) في قراءة القرآن، وتعرض لبدعية القراءة بصوت واحد، وقال عنها: «جاءت من الأندلس إلى المغرب في زمان الموحدين». وقال: «فهي بدعة، لم يعرفها مالك، ولا وقعت في زمانه؛ لأنها مأخوذة من الكنيسة النصرانية، فإن النصارى يرتلون صلواتهم من الأناجيل بصوت واحد، فهذه بدعة جديدة وفيها مفاسد متعددة». ثم قال - وهذا موطن شاهد - مادحًا لكتاب في المسألة، قال: «وقد شرع أخونا حسن وجاج في تأليف كتاب يقيم فيه البراهين القاطعة على بدعة ما يسمى عند المغاربة بالحزب ويحدد تاريخ وصولها إلى المغرب، وما فيها من المفاسد، وهو عمل مشكور، نرجو أن ينفع الله به من شاء من عباده» (١). ومدح كتب الإمامين المجددين شيخي الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، فقال في (٦/ ٢٧٩) عن مسألة: «وقد فند هذه المسألة بحثًا وتحقيقًا شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية في كتابه المسمى «التوسل والوسيلة … ». ويحذّر من كتب أخرى، فها هو يقول - مثلًا - عن كتاب «الإبريز» لأحمد بن المبارك اللمطي المغربي - ونقل بعض الترهات والخزعبلات التي فيه -: «وهذا الكتاب مقدس عند أكثر علماء الأزهر وعلماء المغرب، ومن ذلك تعلم أن علم الكتاب والسنة قد مات وصار أهله غرباء» (٢)!. وكذا قَوّم فيه شعرًا، فمدح بعضًا وقدح في بعض آخر، ولعله تعداه إلى صاحب الشعر، فقال - مثلًا - في (٣/ ٢٣٩) عن الشاعر صالح بن عبد القدوس: «كان زنديقًا»!. وقال في (١/ ٢٦١ - ٢٦٢): «قال أحد المشركين من أهل المغرب يطلب النصر على الفرنسيين من الإمام إدريس بن عبد الله المدفون في زرهون من بلاد المغرب، لما حاصر الفرنسيون مدينة فاس … ». وأورد بيتين من الشعر (٣)، وذكر _________ (١) «سبيل الرشاد» (٣/ ١٧٢)، وانظر تعليقنا عليه. (٢) انظر: «الهدية الهادية» (١٢٩) وكتابنا هذا (١/ ٢٦٢). (٣) وأعادهما في (١/ ٤٧٠) وقال عقبهما: «أراد هذا المشرك المجنون أن يقوم إدريس من قبره، أو تأتي روحه، فتقاتل الجيش الفرنسي، وتصده عن مدينة فاس، أما هو فيجلس =

стр. 54

في الموطن نفسه أشعارًا فيها شرك يقولها التيجانيون في عادتهم بلسان واحد. وذكر فيه أيضًا ثلاثة أبيات أخرى يقولها الدرقاويون! وتعرض في (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤ و ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢) لأبيات من قصيدة «البردة» للبوصيري، ونقدها، إذ فيها غلو في رسول الله ﷺ ، وكذلك رد في (١/ ٤٨٩) على من أنشد شعرًا في النبي ﷺ ، فقال: حبا الله النبيَّ مزيد فضل … على فضل وكان به رؤوفا فأحيا أُمه وكذا أباه … لإيمان به فضلًا مُنِيفا فَسَلَّم فالقدير به جديرٌ … وإنْ كانَ الحديث به ضَعِيفا ونعت صاحب هذا الشعر بالجاهل، إذ قال عقب الأبيات: «وقال آخر، وهو أشد جهلًا من الأول: أيقنت أن أبا النبي وأمه … أحياهما الرب الكريم الباري حتى له شهدا بصدق رسالة سلّم … فتلك كرامة المختار هذا الحديث ومن يقول بضعفه فهو الضعيف عن الحقيقة عاري وقائل هذا الشعر من أجهل الجاهلين، فإنما أراد أن يعظم النبي ﷺ بتكذيبه وتكذيب جميع المحدثين (١)، وكفى بذلك جهلًا وضلالًا». ولم ينس الهلالي نقد من يتجهون للنبي ﷺ بالدعاء، وطلب الغفران الذنوب منه، فقال (١/ ٥١٢): «والجهال المنتسبون إلى الإسلام يعبدون بعض الأنبياء، فيستغيثون بالنبي ﷺ ، فيقولون: يا رسول الله! يا محمد! أعطنا وأغثنا! كما قال قائلهم: يا رسول الله يا بحر الوفا … يا غياث المعتدي والمهتدي إنني عبد ضعيفٌ وَجِلٌ … وذنوبي ما لها من عدد _________ (١) بيّنت بتطويل وتحقيق - والله الحمد - ضعف ووهاء جميع ما ورد في هذا الباب في تقديمي لكتاب علي القاري أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊، وأوردت في الطبعة الثانية منه كلام العلامة الهلالي هذا، والحمد لله وحده لا رب سواه، ولا معبود بحق إلا إياه. رابضًا كالثور المريض في يده سبحة يعد حباتها ويأكل ويشرب، فلم يغثه إدريسه بل دخل الفرنسيون مدينة فاس، ثم فتحوا بلاد المغرب بلدًا بلدًا إلى أن استولوا عليها كلها، ومكثوا يحكمونها بالحديد والنار ثلاثة وأربعين سنة … ».

стр. 55

قال في نقد البيتين: «فانظر إلى هذا الجاهل المشرك الذي يعتقد أن النبي ﷺ لا يغيث المهتدين فقط، بل يغيث المعتدين أيضًا، ثم توجه إلى النبي ﷺ في البيت الثاني يريد منه مغفرة ذنوبه، وهذا جهل عظيم، فإنه لا يغفر الذنوب إلا الله، والنبي ﷺ لا يغيث أحدًا لا معتديًا ولا مهتديًا، وإذا كان يغيث المعتدي فهو إعانة له على الاعتداء - حاشاه من ذلك». ورد على جملة من الأشعار فيها عبادة الأولياء (١)، والتوجه إلى المقبورين بالتضرع في طلب المطر، ويقولون وهم حفاة حاسرو الرؤوس، والثور يمشي أمامهم ليذبحوه على القبر: جِئْنَاكُم قَاصِدينَ … لَا تَرُدُّونَا خَائِبيْنَ يَا أَوْليَاءَ اللّهِ الصّالِحِيْنَ (٢) ولم يقتصر في ردّ الشعر على النثر، بل عارضه بشعر آخر، فقال عند حديثه عن (علم الكلام) ممثلًا به على العلم الذي لا ينفع وإن كان صاحبه يعتقد أنه حق، قال: «وقول بعض المتكلمين شعرًا: أَيُّهَا المُغْتَدِي لِيَطْلُبْ عِلْمًا … كُلُّ عِلمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الكَلَامْ تَطْلُبُ العِلْمَ كَيْ تُصَحِّحَ حُكْمًا … ثُمَّ أَغْفَلْتَ مُنْزِلَ الأَحْكَامْ وجوابه أن يقال: كذبت علم الكلام ليس سيدًا للعلوم، وإنما هو عبد لهو من المتفلسفين، وسخافاتهم وهو بدعة ملعونة، إلا في حق من اضطر إليه ليدافع به عن الحق، ويلجم أهله، ويرميهم بأحجارهم، ويأخذهم بإقرارهم، ثم يقال له: نحن ما أغفلنا مُنزّل الأحكام ولكنا وصفناه بما وصف به نفسه سبحانه وبما وصفه به رسوله الكريم متبعين في ذلك لنبيه ﷺ وللصحابة والتابعين. وأقول في ذلك شعرًا معارضًا له (٣): _________ (١) انظر: «سبيل الرشاد» (١/ ٥١٢ و ٢/ ٢٦٢). (٢) «سبيل الرشاد» (١/ ٥١٤)، ورد في (١/ ٢٤١ - ٢٤٢) على شعر فيه استسلام المريد للشيخ، وعدم استفساره عن شيء ولو كان ظاهر الحرمة! (٣) لم أجد هذين البيتين في أي كتاب من كتب الهلالي المطبوعة، وفاته الله أن يذكرهما في «ديوانه» الذي عنّ له جمعه بعد ضياع قسم من شعره، ولا زال على الآلة الراقمة!

стр. 56

أيها المغتدي لتطلب علما … اجتنب جاهدا ظلام الكلام إن علم الكلام ليس بعلم … إنما العلم شرعة العلام وكذلك علم الفروع إذا لم يكن معه علم الكتاب والسنة، كعلم الغزالي والبيضاوي والزمخشري، فهؤلاء كلهم جاهلون بالحديث، ومن جهل الحديث لم يستطع أن يفهم القرآن، فيكون محروما من علم الكتاب والسنة كهؤلاء الثلاثة الذين حشوا كتبهم بالموضوعات والمتروكات والغرائب التي لا تخفى على المبتدئين في علم السلف، مع أن الغزالي كان عالما بالفلسفة وبدع المتصوفة، وعلم الفروع وأصول الفقه المبنية على شفا جرف» (١). ولم يقتصر في نقد الشعر على المعنى والفحوى، وإنما نقد الألفاظ والمبنى، فقال في (٢/ ٣١٨) وأورد أبياتا من قصيدة نظمها العلامة أحمد بن عبد العزيز الهلالي في أسماء الله الحسنى، ثم ذكر في الباب نفسه القصيدة الدمياطية، وقارن بينهما بقوله: «القصيدة الهلالية أقل دعاء، وأفصح لفظا، وكل بيت منها يشتمل على أربعة أسماء أو أكثر، وأما الدمياطية فألفاظها ركيكة، ونظمها غير جيد، إلا أن كل بيت منها لا يزيد على اسمين، والباقي كله دعاء» (٢). وأورد المصنف قصيدة السجلماسي بتمامها في آخر الكتاب (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢)، وقال في (٦/ ٢٨٠ - ٢٨١) عن قصيدة الدمياطي - وتلكأ في تحديده وتعيينه -: «ليس فيها انسجام ولا بلاغة، فلذلك تركت نقلها». وعلل نقل القصيدة الأخرى بقوله: «فقد عزمت على نقلها تسهيلا لحفظ أسماء الله الحسنى». وأكثر الهلالي في آخر الكتاب (٦/ ٢٨٣ - ٣٠٦) من نقل الشعر الذي ينصر عقيدة أهل السنة، وعنون عليه بـ (جيوش الشعر)، وقال: «بدأت هذا القسم بالجيوش الإسلامية للإمام الحافظ ابن القيم هي نثر، وأختمه بجيوش الشعر لأئمة مختلفين في أوطانهم وأزمانهم، متفقين على العقيدة الحنيفية». _________ (١) «سبيل الرشاد» (١/ ٥٩٥). (٢) بنحوه في أول كتابه «قصيدة أسماء الله الحسنى»، وقال في مقدمته عن قصيدته في هذا الباب: «نظمتها في العاشر من ذي القعدة سنة ١٣٩٧ هـ».

стр. 57

وابتدأها بنونية الإمام عبد الله بن محمد القحطاني الأندلسي (١)، وقال: «أثبتها مختصرة؛ لأني رأيتُ أن أحذف منها ما يتعلق بفروع المالكية» (٢). ونقل بعد ذلك قصيدة للشيخ علي بن سليمان القصيمي المتوفي بالدورة في جنوب العراق في (نحو سنة ١٣٤١ هـ) من كتابه «المجموعة المفيدة» (٣). ثم نقل قصيدة «الشهب المرمية على المعطلة والجهمية» للشيخ الفاضل أحمد بن مشرف، وهي لامية طويلة فيها جميع معتقد أهل السنة في الأسماء والصفات والإيمان بالقضاء والقدر وما يتعلّق بذلك، ثم أنهى النقل بالقصيدة البائية في الحثّ على مكارم الأخلاق للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني، وتوج ذلك كله بقصيدة ختم بها الكتاب، قال عنها (٦/ ٣٠٢): «ونختم هذه الجيوش الشعرية بقصيدتي التي سميتها «الكتيبة المظفرة في رجم شياطين البغي والشرك والبدع المستنكرة» وذكر فيها خدمته للسنة، فقال: وما نحن إلا خادمون لسنّة … أَتَتْ عن نبي الله ذي الفتح والنصر وقال في محبته لأهل السنة: سلام على أنصار سنة أحمد … فهم أولياء الله في كل ما دهر إليهم أجوب البر والبحر قاصدًا … فرؤيتهم تشفي السقيم من الضر وعمل الهلالي في كتابه هذا على محاربة الخرافة، وبين أن هذا من ميزة الموحد التوحيد الصحيح، حتى قال (٢/ ٦٧): «كل موحد وإن قل علمه، يجد حجة على توحيد الله تعالى يغلب بها أكبر علماء الشرك والتقليد» وبين ذلك بقصة عملية، قال: «فمن ذلك أن رجلًا من المشركين في صعيد مصر بالريرمون، قال الموحد: أنتم وهابية، تنكرون معجزات النبي ﷺ مع أنه حي يصلي في قبره، والأغوات وهم خدام المسجد النبوي - يضعون له الماء للوضوء قبل كل صلاة، فقال له _________ (١) لم أظفر له بترجمة على شدة تتبعي لذلك، ولكني وجدت القرطبي نقل من قصيدته هذه في «التذكرة» و «التفسير» ولأبي العلاء المعري ذكر فيها، فهي قديمة، وصاحبها أندلسي، ومعرفتهم عند المشارقة وفي كتب تراجمهم غير مستوفاة، ولا قوة إلا بالله! (٢) «سبيل الرشاد» (٦/ ٢٨٣). (٣) أفاد الهلالي في سبيل الرشاد (٦/ ٢٨٣): أن الذي طبعها وبعث بها إليه صديقه الصادق الشيخ عبد الله الغنيمان بارك الله له في حياته.

стр. 58

الموحد: أنت كفرت بإجماع المسلمين، وتنقصت رسول الله ﷺ شر تنقص؛ لأن الوضوء لا يكون إلا عن حدث، والنبي ﷺ منزّه عن الحدث بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، فاعترف المشرك، وقال: «أستغفر الله». قال الهلالي: «والحكايات في هذا الباب كثيرة». وذكر خرافات يعتقدها أهل المغرب العربي، فقال - مثلًا - في (٢/ ٣١٨ - ٣١٩) عن القصيدة الضمياطية: «ومن العجيب عند المغاربة - وما كثر عجائبهم! - أنهم يعتقدون أن من قرأها، وأكثر قراءتها يصاب بالجنون؛ لأن لكل بيت منها خاصيته، وخدامًا من الجن يقضون حاجة من دعا به، ولكن قلّ من يتغلب عليهم فيستجيبون له ويخدمونه، وأكثر من يحاول التغلب عليهم يهزم ويُصاب بالجنون» قال: حتى إن سكان الجزائر إذا رأوا شخصًا من حفاظ القرآن لم تعجبهم حاله يقولون: هذا (مضميط)، يعنون: أنه فَقَدَ عقله بكثرة قراءة الضمياطية وعلق على ذلك بقوله: والمغاربة ليسوا كذابين فيما زعموا، فإن من قرأها للسحر واستخدم الجن يصاب بالجنون والوسوسة وتجيئه خيالات تفتنه، وتفسد عقله! وذكر في كتابنا هذا أيضًا (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥) خرافة علقت في أذهان كثير من الناس أنه عند بناء البيت الجديد لا بد من طبخ ذبيحة في ماء بلا ملح، ويرش ذلك الماء في جوانب البيت، وذكر قصة حصلت معه في بغداد عند بنائه بيتًا جديدًا مع رئيس البنائين، هدم فيها هذه الخرافة بالقول والعمل، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا. وفصل في (١/ ١٧٨ - ١٧٩) في خرافة الخط بالرمل، وعمل الدجالين (الرمالين) في ادعاءهم معرفة الغيب من خلال ذلك (١)، وذكر في (١/ ٢٤١ - ٢٤٢) خرافات ذكرها صاحب (٢) «الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز الدباغ» ونسفها نسفًا، واستطرد في ذكر ما يشابهها، ونعت حكاية فيه (١/ ٢٤٢) بأنها _________ (١) لابن رشد الجد رسالة مفردة في الرد على مدعي الغيب من علم الخط، منشورة بتحقيقي، والحمد لله وحده. (٢) هو أحمد بن مبارك اللمطي المغربي.

стр. 59

«ملعونة» وقال عنها: «يبرأ منها الله ورسوله، وجميع المسلمين الذي يعرفون ما هو الإسلام، سواء كانوا صوفية أو فقهاء، أو أهل حديث». وذكر في (١/ ٣١٤ - ٣١٧) جملة من قصص فيها عبادة غير الله ، وشيوع الخرافة في المغرب ومصر عند الأضرحة، وذكر ذلك عن شيخه الورع التقي الزاهد محمد سيدي بن حبيب الله، وعن صديقه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، وأنهما - وغيرهما - حدثوه بقصص يندب بسببها على الإسلام، وتسكب الدمعات على التوحيد، واستطراده في ذكر هذه القصص من باب التحذير من الشر والشرك وشركهما، وقد قعد أصلًا قبل ذكرها بأن كل من أشرك بالله وعبد معه غيره يختل دينه وعقله، حتى يهبط إلى عبادة الحيوان الأعجم، قال: «وعبادة الحيوان الأعجم شائعة عند المشركين في كل زمان ومكان» وأخذ بالسرد والنقل، ذاكرًا من أخبره، وما شاهده. ونزيد على ما أصله فنقول محذرين: من لم يعظم الله حق التعظيم، لا بدّ أن يعظم غيره، ولو كان حيوانًا أو حجرًا أو شجرًا، لا يضر ولا ينفع. وذكر في (١/ ٣٩١) أن اعتراض المبطلين والطرقيين والخرافيين غير قائم على نقل أو عقل، وإنما على عبارات زينها لهم شياطين الإنس والجن، فهم يقولون لداعيهم إلى التوحيد: «أنت تريد أن تأتينا بالمذهب الخامس، ونحن راضون بمذهبنا لا نبغي به بديلًا» ونقض هذا الكلام بقوله: «فيقال لهم: إن كان الصحابة والتابعون أهل القرون المفضلة من مبعث النبي ﷺ إلى مئة وعشرين سنة (١) كلهم على المذهب الخامس، فما أحسن _________ (١) بين الهلالي في غير موطن من كتابنا هذا حال بعض أهل الحجاز ونجد قبل تمكن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهاك - مثلًا - لتعلم - أخي القارئ - بركة وثمرة ظهور هذه الدعوة المباركة، قال في (٣/ ١١١) ما نصه: «ولما زرت بلاد شرقي الحجاز وأوائل نجد وجدت عندهم كاهنات إذا أراد شخص أن يتزوج أو يسافر أو يتجر في شيء، يأتي إلى الكاهنة ويقدم لها الحلوان ولا يكون أقل من بعير، فتبيت له وفي الصبح تخبره وتأمره بالإقدام أو الإحجام، وهؤلاء القوم من أهل البادية لم تبلغهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فدعوتم إلى توحيد الله وسنة رسول الله وكان معي أحد أمراء تلك النواحي ماجد بن موكد أمير النخيل».

стр. 60

المذهب الخامس (١)! والحق أنكم كاذبون، فإنه لا يوجد في الإسلام إلا مذهب واحد، وهو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وما حدث بعدهم من المذاهب فهو ذاهب». ومما ينبغي أن يذكر بهذا الصدد أن اعتبار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مذهبًا) جديدًا ونبزها بـ (الوهابية)! إنما ظهر من أعدائها، وإنما هي دعوة سلفية خالصة، ألصقت بها تهم وبواطيل، وافتراءات وأكاذيب، وأصبح الخصوم والأعداء من القبوريين والطرقيين ينعتون الدعاة إلى التوحيد والكتاب والسنة بـ (الوهابيين)؛ حنقًا وحقدًا على التوحيد وأهله وأئمته! ولا قوة إلا بالله. وكلمة (وهابي) - على حدّ عبارات النابزين - تسمية غريبة، لم تنقل عن أحد من أئمة الدعوة الأول، وإنما نقلت عن خصومهم، وإلا؛ فنعم الانتساب إلى (الوهاب) ﷻ : إن كان توحيد الإله توهبًا … ا رَبِّ! فاشهد أنني وهابي وهاك نصين من كلام الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معتقده ومنهجه: الأول: في «مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب» - القسم الخامس (الرسائل الشخصية) (ص ٢٥٢) - ما نصه: «لست - والله الحمد - أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم؛ مثل: ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أردّ الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه: إن أتانا منكم كلمة من الحق، لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ ؛ فإنه لا يقول إلا الحق … ». والآخر: جاء في رسالته لعبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العراق يذكر الإمام ﵀ حقيقة دعوته، ومن ذلك قوله - كما في «مؤلفات الشيخ الإمام» (الرسائل الشخصية) (٥/ ٣٦): _________ (١) هي الفترة التي لم يظهر فيها مذهب من المذاهب الأربعة المتبوعة.

стр. 61

«أخبرك أني - ولله الحمد - مُتَّبِعٌ، ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنّة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين؛ مثل: الأئمة الأربعة، وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين الله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به، من الذبح والنذر والتوكل والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة». وهناك نقولات عديدة عن الإمام المجدد، وغيره من أئمة الدعوة المباركة في الاتباع، والاقتصار على الدليل، ونبذ ما يخالفه. تراها في رسالة «الإقناع بما جاء عن أئمة الدعوة من الأقوال في الاتباع». وأما عن الشبه التي تثار في وجه هذه الدعوة، فقد تصدى لها بالدراسة والرد على وجه حسن غايةً: الأخ الباحث الشيخ عبد العزيز العبد اللطيف في كتابه «دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عرض ونقد». وأما عن المؤلفات التي طبعت وفيها سموم وبواطيل حول هذه الدعوة، فقد كدت استيعابها والتحذير منها في كتابي «كتب حذّر من العلماء» (المجموعة الأولى) (١/ ٢٥٠ - ٢٨٧)، فانظره، فإنه مفيد - إن شاء الله تعالى -. ولشاعرنا الهلالي قصيدة مهمة في هذا الباب، مطلعها: نسبوا إلى الوهاب خير عباده … يا حبذا نسبي إلى الوهاب الله أنطقهم بحق واضح … وهم أهالي فرية وكذاب أكْرِم بها من فرقة سلفية … سلكت محجّة سنة وكتاب وهي التي قصد النبي بقوله (هي ما عليه أنا وكل صحابي) قد غاظ عباد القبور ورهطهم … توحيدُنا لله دون تحاب عجزوا عن البرهان أن يجدوه إذ … فزعوا لسرد شتائم وسباب وركز المصنف كثيرًا على بدعة التعصب المذهبي، فأصغ إليه وهو يقول في (٣/ ١١٢): «اعلم أيها القارئ الموفّق والمستمع المهتدي أن التمذهب كله شر وبدعة من أقبح البدع وحسب أهله ضلالًا: أنهم تفرقوا في دينهم وليسوا من الله في شيء ورسوله ليس منهم في شيء. والواجب على كل مسلم أن يكون في أمور الدين كما كان أصحاب رسول الله ﷺ إمام واحد، ودين واحد، وأمة واحدة،

стр. 62

وإله واحد لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون لا مذاهب، لا طرائق متصوفة، لا أحزاب سياسية، وحسبنا حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون. قال الشاطبي في «الاعتصام» (١): «قال مالك ﵀: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة لأني سمعت الله يقول (٢): ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وما لم يكن يومئذ دينًا) لا (٣) يكون اليوم دينًا» (٤)، ومن المعلوم أن التمذهب واتباع طرائق الصوفية ولبس الخرقة واتخاذ الأوراد والاجتماع للذكر بلسان واحد كما يفعل اليهود والنصارى في كنائسهم، والتفرق إلى أحزاب متناطحة، والاجتماع على الرقص والغناء وآلات اللهو والمكاء والتصدية، كأصوات الحيوان ونسبة ذلك إلى دين الله إفك مبين وبناء القباب على القبور والذبح عليها والنذر لها واتخاذها مواسم وأعيادًا، كل ذلك لم يكن في زمن النبي ﷺ دينًا فلن يكون دينًا أبدًا». ويجعل الهلالي سر سؤدد وعزة المسلمين: التوحيد والاتباع، وذكر في كتابنا (٣/ ١٣٢ - ١٣٣) قصة وقعت لعمر بن عبد العزيز، وأنه قضى فيها على حال، وبلغه عروة بن الزبير أن النبي ﷺ قضى فيها بشيء آخر، فرجع إلى قضاء رسول الله ﷺ ، قال: «في هذه القصة فائدة جليلة وهي أن ملوك المسلمين في ذلك الزمان كانوا يذعنون للحق ويفرحون به وينفذونه، ولم يكن العلماء يهابونهم إذا أخطؤوا في الحكم أن يعلموهم بخطئهم». وقال على إثر ذلك (٣/ ١٣٤): «وهذا يفسر لنا ما أدركه المسلمون في ذلك الزمان من العزة والسؤدد، فأين هذا من الديمقراطية التي يتبجح بها أهل هذا الزمان؟! لا جرم لو أن قاضيًا من قضاة العصور المتأخرة حكم بحكم، فجاءه عالم، وأخبره بخطئه، لكان نصيب ذلك العالم أن يسمع منه ما يكره، هذا إذا لم يأمر بحبسه، وهذا إذا اعترض على قاض فقط، فكيف بمن هو فوقه من الرؤساء، كوزير العدل؟! فضلًا عن رئيس الدولة»؟! _________ (١) (١/ ٦٢ - بتحقيقي). (٢) كذا في الأصل، وفي «الاعتصام»: «لأن الله يقول». (٣) كذا في الأصل، وفي «الاعتصام»: «فما لم … فلا». (٤) ذكره أيضًا صاحب «تهذيب الفروق» (٤/ ٢٢٥).

стр. 63

وهذا الداء (التقليد والتعصب) عالجه المصنف من جميع جوانبه، فلم يكتف بذم التعصب المذهبي والحزبي والطرقي، بل ذكر أيضًا نوعًا أسوأ وأخطر من هذين النوعين، وهو التعصب للجنس، وردّ على دعاة العروبة، والمذاهب الوضعية، والأفكار القومية والأرضية، فاسمع إليه وهو يقول (٣/ ٢٨٨): «لم يبق لي ما أزيده في الردّ على المقلدين المتعصبين للمذاهب أو الطرائق أو الأحزاب، ولكن بقي لي كلام مع السياسيين ودعاة العروبة والاشتراكية والمحاربين بزعمهم للرجعية فأقول لهم - وبالله أستعين -: قد علمتم أن الله وعد الذين آمنوا بمحمد والقرآن وعملوا الصالحات؛ أي: صدقوا في إيمانهم وشفعوا القول بالعمل أن يجعلهم خلفاء الأرض يتصرفون فيها كيف يشاؤون، فهم الحكام وهم العلماء، وهم الأمناء على كنوز الأرض وثمرات الأعمال، لا يد فوق يدهم، واستمر ذلك من عهد النبوة إلى نهاية الحروب الصليبية، وامتد بعضه إلى الحكم العثماني، لكن ماذا حدث بعد ذلك زال الإيمان والعمل، فذهب العز والنصر، ويا أيها المسلمون ويا أيها العرب المسلمون، ارجعوا إلى الإيمان والأعمال الصالحة والاتحاد على اتباع كتاب الله وسنة رسول الله، ونزّهوا أنفسكم من التعصب للأوطان وللأجناس وللفرق والمذاهب، واجعلوا إلهكم واحدًا وارضوا بالله صاحبًا، استضيئوا بنور الكتاب وسنة النبي الكريم والأصحاب، إذا شئتم أن يرد الله لكم ما كان لأسلافكم من العز والتمكين والنصر المبين ويكبت أعداءكم، ألا تستحيون من الله ثم من الناس أن يجمع اليهود شملهم بعد أن تشتتوا آلاف السنين، ثم يعمدوا إلى الأرض المقدسة التي أخرجهم الله منها بسبب ذنوبهم وتركهم رسولهم وكتابهم واختلافهم فيما بينهم، فيغتصبوا منكم تلك الأرض اغتصابًا - وعددهم بالنسبة إلى عددكم - نحو ربع واحد في المائة. أما أنتم أيها النصارى العرب فدعوا الكيد والدس والخداع لإضلال المسلمين وتشتيت شملهم، ولا تكونوا كالذي قال: اقتلوني ومالكًا، فإن ذلك لا يشفي ما في صدوركم ولا يغني عنكم إلا قليلًا، فإنكم دعوتم للتعصب للعروبة وأنتم أبعد الناس عنها، فما لكم منها إلا الاسم فإنكم عاديتم الدين الذي به شرفتم وواليتم أعداء العرب وتسمّيتم بأسماء عجمية، فما هذه العروبة التي تدعون إليها؛ أهي عروبة محمد رسول الله؟ كلا، فإنكم تبغضونها وتحاربونها. أم هي

стр. 64

عروبة أبي جهل وأبي لهب؟ فهذه العروبة ليس فيها إلا الجهل والذل والخزي والشتات وعبادة الأصنام، ووأد البنات وأكل الميتة وعدم توريث الإناث، والأنصاب والأزلام والميسر والقتل والنهب واستعباد الأخ لأخيه. أهذا هو البعث العربي؟ كلا، والله بل هو الموت، فإن قلتم: إننا ما قمنا بهذه المكيدة إلا دفاعًا عن النفس لأن هؤلاء العرب الذين يدعون الإسلام بله العجم، لم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه وقد تعصبوا علينا وأهانونا، قلنا: كل واحد من الفريقين يرجع عن غيه واجتمعوا على الإنصاف». ومن دقة فهم صاحبنا الهلالي وعلمه، وشدة حرصه، وسعة اطلاعه، ربطه المخالفات العقدية والإصلاحية بما عليه أهل الفِرق الضالة، وبيان كيفية انتقالها إلى المسلمين، فذكر - مثلًا - أن السياحة من أعظم أركان الدين الهندي البرهمي، وأفاض في نقل ذلك عن كتاب الدكتور أحمد شلبي «مقارنة الأديان»، ثم ربطها بما عليه أهل البدع من المسلمين، فقال في (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١) نقلًا عن الدكتور المذكور أنه يجب على البرهمي أن يقسم حياته ثلاثة أقسام: «القسم الأول: من طفولته إلى أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، يسيح في الأرض لطلب العلم ولا يشتغل بالكسب، بل يعيش على ما يجده من الثمر الساقط من الأشجار والنبات، وإذا اضطر إلى السؤال سأل الناس. القسم الثاني: بعد نهاية خمسة وعشرين سنة يشتغل بالكسب ويتزوج، ويكون له أولاد إلى أن يبلغ خمسين سنة. القسم الثالث: بعد نهاية خمسين سنة يسيح في الأرض على الصفة التي تقدم ذكرها من التقشف والبعد عن الملاذ والاعتزال عن الناس، إلا إذا كانوا زهادًا مثله، ويستمر على ذلك إلى أن يموت». وجاء في سيرة بوذا: أنه كان ابن أحد كبار الأغنياء، ولما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج فولد له ولد ثم هجر معيشة الترف وساح هائمًا على وجهه، فلقي خمسة من الزهاد فصحبهم مدة ثم تركهم، واستمر في السياحة والتقشف وتعذيب النفس إلى أن جائته الحكمة وهو جالس تحت شجرة في الغابة، ثم توجه إلى بنارس وأخذ يعلم الناس دينه، وهذه السياحة الهندية الوثنية هي التي ذكرت عند رسول الله ﷺ فنهى عنها وقال: «قد أبدلنا الله بذلك الجهاد في

стр. 65

سبيل الله والتكبير على كل شرف (١). وقد اقتبس بعض الجهال من المتصوفة تعذيب النفس من الدين الهندي الوثني، وقد ذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابه «تلبس إبلس» حكايات كثيرة في تعذيب المتصوفة أنفسهم بالجوع، زادوا فيها على نساك الهند الوثنيين أضعافًا كثيرة أذكر منها شيئًا يسيرًا، فمن ذلك ما ذكره الحافظ ابن الجوزي في الكتاب المذكور (ص ٢٠٠): «حكى أبو حامد الطوسي عن سهل - يعني ابن عبد الله التستري - قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التبن مدة ثلاث سنين واقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين». ثم قال الهلالي: «ولم يزل جهّال المتصوفة يأخذون هذه الضلالات عن عبدة الأصنام في الهند وعن رهبان النصارى إلى يومنا هذا، ومن ذلك السياحة التي يدعو إليها طائفة التبليغ المتبعين للشيخ محمد الياس الهندي وهم منتشرون في جميع أنحاء الدنيا، والركن الأعظم من طريقتهم هو ما يسمونه الخروج في سبيل الله، فإنهم يبذلون جهودًا عظيمة في الدعوة إلى هذا الركن وهم في ذلك مخلصون لطريقتهم وناجحون في عملهم، وكل داع مخلص ناجح على قدر إخلاصه يكون نجاحه سواء دعا إلى حق أو إلى باطل، وهذا الركن الذي يسمونه الخروج في سبيل الله وما يلزمه من التقشف في المعيشة هو بعينه السياحة التي تقدم ذكرها، ونهى عنها النبي ﷺ وهي بدعة محضة لم يفعلها النبي ﷺ ، فإنه خرج إلى الطائف لدعوة أميرها ولم يكن معه إلا خادمه مولاه؛ أي عبده المعتق زيد بن حارثة، فلما دعا أمير الطائف ردّ عليه ردًّا قبيحًا وقعد له سفهاء الطائف في طريقه سماطين؛ أي صفين، ورموه بالحجارة حتى سال الدم من رجليه ﵊ ثم رجع إلى مكة، والقصة معروفة في السيرة (٢) ولم يخرج معه أحد من المسلمين من أهل مكة، وكذلك توجه إلى دعوة أحد رؤساء العرب وهو ابن عبد ياليل بن عبد كلال وحده، فرد عليه ردًّا قبيحًا فأصابه من الغم ما أذهله حتى أنه مشى في البرية مغمومًا محزونًا، فلم يشعر إلا وهو في قرن الثعالب فرفع بصره إلى السماء، فرأى سحابة وفيها جبريل ومعه ملك الجبال فسلم ملك الجبال على النبي ﷺ وأخبره أن الله تعالى أمره أن يفعل ما يأمره به النبي ﷺ ، وقال له: إن _________ (١) انظر تخريجه في تعليقنا على (٣/ ٢٢٩). (٢) انظر التخريج في التعليق على الكتاب (٣/ ٢٣٢).

стр. 66

شئت أطبقت عليهم الأخشبين؛ أي الجبلين، فقال النبي ﷺ : «إني أرجو أن يخرج الله من ظهورهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا» (١). وهذا أشد يوم على النبي ﷺ ، فإن عائشة ﵂ سألته: هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ فقال لها: «نعم»، وأخبرها بالحكاية المتقدمة. وفي غزوة أحد كان المشركون قد حفروا حفرًا في الجبل فسقط النبي ﷺ في إحدى الحفر فأغمي عليه، ودخلت حلقة من حلقات المغفر في خد النبي ﷺ فأخرجها أحد الصحابة عاضًا عليها بأسنانه حتى انكسرت له سن وكسرت رباعية النبي ﷺ ؛ أي سنه، في ذلك السقوط وجرحت شفته وسال الدم من وجهه، ولما استفاق ورجع إلى المعسكر خرج له أبي بن خلف راكبًا على فرس له مدججًا بالسلاح فقال: أين محمد؟ فانتدب عشرة من الصحابة لقتاله فمنعهم النبي ﷺ وخرج له وهو على تلك الحال وأخذ حربة وكان عدو الله قد غطى جسمه بالحديد ورأسه كذلك، ولا يظهر منه إلا ثغرة في نحره فطعنه النبي ﷺ بالحربة في تلك الثغرة فسقط على الأرض ومات (٢) بعد ذلك ورجع النبي ﷺ مظفرًا منصورًا. فهذه هي الشدائد التي أصابته في يوم أحد، ومع ذلك كانت هذه الشدائد أهون عليه مما أصابه من الغم حين دعا ذلك الكافر ولم يجبه؛ لأنه كان في يوم أحد معه جيش، وفي يوم قرن الثعالب لم يكن معه أحد، وادعاؤهم أن تلك البدعة سنة النبي ﷺ وأصحابه، ولولا ذلك لم ينتشر الإسلام في الشرق والغرب باطل؛ لأن الصحابة حين نشروا الإسلام خرجوا للجهاد في سبيل الله وكانوا لا يتركون بلدًا حتى يسلم أهله، أو يصالحوا المسلمين، أو يكونوا تحت ذمتهم، وترتفع فيه راية الإسلام ويحكم بشريعته ثم يتقدمون إلى بلد آخر لا على طريقة السياحة الصوفية المقتبسة من الديانة الوثنية التي ليس فيها جهاد ولا تغيير منكر!! بل فيها إقرار المناكر والسكوت عليها والصلاة عند الأضرحة المعبودة وفاعلها ملعون على لسان النبي ﷺ . فقياس هذه السياحة على الجهاد في سبيل الله من أفسد القياس، وفي هذه السياحة مفاسد كثيرة منها تضييع العيال، وقد قال _________ (١) انظر التخريج في التعليق على الكتاب (٣/ ٢٣٢). (٢) انظر تخريجها في التعليق على (٣/ ٢٣٣).

стр. 67

النبي ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول» (١). وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وعرض عليه نفسه ليجاهد في سبيل الله معه فقال له: «ألك والدان؟» قال: نعم. قال: «ارجع ففيهما فجاهد» (٢)؛ أي ارجع إلى برهما وخدمتهما فهي أفضل من الجهاد، وهؤلاء الإلياسيون يكرهون الناس بسيف الحياء على السياحة، فإذا اعتذروا لهم بالوالدين الضعيفين أو بالأولاد والزوجة أو بالتجارة أو بالعمل الذي التزمه الإنسان، فوجب عليه أداؤه وحرم عليه تركه كالأجير والمعلم، يقولون: اترك ذلك وتوكل على الله، وكيف يترك ما أوجبه الله عليه وينقض عهد الله من بعد ميثاقه ويخون الأمانة ويكون مع ذلك متوكلا على الله وخارجا في سبيل الله، وقد أخبرني أحمد الزوين الذي يسوق سيارة النقل للأخ السلفي الحاج مصطفى بن هاشم الودغيري أنه كان قد حمل في سيارته ما يساوي خمسة عشر ألف درهم من فواكه، فجاءه جماعة الإلياسيين وقالوا له: تخرج معنا في سبيل الله؟ فقال لهم: انظروا هذه السلعة المحمولة على السيارة، أنا متوجه بها إلى الجزائر، فقالوا له: اتركها وتوكل على الله. وذهبوا إلى السيد أحمد بن إدريس الإدريسي وهو صاحب معامل النسيج في مدينة مراكش وصاحب تجارة واسعة يؤدي زكاته وله زوجة شابة، فأخرجوه من بيته وأخذوه إلى الهند فبقي سبعة أشهر غائبا، وهذا حرام بلا شك من وجوه منها ما تقدم، ومنها أن عمر ﵁ سأل أم المؤمنين حفصة ابنته: كم تستطيع المرأة أن تصبر عن زوجها إذا خرج للجهاد في سبيل الله، فقالت: أربعة أشهر. فأمر أن لا يتغيب جندي عن أهله أكثر من أربعة أشهر. كم من عامل وموظف ومعلم وطالب كانوا لهم سببا في طردهم من أعمالهم، ولا ننكر أنه تاب على أيديهم كثير من الفساق والفجار واهتدوا وتمسكوا بالدين ولكن المحافظة على رأس المال وهو سنة النبي ﷺ قبل التشوف إلى الربح، وكذلك نعترف لهم بحسن الخلق وحسن المعاشرة والسمت الحسن، فعسى الله أن يوفقهم لترك بدعة السياحة وتغيير المنكر والحب في الله والبغض في الله والموالاة الله والمعاداة الله، ويوفق أهل الهند وباكستان منهم أن يتركوا بدعة الجمود على المذهب الحنفي ويعملوا بكل حديث صح عن النبي ﷺ ، _________ (١) انظر التخريج في التعليق على (٣/ ٢٣٣). (٢) انظر التخريج في التعليق على (٣/ ٢٣٣).

стр. 68

ويتركوا كذلك العقيدة الأشعرية والماتريدية ويعتقدوا ما كان عليه رسول الله ﷺ والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون، ومنهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀ فإن عقيدته كانت مطابقة لعقيدة الصحابة والتابعين جعلنا الله من أتباعهم». وللهلالي عناية خاصة قوية دقيقة في بيان اعوجاج ما عليه التبليغيون، وصنف فيهم كتابًا مفردًا - وهو مطبوع (١) متداول - اسمه «السراج المنير في تنبيه جماعة التبليغ على أخطائهم» فرغ منه في الثالث من شوال سنة ١٣٩٨ هـ بمدينة مكناس، تعرض فيه لتاريخ جماعة التبليغ وكيفية نشوئها وأهم أشخاصها وزعمائها البارزين، ثم المدارس الكلامية والفقهية التي تأثرت بها الجماعة، وهو عبارة عن تلخيص موجز لكتاب محمد أسلم الباكستاني والمعنون بـ «جماعة التبليغ عقائدها وأفكارها ومشايخها». قال الهلالي عنه: «ذكر ما لهم وما عليهم، ونقل أخبارهم من كتبهم، وقد رأيت أن ألخص كلامه رجاء أن ينفع الله به … ». وانطلق الهلالي في الحكم عليهم - كما رأينا - من الدلائل الشرعية، ولذا أكثر من ذكر آثارهم السيئة، وتعرض أيضًا للأسس التي اعتمد عليها مؤسس الجماعة محمد إلياس الحنفي الديوبندي، وهي عندهم بمثابة منهج يسيرون عليه، ويسمونها (المبادئ الستة). وعرف الهلالي بمؤسس الجماعة وبيّن مقرها الرئيسي، والمدارس التي تأثرت بها، وأهمها مدرسة بديوبند - وكان ينتمي إليها الشيخ - وكان أصحاب المدرسة يقولون: إن مؤسسها هو النبي ﷺ ، وكان يأتي إليها أحيانًا مع أصحابه، ثم يسترسل الهلالي في ذكر مبادئ مدرسة ديوبند التي ينتمي إليها مؤسس التبليغيين، ويظهر من الكتاب معرفة الهلالي الجيدة المحيطة والعميقة بهذه الجماعة، ولا سيما أنه عاش في الهند (٢)، وأكثر التجوال في البلاد، واتسعت دائرة لقائه بالعلماء والمطلعين؛ ولذا أحال على كتابه هذا جمع من خصوا جماعة (التبليغ) بالدراسة والتمحيص، مثل: علي الغماري في «مناقشة خروج التبليغيين وبيان بطلانه» (ص ٤٦)، وعصام مرعي في «القول البليغ في نصح جماعة التبليغ» (ص ١٨، ٢٦) ونقل منه، وسيد طالب الرحمن في «تلخيص جماعة التبليغ في _________ (١) عن مطبعة النجاح، الدار البيضاء، سنة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، في (٩٣) صفحة. (٢) انظر كلام الهلالي في: «السراج المنير» (ص ٨٨ - ٨٩) عن أخطاء هذه الجماعة في الهند، وما سيأتي في كتابنا (٣/ ٢٣٣ وما بعد).

стр. 69

شبه القارة الهندية (ص ٢٧٣)، ونقل منه في كتابه الأصل (ص ٤٥٠ - ٤٥٢) تحت (الرد على جماعة التبليغ: شهادة الشيخ تقي الدين الهلالي)، ومحمد محمد شرقاوي في أول بحثه «الصفات الستة عند جماعة التبليغ» ص (٩). وكان لهذا الكتاب أثره الإيجابي القوي في تعريف طلبة العلم بهذه الجماعة من جهة، وأثره السلبي على رجالات هذه الدعوة، حتى وجدت صهيبًا الزمزمي يقول في كتابه «جماعة التبليغ - أو أصحاب الدعوة الباكستانية - خطر على المسلمين» (ص ٣٧): «وقديمًا بلغنا عنهم (أي: التبليغيين) أنهم يقولون عن الدكتور الهلالي أنه مسيحي! والسبب هو هو، فالدكتور الهلالي قد عاش مدة بالباكستان وعرف عنهم الكثير، فهو لذلك لا يسميهم إلا (الإلياسيين) نسبة إلى شيخهم، ويقول: إنهم أصحاب طريقة عصرية». قال أبو عبيدة: وهذه كلمة الفصل فيهم، وهي تتطابق مع مقولة شيخنا العلامة المحدث الألباني (١) - رحمة الله عليه - عنهم: (صوفية متنقلة: خرجوا من الصوامع إلى الشوارع). أما أعداء الإسلام العاملون جهارًا نهارًا لمحاربته، فقد جعلهم الهلالي أصنافًا وأقسامًا، قال في كتابنا «سبيل الرشاد» (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢): «الذين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم في هذا الزمان، أصناف: أولهم: المرتدون الذين كفروا بالله تقليدًا لدعاية كاذبة خاطئة وهذه الدعاية شائعة في البلدان التي كان أهلها متمسكين بالإسلام في الأزمنة الغابرة في آسية وأفريقية، وحاصلها أن الإسلام إن كان صالحًا في الزمن الماضي لترقية الشعوب وأخذ نصيبها من القوة المادية وتحصيل المعيشة السعيدة، والسيادة الكاملة، فإنه في هذا الزمان لا يتفق مع الأخذ بأسباب الحضارة والرقي، فكل أمة تمسكت به تبقى متأخرة تسير إلى الوراء (٢)، ولا تكاد تدرك شيئًا من الحضارة العصرية، فإذا _________ (١) أشاع بعض التبليغيين عنه الله توبته من تخطئتهم قُبيل وفاته، وهذا - والله - كذب، فقد سجل أخونا أبو أشرف محمد الجيزاوي الله مع ضيف جاءه من فلسطين متأثرًا بهم شريطًا بصوت شيخنا الألباني فيه تفصيل أخطائهم، وكان ذلك قبيل وفاة الشيخ الألباني بأيام معدودات. (٢) رد الهلالي في كتابنا «السبيل» (٢/ ٢٨٦) على هذه الفرية، ومثل عليها بالدولة السعودية =

стр. 70

قيل لهم: وما دليلكم على هذا؟ يزعمون أن الأوروبيين تركوا دينهم وتقدموا، فلا يمكن أن نتقدم إلا إذا سلكنا سبيلهم، فنقول لهم: أولًا: نحن لا نسلم أبدًا أن الأوروبيين تركوا دينهم، فإنهم لا يزالون متمسكين به، ولا نكلفكم أن تذهبوا إلى بلادهم لتعلموا أنكم كاذبون، بل نرشدكم إلى أدلة في بلادكم، فعدوا الإرساليات والكنائس التي في بلادكم للطوائف المختلفة من النصارى تجدوها كثيرة، فيها رجال ونساء قد تغربوا عن أوطانهم وتحملوا الشدائد والأخطار في سبيل نشر دينهم، وقد سمعتم عدد من قتل منهم في كونكو، ولا حاجة بكم إلى أن تبحثوا عن جهودهم في البلاد الأخرى، فحسبكم ما يصنعون في بلادكم، وما أسسوا من الوسائل الطبية والتعليمية، ولكنكم تكذبون وتغالطون وتقلدون، ثم انظروا إلى الحرب القائمة في إيرلندا بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين منذ سنين ولا سبب لها إلا الاختلاف في الدين. على أن دينهم وإن كان لا يصلح للحضارة فإن ديننا ليس كدينهم، والعالم كله يشهد بعظمة الحضارة التي أسسها المسلمون في العصور التي كان الإسلام فيها قويًا عزيزًا، وحسبكم أن الإسلام في أواخر زمانه تصارع مع الصليب في الحروب الصليبية مدة مائة وتسعين سنة، فانهزم الصليبيون أمامه مع كثرة عددهم وعددهم، وسيقول المقلدون لأعداء الإسلام: هذا بكاء على الأطلال، أرونا ما _________ وأنها من أغنى الدول مع عدم تعاملها - في زمانه - بالربا، فاسمع إليه وهو يقول: «من اتبع هواه في عبادة غير الله، أو تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو رد شيئًا مما جاء به رسول الله كالذين يقولون في هذا الزمان بتطور أصول الدين، والاجتهاد مع وجود النص والإجماع، كرفض الصيام في رمضان، بدعوى أنه لا يوافق العصر الحاضر، وتحليل الربا بدعوى أنه ضروري في هذا العصر إذا تركته دولة، قلت أموالها، وضعف اقتصادها، وضاع حقها في المعاملات الدولية، فإنها لا بد أن تعطي وتأخذ، فإذا أخذت فلا مناص من دفع الربا، وإذا أعطت بلا ربا تكون هي الخاسرة، فنقول: إن هناك طريقًا آخر وهي أن تكون مستقلة غنية قوية لا تأخذ الربا ولا تعطيه، وحينئذ لا بد أن تخضع لها الدول الأجنبية وتقبل شرطها، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [١٧٣]، ولنضرب مثلًا بالدولة السعودية فإنها لا تتعامل بالربا وهي أغنى الدول، والحاصل من اتبع هواه في الشرك بالله أو تغيير حكم شرعي أو رد ما جاء به الرسول ﷺ فهو كافر فردًا كان أو جماعة، أما من اتبع هواه في ارتكاب المحرمات، وهو يعترف أنه مذنب ويؤمل التوبة فهذا فاسق لا يخرج من الإسلام، ولا يخلد في النار بسبب التوحيد والإيمان والمحافظة على الصلاة في أوقاتها التي معه». اهـ.

стр. 71

صنع الإسلام في هذا الزمان، أقول لهم كما قلت من قبل: أوجدوا لي إسلامًا، أعطكم كل ما تريدون من قوة وعظمة وتقدم في جميع الميادين، فهل تريدون من المسلمين أن يقوموا من قبورهم ليدافعوا عنكم ويبنوا لكم حضارة جديدة؟، وقد جربتم الكفر التقليدي مئات السنين، فجربوا الإسلام سنة واحدة إن كنتم صادقين. وثانيهم: المدعون للإسلام بألسنتهم مع عدم تطبيقه لا عقيدة ولا عبادة ولا حكمًا فهؤلاء يدعون الإسلام بأقوال مجردة. والدعاوى ما لم يقيموا عليها … بينات أبناؤها أدعياء وثالثهم: الأعداء الخارجيون وهم المتعصبون من النصارى في أوروبا وأمريكا، والمتعصبون من الوثنيين في الهند وغيرها من الأمم الوثنية، ونحن نسمع المذابح التي تجري على المسلمين في أنحاء الهند وفي الفلبين وفي أريتريا (١). رابعهم: علماء السوء، الذين باعوا دينهم بدين غيرهم، وكتموا الحق وغشوا شعوبهم جريًا وراء الحطام، فضيعوا الدين ولم يدركوا الدنيا، وهذه الأصناف تبذل جهودها لإطفاء ما بقي من نور الإسلام، وليس الإسلام بملوم؛ لأنه قد أسعد من تمسك به وخلف كنوزًا عظيمة من الآثار والعلم والمعرفة التي لا يجحدها إلا من يجحد الشمس المشرقة في يوم الصحو ومضى حميدًا. تلك آثارنا تدل علينا … فانظروا بعدنا إلى الآثار» ومن عميق تأصيل وفهم الهلالي لسنن الله في شرعه وكونه، ربطه بين العدل والمساواة في الحقوق والواجبات وبين ترقي الأمم وغلبتها، فأصغ إليه وهو يقول في كتابنا هذا (٢/ ٣٥٠): «كل أمة عم فيها العدل والرحمة فنصرت المظلوم وأكرمت اليتيم وأطعمت المسكين وأمنت الضعيف؛ وسع الله رزقها ونصرها على أعدائها، كما قال النبي ﷺ : «وإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» (٢)، وهذه قاعدة لا تتخلف، وسنة _________ (١) كان ذلك في زمانه، وأما في زماننا فالمذابح البدنية حصرت في أماكن ودول، وأما الدين وأهله فهم في غربة، والناس - إلا من رحم الله - صرعى أو قتلى لمعركة الإعلام والتلبيس والتدجيل! (٢) انظر التخريج في تعليقنا عليه.

стр. 72

لا تتبدل في كل زمان ومكان، فانظروا إلى أمم زمننا تروا كل أمة يعم فيها العدل والمساواة في الحقوق والواجبات تروها مرزوقة منصورة عزيزة الجانب، سواء كانت في الشرق أم في الغرب، مع اختلاف عقائدها، فإن الله تعالى إنما يعذب الأمم في الحياة الدنيا وفي الآخرة على قدر ما بلغها من العلم، وأقيم عليها من الحجج، أما السعادة الكبرى التي تكون في العاجل والآجل فهي خاصة بمن آمن بالله ورسله واتبع من أناب». وأخيرًا، لا بد من الإشارة ونحن نتكلم عن مادة الكتاب إلى أنه أورد فيه بعض الأمور المستغربة المستملحة، فلما قرر في (٤/ ١٦٢ - ١٦٣) أن في كتاب الله من الأخبار والقصص والأمثال ما يفتح القلوب المقفلة الغلف، والعيون العمي، والأذان الصم ولكن لا يحصل ذلك إلا لمن طلب الحق بإخلاص وتجرد من هوى نفسه الأمارة بالسوء، فهذا هو الذي ينفع بالنذر والمقلد المتعصب الذي اتخذ إلهه هواه لا ينتفع بذلك، وقد يسر النطق به فترى التركي والهندي كلاهما يقرآنه بغاية التجويد مع بعد لغاتهما عن اللغة العربية، ويسر حفظه حتى إنه يوجد في البلدان التي تحبه وتعتني به كثير من الصبيان يحفظونه في سن مبكرة، فمنهم من يحفظه وهو ابن سبع سنين». ثم ذكر قصة غريبة، قال: «يومًا من الأيام كنت أسير ومعي رفيق في شارع من شوارع «لكنو» مدينة مشهورة بالهند، فمررت على باب قرأت في أعلاه ما نصه: في هذا البيت طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنين تحفظ القرآن كله فمن أراد أن يشاهدها فليدخل، فدخلنا وصعدنا درجًا انتهى بنا إلى غرفة كبيرة وجدنا فيها رجلًا ذا لحية سوداء جالسًا على حصير، ورأينا طفلة تلعب بلعب مختلفة في ناحية من الغرفة فسلمنا عليه فرد علينا السلام ودعانا إلى الجلوس فجلسنا، فقال لنا: أي من القرآن تريدان أن تقرأ لكما منه هذه الطفلة؟ فقلت: أنا، من قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ فلم ينادها ولم يأمرها بالقراءة، بل بدأ هو يقرأ بعد الاستعاذة مبتدأ بالآية التي طلبت أنا، فتركت الطفلة اللعب وأقبلت عليه وجلست أمامه وبدأت تقرأ في الموضع نفسه، فسكت هو وتركها وحدها فاستمرت كالسهم بدون تلكؤ ولا تعتعة حتى قلنا لها: حسبك، وكانت قراءتها فصيحة ومنظرها يدل على أنها إن لم تكن بنت خمس كما هو في الإعلان لا تزيد على سبع، وهذا برهان يفسر لنا هذه الآية، وأنا

стр. 73

أعتقد أن هذه الطفلة لو وجدت من يعلمها معنى القرآن ولغة القرآن والسنة التي تبين معناه لتعلمت ذلك في أقرب وقت. فيا أسفًا على هؤلاء الذين وهبهم الله القرآن يقرأ عندهم صباح مساء وهم في ظلماتهم يتخبطون لا يتدبرونه، ولا يتعظون به، ولا يتأدبون بأدبه، ولا يستضيؤون بنوره، أولئك هم الخاسرون، وأعطينا ذلك الرجل شيئًا من الدراهم، وقد سررنا غاية السرور ولم ينقض عجبنا مما رأينا وسمعنا». وأخيرًا، عسى أن أكون قد أوقفت القارئ على معالم مهمة، وأمور عملية عالجها المصنف في كتابه هذا، ولا بدّ في الختام من التنبيه على أن المصنف عرض (توحيد الأسماء والصفات) في آخر جزئين من الكتاب على وجه دقيق، وبأسلوب سهل، وأكثر من النقولات من الكتب التي قررت عقيدة السلف (١)، وغلب على نقله التقرير لا الرد والاعتراض، إلا الشّبه الحاضرة، التي يرددها أهل البدع، فإنه الله نقضها من أسسها، ودحرها بالمنقول والمعقول، وبين أصولها الفاسدة، وأسلوبه في معالجتها قوي، وحجته محررة ظاهرة، لا لبس فيها، ولا خفاء، وختم الكتاب بقصائد سبق الإلماع إليها (٢)، فلا داعي للإعادة والتكرار، والله هو الهادي إلى سواء السبيل، لا ربّ سواه، ولا إله غيره. _________ (١) مثل كتب الأئمة الأعلام: ابن تيمية، وابن القيم، وابن أبي العز الحنفي، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم. وقد سبق أن ذكرنا - على عجلة - أهم المصادر التي اعتمدها المصنف. (٢) انظر ما قدمناه (ص ٦١).

стр. 74

الأصل المعتمد في التحقيق وعملي فيه لم يطبع كتاب «سبيل الرشاد في هدي خير العباد» - فيما أعلم - إلا طبعة واحدة في حياة المؤلف - رحمة الله عليه -. وتقع في ثلاثة مجلدات، في كل مجلد جزءان، وطبع على نفقة الأميرة الجليلة الجوهرة بنت سعود بن عبد العزيز آل سعود الكبير، وأشرف على الطبع المكتب التعليمي السعودي بالمغرب، وتولى الطبع مكتبة المعارف الرباط، في المملكة المغربية. جاء في أوله (ص ٥ - ١١) عنوان (تنويه - تقريظ) كتبه الأستاذ محمد بن إبراهيم بن عبد السلام عن الملحق التعليمي السعودي بالمغرب، وأرخه بـ ١/¬٧/¬١٤٠٧ هـ الموافق ٩/¬١٩٨٦/¬١١ م، بين فيه أهمية التوحيد، وذكر أن الهلالي عالج فيه بمهارة كل القضايا والجزئيات المتعلقة بأنواع التوحيد الثلاثة المعروفة، والتي ارتكز في معالجتها على أمرين ١ - الرجوع إلى المصادر الأولى: القرآن الكريم، وما ثبت عن رسول الله ﷺ من تبيان لبعض الآيات التي ينطلق منها بحثه، ثم آراء كبار المفسرين من أئمة السلف والخلف. ٢ - ما عايشه هذا المؤلف الجليل (الهلالي) في حياته المبكرة من ألوان المذاهب والعقائد، وما خبر بحكم تقلبه في آفاق شتى من الأرض ما لهذه وتلك من حجج ومقومات، قال: «لعلّي لا أبالغ إذا قلت: إن شطرًا هامًا من هذا الكتاب قد تمّ إملاؤه بتأثر واضح مما عايشه من انحرافات وأباطيل، ومن دعاوى ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان». وفي آخره شكر لمؤلفه، وبيان جهاده، مع الشكر لمن أوصى بطباعته فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، وكذا لمن تحملت على نفقتها الخاصة طباعة هذا المؤلف ألا وهي الأميرة الجليلة الجوهرة بنت سعود بن عبد العزيز آل سعود

стр. 75

الكبير ﵏ جميعًا - وختم المقدم للكتاب تقدمته بقوله: «فللمؤلف الجليل - شفاه الله - ولسماحة والدنا العلّامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ولسمو الأميرة الوقورة - التي أتجاوز إرادتها - بذكر اسمها الكريم علانية، لهم مني خالص الدعاء بأن يجزيهم الله أفضل ما يجازي به عباده المؤمنين، وأن يبارك لهم فيما قدموه، ويهدينا جميعًا سواء السبيل». وبعدها فيه (ص ١٣ - ١٨): (نبذة من ترجمة المؤلف) بقلم عمر بن محمد محسن، إمام وخطيب جامع الملك عبد العزيز آنفًا - الدار البيضاء. وسأعمل على إثبات هاتين الكلمتين بتمامهما عقب مقدمتي هذه، وسأضع عقبهما تعريفًا عامًا بالكتاب بقلم شيخنا بالإجازة العلامة محمد بوخبزة، أخذته من كتابه «معجم التفاسير» (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٤) والله الموفق للصالحات، والهادي للخيرات. وأما عملي في الكتاب ، فيتلخص في الآتي: أولًا: قمت بضبط النص، وتصويب الأخطاء المطبعية، وإثبات الآيات برسم المصحف، وجعلت تخريجها بين معقوفتين بعدها. ثانيًا: خرّجت الأحاديث النبوية والآثار السلفية بعزوها لمصادرها من دواوين السنّة، والحكم عليها صحةً وحسنًا وضعفًا (١)، وفقًا للمقرر عند أهل الصنعة الحديثية. ثالثًا: وثقت النقولات التي عزى إليها المصنّف، وقابلت ما فيها على المصادر، وأثبت الفروق بينها في الهوامش، وأفادني ذلك كثيرًا في تقويم النص، وتصحيح الخطأ، وإثبات النقص. _________ (١) لعلي أنازع المصنف في تحسين أو تجويد بعض الأسانيد، انظر - على سبيل المثال -: (ص ١٧٧)، أو أتعقبه في العزو، فقد يعزو أثرًا للبخاري في «صحيحه» وهو ليس فيه، انظر (٢/ ١٤٨)، أو يذكر تفردًا، والأمر ليس كذلك، انظر (٣/ ١٤٣)، وقد يعزو حديثًا لـ «الصحيحين» وهو في أحدهما فقط، وقد يعزو لغيرهما وهو فيهما أو في أحدهما، وهكذا. ومما ينبغي ذكره: إني أظهرت أحكام شيخنا الألباني على الأحاديث، لعلمي بأن المصنف يفرح بذلك، فقد وجدت في رسالة له وجهها للأستاذ أبي بكر زهير الشاويش مؤرخة بـ ٣/ ٩/ ١٣٩١ هـ جاء فيها: «فأرجو من فضلكم أن تسلموا على أخينا الأستاذ ناصر الدين - يريد الألباني - وتلتمسوا منه تخريج ما عسى أن أكون تركت تخريجه من الحديث، هذا إذا عزمتم على طبع الكتاب».
следующие страницы →