← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

صنع الإسلام في هذا الزمان، أقول لهم كما قلت من قبل: أوجدوا لي إسلامًا، أعطكم كل ما تريدون من قوة وعظمة وتقدم في جميع الميادين، فهل تريدون من المسلمين أن يقوموا من قبورهم ليدافعوا عنكم ويبنوا لكم حضارة جديدة؟، وقد جربتم الكفر التقليدي مئات السنين، فجربوا الإسلام سنة واحدة إن كنتم صادقين. وثانيهم: المدعون للإسلام بألسنتهم مع عدم تطبيقه لا عقيدة ولا عبادة ولا حكمًا فهؤلاء يدعون الإسلام بأقوال مجردة. والدعاوى ما لم يقيموا عليها … بينات أبناؤها أدعياء وثالثهم: الأعداء الخارجيون وهم المتعصبون من النصارى في أوروبا وأمريكا، والمتعصبون من الوثنيين في الهند وغيرها من الأمم الوثنية، ونحن نسمع المذابح التي تجري على المسلمين في أنحاء الهند وفي الفلبين وفي أريتريا (١). رابعهم: علماء السوء، الذين باعوا دينهم بدين غيرهم، وكتموا الحق وغشوا شعوبهم جريًا وراء الحطام، فضيعوا الدين ولم يدركوا الدنيا، وهذه الأصناف تبذل جهودها لإطفاء ما بقي من نور الإسلام، وليس الإسلام بملوم؛ لأنه قد أسعد من تمسك به وخلف كنوزًا عظيمة من الآثار والعلم والمعرفة التي لا يجحدها إلا من يجحد الشمس المشرقة في يوم الصحو ومضى حميدًا. تلك آثارنا تدل علينا … فانظروا بعدنا إلى الآثار» ومن عميق تأصيل وفهم الهلالي لسنن الله في شرعه وكونه، ربطه بين العدل والمساواة في الحقوق والواجبات وبين ترقي الأمم وغلبتها، فأصغ إليه وهو يقول في كتابنا هذا (٢/ ٣٥٠): «كل أمة عم فيها العدل والرحمة فنصرت المظلوم وأكرمت اليتيم وأطعمت المسكين وأمنت الضعيف؛ وسع الله رزقها ونصرها على أعدائها، كما قال النبي ﷺ : «وإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» (٢)، وهذه قاعدة لا تتخلف، وسنة _________ (١) كان ذلك في زمانه، وأما في زماننا فالمذابح البدنية حصرت في أماكن ودول، وأما الدين وأهله فهم في غربة، والناس - إلا من رحم الله - صرعى أو قتلى لمعركة الإعلام والتلبيس والتدجيل! (٢) انظر التخريج في تعليقنا عليه.

стр. 72

لا تتبدل في كل زمان ومكان، فانظروا إلى أمم زمننا تروا كل أمة يعم فيها العدل والمساواة في الحقوق والواجبات تروها مرزوقة منصورة عزيزة الجانب، سواء كانت في الشرق أم في الغرب، مع اختلاف عقائدها، فإن الله تعالى إنما يعذب الأمم في الحياة الدنيا وفي الآخرة على قدر ما بلغها من العلم، وأقيم عليها من الحجج، أما السعادة الكبرى التي تكون في العاجل والآجل فهي خاصة بمن آمن بالله ورسله واتبع من أناب». وأخيرًا، لا بد من الإشارة ونحن نتكلم عن مادة الكتاب إلى أنه أورد فيه بعض الأمور المستغربة المستملحة، فلما قرر في (٤/ ١٦٢ - ١٦٣) أن في كتاب الله من الأخبار والقصص والأمثال ما يفتح القلوب المقفلة الغلف، والعيون العمي، والأذان الصم ولكن لا يحصل ذلك إلا لمن طلب الحق بإخلاص وتجرد من هوى نفسه الأمارة بالسوء، فهذا هو الذي ينفع بالنذر والمقلد المتعصب الذي اتخذ إلهه هواه لا ينتفع بذلك، وقد يسر النطق به فترى التركي والهندي كلاهما يقرآنه بغاية التجويد مع بعد لغاتهما عن اللغة العربية، ويسر حفظه حتى إنه يوجد في البلدان التي تحبه وتعتني به كثير من الصبيان يحفظونه في سن مبكرة، فمنهم من يحفظه وهو ابن سبع سنين». ثم ذكر قصة غريبة، قال: «يومًا من الأيام كنت أسير ومعي رفيق في شارع من شوارع «لكنو» مدينة مشهورة بالهند، فمررت على باب قرأت في أعلاه ما نصه: في هذا البيت طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنين تحفظ القرآن كله فمن أراد أن يشاهدها فليدخل، فدخلنا وصعدنا درجًا انتهى بنا إلى غرفة كبيرة وجدنا فيها رجلًا ذا لحية سوداء جالسًا على حصير، ورأينا طفلة تلعب بلعب مختلفة في ناحية من الغرفة فسلمنا عليه فرد علينا السلام ودعانا إلى الجلوس فجلسنا، فقال لنا: أي من القرآن تريدان أن تقرأ لكما منه هذه الطفلة؟ فقلت: أنا، من قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ فلم ينادها ولم يأمرها بالقراءة، بل بدأ هو يقرأ بعد الاستعاذة مبتدأ بالآية التي طلبت أنا، فتركت الطفلة اللعب وأقبلت عليه وجلست أمامه وبدأت تقرأ في الموضع نفسه، فسكت هو وتركها وحدها فاستمرت كالسهم بدون تلكؤ ولا تعتعة حتى قلنا لها: حسبك، وكانت قراءتها فصيحة ومنظرها يدل على أنها إن لم تكن بنت خمس كما هو في الإعلان لا تزيد على سبع، وهذا برهان يفسر لنا هذه الآية، وأنا

стр. 73

أعتقد أن هذه الطفلة لو وجدت من يعلمها معنى القرآن ولغة القرآن والسنة التي تبين معناه لتعلمت ذلك في أقرب وقت. فيا أسفًا على هؤلاء الذين وهبهم الله القرآن يقرأ عندهم صباح مساء وهم في ظلماتهم يتخبطون لا يتدبرونه، ولا يتعظون به، ولا يتأدبون بأدبه، ولا يستضيؤون بنوره، أولئك هم الخاسرون، وأعطينا ذلك الرجل شيئًا من الدراهم، وقد سررنا غاية السرور ولم ينقض عجبنا مما رأينا وسمعنا». وأخيرًا، عسى أن أكون قد أوقفت القارئ على معالم مهمة، وأمور عملية عالجها المصنف في كتابه هذا، ولا بدّ في الختام من التنبيه على أن المصنف عرض (توحيد الأسماء والصفات) في آخر جزئين من الكتاب على وجه دقيق، وبأسلوب سهل، وأكثر من النقولات من الكتب التي قررت عقيدة السلف (١)، وغلب على نقله التقرير لا الرد والاعتراض، إلا الشّبه الحاضرة، التي يرددها أهل البدع، فإنه الله نقضها من أسسها، ودحرها بالمنقول والمعقول، وبين أصولها الفاسدة، وأسلوبه في معالجتها قوي، وحجته محررة ظاهرة، لا لبس فيها، ولا خفاء، وختم الكتاب بقصائد سبق الإلماع إليها (٢)، فلا داعي للإعادة والتكرار، والله هو الهادي إلى سواء السبيل، لا ربّ سواه، ولا إله غيره. _________ (١) مثل كتب الأئمة الأعلام: ابن تيمية، وابن القيم، وابن أبي العز الحنفي، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم. وقد سبق أن ذكرنا - على عجلة - أهم المصادر التي اعتمدها المصنف. (٢) انظر ما قدمناه (ص ٦١).

стр. 74

الأصل المعتمد في التحقيق وعملي فيه لم يطبع كتاب «سبيل الرشاد في هدي خير العباد» - فيما أعلم - إلا طبعة واحدة في حياة المؤلف - رحمة الله عليه -. وتقع في ثلاثة مجلدات، في كل مجلد جزءان، وطبع على نفقة الأميرة الجليلة الجوهرة بنت سعود بن عبد العزيز آل سعود الكبير، وأشرف على الطبع المكتب التعليمي السعودي بالمغرب، وتولى الطبع مكتبة المعارف الرباط، في المملكة المغربية. جاء في أوله (ص ٥ - ١١) عنوان (تنويه - تقريظ) كتبه الأستاذ محمد بن إبراهيم بن عبد السلام عن الملحق التعليمي السعودي بالمغرب، وأرخه بـ ١/¬٧/¬١٤٠٧ هـ الموافق ٩/¬١٩٨٦/¬١١ م، بين فيه أهمية التوحيد، وذكر أن الهلالي عالج فيه بمهارة كل القضايا والجزئيات المتعلقة بأنواع التوحيد الثلاثة المعروفة، والتي ارتكز في معالجتها على أمرين ١ - الرجوع إلى المصادر الأولى: القرآن الكريم، وما ثبت عن رسول الله ﷺ من تبيان لبعض الآيات التي ينطلق منها بحثه، ثم آراء كبار المفسرين من أئمة السلف والخلف. ٢ - ما عايشه هذا المؤلف الجليل (الهلالي) في حياته المبكرة من ألوان المذاهب والعقائد، وما خبر بحكم تقلبه في آفاق شتى من الأرض ما لهذه وتلك من حجج ومقومات، قال: «لعلّي لا أبالغ إذا قلت: إن شطرًا هامًا من هذا الكتاب قد تمّ إملاؤه بتأثر واضح مما عايشه من انحرافات وأباطيل، ومن دعاوى ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان». وفي آخره شكر لمؤلفه، وبيان جهاده، مع الشكر لمن أوصى بطباعته فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، وكذا لمن تحملت على نفقتها الخاصة طباعة هذا المؤلف ألا وهي الأميرة الجليلة الجوهرة بنت سعود بن عبد العزيز آل سعود

стр. 75

الكبير ﵏ جميعًا - وختم المقدم للكتاب تقدمته بقوله: «فللمؤلف الجليل - شفاه الله - ولسماحة والدنا العلّامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ولسمو الأميرة الوقورة - التي أتجاوز إرادتها - بذكر اسمها الكريم علانية، لهم مني خالص الدعاء بأن يجزيهم الله أفضل ما يجازي به عباده المؤمنين، وأن يبارك لهم فيما قدموه، ويهدينا جميعًا سواء السبيل». وبعدها فيه (ص ١٣ - ١٨): (نبذة من ترجمة المؤلف) بقلم عمر بن محمد محسن، إمام وخطيب جامع الملك عبد العزيز آنفًا - الدار البيضاء. وسأعمل على إثبات هاتين الكلمتين بتمامهما عقب مقدمتي هذه، وسأضع عقبهما تعريفًا عامًا بالكتاب بقلم شيخنا بالإجازة العلامة محمد بوخبزة، أخذته من كتابه «معجم التفاسير» (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٤) والله الموفق للصالحات، والهادي للخيرات. وأما عملي في الكتاب ، فيتلخص في الآتي: أولًا: قمت بضبط النص، وتصويب الأخطاء المطبعية، وإثبات الآيات برسم المصحف، وجعلت تخريجها بين معقوفتين بعدها. ثانيًا: خرّجت الأحاديث النبوية والآثار السلفية بعزوها لمصادرها من دواوين السنّة، والحكم عليها صحةً وحسنًا وضعفًا (١)، وفقًا للمقرر عند أهل الصنعة الحديثية. ثالثًا: وثقت النقولات التي عزى إليها المصنّف، وقابلت ما فيها على المصادر، وأثبت الفروق بينها في الهوامش، وأفادني ذلك كثيرًا في تقويم النص، وتصحيح الخطأ، وإثبات النقص. _________ (١) لعلي أنازع المصنف في تحسين أو تجويد بعض الأسانيد، انظر - على سبيل المثال -: (ص ١٧٧)، أو أتعقبه في العزو، فقد يعزو أثرًا للبخاري في «صحيحه» وهو ليس فيه، انظر (٢/ ١٤٨)، أو يذكر تفردًا، والأمر ليس كذلك، انظر (٣/ ١٤٣)، وقد يعزو حديثًا لـ «الصحيحين» وهو في أحدهما فقط، وقد يعزو لغيرهما وهو فيهما أو في أحدهما، وهكذا. ومما ينبغي ذكره: إني أظهرت أحكام شيخنا الألباني على الأحاديث، لعلمي بأن المصنف يفرح بذلك، فقد وجدت في رسالة له وجهها للأستاذ أبي بكر زهير الشاويش مؤرخة بـ ٣/ ٩/ ١٣٩١ هـ جاء فيها: «فأرجو من فضلكم أن تسلموا على أخينا الأستاذ ناصر الدين - يريد الألباني - وتلتمسوا منه تخريج ما عسى أن أكون تركت تخريجه من الحديث، هذا إذا عزمتم على طبع الكتاب».

стр. 76

ووجدت من خلال ذلك أن خطأ وقع في الرموز التي استخدمها المصنف، فهو - مثلًا - في (٦/ ١٥١) ينقل كلامًا ويرمز له بـ (ج) إشارة إلى «تفسير ابن جرير»، والنقل بحروفه من «فتح القدير» للشوكاني. ووجدت في (١/ ١٤٣) يرمز بـ (ك) إشارة إلى «تفسير ابن كثير»، والنقل ليس فيه، وإنما عند الشوكاني في «فتح القدير» أيضًا. ولا عجب من وقوع الأخطاء المطبعية، أو السقط، أو التحريف، فإن المصنف أملى هذا الكتاب وهو هرم تجاوز التسعين من عمره، وقد احتوشته الأمراض، وأصيب ببصره، وكان يملي من حفظه، ويشير على تلاميذه بالنقل من بطون الكتب، ولم يراجع المطبوع بنفسه، والذي يعاني صنعة التأليف يقدر التعب والصعوبة التي تلحق بالمصنف في هذه الحالة من جهة، ورجحان احتمال وقوع الخطأ والسقط من جهة أخرى. رابعًا: جهدت في توثيق الأشعار وعزوها لقائليها، مع ذكر مصادرها من دواوين وكتب الأدب. خامسًا: جهدت في الإحالة على كتب الهلالي الأخرى، ولا سيما أشعاره ومقالاته. سادسًا: وثقت المسائل الفقهية، وبيّنتُ المذاهب التي أهملها، عازيًا لها إلى كتب المذاهب المعتبرة. سابعًا: وأخيرًا صنعت فهارس علمية وكشافات تحليلية للكتاب، تفيد الباحث والقارئ، ويستطيع أخذ بغيته من الكتاب بسرعة، ويقف من خلالها على كنوزه وجواهره وفوائده ومباحثه والله الموفق، لا رب سواه. والله تعالى أسأل، وبأسمائه وصفاته أتوسل أن يبارك في هذا الكتاب، وأن ينفع به قارئه وناشره ومحققه ومؤلفه، وهذا الذي دعانا اليوم للقيام بنشره، رغبة في حصول النفع به بعد ممات صاحبه - عليه الرحمة والرضوان - وتسهيلًا على من أراد الحصول عليه ممن يريد الدعوة إلى الله به على بصيرة. والله من وراء القصد. وأخيرًا، جزى الله خيرًا كل من كان سببًا في نشر هذا الكتاب، والإعانة على ذلك، ولو بالكلمة الطيبة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 77

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تنويه - وتقريظ (١) إن الحمد لله نحمده ونستهديه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيات أعمالنا، ونشهد أنه الله وحده لا شريك له ولا شبيه ولا نظير، متفرد بالسمو والكمال، ومستحق للعبادة والتعظيم والإجلال، ونصلي ونسلم على سيد الأولين والآخرين، والمبعوث رحمة وهداية للعالمين، محمد بن عبد الله والنبي الأمي الذي أزال الله به ظلمات الجاهلية عن العيون السادرة في الغواية، وأبطل بدعوته إلى الوحدانية المطلقة ضلال الأصنام والأوثان، وأقام من رسالته محجّة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك. أما بعد: فلم يكن في هذه الدنيا أمر شغل الخليقة وأثار فيها الجدل، بل مزق - أحيانًا - أمرها كل ممزق، وفرق بين القريب والحميم، وبين الأب وبنيه، والأخ وأخيه، مثل قضايا العبادة وفهم الأمم لها سلبًا أو إيجابًا. فالشرائع السماوية ودعوات رسل الله من نوح ﵇ حتى خاتمهم محمد بن عبد الله تنطلق من منبع واحد لا يتبدل ولا يتغير، دعوة مطلقة لعبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، ومع ذلك تقوم في وجه هذه الدعوة الصريحة المنجية دعاوى وضلالات، وأباطيل وخرافات تلبس ألف ملبس وتقعد للناس كل مقعد، حتى تنحرف بالمنخدعين وراءها إلى دروب مهلكة وإلى بعد سحيق عن كنف الله الذي لا يرضى لعباده الكفر، ومن هنا فإن أشرف ما ترقى له الهمم وتعلو به المراتب، ويتقرب به العبد إلى خالقه هو تبصير الناس بأسس التوحيد وركائزه، وبما قد يشوب هذه الركائز والأسس من انحراف قل أو كثر؛ لأن إفراد الله بالعبادة _________ (١) بهذا ابتدأ المجلد الأول من الطبعة السابقة.

стр. 78

خالصة مطلقة، ووضع كل الحدود أمام أي زيغ أو زلل عن هذا الطريق هو بمثابة الأرض الصلبة التي يقف عليها المرء مسلمًا آمنًا لا عوج فيه ولا اضطراب. والقرآن الكريم من أوله إلى آخره يذكر التالي له - بين آونة وأخرى - بهذا النهج الأبدي السرمدي المرتكز على أن الله متفرد في ملكه ومستحق وحده العبادة دون وسيط مهما كانت درجة قربه، ومهما كانت مكانته عند ربه. فالله واحد في تدبيره للكون أرضًا وسماء، واحد في استحقاقه لعبادة الخلق، واحد في أسمائه وصفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فإذا تحققنا وهو ما يقرره كتاب الله من أن البشرية لم تخلق أصلًا إلا من أجل هدف كبير، وغاية سامية، وهي أن تعبد الله وتخلص له القصد في القول والعمل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولن تستقيم أحوالها ويستتب صوابها إلا على هذه الركيزة الأساسية: الوحدانية المطلقة لله، واتباع سنن رسله ﵈، إذا تحققنا ذلك أدركنا - في بساطة ويسر - مدى العناية التي أعطاها القرآن الكريم من البداية إلى النهاية لقضية التوحيد في شمولها وعمومها، وما ضرب الله من أمثال تقربها من الأفهام وتدنيها من الوعي، وما أحاط بها في نفس الوقت من شبهات وزيغ، وما نشأ بسبب الفهم المضطرب لها - بين الحق وسواه - من فرق ونحل، ومن طرائق ومسميات، وأدركنا في نفس الوقت الجهد الكبير الذي بذله العلامة السلفي الدكتور محمد تقي الدين الهلالي الحسيني وهو يكتب مؤلفه «سبيل الرشاد» في سفر يضم ستة أجزاء في ثلاثة مجلدات عالج فيها بمهارة العالم المتمكن كل القضايا والجزئيات المتعلقة بأنواع التوحيد الثلاثة المعروفة، والتي ارتكز في معالجتها على أمرين: أ - الرجوع إلى المصادر الأولى: القرآن الكريم، وما ثبت عن رسول الله ﷺ من تبيان لبعض الآيات التي ينطلق منها بحثه، ثم آراء كبار المفسرين من أئمة السلف والخلف ومن نحا نحوهم وسار على خطاهم وخاصة في التوقف عن الخوض في أسماء الله وصفاته بغير علم ولا هدي، حيث يثبتونها كما أثبتها الله لنفسه من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تعطيل، فهي كمال مطلق لا ندرك كنهها ولا حدود قدرتها - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ب - ما عايشه هذا المؤلف الجليل في حياته المبكرة من ألوان المذاهب

стр. 79

والعقائد، وما خبر بحكم تقلبه في آفاق شتى من الأرض ما لهذه وتلك من حجج ومقومات، ولعلي لا أبالغ إذا قلت: إن شطرًا هامًا من هذا الكتاب الذي يُعنى بتتبع آيات التوحيد المبثوثة في القرآن الكريم التي تعالج هذه القضية الأساسية في التشريع، وفي تصنيف الإنسان كافرًا أو مؤمنًا أو زائغًا، وبالصراع الطويل القائم بين الرسل ومخالفيهم - على كثرتهم واختلاف بيئاتهم - لعلي لا أبالغ إذا قلت: إن شطرًا هامًا من هذا الكتاب قد تم إملاؤه بتأثر واضح مما عايشه من انحرافات وأباطيل، ومن دعاوى ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان، وبتأثر كبير من إقامته في المدينة النبوية معقل الرسول ومهاجره، والمثوى الكريم لجسده الطاهر ﷺ . إن الفكر المسلم يتجه أول ما يتجه في تلك الأرض الطيبة المفعمة بوحي الله إلى جهاد الرسول العظيم في سبيل دعوة الحق، وإلى ما ناله من أذى قومه وهو يعلنها صريحة قوية واضحة: أن اعبدوا الله وحده ولا تتخذوا من دونه من ولي ولا نصير، لقد نادى ﵇ أقرب الناس إليه، نادى فلذة كبده فاطمة وهو يحدد موقفه من ربه ومنها، ويزيل كل لبس قد يعلق بأذهان أمته وعبر مسيرتها في الأرض: «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت وأنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئًا» (١). أي تحديد أدق من هذا القول النبوي الفصل، وأي كلام أنفذ منه إلى المعنى الذي قصده، فإذا كان هذا حال محمد ﵊ وهو أعظم الخلق عند الله منزلة، وأرفعهم قدرًا، وقائدهم يوم الحشر العظيم، وشفيع من مات من أمته موحدًا لله خاضعًا لربوبيته المطلقة، فكيف يسمح العقل لأي إنسان يدعي الإيمان والإسلام أن يجعل بين الله وبينه شفيعًا، أو يتخذ من دونه واسطة، أو يلحد في أسمائه وصفاته، أو يصرفها عن ظاهرها أدعاء لتنزيه الله وتقديسه. إن الخالق العظيم وقد أوجد هذا الكون على غير مثال سبق، وأودع فيه الإنسان نفحة من نفحاته ليعمره بالعمل الصالح، وبالعبادة الخالصة، وأنزل له الشرائع، وبعث له الرسل تلو الرسل، يحملون آيات بينات، ووحيًا يتلقونه من السماء لإسعاد أممهم وتقويم عوجهم. إن هذا الخالق الكبير وهو يدعو هذا الإنسان إلى الاحتماء بكنفه والالتجاء _________ (١) أخرجه البخاري (٢٧٥٣، ٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٤) من حديث أبي هريرة.

стр. 80

إليه في سرَّائه وضرائه، وفي يسره وعسره، إنما يريد أن يكرمه في هذه الأرض، ويحرره من الخوف، ومن سيطرة وهيمنة أي مخلوق مهما علا شأنه وعظم قدره، فالناس في شرعة الحق سواسية لا يتفاضلون إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. إنني أيها القارئ العزيز لا أقدم كتاب: «سبيل الرشاد» بهذه السطور المتواضعة فالكتاب يقدم نفسه، والمؤلف معروف في ساحة الجهاد العلمي وفي ميدان الدعوة إلى الله كأقوى وأصلب ما يكون الدعاة، لكنها تحية فقط لهذا النوع من الجهاد الدؤوب الذي يأبى بعد سن الخامسة والتسعين إلا أن يكد ويجد، ويكافح وينافح. من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن عقيدة التوحيد الذي لا تشوبه شائبة، وهي تحية في نفس الوقت لسماحة العلامة الكبير الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية الذي شرف مكتبنا بالسهر على هذا المؤلف - طباعة وتوزيعًا، وهي سنة حميدة من سماحته نشهد أثرها على رقعة ممتدة من الأرض الإسلامية الفسيحة وبينها هذا البلد العزيز علينا - المغرب الأقصى - الذي حمل راية الإسلام والجهاد، وأثرى علماؤه المكتبة الإسلامية بنفائس مؤلفاتهم وكنوز معارفهم، وهي تحية تقدير للأميرة الجليلة الجوهرة بنت سعود بن عبد العزيز آل سعود الكبير التي تحملت على نفقتها الخاصة طباعة هذا المؤلف وتوزيعه مجانًا ابتغاء لوجه الله، وتطلعًا إلى مثوبته. إن نشر العلم النافع، وتيسير تداوله بين الناس من أعظم ما تتوجه إليه الهمم العالية، ويسعى إليه ذوو النفوس الخيَّرة لأن في ذلك إتاحة للنور أن يشرق في القلوب وإنذارًا للجهل أن يرحل، ولصديء ظلمته أن يتحول إلى طريق لاحب، وإلى نهج مضيء. فإذا كان الأمر بهذه الغاية من السمو فكيف بهذا العلم إذا استهدف في الأساس تصحيح عقيدة المسلم مع ربه، وتنقية توجهه إليه من أي شبهة أو ابتداع، ومن أي زيغ أو إلحاد أو تحريف، إنه سمو ما بعده سمو، وغاية تتدانى دونها كل غاية، إنه الانسجام التام مع الأسس التي حث عليها ديننا الحنيف، ورغب في فضلها، وأشاد بها في أكثر من موضع، وجعلها من الباقيات الصالحات التي تظل للإنسان بعد رحيله من هذه الحياة.

стр. 81

ومن هنا يمكن لنا أن نقيّم العمل البار الذي بادرت به الأميرة الجليلة (الجوهرة بنت سعود بنت عبد العزيز آل سعود الكبير) ابتغاءًا لوجه الله وطمعًا فيما عنده. فللمؤلف الجليل - شفاه الله، ولسماحة والدنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ولسمو الأميرة الوقورة - التي أتجاوز إرادتها بذكر اسمها الكريم علانية، لهم مني خالص الدعاء بأن يجزيهم الله أفضل ما يجازي به عباده المؤمنين وأن يبارك لهم فيما قدموه ويهدينا جميعًا سواء السبيل. محمد بن إبراهيم بن عبد السلام الملحق التعليمي السعودي بالمغرب الرباط في ٧/¬١/¬١٤٠٧ هـ - الموافق ١١/¬٩/¬١٩٨٦ م قال أبو عبيدة: انتهى ما في الطبعة السابقة، وبعده فيها ترجمة موجزة بقلم تلميذ الهلالي الأستاذ الشيخ عمر بن محمد محسن إمام وخطيب جامع الملك عبد العزيز آنذاك بالدار البيضاء، هذا نص ما فيها، والهوامش والتعليقات بقلمي. والله المستعان لا رب سواه:

стр. 82

نبذة من ترجمة المؤلف (١) _________ (١) قال أبو عبيدة: لصاحب هذه السطور ترجمة حافلة مبسوطة، فيها تتبع دقيق لمجريات حياته ورحلاته ومؤلفاته ومقالاته، ومن أغنى وأجمع مصادر ترجمته كتب الهلالي ومقالاته ومراسلاته وفتاواه، فهو كثير الاستطراد فيها، وكثير الحديث عن نوادره وأعلام عصره، وظهر ذلك في المقالات على وجه أظهر وأكثر، وقد جمعت منها - والله الحمد - لغاية تدوين هذه السطور نحو تسع مئة مقالة من مجلات وصحف وجرائد عديدة، سيأتي تسمية بعضها. ومصادر ترجمة الهلالي كثيرة متناثرة، وما زالت منها بقية في ذكريات كبار تلاميذه وأبنائه وذويه ومن كان قريبا منه، وحصلت على شيء من ذلك من خلال مراسلات ولقاءات وظفرت بترجمة له بخطه، كان قد كتبها بطلب من الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع، محفوظة في جامعة الملك سعود، أرسلها إليَّ الأخ عبد الإله الشايع حفظه الله في ٢٤/ ٨/ ١٤٢٦ هـ ترى مصورتها عقب هذه الترجمة، وأجريت معه - أي: الهلالي - مقابلات عديدة نشرت في غير صحيفة تفيد كثيرًا في ترجمته، وهي - ولله الحمد - مجموعة في كتابي «مقالات الهلالي». وذكر تلميذه محمد بن عودة في مقالة نشرها في جريدة «العلم» المغربية بتأريخ ١٤/ محرم/ ١٤٠٨ هـ - ٩/ ٩/ ١٩٨٧، السنة (٤١) العدد (١٣٥٥٣) (ص ٨) ما نصه: «وفي بعض صحواته أثناء ذلك المرض، قلت له: أرجو منك يا دكتور أن تملي علي بعد شفائك - إن شاء الله - من مرضك ترجمة لحياتك حتى أكتبها، فقال: لا، بل أمليها عليك الآن؛ لأني لست أدري: هل هناك متسع من العمر لذلك؟ وقد كتبت نحو الستين ورقة، وذلك في ثلاثة أيام، وشفي بعدها، واشتغلنا بكتابة الرسائل والرد على ما وصل إليه منها في مختلف الأقطار والأمصار، ولم أعد لكتابة شيء بعد ذلك من المذكرات، وأذكر أننا وصلنا إلى تجوله عبر العالم في مدينة تونس، وعمره ١٣ سنة. وقد حفظ القرآن الكريم، وقد ضاعت مني الكراستان للأسف الشديد». ومن الدراسات الجذرية عنه: دراسة مخلص السبتي المنشورة عن المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي سنة ١٩٩٣ م في (١٦٣) صفحة بعنوان «السلفية الوهابية بالمغرب تقي الدين الهلالي رائدًا وسجل اثنان من الباحثين في الجامعة الإسلامية رسائل ماجستير عن دراسات تخص جانبًا من حياته:

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . _________ = الأول: أخونا الأستاذ خالد الزهراني وعنوان دراسته: «محمد تقي الدين الهلالي وجهوده في الدعوة إلى الله». والثاني: أخونا الأستاذ عبد الرحمن العميسان، وعنوان دراسته «جهود محمد تقي الدين الهلالي في تقرير عقيدة السلف والرد على المخالفين». وما زالتا قيد الإعداد. وأخبرتني الأستاذة الدكتورة خولة ابنة الشيخ الهلالي أن بنتًا لأخت لها تعد رسالة ماجستير أيضًا، وهاتفتُ أمها في الجزائر، وأخبرتني أن ابنتها زينب عبد الكبير البكري تعد رسالة عن الشيخ الهلالي وترجمته لسورة يوسف مقارنة مع ترجمة أخرى، وظفرت لأبيها الأستاذ عبد الكبير البكري مقالة جيدة عن الهلالي بعنوان «نجم أفل» نشرت في جريدة «الميثاق» المغربية فاتح ذي القعدة ١٤٠٧ هـ، والعدد (٥٣٨) السنة (٢٤) (ص ٥). وهناك أطروحة دكتوراه تعد عن حياة الهلالي وفكره في جامعة جورج تاون بأمريكا، وهي بعنوان «تطور السلفية من خلال حياة وفكر محمد تقي الدين الهلالي» للوزري هنري. وأما الكتب التي ترجمت له، فهي «تحفة الإخوان بتراجم بعض الأعيان» للعلامة ابن باز - قيد الإعداد بتحقيق الأخ الباحث النابه محمد زياد التكلة - «التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين» (ص ١٢٣، ١٢٤)، «إمارة الزبير بين هجرتين بين سنتي ٩٧٩ - ١٣٤٢ هـ» لعبد الرزاق عبد المحسن الصانع وعبد العزيز عمر العلي. وفيه (٣/ ١٨٧ - ١٨٨) وفي مواطن متفرقة منه ومضات تخص الهلالي، انظرها في (٣/ ١٤٦، ٢٧٧، ٢٧٨، ٣٢٦)، «علماء ومفكرون عرفتهم» (١/ ١٨٣ - ٢١٧)، «من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة» (ص ٤٨٥ - ٤٩٦)، وكان قد نشر ما يخص الهلالي في مجلة «المجتمع» عدد (١٢٩٨) -، «ذيل الأعلام» (١/ ١٧٠، ١٧١)، «إتمام الأعلام» (ص ٣٤٦)، «الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال» (٢/ ٦٦٢ - ٦٦٧)، «من أعلامنا» فيه ترجمة في (٤٢) صفحة، «أعلام وعلماء عايشتهم» لإسماعيل بن سعد العتيق، «لمحات من الماضي» (ص ٣٣٢ - ٣٣٤) لعبد الله الخياط، وفي كتاب «المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد الأنصاري ﵀ وسيرته وأقواله ورحلاته» (٢/ ٥٩٢، ٥٩٨، ٦٠٤، ٦٠٦، ٦١٧، ٦١٨، ٦٢٨، ٦٣٣، ٦٥٥) إضاءات مهمة عن حياته، وهنالك ومضات وإفاضات وإضافات في ترجمته في كتب أخرى، مثل: «ذكريات الطنطاوي» (٤/¬٤٦) «جولات في الفكر الإسلامي»، «أحاديث عن الأدب المغربي الحديث» (ص ٨٥، ٨٦، ٩٥، ٩٦) كلاهما لصديقه العلامة عبد الله كنون ﵀، «حياة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وآثاره» (ص ٧٢)، «فتح الجليل في ترجمة وثبت شيخ الحنابلة عبد العزيز بن عبد العزيز العقيل» (ص ٥٩، ١٧٤، ٣٦٤،٣٦٦)، «معجم المعاجم والمشيخات» (١/ ٨٧، ٩٨ و ٣/ ١٥٧)، «في مسيرة الحياة» (٩١، ٩٧ - ١٠٠، ١١٦، ١١٨، ٣٧٦)، «مذكرات سائح في الشرق العربي» (٧٣)، ٧٤، ١٦٥، ٢٣٣،

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . _________ = (٢٤٤)، «رحلات العلامة أبي الحسن الندوي» (ص ٤٠٣، ٤١٠، ٤١٦) و «أسبوعان في المغرب الأقصى» (٦٣، ٧٣، ٧٧، ٨٢)، «شخصيات وكتب أثرت في حياتي» (ص ٤٦، ١٥٠) كلها لأبي الحسن الندوي، «جهود مخلصة في خدمة السنة المطهرة» (١٨٠)، «معجم الشعراء» (٤/ ٣٥٣)، «القول الوجيز» (٨٠)، «أبو الحسن علي الحسني الندوي الإمام المفكر الداعية الأديب» (ص ٦٩، ٧٠)، «الأستاذ أبو الحسن الندوي الوجه الآخر من كتاباته» (ص ٦٧٣، ٦٧٤)، «السيد رشيد رضا وإخاء أربعين سنة» (١١٩، ٣٤٥، ٣٩٣، ٣٩٥، ٥٤٨، ٥٤٩)، «عبد العزيز الثعالبي من آثاره وأخباره في المشرق والمغرب» (٤٣، ٣٧)، «جماعة أنصار السنة المحمدية» (ص ٢٩٤، ٣٢٠). وللهلالي مدح وثناء وذكر لأهم الأحداث التي وقعت في حياته في عدد من «المجلات»، وأكثرها احتفاءً وعناية به: «الفتح» المصرية، ودعوة الحق المغربية، وله ذكر في «الصراط السوي» الجزائرية، و «الهدي النبوي» المصرية، و «البصائر» الجزائرية، و «الجامعة السلفية» و «الرائد» الهنديتان، و «التمدن الإسلامي» الدمشقية، ومجلتيه: «الضياء» الهندية، و «لسان الدين» التطوانية، وله أيضًا ذكر في «الإخوة الإسلامية» و «الثقافة الإسلامية»، و «السجل» العراقيات. وترجم له في مجلة «التربية الإسلامية» العراقية العدد الثاني، صفر ١٤٠٩ هـ (ص ٥٧، ٥٨)، ومجلة «المنهل» (٤٩٩) و «الفرقان» المغربية العدد (١٠) سنة ١٩٨٧ م، و «الاستجابة» السودانية العدد (٩) السنة (٣) رمضان ١٤٠٨ هـ (ص ٤٢ - ٤٣) وجريدة «الجزيرة» السعودية عدد (١٠١٢٣)، و «البحوث الإسلامية» السعودية، العدد (٨) ذو العقدة، ذو الحجة ١٤٠٣ هـ (ص ٢٠٦) (مختصرة)، وفي مجلة «البيان» البريطانية، العدد (١٧٤) صفر سنة ١٤٢٣ هـ (ص ٣٨) وفي أول «ترجمة لتفسير معاني القرآن» الطبعة (١٢) سنة ١٩٩٥ م (ص ١٦) ترجمة موجزة له باللغة الإنجليزية. وأخبرني تلميذ الهلالي فضيلة الشيخ عبد الحميد الرحماني الهندي أنه نشر مقالة بالأردية في ترجمته في مجلة «التوعية الإسلامية» الهندية، ثم وجدت ترجمة جيدة للهلالي بقلمه نشرها في مجلة «صوت الجامعة» السنة الثالثة، العدد الأول شعبان ١٣٩٢ هـ، أكتوبر ١٩٧١ م (ص ١٣ - ١٨)، ونشر سعيد الأعظمي الندوي مقالين في مجلة «البعث الإسلامي» المجلد (٣٢) العدد (٥، ٦) ١٤٠٨ هـ بعنوان (عالم فقدناه العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي المراكشي)، ووجدت أيضًا في مجلة «صوت الجامعة» الهندية، المجلد الأول، العدد الثاني، شعبان ١٤٠٨ هـ، (ص ٤٥ - ٥٤)، مقالة دون توقيع بعنوان (خاتمة شاهد قرن، كيف ودعت المغرب العالم المجاهد محمد تقي الدين الهلالي؟) ونشرت في مجلة «المجتمع» الكويتية العدد (١٢٩٨) سنة ١٤١٩ هـ مقالة بعنوان «الشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي بقلم المستشار عبد الله العقيل، ونشر في مجلة «الفرقان»، المغربية، العدد العاشر سنة ١٩٨٧ (ص ٤ - ٧) ترجمة بعنوان العالم الجليل الدكتور الهلالي في ذمة الله»، واعتمدت المجلة على ترجمة محسن المثبتة هنا، ونشرت جريدة «العلم» =

стр. 85

نسبه : هو محمد تقي الدين (١) بن عبد القادر الهلالي، نسبة إلى هلال الجد الحادي عشر، ابن محمد المعروف بـ: بابا ابن عبد القادر بن الطيب بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن عبد النور بن عبد القادر بن هلال بن محمد بن هلال بن إدريس بن غالب بن محمد المكي بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن إدريس بن إسماعيل (٢) بن سليمان بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة الزهراء بنت محمد ﵌. فهو كما ترى ينتهي نسبه ﵁ إلى الحسين بن علي ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين، وأقر هذا النسب السلطان الحسن الأول حين قدم سجلماسة سنة ١٣١١ هـ (٣). نشأته : ولد أطال الله بقاءه سنة ١٣١١ هـ بالفيضة القديمة وتسمى «الفرخ» على بضعة أميال من الريصاني، والأصل قرية أولاد عبد القادر في «الغرفة» من أرض سجلماسة المعروفة بتافيلالت من المملكة المغربية. _________ = المغربية، بتأريخ ١٤ محرم ١٤٠٨ - ٩/ ٩/ ١٩٨٧ (ص ٨) السنة (٤١) العدد (١٣٥٥٣) مقالة بعنوان (في رفقة الدكتور تقي الدين الهلالي) لتلميذه محمد بن عودة، ونشرت مجلة «السبيل» المغربية، العدد الثالث، بتأريخ ٢٩ شعبان ١٤٢٦ هـ - الموافق ٤ أكتوبر ٢٠٠٥ م (ص ٢٣) مقالة موجزة في ترجمته، وهنالك أخبار عنه في صدور وعقول تلاميذه وعارفيه، وسمعت من غير واحد أشياء كثيرة ومهمة ومفيدة. (١) قال الهلالي: إن والدي رأى في المنام قائلًا يقول له: سيولد لك غلام، فسمه (محمد التقي) فكان ذلك، ولكن أهل الهند سموني (تقي الدين) فاشتهر اسمي ب (محمد تقي الدين) من «علماء ومفكرون عرفتهم» (١/ ١٩٣)، وفي «السلفية الوهابية» (٢٧): «ومرة سأله بعض شيوخه عن اسمه؟ فقال له: محمد التقي، فقال الشيخ: لا تقوى بدون دين، فأنت محمد تقي الدين» (أبو عبيدة). (٢) الصحيح أن يقال: إدريس بن موسى بن إسماعيل (أبو عبيدة). (٣) وليس له لقب، وكنيته أبو شكيب على اسم صديقه الأمير شكيب أرسلان ﵀.

стр. 86

دراسته : قرأ القرآن على جده ووالده فحفظه وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان والده ينوي أن يبعثه إلى مقرئ ذلك العصر، الشيخ أحمد بن صالح ليقرأ عليه ختمة التجويد، كما كان عازمًا على السفر به إلى القرويين بفاس لطلب العلم هناك، فعاجلته المنية وهو في نحو الثالثة عشرة من عمره فقامت بذلك أمه، فقرأ على الشيخ المذكور القرآن من أوله إلى آخره بالتجويد، ثم بقي فترة بدون تعليم. ولما بلغ سن الرشد سافر إلى زاوية آيت إسحاق بقبيلة آيت أخلف، وبقي هناك سنتين، ثم عاد إلى تافيلالت، ثم سافر إلى الجزائر وأقام بقبيلة أحميان، ولم يكن يخطر له التعلم ببال إلى أن رأى النبي ﷺ (١) في المنام، وقال له: اقرأ العلم، فصار عنده عزم شديد على طلب العلم، فتوجه إلى الرجل الصالح الشيخ محمد سيدي بن حبيب الله الشنقيطي، فقص عليه رؤياه، فأعطاه نسخة من «مختصر الشيخ خليل» وقال له ابدأ في حفظ هذا الكتاب، وكلما اجتمعنا شرحت لك بعضه، فاستمر يحفظ، وبعد مدة ذهب إليه وأقام عنده يتعلم الفقه والنحو حتى فتح الله عليه في علم النحو وصار الشيخ ينيبه عنه في غيابه، وإلى أن مات الشيخ الشنقيطي سنة ١٣٣٨ هـ، ثم توجه إلى مدينة وجدة فبقي مدة عند العالم الأديب السيد أحمد السكيرج يعلم ابنه الأستاذ عبد الكريم وابن أخيه عبد السلام ثم توجه إلى فاس وحضر في القرويين دروس بعض الأستاذة، وعلى رأسهم العالم المحقق المصلح السيد الفاطمي الشرادي - رحمة الله عليه - ومن أجل من لقي من علماء فاس وأكثرهم تأثيرًا في أحواله واتجاهه في طلب علم الكتاب والسنة، العالم المحقق الشيخ محمد بن العربي العلوي - رحمة الله عليه - وجرت بينه وبينه مناظرة (٢)، فحصل على إجازة من جامع القرويين عادلتها جامعة «بون» الألمانية بالشهادة الثانوية «الباكلورية». _________ (١) انظر: كتاب «الدعوة إلى الله» للمؤلف. (منه). (٢) انظر: كتاب «الهدية الهادية» للمؤلف (منه). قال أبو عبيدة: وذكر الهلالي في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ٧٣، ٧٤) أنه نشر في صحيفة «الحرية» ثلاث مقالات تحت هذه الترجمة (كيف خرجت من الطريقة التيجانية) قال: وذكرت فيها قصة خروجي وتوبتي من هذه الطريقة وأقمت البراهين على بطلانها. قال أبو عبيدة: وذكرت فيما مضى (ص ٣٠ وما بعدها) خلاصة قصة رجوعه إلى التوحيد والسنة، ومناقشته مع شيخه محمد بن العربي العلوي، التي على إثرها ترك الطريقة التيجانية واتبع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة (أبو عبيدة).

стр. 87

وفي آخر سنة ١٣٤٠ هـ سافر إلى القاهرة وحضر دروس القسم العالي بالأزهر، وخلال ذلك اجتمع بعدد كبير من العلماء الأجلاء، وعلى رأسهم الإمام المصلح، السلفي الطائر الصيت الأستاذ رشيد رضا صاحب «المنار» (١). وكانت له رغبة في طلب الحديث، فعزم على السفر إلى الهند (٢) لعلمه أنه لا تزال بقية من علماء الحديث في الهند، فسافر لأداء فريضة الحج ومنها إلى الهند، فمكث هناك يدرس الحديث ويدرس الأدب العربي إلى أن أخذ العلم والإجازة عن شيخه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري صاحب كتاب: «تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي» وله في هذا الكتاب قصيدة أثبتها المؤلف في آخر «المجلد الرابع» (٣). وأجازه كذلك الشيخ محمد بن حسين بن محسن الحديدي الأنصاري اليماني نزيل «بهوبال» ثم رحل من الهند سنة ١٣٤٣ هـ إلى العراق وأثناء إقامته بمدينة البصرة التقى بالعالم السلفي الأديب، المحدث المحقق الشيخ محمد بن أمين الشنقيطي (٤) فزوجه ابنته وانتفع كثيرًا بمجالسته ومذاكرته، وبعد ثلاث سنوات توجه إلى المملكة العربية السعودية فأقام بها في ضيافة الملك عبد العزيز ثم عين مراقبًا للمدرسين في المسجد النبوي مدة سنتين، ثم مدرسًا في المسجد الحرام والمعهد السعودي لمدة سنة، وبعدها سافر مرة أخرى إلى الهند، فعين رئيسًا لأساتذة الأدب العربي في كلية ندوة العلماء «بلكنو» مدة ثلاث سنوات تعلم _________ (١) نشر الهلالي في «المنار» مجموعة مقالات منها «مناظرة في مسألة القبور والمشاهد» نشر على (٧) حلقات و «مأساة أميرة شرقية» على حلقتين (ولم يتم)، ونقل السيد رشيد بعض مقالات نشرها الهلالي في «الفتح» وكان رضا في نزاعه مع شكيب أرسلان يحكمان الهلالي في المسائل اللغوية. (أبو عبيدة). (٢) لما رأى «عون المعبود» علم أن بقية من المحدثين في الهند، فرحل إليهم، والتقى بالعلامة المباركفوري وأجازه واستفاد منه. (٣) وله أيضًا قصيدة في أوله، ولكنه لم يسمه واكتفى بقوله: «بعض الأعلام»، وانظر: عنها مقالة أخينا البحاثة الأستاذ صلاح مقبول في العلامة أبو العلى عبد الرحمن المحدث المباركفوري المنشورة في مجلة «الجامعة السلفية» المجلد (٩) العدد (١) صفر ١٣٩٧ هـ (ص ٦٠ - ٦٤). (أبو عبيدة). (٤) ليس هو بصاحب «أضواء البيان»! كما قال بعض مترجمي الهلالي، وللهلالي ترجمة مطولة عنه نشرت في «الفتح» وعنها «المنار»، أودعتها في كتابي «مقالات الهلالي»، يسر الله نشره. (أبو عبيدة).

стр. 88

خلالها اللغة الإنجليزية (١)، ثم رجع إلى البصرة وبعد ثلاث سنوات سافر إلى «جنيف» ونزل عند الزعيم المجاهد أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، وكانت عنده رغبة لإتمام الدراسة الجامعية فكتب الأمير شكيب أرسلان ﵀ إلى أحد أصدقائه بألمانيا يقول: عندي شاب مغربي أديب ما دخل ألمانيا مثله في العلم، يريد أن يدرس في إحدى الجامعات، فعسى أن تجدوا له مكانًا لتدريس الأدب العربي براتب يستعين به على الدراسة، فجاء الجواب بالقبول وعين محاضرًا في جامعة «بون» وفي ظرف سنة تعلم اللغة الألمانية (٢) وحصل على ديبلوم فيها، ثم صار طالبًا في الجامعة. وفي أثناء إقامته بألمانيا ترجم مع الأستاذ «باول كالي» مدير معهد العلوم الشرقية في جامعة «بون» كتابين عربيين: أحدهما كتاب «البلدان» في الجغرافية العالمية للعلامة محمد بن الفقيه البغدادي المتوفى في آخر القرن الثالث الهجري، والثاني كتاب: «طيف الخيال» (٣) للعلامة محمد بن دنيال الكحال الموصلي نزيل مصر. _________ (١) في قصة طريفة جدًا ذكرها في كتابه «البراهين الإنجيلية» فانظرها هناك، تولى الله هداك. (أبو عبيدة). (٢) كان الهلالي يتقن العربية، بل كان فحلًا وإمامًا لا يبارى فيها، قال عنه العلامة حماد الأنصاري: كان كالأصمعي، وكان الهلالي يجيد الإنكليزية والألمانية والإسبانية والعبرية والبربرية، وأخبرتني ابنته خولة أنه كان ملمًا بالفرنسية، ووجدته يذكر في بعض مقالاته أنه يفهم الأفغانية والسريانية، وكان عارفًا بالإمغازية وبلغة بريل، تعلمها لما أضر، وكان عنده بها «شرح العقيدة الطحاوية». (أبو عبيدة). (٣) أشار الأستاذ كركيس عواد في «الذخائر الشرقية» (١/ ٥٢٠) أنه طبع في بغداد سنة ١٩٤٨ م بعنوان «ثلاث مسرحيات عربية مثلت في القرون الوسطى»، وزاد صاحب «فهرست المطبوعات العربية» (٢/ ٣٣٠) أنها تقع في (٤٨) صفحة، ونشرت عن مطبعة الاعتماد، ومن الأعمال التي ترجمها الهلالي: «مدنية العرب في الأندلس» لجوزيف ماك كين، ترجمه عن الإنجليزية وطبع لأول مرة في بغداد عن مطبعة العاني سنة ١٥٩٠ هـ بعنوان «الهلال والصليب». ثم طبع بالعنوان المذكور في الدار البيضاء، مكتبة المعارف، سنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م في (١١١) صفحة وترجم جملة من المقالات، منها: «الطبقات عند العرب» ذكرها في كتابه «الخلع» (ص ٥٣)، وله ترجمة «كيف يربي يهود الولايات المتحدة أولادهم» نشر في مجلة الجامعة السلفية المجلد (١٠) العدد (٢) صفر ١٣٩٨ هـ (ص ١٠، ١١)، ونشر في المغرب على هيئة كتيب ومن أهم أعماله في الترجمة: ترجمة معاني القرآن الكريم، مع صديقه محمد محسن خان سيأتي ذكرها ضمن المؤلفات برقم =

стр. 89

وأثناء إقامته في ألمانيا عين مشرفًا ومرجعًا لغويًا بالقسم العربي من الإذاعة الألمانية، فوجدها فرصة سانحة لفضح جرائم المستعمرين لبلده المغرب من الفرنسيين والإنجليز، فألقى من على منبر تلك الإذاعة خطبًا كانت على المستعمرين خطوبًا، وكان بسببها أن نفته فرنسا من المغرب نفيًا رسميًا مع أنه كان غائبًا عنه كما عملت بريطانيا على نزع جنسيته العراقية التي كان تجنس بها سنة ١٩٣٤ م. وفي سنة ١٩٤٠ قدم رسالة دكتوراه، وهي ترجمة مقدمة كتاب «الجماهر في الجواهر» للبيروني مع التعليق عليها (١) وهكذا حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة سنة ١٩٤١ م ثم بعد الحرب العالمية الثانية عين أستاذًا بجامعة بغداد وفي سنة ١٩٤٢ م سافر إلى تطوان بمساعدة الأستاذ المجاهد عبد الخالق الطريس (٢) رئيس حزب الإصلاح الوطني إذ ذاك فبقي إلى أن كاد له الإسبان ونزعوا منه _________ = (٣٢) ولنا كلمة عنها تنظر في التعليق هناك، وللهلالي أيضًا ترجمة «مختصر صحيح البخاري» بالاشترك مع خان أيضًا، وتكلمت عليها بإسهاب في ترجمتي المفردة له. (أبو عبيدة). (١) ذكر الأستاذ الجراري في كتابه «التأليف ونهضته بالمغرب» (ص ١٢٤) أنها طبعت في (لا يبزك) في ألمانيا، قلت: نعم رأيتها بالألماني في (٤١) صفحة، نشرت ضمن (مجموعة البحوث الشرقية) (جزء ٧) عن دار أوتو هاغاسوفيتسي، ليبزج وذكر الهلالي فيما كتب إلى المجذوب في علماء ومفكرون عرفتهم (١٩٠، ١٩١): «رغب الناشرون في نشر رسالتي على نفقتهم، ولا يقع ذلك إلا للرسائل المفضلة». وللهلالي في كتابه «الطريق إلى الله» (ص ٦٤ - ٦٦) كلمة جامعة مهمة عن أطروحته هذه. ثم ظفرت بكلمة جيدة للألماني (كاله) نشرت في مقدمة كتاب ابن المعمار البغدادي الحنبلي (ص ١١٢) فيها مدح لعمل الهلالي في رسالته ومما قال: «وكان عملنا المشترك (يريد نص الفتوة والمروءة) من كتاب الجماهر في الجواهر للبيروني، ونشر في مجلة دير إسلام الألمانية، الجزء (٢٤)، سنة ١٩٣٧ (ص ٥٤ - ٦٩) يهم الهلالي، لأنه حفزه للبحث في مقدمة كتاب البيروني في «الجواهر فاشتغل بتحقيقها على النحو الذي ابتدأنا به، وبهذا العمل نال شهادة الدكتوراه في الفلسفة على يد (ريجارد هرثمن) في برلين سنة ١٩٤١، واسم رسالته ترجمة مقدمة كتاب الجماهير في الجواهر للبيروني مع تعليقات عليها»، وهو عمل علمي جليل من الطراز الأول». انتهى. ونشر الهلالي في جريدة «الحرية» المغربية مقالة عن أستاذه (ريكارد) في السنة السادسة، العدد (٧٩٧) ٢٤ جمادى الثانية. (أبو عبيدة) (٢) انظر ترجمته في: «الأعلام» (٣/ ٢٩١) (أبو عبيدة).

стр. 90

جوازه بدعوى أنه مزور، وفي سنة ١٩٥٩ م عين أستاذًا بجامعة محمد الخامس بالرباط ثم بفرعها بفاس إلى سنة ١٣٦٨ هـ، حيث سافر مرة أخرى إلى ألمانيا ومنها إلى الأراضي القطبية (١). وفي سنة ١٣٨٨ هـ توجه إلى الحج وفي منى اجتمع بالعالم الورع الذي يقل نظيره في هذا العصر ألا وهو الأستاذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فقال له: إن الجامعة الإسلامية في حاجة إليك، فقال: وأنا مستعد لخدمتها، فكتب الشيخ عبد العزيز وطلبه من وزارة التعليم المغربية، فالتحق أستاذًا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وبقي بها إلى سنة ١٣٩٤ هـ، حيث طلب منه إخوانه في المغرب أن يستقر في المغرب للدعوة إلى الله تعالى والمحافظة على العقيدة السلفية، فعرض الأمر على رئيس الجامعة الإسلامية آنذاك الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فوافق عليه ورجع إلى المغرب، وسكن مكناس فصار يعطي الدروس بمساجدها وينتقل بين مساجد مدن وقرى المملكة المغربية فثقل ذلك على المبتدعة وأغصهم بريقهم فوشوا به وطلبوا منعه وتوقيفه، ولو آمنوا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣] لكان خيرًا لهم، وللدكتور محمد تقي الدين مواقف جليلة في الدعوة إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك (٢). فلتراجع أخي القارئ إن أردت الوقوف عليها إلى كتابه القيم «الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة». مؤلفاته : أما مؤلفاته فهي أكثر من أن تحصى فنذكر منها على سبيل الاختصار: ١ - سبيل الرشاد، الذي بين يديك (الجزء الأول) منه (٣). _________ (١) وصل إلى (النرويج)، وله مقالة منشورة في ذلك بعنوان «الشمس في نصف الليل» وهي في كتابنا «مقالات الهلالي». (أبو عبيدة). (٢) ذكرت ذلك مطولًا في تقديمي لهذا الكتاب، وانظر منه (ص ٢٦ وما بعد). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (أبو عبيدة). (٣) وقد أتمه وطبع في حياته، وهذه خدمتي له، وذلك بفضل الله ومنته. (أبو عبيدة).

стр. 91

٢ - الإلهام، في تفسير سورة الأنعام (١). ٣ - الحسام الماحق، لكل مشرك ومنافق (٢). ٤ - ديوان شعر (٣). ٥ - الإسلام والمذاهب الإشتراكية (٤). ٦ - دواء الشاكين وقامع المشككين (٥). ٧ - من يوافقني من الرباط إلى برلين (٦). ٨ - رسالة الدكتوراه (٧). ٩ - مدنية العرب في الأندلس (ترجمة) (٨). ١٠ - كتاب الدعوة إلى الله (٩). _________ (١) نشر على حلقات في مجلة «الجامعة السلفية» الهندية، وقد طبع حديثا في بنارس، وهو مودع في «مقالاتنا» الجامعة الحافلة، والحمد لله. (أبو عبيدة). (٢) طبع أكثر من مرة في المغرب ومصر والسعودية. (أبو عبيدة). (٣) اسمه «منحة الكبير المتعالي في ديوان محمد تقي الدين الهلالي» حصلته مرقوما على الآلة الكاتبة، وفرغت من تنضيضه مع جمع سائر أشعاره وتوثيقها من كتبه ومقالاته. (أبو عبيدة). (٤) له بهذا العنوان مقالة نشرت في مجلة «الجامعة الإسلامية» العدد (١٠) شوال ١٣٩٠ هـ (ص ٣ - ١٨) وأيضا في مجلة «دعوة الحق» المغربية، السنة الثانية عشر، العددان (٧ و ٨) شعبان - رمضان ١٣٩٧ هـ (ص ١٥ - ٢٢)، وله في مجلة «الفتح» (٥٨١) شوال ١٣٥٦ هـ مقال بعنوان «الشيوعية أعظم لعنات العصر»، وله في مجلة «الهدي النبوي» المجلد (١٥) العدد (٧) رجب ١٣٧٠ هـ (١٥٤ - ١٥٧) مقال بعنوان: «داء الشيوعية ودواؤه». (أبو عبيدة). (٥) نشر على حلقات عديدة في مجلة «دعوة الحق» المغربية، ثم طبع على حدة. (أبو عبيدة). (٦) نشر على حلقات في مجلة «الجامعة السلفية» الهندية، سنة ١٣٩٩ هـ، من العدد (٢ - ٥، ٨). (أبو عبيدة). (٧) سبق التعريف بها وأنها طبعت بالألمانية في لايبزك. (أبو عبيدة). (٨) ترجمه الهلالي من الإنكليزية، وطبع مرتين في العراق ثم في المغرب عن مكتبة المعارف - الدار البيضاء، وفي كل من الطبعتين زيادة على الأخرى. (أبو عبيدة). (٩) طبع في المغرب قديما، وعن دار الفتح في الإمارات العربية المتحدة، ويذكر تلميذ الهلالي العلامة محمد بوخبزة أنه وقع له فيه أخطاء، وصور لي نقداته عليه، جزاه الله خيرا. (أبو عبيدة).

стр. 92

١١ - أحكام الخلع في الإسلام (١). ١٢ - حكم تارك الصلاة (٢). ١٣ - الصراط المستقيم ودليله (٣). ١٤ - الفجر الصادق (٤). ١٥ - قبسة من أنوار الوحي (٥). ١٦ - الصبح السافر في حكم صلاة المسافر (٦). ١٧ - تفسير سورة الفتح (٧). ١٨ - فتح الرحمن في تفسير أم القرآن (٨). _________ (١) نشر عن المكتب الإسلامي، بيروت أكثر من مرة، وعن غيره. (أبو عبيدة). (٢) طبع في مجموع فيه «الصراط المستقيم في صفة صلاة النبي الكريم»، و «ذيل الصراط المستقيم» بعنوان: مجموعة ثلاثة كتب للهلالي يقع في (٣٢) صفحة، ونشر طبعة وقفية، وذكر في أوله (ص) (٣) أنه ألفه لما سأله جماعة من إخوانه الموحدين وانتصر فيه لتكفير تارك الصلاة تكاسلًا. (أبو عبيدة). (٣) ألفه في مدة إقامته بتطوان، واستمرت من ربيع ١٩٤٢ إلى صيف ١٩٤٧، وقرظه أحمد الغماري في جريدة الأخبار المغربية، وطبع مع الكتاب السابق. (أبو عبيدة). (٤) نشر بعنوان «بيان الفجر الصادق وامتيازه عن الفجر الكاذب»، طبع في المغرب في (١٧) صفحة. (أبو عبيدة). (٥) طبع عن مكتبة المعارف، الرباط، سنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م في (١٤٦) صفحة، وهو عبارة عن أربعة أقسام: واحد في علوم القرآن، والثاني في تفسير سورة الفتح، والثالث نبذة في علوم الحديث، والأخير: نبذة عن الأحاديث مع شرحها شرحًا يعالج مشكلات العصر الحديث. (أبو عبيدة). (٦) نشر على أربع حلقات في مجلة الهدي النبوي المصرية، المجلد (٢٨، ٢٩) سنة ١٣٨٣ و ١٣٨٤ هـ، وطبع على حدة أكثر من مرة في المغرب ومصر، وللشيخ حماد الأنصاري كلمة في نقده، أفاده ابنه صديقنا عبد الأول في «المجموع» الخاص بحياة أبيه (٢/ ٦١٧ - ٦١٨). (أبو عبيدة). (٧) انظر: التعليق على رقم (١٥) السابق. (أبو عبيدة). (٨) سماه هكذا في «ذيل الصراط المستقيم» (ص) وفي «سبيل الرشاد» (٦/ ١٤٩) - وأورد قطعة منه - وأورد كذلك في كتابه الحسام الماحق أكثر من (٤) صفحات من تفسير له بالفاتحة سماه «المنح السانحة في تفسير سورة الفاتحة» ويحتمل أن يكون العنوانان لكتاب واحد، ثم وجدت له مقالًا منشورًا في مجلة الثقافة الإسلامية البغدادية السنة الثانية، العدد الرابع، السبت ١٨ جمادى الثاني ١٣٧٦ هـ - ١٩ كانون الثاني ١٩٥٧ م (ص ٣، ٤) =

стр. 93

١٩ - الزند الواري شرح واختصار صحيح البخاري (١) (جـ ١ فقط). ٢٠ - من مآثر الرسول ﷺ (٢). ٢١ - تقويم اللسانين (٣). ٢٢ - الفوائد السامية، في تاريخ اللغات السامية (٤). ٢٣ - الفتاوى الهلالية (٥) (جـ ١ و ٢). ٢٤ - الهدية الهادية (٦). _________ بعنوان «تفسير سورة الفاتحة» ولا أظنه هذا الكتاب. (أبو عبيدة). (١) ذكره جل من ترجم للهلالي، لم أظفر له بذكر في كتب ومقالات الهلالي التي وقفت عليها، والعبارة المذكورة تنبئ أن الكتاب تام بخلاف عبارات المترجمين. ثم وقفت على فتاوى الهلالي المسماة بـ «العيون الزلالية» (ق ٢١٣) ووجدته يذكره فيه، وسماه «الزند الواري والبدر الساري في اختصار وشرح صحيح البخاري» ونقل عشرة أسطر منه، ووجدته يذكره أيضًا في رسالة وجهها للأستاذ السلفي المربي محمود مهدي الإستانبولي ﵀، وهي مؤرخة بـ ١/ ٢٦/ ١٣٨٨ هـ، ومما قال فيها: «وقد بدأت في شرح البخاري شرحًا يستفيد منه الواعظ والطالب، وأنا بنفسي أستفيد منه؛ لأن الشروح الموجودة لا يمكن تدريسها في المساجد؛ لأنها محشوة بأشياء تعطل درس الوعظ، وتشوش على السامعين». (أبو عبيدة). (٢) نشر على حلقات في مجلة «الإرشاد» المغربية، السنة الأولى، الأعداد (١ - ٨) سنة ١٣٨٧ هـ والسنة الثانية، الأعداد (١ - ٦) سنة ١٣٨٨ هـ، والسنة الثالثة، الأعداد (٣ - ٤) سنة ١٣٨٩ هـ و ١٣٩٠ هـ والسنة الخامسة، العدد الأول، سنة ١٣٩٢ هـ. (أبو عبيدة). (٣) نشر على حلقات عديدة في مجلة «دعوة الحق» المغربية، ثم طبع في المغرب مرتين على حدة، وله في المجلة المذكورة تتمات نشرت فيما بعد، لم تلحق بالكتاب! وهي جميعًا في كتابنا «مقالات الهلالي». (أبو عبيدة). (٤) طبع للهلالي كتيب بعنوان «اللغة العربية»، وذكره له بهذا الاسم جمع من مترجميه. (أبو عبيدة). (٥) لم تنشر، وهي في مجلدين بعضها بخط بعض الكتبة عنده، والآخر مرقوم على الآلة الكاتبة، واسمها «العيون الزلالية في الفتاوى الهلالية»، ونشر قسمًا قليلًا منها في بعض المجلات والصحف المغربية. (أبو عبيدة). (٦) تتمة اسمه إلى الطائفة التجانية، طبع أكثر من مرة، أولها سنة ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م، وذكر في مقدمته (ص ٥ - ٦) أنه ألفه بطلب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وذكر في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص) أنه العلامة ابن باز أمر بطبع عشرة آلاف نسخة منه، وانظر: «سبيل الرشاد» (٦/ ٢١٩) ولأهميته ذكر في رسالة وجهها الهلالي لأخيه الأستاذ زهير الشاويش حفظه الله، مؤرخة في ٤/ ٨/ ١٣٩٢ هـ. ثم ظفرت برسالة للعلامة =

стр. 94

٢٥ - مختصر هدي الخليل (١). ٢٦ - البراهين الإنجيلية (٢). ٢٧ - مسرحيات طيف الخيال (٣) (ترجمة). ٢٨ - دليل الحاج (٤). ٢٩ - حاشية على كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب (٥). ٣٠ - حاشية على كشف الشبهات (٦). ٣١ - ترجمة القرآن باللغة الإنجليزية بمشاركة الدكتور محمد محسن (٧). عبد الله كنون وجهها للهلالي فيها بيان أخطاء وقعت للهلالي في هذا الكتاب، وأقر بها الهلالي في جوابه له. (أبو عبيدة). _________ (١) تتمة اسمه في العقائد وعبادة الجليل طبع أكثر من مرة، الأولى في تطوان، والثانية في بغداد، ثم في الدار البيضاء، ثم لتأليفه قصة، تجدها في كتابه «الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة» (ص ٨٢). (أبو عبيدة). (٢) تتمة اسمه «على أن عيسى ﵇ داخل في العبودية ولا حظ له في الألوهية» نشر على حلقتين في مجلة «الجامعة السلفية» الهندية، المجلد (١٧)، العدد (٢، ٣) سنة ١٤٠٥ هـ، وقبل ذلك في مجلة «الإحياء» المغربية المجلد (٢)، الجزء الأول، رجب - ذو الحجة ١٤٠١ هـ (ص ٩ - ٢٥)، وطبع قبل ذلك عن مطابع دار الثقافة بمكة في الزاهر، عام ١٣٩٣ هـ في (٤٥) صفحة. وذكر في رسالة له إلى الشاويش مؤرخة بـ ٣/ ١٣٩١/ ٢٧ هـ أن الشيخ ابن باز قرأه واستحسن أن يطبع منه على الآلة الكاتبة (١٥٠) نسخة، وذكر في ديباجته (ص ٣، (٤) سبب تأليفه .. (أبو عبيدة). (٣) نشر في بعض المجلات، ثم على حدة. (أبو عبيدة). (٤) تتمة اسمه في مناسك الحج هكذا ذكره مترجموه، وطبع بعنوان «دليل الحاج الحنيف» عن دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، سنة ١٣٦٩ هـ، ونشره قبل ذلك في سنة ١٣٤٥ هـ، وألفه بطلب من الماجد النبيل والسري الجليل مصطفى بك آل إبراهيم لما عزم على الحج، وأعاد طبعه لما سأله ذلك الأستاذ راشد آل صقير .. (أبو عبيدة). (٥) (٦) نشرهما في المغرب، ونسبهما للإمام محمد بن سليمان الدرعي، وشكك بعض المعاصرين في خبر طبع الكتاب، بل في أصل وجوده وهذا خطأ، فقد صرح المصنف في كتابه الدعوة إلى الله» (ص ٤٧، ٤٨، (٦٢) بطبعه ونشر دعاية وإعلانًا له في مجلته لسان الدين السنة الثالثة، الجزء الرابع جمادى الأولى ١٣٦٨ هـ (ص ٢٧)، ووقفت على الثاني منهما، ولا زلت في طلب الأول، اللهم يسر وأعن. (أبو عبيدة). (٧) نشرت مرات، وذكر الهلالي في مقالة له نشرت في مجلة «التوحيد» المصرية، غرة المحرم، سنة ١٣٩٥ هـ (ص ٤٧)، أنها في ذلك الوقت - أعني سنة ١٣٩٥ هـ - كانت تحت الطبع، وأفاد الأستاذ عبد الله بن عبد الرحمن الخطيب في بحثه «ترجمة المصطلحات =

стр. 95

٣٢ - الهاديات (قصائد أربع) (١) إلى غير ذلك من الكتب القيمة النافعة (٢) وله أكثر من مائة مقال (٣) نشرتها _________ الدينية والشرعية في القرآن الكريم (ص ٢٥) أنها نشرت عام ١٩٧٧ م في شيكاغو، وذكر الأخوان زيدان وجاسم ابنا علي جاسم في بحثهما «ترجمة سورة الفاتحة دراسة مقارنة في أشهر ترجمات القرآن الكريم» (ص ٧) أن أول مرة ظهرت ترجمة الهلالي وخان في السبعينات (١٩٧٤) باستانبول وقالا عنها (ص ١١): «نعتقد على العموم بوضوح الترجمة وأداء المعنى» وقالا: «من أهم الترجمات» ومدحها جمع من الباحثين، وصوبا ما فيها مع المقارنة لغيرها. وانظر كلام الدكتور وجيه محمد عبد الرحمن في رسالته «وقفة مع بعض الترجمات الإنكليزية لمعاني القرآن الكريم» (ص ١٧): «ونستطيع الحكم عليها بأنها من أفضل الترجمات إن لم يكن أفضلها، ولا سيما من الناحية العقدية … » وتكاد تتفق كلمة الباحثين على هذا ونظرًا لسلامة هذه الترجمة من الأخطاء العلمية، ودقة إصابة الحق فيها لمعاني القرآن الكريم، تبناها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة، وانظر كلمة عن الجهود التي بذلت في هذه الترجمة ونشرها في: «تطور كتابة المصحف الشريف وطباعته وعناية المملكة العربية السعودية بطبعه ونشره وترجمة معانيه» (ص ٩٠ - ٩٢) .. (أبو عبيدة). (١) طبع في الهند، وعرف به في كتابه «الدعوة إلى الله» (ص ١٣٧)، والقصائد موجودة في «ديوانه» إحداها (الميمية) التي مطلعها: منْ فَاتَهُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ مِنْ مُضَرّ … وَأُدرِج فيه أيضًا تخميس قصيدة حميد القرطبي التي أنشدها القسطلاني في «مقدمة شرح البخاري» (١/ ٥ - ٦)، ومطلعها: نُورُ الحَدِيثِ مُبَيِّنٌ فَاذْنُ وَاقْتَبِسْ … وَاخُذُ الرِّكَابَ لَهُ نَحْوَ الرِّضَى النَّدُسِ وأودعها شيخه المباركفوري في «مقدمة تحفة الأحوذي» (ص ١٠ - ١٢ ط الحجرية الهندية)، وهذه القصائد من أوائل شعر الهلالي، قاله المجذوب في «علماء ومفكرون عرفتهم» (١/ ٢٠٩) .. (أبو عبيدة). (٢) وقفت له لغاية تدوين هذه السطور على ما يربو على الستين مؤلّفًا، زيادة على ستة مؤلفات عزم عليها، وعينها ووضع لها عناوين، ولم أظفر لها بأثر، ولم أفز عنها بخبر، ولا قوة إلا بالله، ومما انفرد - فيما رأيت - بذكره صاحبا كتاب «إمارة الزبير بين هجرتين بين سنتي ٩٧٩ - ١٣٤٢ هـ» (٣/ ١٨٨) قولهما ما نصه: «وله مؤلّف ضخم يرد به على الدعوة الخمينية الحديثة، وهو بحث تاريخي ربطه بتاريخ الدعوات المشبوهة التي ظهرت في الإسلام». (أبو عبيدة). (٣) وقفت - والله الحمد - على تسعة أضعاف هذا العدد من مقالات للهلالي، ومقدمات وتقريظات ومراسلات ومقابلات ورحلات ولقاءات ومحاورات وترجمات، وهي الآن قيد التنضيد، وانظر - ضرورة - عن أهميتها: «علماء ومفكرون عرفتهم» (١/ ٢٠٨) .. (أبو عبيدة).

стр. 96

مجلات عديدة في أمريكة (١) وأوربة (٢) والهند (٣) وبلاد الإسلام (٤). فجزى الله شيخنا عن الإسلام والمسلمين خيرًا … والسلام. عمر بن محمد محسن إمام وخطيب جامع الملك عبد العزيز - آنفًا الدار البيضاء _________ (١) انفرد الأستاذ عمر محسن بهذه الكلمة التي أتعبتني، ولم أستطع للآن الوقوف على تفصيل أو خبر مفيد عنها، نعم ظفرت له بمجموعة مهمة غاية من (المقالات) باللغة الإنكليزية نشرت مع ترجمته المختصرة للقرآن الكريم، وهنالك إشارات إلى وجود ترجمة مطولة للقرآن، نشر في المجلد الرابع منها ترجمته لـ «البراهين الإنجيلية» بالإنجليزية وجزمت لي الباحثة الأمريكية لوزري هنري التي تعد أطروحة دكتوراه عن الهلالي بعدم وقوفها على شيء للهلالي في المجلات الأمريكية، والله أعلم. (أبو عبيدة). (٢) لا أعلم أنه نشر مقالات إلا في ألمانيا ولا سيما في مجلة «دير إسلام» هكذا سماها في كتابه «الخلع» (ص ٥٣) وطلبت من الباحثة الألمانية أنابيل باتشير تصوير هذه المقالة، وبحثَتْ في فهارس المجلة المذكورة، ولم تظفر بشيء، وتابعت البحث، وأرسلت لي في ٢٠/ شعبان/ ١٤٢٦ هـ - الموافق ٩/ ٢٤/ ٢٠٠٥ م، وظفرت بالمقالة التي أحال عليها الهلالي في كتابه الآنف الذكر، وهي بعنوان (الطبقات عند العرب)، وهي منشورة في مجلة (دلي والت ديس إسلام) - بمعنى مجلة (العالم الإسلامي) - مجلد (٢٢) سنة ١٩٤٠ م (ص ١٠٢ - ١١٠)، وأرسلتها لي مشكورة، وهي قيد الترجمة الآن. ولعل للهلالي مقالات في «بريد الشرق» التي صدرت في فاتحة عام ١٣٦٩ هـ عن جامع برلين بألمانيا، انظر: مجلة «لسان الدين» السنة (٤) الجزء (١)، ربيع الأول سنة ١٣٦٩ هـ (ص ٦)، وأنا الآن في تطلبها، اللهم يسر .. (أبو عبيدة). (٣) أسس فيها مجلة «الضياء» وله فيها ست وعشرون مقالة، ونشر كثيرًا في مجلة «الجامعة السلفية» و «البعث» و «الجامعة» و «صوت الأمة وكلها هنديات. (أبو عبيدة). (٤) نشر في مجلة «إصلاح» الأفغانية، والاعتصام الباكستانية، والوعي الإسلامي» الكويتية، و «المنار» و «الفتح» و «الهدي النبوي و التوحيد» و «الشباب». وجريدة «الإخوان المسلمين» المصريات، و «السجل» و «الثغر» و «صدى الشبان المسلمين» و «الهداية» و «الناس» و «الثقافة الإسلامية» و «الإخوة الإيمانية» ومجلة كلية الآداب والعلوم العراقيات، و «الإيمان» والعلم ومجلة «دار الحديث الحسنية» و «الميثاق» و «الحرية» و «دعوة الحق» و «لسان الدين» و «الإرشاد» و «السفير» و «المغرب الجديد» و «الوحدة المغربية» و «الريف و الإحياء» و «المجلة الإسلامية المغربيات، والتمدن الإسلامي» و حضارة الإسلام وجريدة «العلم» الدمشقيات ومجلة «الجامعة الإسلامية لمحمد أمين الحسيني كانت تصدر في فلسطين، والجامعة العربية»، و «الصراط السوي و البصائر و الشهاب» و «صحيفة السنة النبوية الجزائريات وصوت الحجاز» و «الجامعة الإسلامية» و «البحوث الإسلامية» السعوديات، وجمعت جميع ما وقفت عليه من (المقالات) في هذه «المجلات» وبطون الكتب والمراسلات والتقريظات في تصنيف مفرد هو تحت التنضيد الآن، والله المستعان، لا رب سواه. (أبو عبيدة).

стр. 97

قال أبو عبيدة: لي كتاب أطلت فيه النفس في ترجمة العلامة الهلالي وذكرت فيه نماذج من كلامه وفتاويه، واعتنيت بجوانب الإصلاح عنده، وفصلت أعماله ومهامه في كل بلدة نزل فيها، واستقر، أو رحل إليها وزارها، مع بيان المجريات التي وقعت له وبينت فيه أثره في الإصلاح والتغيير، ودوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكرت فيه شذرات في رحلاته وجهوده وجهاده، وفيه إطلالة قوية على منزلته عند علماء وأعلام ومصلحي ودعاة عصره. وهو شامل حافل، أخذناه باستقراء وتتبع لما في كتبه ومقالاته، وهذا المزبور بقلم تلميذ العلامة الهلالي الأستاذ عمر بن محمد محسن فيه - إن شاء الله - غنية وكفاية لمن رام أن يعرف منزلة صاحبنا في العلم والدعوة فقد أزاح الأستاذ عمر - شكر الله سعيه، وأحسن إليه - الستار، وكشف اللثام، وحقق المقام لعلم من الأعلام، ورحالة حاز قصب السبق في توصيل دعوة الحق إلى الأنام، في عصر استحكمت فيه غربتا الزمان والمكان للإسلام، ولذا فَقَدَهُ الناس لما رحل عنهم - إن شاء الله تعالى - إلى دار السلام، وأخيرًا هذه كلمة عن: • وفاة الهلالي ورثاء العلماء له : بعد رحلة في رحاب العلم والدعوة والجهاد، وتنقل في كثير من البلاد، وحياة مليئة بالمتاعب والشداد، توفي عالمنا الهلالي في منزله بالدار البيضاء مغرب يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر شوال سنة سبع وأربع مئة وألف من الهجرة الموافق ٢٢/ يونيه/ سنة ١٩٨٧ م، عن عمر يقارب السابعة والتسعين عامًا، وصلى عليه في اليوم الموالي عدد كبير، وجم غفير من الموالفين والمخالفين بعد صلاة الظهر في مسجد عين الشق، ثم دفن الله بمقبرة قرية الجماعة وسط جموع كبيرة من المسلمين في موكب مؤثر وفي جو من الخشوع والابتهال والدعاء إلى الله أن يتغمده برحمته، ويدخله فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا (١). _________ (١) مجلة «الفرقان» المغربية، العدد العاشر سنة ١٩٨٧ م (ص ٤)، وعنها مجلة «الاستجابة» السودانية العدد (٩) السنة (٣) رمضان ١٤٠٨ هـ (ص ٤٢ - ٤٣).

стр. 98

وأقيمت عليه صلاةُ الغائب في كثير من البلدان، مثل: السعوديَّة، والكويت، والهند، والمغرب (١). وكتبت كثير من الصحف في التعريف به، ورثاه أصحابه وأحبَّابه، وهذه نماذجُ من كلامهم: • نُشرت جريدةُ «أخبار العالم الإسلامي» في عددها (١٠٥٠) (ص ١١) تحت عنوان: «كيف ودَّعت المغربُ العالمَ المجاهدَ محمد تقيُّ الدين الهلالي» ما نصُّه: «ويصل الخبرُ في تلك الليلةِ إلى مُدنِ المغرب وقُراه، فيتوافدُ على منزله بالدَّار البيضاء من عرفه وتتلمذ عليه وقرأ له وأحبه وقدَّره. وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، وألسنة داعية بالرحمة والمغفرة، تقدم الجنازة صباح يوم الدفن جميع تلامذته، ممن علَّمهم العقيدةَ الإسلامية الصحيحة. وتعود الجموعُ الغفيرة المتشيِّعة بعد الانتهاء من الدَّفن بقلوب حزينة، يعزي بعضُهم بعضًا، فقد كان المصابُ عظيمًا، وكان الرُّزءُ فادحًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون». • ونُشرت جريدةُ «الثورة» وتصدرُها جمعيةُ البعث الإسلامي بتطوان في عددها (٢٢٤) ما صورته: «ما هو نصيبُ اهتمام إعلامنا برجالاتنا الأعلام؟ … لقد انتقل أخيرًا إلى الرفيق الأعلى داعيةُ السلفية ورائدُ الصحافة الإسلامية في المغرب، وأحدُ رواد الوطنية - والوطنية بمعناها الإسلامي الحق - العلامةُ المجتهد الدكتور محمد تقيُّ الدين الهلاليُّ، فما تحرك الإعلامُ للحديث عنه، وعن دعوته الخيِّرة وعن جهاده الإسلامي الذي دام ما يزيد على نصف قرن من الزمن، إن الهلاليَّ ﵀ حي في كل قلب مسلم ولن يُغيِّر حجمَ جهاده الكبير إذاعةُ خبر عن موته أو كتابةُ كلمات هزيلة عن دعوته». • ونُشرت جريدةُ «الميثاق» المغربية السنة (٢٤) العدد (٥٣٨) بتأريخ فاتح ذي القعدة ١٤٠٧ هـ تحت عنوان (وفاة الدكتور تقي الدين الهلالي) ما نصُّه: _________ (١) مجلة «الفرقان» المغربية العدد العاشر، سنة ١٩٨٧ م (ص ٥).

стр. 99

فجع المغرب والأوساط العلمية والحركات الإسلامية في كل البلاد بوفاة الأستاذ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي؛ الذي وافاه الأجل المحتوم يوم الاثنين ٢٥ شوال ١٤٠٧ بالدار البيضاء، عن سن تزيد بضعة أشهر على ستة وتسعين عامًا، قضاها جميعًا في نشر العلم والدعوة إلى الإسلام الصحيح، والعمل بالسنة في الداخل والخارج، لا سيما في السعودية والهند ومصر، ويمتاز الدكتور الهلالي بقوة الحجة وسرعة الإقناع لتضلعه في علم الكتاب، وتوسعه في علم الحديث، مع طلاوة حديثه وفصاحة لسانه، مما استفاده من كبار الشخصيات التي لقيها في رحلته الواسعة في الشرق والغرب، وله عدة كتب في الدعوة والثقافة والأدب تأليفًا وترجمة ونشرًا، ومن آخر ما ألفه كتاب «سبيل الرشاد» في عدة مجدات أخرج منها اثنين، وأما لقاءاته الأدبية ومحاضراته العلمية فشيء يطول الحديث عنه والإلمام به: ﵀ رحمة واسعة وبوأه مكان صدق عنده جزاء بما قدم لأمته من الأعمال والنصائح الغالية الخالدة، وإنا لله وإنا إليه راجعون. • ونشرت مجلة «صوت الأمة» الهندية، المجلد الأول، العدد الثاني، شعبان ١٤٠٨ هـ (ص ٤٥ - ٥٤) تحت عنوان: (من أعلام السلفيين: خاتمة شاهد قرن: كيف ودعت المغرب العالم المجاهد د. محمد تقي الدين الهلالي، أخذ من المذاهب المختلفة ما يوافق السنة المطهرة غير متعصب لمذهب معين) ما نصه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ توضأ الشيخ الوقور، المؤمن بربه حقًا لصلاة عصر يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر شوال عام ألف وأربع مائة وسبعة من الهجرة، الموافق للثاني والعشرين من شهر يونيو سنة ألف وتسع مائة وسبعة وثمانين للميلاد. توضأ رغم كبر سنه وعجزه الذي ألزمه الفراش حيث عمر قرنًا من الزمن، فصلى العصر كعادته متكئًا بمساعدة زوجه وربيبته اللتين اهتمتا بشأنه غاية الاهتمام طيلة عجزه عن القيام، وحدثته نفسه قبل أربعة أيام فقط وهو في عجزه هذا بالغزو والجهاد في سبيل الله، فقال لزوجه وربيبته: إن لم استطع الوقوف فاحملاني واخرجا بي لمواصلة الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله. قال ذلك وأيام العمر، بل ساعاته تقترب من النهاية، ولم يكن يعلم بها إلا _________ •

стр. 100

الباري ، وكأنه بذلك أراد أن يربط حلقات العمر الطويل الأخيرة بحلقاته الأولى، التي كانت كلها جهادًا ودعوة إلى الله، وقبيل غروب الشمس بنصف ساعة تقريبًا شعر بارتياح لم يعهده خلال فترة عجزه عن القيام، فطلب من أحد الإخوان الحاضرين بجانبه - وهو من أقرباء زوجه - أن يتلو ما تيسر من القرآن، وهو الذي ما انفك منذ أن صار طريح الفراش يستمع إلى تلاوة الشيخ محمود خليل الحصري بالغدو والآصال، لا يتوقف عن سماع القرآن إلا إذا كان في وضوء أو صلاة أو زيارة الإخوان له، ويوم طلب من هذا الأخ الحاضر بجانبه أن يتلو عليه ما تيسر، تلا عليه، وهو يستمع وينصت، وسبابته اليمن إلى السماء، سورة ﴿يس (١)﴾ ثم طلب منه بعد أن أتمها أن يعيد قراءتها فأعادها عليه، وما أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٣) حتى أسلم نفسه لله، ورجعت إلى ربها راضية مرضية. هكذا كانت خاتمة هذا الشيخ الجليل؛ بل هكذا كانت خاتمة ووفاة والدي وشيخي الدكتور تقي الدين الهلالي، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته. ويصل الخبر في تلك الليلة إلى مدن المغرب وقراه، فيتوافد على منزله بالدار البيضاء من عرفه، وتتلمذ عليه وقرأ له وأحبه وقدره. وبعيون دامعة، وقلوب خاشعة، وألسنة داعية بالرحمة والمغفرة، تقدم الجنازة صباح يوم الدفن جميع تلامذته ممن علمهم العقيدة الإسلامية الصحيحة. وتعود الجموع الغفيرة المشيعة بعد الانتهاء من الدفن بقلوب حزينة، يعزى بعضهم بعضًا، فقد كان المصاب عظيمًا، وكان الرزء فادحًا، فإن الله وإنا إليه راجعون. عالم مجتهد ومحدث حافظ : لقد كان هذا الشيخ الجليل، عالمًا مجتهدًا، عالمًا محدثًا محققًا حافظًا، وفقيهًا حكيمًا غير متعصب إلى مذهب من المذاهب الفقهية، بل يأخذ منها جميعها ما وافق السنة، فمذهبه هي السنة؛ سواء رواها أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل، لا يلتفت إلى ما سواها من الآراء المخالفة لها، يدافع عنها بكل جهده، بلسانه وقلبه، وكان ناقدًا بصيرًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان بحق إمامًا سلفيًّا جامعًا بين العلوم

стр. 101

النقلية والعقلية بأنواعها، وإمامًا علامة في اللغة والنحو والأدب والقراءات والتجويد، يتقن سبع لغات أو أزيد: العربية، والبربرية، والعبرية، والسريانية، والهندية، والإنجليزية، وخاصة الألمانية التي حصل بها على شهادة الدكتواره في الفلسفة والأدب من جامعة «بون» الألمانية سنة ١٩٤٠ م؛ حيث ترجم مقدمة كتاب «الجماهر في الجواهر» للبيروني، مع التعليق عليها وتفنيد آراء الفلاسفة المستشرقين. وكثيرًا ما كان ينشدنا هذين البيتين: بقدر لغات المرء يكثر نفعه … وتلك له عند الشدائد أعوان فبادر إلى حفظ اللغات مسارعًا … فكل لسان في الحقيقة إنسان وكان شاعرًا عبقريًا صرف جل شعره في الذود عن عقيدة التوحيد والسنة المطهرة، وهاجم بقوافيه البليغة أهل الشرك وأصحاب البدع، وأرسلها عليهم شهبًا محرقة تدمغ باطلهم، وتقصف إفكهم. يقول ﵀ في مطلع قصيدة له: سلام بكسر السين في قصفة الرعد … إلى عابد الأوثان في السهل والنجد تعمهم طرًا وتَخْتَصُّ مَارِقًا … تصدى بلا علم لهجو أولي المجد وكان مثالًا فذًا في الصدق والصراحة، وفريدًا من نوعه في تطبيق ما يقوله ويدعو إليه. جهاده في سبيل الدعوة : كان هدفه طول حياته تصحيح عقيدة الناس، وإبعادهم عن عبادة غير الله، ودعوتهم إلى التوحيد الخالص: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الاتباع، وحذر من الشرك، والتعلق بالأوثان، وطلب المدد والعون والاستغاثة بالقبب المبنية على القبور، ودليله في ذلك الأحاديث المروية عن النبي ﷺ ، ومنها ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)، وروى مالك أيضًا عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١)، وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (١). _________ (١) تر تخريجها في التعليق على هذا الكتاب (١/ ١٠٨، ٣٩٥، ٤١٨).

стр. 102

رواه أهل السنن. قال أبو عمر ابن عبد البر النمري صاحب كتاب «التمهيد»: «هذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد». أي: يحرم على المسلمين أن يبنوا على القبور، ويتخذوها مكانًا للصلاة، ففي «الصحيح» عن عائشة أن أم سلمة ذكرت الرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١). فما أبعد الناس اليوم عن تعاليم دينهم وسنة نبيهم، فقد اتخذوا عند قبور الصالحين، أو قبور لا يعرف أصحابها، مواسم وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، فوقعوا - والعياذ بالله - فيما حذر منه النبي ﷺ ونهى عنه، وشدد في النهي بقوله ﷺ فيما رواه إمام دار الهجرة مالك بن أنس: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) وقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ كما قال الإمام ابن القيم ﵏: فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان كان الشيخ الفاضل ﷺ يدعو أيضًا إلى اتباع السنة وينفر من البدعة، وكثيرًا ما يذكر في دروسه الأثر المروي عن مالك في كتاب «الاعتصام» للشاطبي: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأني قرأت قول الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ قال مالك: فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا». وكان رحمه الله تعالى يردد علينا ما كان يردده أيضًا الإمام مالك: وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع هكذا كانت حياة شيخنا ومربينا، فلقد طاف بالبلاد - بلاد الله - من مشرقها إلى مغربها، داعيًا إلى الله صابرًا ومحتسبًا الأجر والثواب من الله . يقول عن نفسه في قصيدة رائعة: وطفت بلاد الله شرقًا ومغربًا … على قدمي طورًا وطورًا على مهر وأنضيت بعرانًا وحلقت في السما … على جائبات الجو كالنجم إذ يسري _________ (١) انظر تخريجها في (١/ ٣٩٥، ٤١٢، ٤٢٥)

стр. 103

وطورًا على فلك عظيم كأنه ثبير … يروع الحوت في لجة البحر حليف اغتراب في ثواء ورحلة … وإن كنت في أهل كثير ذوي وفر وما غربة الإنسان من شقة النوى … ولكنها في الدين والخلق والبر إلى الله أشكو غربة الدين والهدى … وطغيان أهل الكفر والفسق والغدر زياراته ورحلاته العلمية : نعم طاف بالبلاد داعيًا إلى الله بصدق وإخلاص، منافحًا ومجاهدًا، مدرسًا وأستاذًا مبرزًا، واعظًا ومرشدًا، مربيًا ورائدًا، إمامًا وخطيبًا، مؤلفًا وناشرًا ناقدًا ومترجمًا، مذيعًا ومصححًا. عرفته مصر، وعرف فيها رجالاتها المصلحين، ومنهم إمام الدعوة في زمانه الشيخ محمد رشيد رضا - رحمة الله عليه -، والمفتي الكبير الشيخ محمد أمين الحسيني، والشيخ محمد الرمالي، والشيخ حسن عبد الرحمن، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، والشيخ حامد الفقي، والشيخ الألمعي عبد العزيز الخولي. وعرفته الهند أستاذًا يدرس الأدب العربي، ويأخذ فيها الإجازة في رواية الحديث عن شيخه العلامة عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري صاحب كتاب: «تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي»، ويجيزة كذلك العلامة الشيخ محمد بن حسين بن محسن الحديدي الأنصاري اليماني نزيل بهوبال، ونبغ على يديه هناك علماء أجلاء منهم الأستاذ الشيخ أبو الحسن علي الندوي، والأستاذ مسعود الندوي وغيرهما من العلماء والأدباء، فلا غرو أن يذاع صيته بين علماء الهند وأدبائها. ثم يستوطن العراق، ويتعرف فيها على كثير من علمائها الأجلاء، وخاصة العالم السلفي الأديب والمحدث المحقق الشيخ محمد أمين الشنقيطي (١)، فزوجه ابنته وكان له منها شكيب وخولة، وانتفع كثيرًا بمجالسته ومذاكرته. وتستضيفه المملكة العربية السعودية سنة ١٣٤٣ هـ في عهد قائدها الإمام الهمام ناصر عقيدة التوحيد وناشر لواء الحق والعدل الملك الراحل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته. فيكرم _________ (١) ليس هو صاحب التفسير، وانظر ما قدمناه (ص ٩٤).

стр. 104

وفادته ويقربه من مجلسه، خاصة وقد حمل معه تزكية عظيمة من الإمام محمد رشيد رضا إلى الملك عبد العزيز ينوه فيها بعلمه الغزير. فينشد قصيدة وهو جالس إلى جنبه بعد أن أهداه كتابه القيم «القاضي العدل» ويقول: يا أيها الملك الذي سعدت به … أرجاء مكة والحطيم وزمزم وكسى الإله به بلاد العرب ثو … ب أمانه فغدت به تتنعم وأشاع نور العلم والإيمان في … أرجائها والجهل فيها مظلم هذا هو القطب الكبير ديانة … وشجاعة وعدالة إذ يحكم قطب السياسة والمكارم والعلا … حامي الحقيقة في الوغى لا يحجم يلقى الوفود ووجهه متهلل … رائيه مغتبط به متنعم عين مدرسًا في مسجد الحرام، والمعهد السعودي، ومراقبًا للمدرسين. وكانت له صحبة طويلة ومتينة مع خيرة علماء نجد والحجاز، ومنهم العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة آنذاك، وقد أخذ عنه هذا الأخير علم العروض، وأخذ عنه عمر بن حسن آل الشيخ إجازة في جميع مروياته، وأخذ عنه كذلك الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله تعالى، وتتلمذ على يديه مجموعة من خيرة العلماء والأدباء ومنهم الأستاذ الأديب الشيخ محمد بن ناصر العبودي، والشيخ عبد الله الخياط إمام الحرم المكي سابقًا. وكان له كذلك صداقة متينة مع جد الدكتور عبد الله نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، وعرفه شيوخ أجلاء وكانوا يقدرونه أيما تقدير، منهم الشيخ محمد بن عبد الله السبيل إمام الحرم المكي ونائب رئيس إدارة الحرمين الشريفين، والشيخ محمد صالح التويجري والشيخ سليمان المنيعي بالحرم المكي، والشيخ حماد الأنصاري أستاذ علم الحديث بالجامعة الإسلامية، والشيخ عمر فلاتة، والشيخ أبو بكر جابر الجزائري، والشيخ محمد بن عبد الوهاب البنا، والشيخ سويلم وكيل مطاوعة جلالة الملك عبد العزيز. ويعود مرة أخرى إلى المملكة العربية السعودية بعد غيبة طويلة سنة ١٣٨٨ هـ، فيلتقي بالعالم الورع الذي يقل نظيره في هذا العصر ألا وهو سماحة الأستاذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - أطال الله بقاءه وأدام في سماء المعالي ارتقاءه (١) - الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة _________ (١) رحمه الله تعالى، فقد توفي في ١٤٢٠ هـ.

стр. 105

والإرشاد، ورئيس الجامعة الإسلامية سابقًا، فيدعوه سماحته إلى التدريس بالجامعة الإسلامية قائلًا: إن الجامعة الإسلامية في حاجة إليك. فيلبي الطلب، وكان يكن لسماحته أعظم التقدير والمحبة، ويثني عليه دائمًا وأبدًا الثناء الجميل، ويشاء الله أن أكون في أول شهر رمضان من هذه السنة من يحمل سلامه الزكي وتحياته الطيبة شفاهيًا إلى سماحة الشيخ عبد العزيز فيسألني عن حاله. وبعد أن أخبرته أنه طريح الفراش في المستشفى دعا له بهذا الدعاء الذي حفظته منه وبلغته إياه قبل وفاته: «اللهم أحسن له الخاتمة، اللهم أحسن له الخاتمة، اللهم أحسن له الخاتمة» قالها ثلاثًا. وكأن الله استجاب دعاء سماحته. ونسأل الله جلت قدرته أن يشمله بعفوه ويتغمده بواسع رحمته ويكرم ضيافته ويجعله من الذين سبقت لهم منه الحسنى. وعرفته أيضًا في تطوافه بلاد أوربا. وفي جنيف يلتقي بصديقه العزيز الزعيم المجاهد أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، فيكون واسطة له في الدخول إلى ألمانيا ليكون أستاذًا للأدب العربي يدرسه باللغة الإنجليزية التي تعلمها سابقًا في الهند، ومرجعًا لغويًّا بإذاعة ألمانيا العربية، وطالبًا بجامعة «بون» ليحصل فيها بعد أربع سنين من الكد والجد والاجتهاد والعزيمة القوية ليحصل على شهادة الدكتوراه باللغة الألمانية، ووجدها فرصة سانحة أثناء تعيينه مشرفًا ومرجعًا لغويًا بالقسم العربي من الإذاعة الألمانية لفضح جرائم المستعمرين لبلده المغرب الحبيب من الفرنسيين والإسبانيين، فألقى من على منبر تلك الإذاعة خطبًا كانت على المستعمرين خطوبًا، فنفته فرنسا بسببها نفيًا رسميًا مع أنه كان غائبًا عن بلده. ومن قبل عرفته أفغانستان، وعرف فيها شيوخًا كثيرين، ومنهم العالم الأمير المجاهد الشيخ عمر أوزبك. ثم عرفته أرض المغرب - موطنه الأول - عرفته وهو يدافع عنها المستعمر الغاشم بلسانه وقلمه دفاعًا مستميتًا، فكاد له المستعمر كيدًا عظيمًا، فحفظه الله من كيدهم ومكائدهم، ورغم ذلك لم يثنه كيدهم عن عزمه ومواصلة كفاحه وجهاده، فيعلن للمستعمر في تصريح لم يسبقه أحد إليه ولا نطق به قلبه، ولا يحفظه له إلا المجاهدون الحقيقيون والوطنيون الغيورون والمصلحون المخلصون أمثال: شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، والأستاذ علال الفاسي، والأستاذ عبد الخالق الطريس، والمجاهد عبد الكريم الخطابي، والأستاذ أحمد بلا فريج،

стр. 106

والعالم الأديب الأستاذ عبد الله كنون، والأستاذ محمد الطنجي، وغيرهم من زعماء الإصلاح، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا. يصرح في لهجة شديدة، وقلب غير وجل: «إن المغرب للمغاربة، لا حق في الاستيلاء عليه لفرنسا ولا لألمانيا ولا لإسبانيا». والمستعمر لا زال آنذاك يسيطر على المغرب وغيره من البلاد العربية والإفريقية، وكان لتصريحه يومئذ أشد الوقع وأنكأه على المستعمرين، وأثلج قلوب المغاربة الأوفياء المخلصين. ويرى من هناك من وراء البحار سنا الحرية يقترب من بلاده ليزيل عنها الظلام، فيبعث إلى صديقه عبد الخالق الطريس بهذه الأبيات من أرض الغربة: سَنَا الحرية الغراء لاحا … فصَيَّر حَنْدَسَ الظُّلْمَا صَباحا سِلَاحُ الْحَقِّ لا يخشى فُلُولا … ويلقى من يصول به النجاحا فيا حزبًا غَدًا للخير يسعى … لِيُبْدِلَ خُسْرَ أُمَّتِهِ رَبَاحا سلام الله يهديه إليكم … دوامًا ما غدا غاد وراح أخٌ لكُمُ بِنَارِ البَيْن يُصْلَى … غريبًا ما أقام ولا استراح ولم يَنْسَ البلاد وساكنيها … ويذكرها العشية والصباحا ويستقل المغرب، فيعود الدكتور محمد تقي الدين الهلالي إلى بلده بعد غيبة طويلة، تنقل فيها في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وغيره، داعيًا إلى الله ومدافعًا عن الإسلام، يعود وقلبه ممتلئ حبًّا وخيرًا لأبناء وطنه ولكل مسلم أينما كان، فيفرح فرحًا عظيمًا باستقلال المغرب وعودة ملكه إليه مظفرًا منصورًا، فيصور ذلك في قصيدة رائعة مطلعها: ألا إن الاستعمار هاو وبائر ومن مطلع الأقمار لَاحَتْ بشائر أبي الضَّيْمَ في أرض المغارب ضَيْغَم … فأقبل من عرينه وهو زائر وقال للاستعمار زُل عن بلادنا … فإنني عليك اليوم قاض وقابر سَأُسْقِيك سمًّا لا بَقَاءَ لك بعده … وشَعْبِي مِنْ خَلْفِي أَسُود حَوَاصِر ولم يفته آنذاك أن يحث على استكمال وحدة المغرب، بل لم يفته أن يستنهض الهمم لاستقلال المغرب العربي كله: ألستم ترون الجيش عند عدوَّكم … يُرابِطُ في أوطاننا وهو كاثر وصَحْرَاؤُنا ما أن تزال أسيرة … فيا نعم مأسور ويا بئس آسر وجيش ليوث في الجزائر رابض … يدافع عن أوطاننا وهو صابر

стр. 107

ويقول أيضًا في نفس القصيدة: وإن كنت لا تدري حدود بلادنا … فدونك فاحفظ ما أنا لك ذاكر فمن سنكال في الجنوب حدودها … إلى أرض مصر قد حَوَتْها القماطر نُناضِلُ عنها الدَّهْرَ مَنْ جاءَ غازيا … وتَحْصُده مِنَّا السيوف البواتر ولم يفته أيضًا أن يبين السر في نجاح الأمة، وبأي شيء تنال العز والنصر فيقول: ومَنْ ظَنَّ أَنْ العِزَّ يُدْرَك والمُنَى بِكُفر والحاد فذلك هاذر أوائلنا بالدين والسلم أفلحوا … وبالدين والإسلام تعلو الأواخر المجلة: ومما يذكر في سبيل الرحلات العلمية التي قام بها الفقيد - رحمه الله تعالى - مشاركته في مؤتمر الدعوة والتعليم الذي عقدته الجامعة السلفية بنارس عام ١٤٠٠ هـ، وبهذه المناسبة العلمية وجهت الدعوة إلى الفقيد ﵀؛ فتكرم بالحضور وساهم بكلماته القيمة النافعة في المؤتمر. وقد تم نشر كلماته ومقترحاته بخصوص الدعوة في أحد أعداد مجلة «الجامعة السلفية» الذي صدر خاصًا بهذا المؤتمر ربيع الآخر عام ١٤٠٠ هـ. انتهى. • ونشرت صحيفة «المثياق» أيضًا في العدد (٥٣٨) السنة (٢٤) فاتح ذي القعدة ١٤٠٧ هـ - في السنة التي مات فيها - بقلم تلميذه وصهره الشيخ الأستاذ عبد الكبير البكري مقالة مهمة في ترجمته، وهي بعنوان (نجم أفل)، جاء فيها ما نصه: عشية يوم الاثنين ٢٥ شوال ١٤٠٧، الموافق ٢٢ يونيو ١٩٨٧ انتقل إلى جوار ربه عالم من أكابر علماء العصر، وهو العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي الفلالي المغربي، الذي كرس حياته لخدمة العلم والدين والدعوة إلى الله. لقد كان هذا الرجل العصامي مطبوعًا على العظمة بلا تكلف ولا تصنع، يكتسب المعالي سائرًا سائحًا غير هياب؛ لأنه وهب من الحزم والعزم ما يقتحم به العقبات ويذلل به الصعاب. ولد هذا الرجل الذي فقده الإسلام في تفلالت، وبالضبط في الريسافي قصر أولاد عبد القادر بن هلال في شهر المحرم عام ١٣١١ هجرية، الموافق ١٨٩٣ ميلادية. مات أبوه بعدما أحفظه القرآن وعلمه التجويد، فخرج من تفلالت _________ ١.

стр. 108

وجعل ينتقل من قبيلة إلى قبيلة في البوادي يعلم الصبيان كتاب الله. ولما أراد الله أن يفتح له أبواب العلم هيأ له أسبابه، فبينما هو يعلم الصبيان عند قبيلة من قبائل الحدود المغربية الجزائرية إذ مر بهم عالم شنقيطي ومعه تلاميذه، ففتح لهم درسًا في النحو، ولم يسبق للهلالي أن سمع بهذا العلم ولا حضر دروسًا من دروسه، ولما أتم الشيخ الدرس توجه إلى أحد التلاميذ واسمه محمد المختار ليسأله عن هذا الكلام الذي لم يعرفه فقال له: إن هذا شيء بعيد عنك، اذهب إلى صبيانك لتعلمهم، وضحك مستهزءًا به، فكان هذا التهكم والاستهزاء هو الزند الوري الذي أوقد في قلبه نار الغيرة والحماس والشجاعة والإقدام، وحرك كل ما كان كامنًا في نفسه من الصفات التي يرتقي بها العظماء إلى أعلى الدرجات. وهنا توجه إلى الشيخ محمد سيدي بن حبيب الله وسأله، فقال له: هذا العلم يسمى علم النحو، فقال: وهل يمكنني أن أقرأه، وأين؟ فأجاب الشيخ: نعم، وعندي فعاهده على أن لا يفارقه، وذهب معه إلى البلدة التي كان الشيخ مقيمًا بها وتسمى المشربة، قرية بالجزائر تبعد عن وجدة بنحوه ١٦٠ كلم، وما بقي معه إلا مدة قليلة حتى انفجر يَنَابع نبوغه وذكائه الوقاد، فبز أقرانه واستطاع بما أتاه الله من المواهب أن يغوص في بحور العلم من نحو وفقه ولغة وتفسير وأدب. وفي يوم من الأيام فاجأ الناس بقصيدة رائعة مدح بها الشيخ سِكْرَج قاضي وجدة، فكشفت الغطاء عن شخصيته، وهنا قال الشيخ لأحد أصدقائه أن هذا الشاب سوف لا يكتفي بما عندي ولا بما في القرويين وسيشرق ويشتد خبره. وتحققت فراسة الشيخ، ففي سنة ١٣١٢ هـ - ١٩٢٢ م أخذ الهلالي عصا التسيار، وعزم على التجول في الأقطار، فركب البحر متوجهًا إلى مصر، ثم منها إلى الهند وباكستان ثم العراق، ولما أراد الخروج من الهند بعد ما قرأ فيها الحديث على الشيخ أبي خليل محمد بن حسين بن محسن اليمني، وبعد ما فتح مدرسة كون فيها أساتذة وكتابًا وأدباء، أقول لما أراد الخروج وجاء إلى الحدود وخاطبه رجال الشرطة الذين هم إنكليز بلغتهم، ورأى أنه لم يستطع فهم كلامهم ولا الرد عليهم عدل عن الخروج ورجع عازمًا على ألا يخرج حتى يخاطبهم بلغتهم، فتتلمذ على أحد الرهبان المسيحيين فدرس اللغة الإنكليزية؛ اعتنى بحفظ مفرداتها ولم يبح لنفسه الخروج حتى ترجم كتاب «مدنية العرب في الأندلس» من الإنكليزية إلى العربية، وبهذه اللغة استعان على الدراسة في ألمانيا التي حصل فيها على الدكتوراه في الفلسفة والأدب.

стр. 109

وقبل الذهاب إلى ألمانيا أقام مدة بالحجاز كان فيها واعظًا مرشدًا رسميًا، ثم بالعراق الذي كان فيه واعظًا ومدرسًا في كلية الملكة عالية، وقد جردته فرنسا من الجنسية المغربية - في زعمها - ولذلك لم يستطع الدخول إلى المغرب الذي كان تحت النفوذ الفرنسي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لإنقاذه من الحلفاء الذين حكموا عليه بالإعدام؛ هيأ له الوطني الغيور المرحوم الأستاذ عبد الخالق الطريس جواز سفر على أنه شمالي، وبه دخل إلى شمال المغرب عام ٤٦، وأصدر مجلة سماها «لسان الدين»، كانت حقيقة لسان الدين، وكان يكتب فيها جماعة من العلماء البارزين والوطنيين المخلصين، ومنهم العلامة الكبير شيخنا الأستاذ سيدي عبد الله كنون، ثم رجع إلى العراق وبقي مدرسًا به في كلية الملكة عالية إلى أن جاء الاستقلال، فدخل إلى المغرب المتحرر وتفرغ للتدريس والتأليف والكتابة ونشر الدعوة، ليتجرد إلى الدعوة والتبليغ والكتابة، إلى أن وافته المنية عن سن يناهز المائة، فلم تزلزله الزلازل، ولم تزعزعه الفتن؛ وإنما كان يثبت ثبوت الجبال الراسخات الشامخات. وجملة القول: إن هذا الرجل الذي جعل من أيام حياته حبرًا، ومن أعماله قلمًا، ومن الأرض صحيفة يخط فيها تاريخ حياته ويترك بصماته كلما مر ببلدة من البلاد أو قطر من الأقطار أو قارة من القارات، لا يكفي لترجمته بعض الصفحات. ونكتفي بهذا القدر حتى يهيئ الله وقتًا لتحرير رسالة تصور حقيقة هذا الرجل الفذ الذي استحق بمواقفه وأعماله أن ينخرط في صف الخالدين، فسلام عليه في الأولين وسلام عليه في الآخرين وسلام عليه إلى يوم الدين، وغفر الله لنا وله ولجميع المسلمين. • ورثاه جمع من تلاميذه، منهم شيخنا العلامة محمد بوخبزة، ومما جاء في مرثيته التي هي بعنوان «أنقذنا بفضل الله» - ومن خطه أنقل -: هي الدنيا تسير إلى زوال … وبهجتها خيال في خيال نعيش بها شُويعات نيامًا … فتوقظنا المنية بالنُبال ألا يا ناعي العِرفان أبصر … أتدري من نعيت من الرجال؟ تقي الدين فخر بني هلال … تُوفّي فانتشي حزب الضلال قضي شيخ الدعاة فكل حُرّ … بآلام الفجيعة ذو اعتلال فقد أمضى يجاهد في دروب … بياض العُمْرِ ممتاز الخلال

стр. 110

يحبّر للهدى كتبًا ويُملي … دروس العلم يدعو للنزال فأنقذنا بفضل الله مما … سرى فينا من الداء العُضَالِ ورثاه أيضًا تلميذه محمد بنعبود، فقال: ماذا يفيد البكا في النائبات إذا … تصدعت بيننا الأركان والعمد لقد هوى الركن من بنياننا فلنا … من هوله نكبة لم ينسها الأبد «دكتورنا» الرجل الصنديد مفخرة … عزيزة كلما يستذكر العدد لسانه الصارم المقوال عدته … يراعه المنتج السيال والمدد إذا قرأت سبيلًا للرشاد فعن … ذاك السبيل من الأغواء تبتعد هذا الرثاء ولكن لا مبالغة … ولا غلوُّبما في القول ينتقد هي الحقيقة لا أعدو الحقيقة في … قولي، فلا ملق فيها ولا فند رحماك ربي لروح أنت قابضها … أنت الرحيم لها الغفار يا أحد (١) رحم الله الهلالي وغفر له، وألحقنا به في الصالحين، وبوأه درجة الصديقين، آمين، آمين، آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. _________ (١) جريدة «الإصلاح» جريدة نصف شهرية مغربية، العدد السابع.
следующие страницы →