← Книги сунны

Книги сунны · id 30198

الذكر والتسبيح - ت سرور

يوسف القاضي

Полный текст (205 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. أما بعد: فإنَّ من أفضل الأعمال الصالحة اليسيرة التي تُقرِّب المسلم إلى ربه ذكر الله جلَّ وعلا. ولا ريب أنَّ ذِكرَ الله ودعاءه هو خير ما أُمضيت فيه الأوقات وصُرفت فيه الأنفاس، وأفضل ما تقرَّب به العبدُ إلى ربه ، وهو مفتاحٌ لكلِّ خير يناله العبد في الدنيا والآخرة، «فمتى أعطى الله العبدَ هذا المفتاح، فقد أراد أنْ يفتح له، ومتى أضلَّه بقيَ باب الخير مُرْتَجًا دونه» (١). فالذكر يُرضي الرحمن جلَّ وعلا، ويَجلب للقلب الفرح والسُّرور ويُزيل الهمَّ والغمَّ عن القلب، ويورث القلب المراقبة والإنابة، ويزيل الوحشة بين العبدِ وبين ربِّه ﵎، وغير هذا من الفوائد كثير، حتى قال ابن القيم (٢): «وفي الذِّكر أكثر من مائة فائدة»، و «الذِّكر للقلب كالماء للسَّمك، فكيف يكون حال السَّمك إذا فارق الماء؟» (٣). وقد بيَّن الله تعالى فضل الذِّكر، وأنه سرُّ الطمأنينة والسكينة؛ فقال: ﴿الَّذِينَ _________ (١) «الفوائد» لابن القيم (ص: ١٤١). (٢) «الوابل الصيب» (ص: ٥٦) وما بعدها. (٣) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٨٥).

стр. 2

آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وجعل جزاء الذاكر أن يذكره - سبحانه - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وهذا السرُّ في أمر الله عباده المؤمنين بالذكر الكثير والتسبيح، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. لذا فقد سنَّ النبيُّ ﷺ لأمَّته من الأذكار والتسبيح ما يملأ الأوقات آناء الليل والنهار بحيث لا يجدُ الشيطان لقلب العبد مدخلًا، فجعل لكلِّ حالة أو زمن ذكرًا مخصوصًا؛ فللصباح أذكار، وللمساء وعند النوم، والانتباه، وعند طعامه وشرابه، ولباسه دخوله منزله، وخروجه منه، ودخوله الخلاء، وخروجه منه، وركوبه، ويُسمِّي على ما يذبحه من نُسكٍ وغيره، وعند السرور والكرب وحدوثِ المصائب الدنيوية، وعند الخروج للسفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر، حتى لحظة الجماع وغير ذلك من أحواله (١). وهذه صفة الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، لأنَّ المنافقين وصفهم الله بقوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. فمن أكثر ذكر الله، برئ من النفاق. وقال شُميط بن عَجلان: كان يقال: «عَلامة المنافق قلة ذكر الله » (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ على جبلٍ يقال له: جُمْدَان، فقال: «سيروا هذا جُمدان، قد سبق المُفَرِّدونَ». قالوا: ومن المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذَّاكِرات». _________ (١) انظر: «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩). (٢) «الحلية» (٣/ ١٢٩). (٣) (٢٦٧٦).

стр. 3

وذكر الله من نعيم الدنيا، ولذَّةُ قلوب العارفين، قال مالك بن دينار: «ما تلذَّذ المتلذِّذون بمثل ذكر الله » (١). وهو أيضًا من نعيم أهل الجنة، وأنهم «يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمون النفس» (٢). وقال ذو النون: «ما طابتِ الدُّنيا إلا بذكره، ولا طابتِ الآخرةُ إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته» (٣). وكان النبي ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانه (٤)، يعني: في حال قيامه ومشيهِ وقُعوده واضطجاعه، و «كان ﷺ أكملَ الخَلْق ذكرًا لله ، بل كان كلامُه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمَّة ذكرًا منه لله، وإخباره عن أسماء الربِّ وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، ووعده ووعيده، ذكرًا منه له، وثناؤه عليه بآلائه، وتمجيده وحَمده وتسبيحه ذكرًا منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه، ورغبته ورهبته ذكرًا منه له، وسُكوته وصَمته ذكرًا منه له بقلبه، فكان ذاكرًا لله في كلِّ أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه، قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيره، ونزوله وظعنه وإقامته» (٥). وكان لأبي هريرة ﵁ خيطٌ فيه ألفا عُقدة، فلا ينام حتَّى يُسبِّحَ به (٦). وكان خالد بنُ مَعدان يُسبِّحُ كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحةٍ سوى ما يقرأ _________ (١) «شعب الإيمان» (٧٠٤). (٢) مسلم (٢٨٣٥). (٣) «الحلية» (٩/ ٣٧٢). (٤) مسلم (٣٧٣). (٥) «زاد المعاد» (٢/ ٣٦٥). (٦) «الحلية» (١/ ٣٨٣).

стр. 4

من القرآن، فلما مات وُضع على سريره ليغسل، فجعل يُشير بأصبعه يُحرّكها بالتَّسبيح (١). وقيل لعُمير بن هانئ: ما نرى لسانك يفترُ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم؟ قال: مئة ألف تسبيحة، إلا أن تُخطئ الأصابع، يعني أنه يَعُدُّ ذلك بأصابعه (٢). وكان عامَّةُ كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. و «كلَّما قويت المعرفةُ، صار الذِّكْر يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح، كما يُلهمون النفس» (٣). فهذا حال السلف مع الذِّكْر؛ لذلك أبقى الله ذكرهم بالخير والثناء جيلًا بعد جيل. «وأفضل الذِّكْر وأنفعه ما واطأ فيه القلبُ اللسانَ، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكرُ معانيَهُ ومقاصِدَهُ» (٤). و «لا ريب أنَّ الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتّباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحرّاه المتحرّي من الذِّكْر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، وما سواها من الأذكار قد يكون محرَّمًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون فيه شرك ممَّا لا يهتدي إليه أكثرُ الناس» (٥). فالمشروع للمسلم هو أن يذكر الله بما شرع، وأن يدعو بالأدعية المأثورة، _________ (١) «الحلية» (٥/ ٢١٠). (٢) «الحلية» (٥/ ١٥٧). (٣) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٥١٦ - ٥١٧). (٤) «الفوائد» (ص: ٢٧٩). (٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٥١٠، ٥١١).

стр. 5

وقد نهى الله عن الاعتداء في الدعاء، فينبغي لنا أن نتَّبع فيه ما شُرع وسنَّ، كما أنَّه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، وأن لا نعدل عن ذلك إلى غيره. «ومن أشدِّ الناس عيبًا مَنْ يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي ﷺ وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، ويَدَعُ الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيّد بني آدم، وإمام الخلق وحجّة الله على عباده» (١). * والذكر على أنواع كثيرة، منها: التهليل، والتسبيح، والتكبير، والحمد، والحوقلة، والحسبلة، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى، والصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلّم، والاستغفار، وغير ذلك. * ولكلِّ ذكرٍ خاصيته وثمرته: وأما التهليل: فثمرته التوحيد: أعني التوحيد الخاص، فإنَّ التوحيد العام حاصل لكل مؤمن، وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال، وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرَّحمن الرَّحيم والكريم والغفار، وشبه ذلك: فثمرتها ثلاث مقامات، وهي الشُّكر، وقوة الرجاء، والمحبة، فإن المُحسن محبوب لا محالة. وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتها التوكّل على الله والتفويض إلى الله، والثقة بالله، وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك كالعليم والسَّميع والبصير والقريب وشبه ذلك: فثمرتها المراقبة، وأما الصلاة على النبي صلَّى الله عليه وعلى آله وسلّم: فثمرتها شدَّة المحبَّة فيه، والمحافظة على اتباع سنَّته، وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدمة (٢). _________ (١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٥٢٥)، وانظر: «فقه الأدعية والأذكار» (١/ ١١) لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر. (٢) «تفسير ابن جزي الكلبي = التسهيل لعلوم التنزيل» (١/ ١٠٢).

стр. 6

والذِّكرُ المُطلَقُ يدخل فيه الصَّلاةُ، وتلاوة القرآن، وتعلُّمه، وتعليمه، والعلمُ النافع، كما يدخلُ فيه التَّسبيحُ والتَّكبير والتَّهليل (١). ومجالس العلم ومُدارسته من الذِّكر ونشر الكتب النافعة للمُسلم لا شكَّ من هذا الباب، وقد نصَّ الشافعيُّ وغيره أنَّ العلم أفضل من النوافل، لذا فمن التوفيق للباحث أن يكون سببًا لنشر كتابٍ طواه النسيان ففي ذلك إحياءٌ لعلمٍ مُندثِرٍ وإظهار لفضلٍ مُستترٍ. ولذلك لما وقفت على هذا الجزء النفيس كنت به حفيًّا؛ لأنه من كتب الأصول المسندة العالية السَّند، النظيفة الرِّجال والمتون، ومؤلّفه حافظ ثقةٌ عالم عامل كما سيأتي عند ذكر ترجمته، مهيبٌ لا يخاف في الله لومة لائم. وهو أول كتاب يُنشر لهذا العالم الجليل، ويعود الفضل لله أوَّلًا وآخرًا، ثم لفضيلة الدكتور عبد الله بن حمد المنصور؛ فهو مَنْ أذاع هذا الخير مَجَّانًا لطلبة العلم، فجزاه الله خيرًا وبارك فيه. وهذا الكتاب يخرُج للنُّور للمرّة الأولى على نسخة خطيّة فريدة، وقد اعتنيت به وحقَّقت مروياته، وميَّزت صحيحها من ضعيفها حسب ما تقتضيه أصول الحديث. والكتاب على صِغر حجمه إلا أنه يتميز بكونه مُسندًا، وأغلب رجالِ طُرقه ثقات مشاهير، وكلّ أحاديثه صحيحة إلا بضعة أحاديث ففيها ضَعف يسير، وحديث واحد فقط شديدُ الضعف. والمُصنِّف له تلاميذ كُثُر من أشهرهم الإمام الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة: «الكبير» و «الأوسط» و «الصغير» وغيرها من التأليف المباركة، وقد أكثر الطبراني من الرواية في كتبه عن المصنِّف جدًّا، وقد تتبَّعت ما رواه خاصة في كتاب «الدُّعاء» مما يتناول موضوع الذِّكر، فعثرت على عدَّة _________ (١) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٥٢٦).

стр. 7

روايات، رأيت من المناسب إلحاقها بالكتاب على الاحتمال، فربَّما تكون ضمنَ إبرازة أخرى لهذا الكتاب، لم نقف عليها، وإلا فهي إثراء لذات الموضوع، وشَرطي فيها إيراد ما يتعلق بموضوع الذِّكر والتسبيح. لذلك رتبت ما وقفت عليه وبوَّبته في باب خاصّ سميته «ملحق بالزيادات على أحاديثِ «كتابِ الذِّكر والتَّسبيح» مِنْ طريق المؤلِّف»، وقد عثرت كذلك عند البيهقي في كتاب «الدعوات»، على بعض الأحاديث خرَّجها بسنده عن المصنف مناسبة لموضوع الكتاب. هذا، وقد قدَّمت بين يدي الكتاب دراسةً مختصرة، في مقدمة وتمهيد وفصلين: فأما المقدمة: فبيَّنتُ فيها سببَ إخراجي لهذا الكتاب. وأما التمهيد: فذكرت فيه أربع مسائل تتعلق بالذِّكر وهي فضل الذِّكر، وآدابه وضرورته، ومَن هُمْ الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات. وأما الفصل الأول: ترجمة المصنف. وأما الفصل الثاني: التعريف بالكتاب. وفيه توثيق اسم الكتاب ونسبته للمؤلف ووصف المخطوط، وترجمة سند الكتاب. ? منهجي في التحقيق، وتخريج الأحاديث: ويتلخَّص في النقاط الآتية: ١ - نسخت الأصل وفقَ القواعد النحوية، والإملائية المتعارف عليها. ٢ - عارضت المنسوخ بالأصل. ٣ - حرصت على التأكد من سلامة النصّ، وضبطه، ووضعت علامات الترقيم الملائمة بين جمله، وألفاظه. ٤ - رقَّمت الأحاديث، وضبطتها بالشكل.

стр. 8

٥ - عزوتُ الآيات إلى مواضعها من القرآن الكريم بذكر اسم السورة، ورقم الآية. ٦ - قمتُ بتخريج الأحاديث، وكانت طريقتي على النحو الآتي: - رتَّبتُ مصادر التخريج على وفيات أصحابها. - أُترجمُ فقط للراوي موضع العلة. ٧ - أُصَدِّرُ التخريج بحكمي على الرواية ذاكرًا العلَّة باختصار، ثم أبدأُ بتخريج النصِّ حسب سند المصنف، ثم أستأنفُ التخريج والكلام على الحديث. ٨ - نبَّهتُ على بداية كل صفحة من صفحات المخطوط، وذلك بكتابة رقم اللوحة هكذا: (١ و)، (١ ظ) يعني اللوحة الأولى، وجه أوّل وثانٍ. ٩ - صنَعتُ للكتاب بعض الفهارس: فهرس الآيات، والأحاديث، والآثار، وفهرس الموضوعات. أسأل الله أن أكون قد وُفِّقتُ في تقديم هذا الكتاب، وأن يكونَ عملي مُتقبَّلًا، وأن يغفر لي الزلل والتقصير، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلَّم. أبو محمود عبد الفتاح محمود سرور القاهرة: السبت، ٢٩ شعبان، ١٤٤٥ هـ

стр. 9

تَمْهِيدٌ الفَصْلُ الأوَّلُ: تَرْجَمَةُ المُؤَلِّفِ الفَصْلُ الثَّانِي: التَّعْرِيفُ بِالكِتَابِ

стр. 10

تمهيد وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: فضل الذِّكر. المسألة الثانية: آداب الذِّكر. المسألة الثالثة: ضرورة الذِّكر. المسألة الرابعة: مَنْ هُمْ الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات. * * *

стр. 11

المسألة الأولى فضل الذِّكر من المعروف أنَّ كلَّ جارحةٍ من الجوارح عبوديَّةٌ موقَّتةٌ، والذِّكر عبوديَّة القلب واللِّسان وهي غير موقَّتةٍ، بل هم مأمورون بذكرِ معبودهم ومَحبوبهم في كلِّ حالٍ: قيامًا وقعودًا وعلى جُنوبهم. والذِّكر هو قُوت القلوب الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارةُ ديارهم فمتى تعطَّلت عنه صارت بُورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قُطَّاعَ الطَّريق، والسَّبب الواصل والعلاقة التي بينهم وبين علَّام الغيوب. وبه تَهون عليهم المُصيبات، إذا أظلَّهم البلاءُ فإليه مَلجَؤُهم، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يُغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصريُّ ﵁: تفقَّدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصَّلاة والذِّكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلَّا فاعلموا أنَّ البابَ مغلقٌ. وبالذِّكر يَصرع العبدُ الشَّيطانَ كما يَصرع الشَّيطانُ أهلَ الغفلة والنِّسيان. قال بعض السَّلف: «إذا تمكَّن الذِّكر من القلب فإنْ دنا منه الشَّيطان صُرِعَ كما يُصرَع الإنسان إذا دنا منه الشَّيطان، فتجتمع عليه الشَّياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسَّه الإنسيُّ. وهو رُوح الأعمال الصَّالحة، فإذا خلا العمل عن الذِّكر كان كالجَسد الذي لا روح فيه» (١). قال النَّووي ﵀: «فضيلة الذِّكر غير منحصرة في التَّسبيح والتَّهليل _________ (١) «مدارج السالكين» (٣/ ٢٠٧ - ٢٠٩) بتصرف.

стр. 12

والتَّحميد والتَّكبير ونحوها، بل كلُّ عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله تعالى»، كذا قاله سَعيد بن جُبير ﵁، وغيره من العلماء. وقال عطاء ﵀: «مجالس الذِّكْر هي مجالس الحَلال والحَرام، كيف تشتري وتبيع وتُصلي وتصوم وتنكح وتُطلّق وتحجّ وأشباه هذا» (١). وللذِّكْرِ فضائلُ عظيمةٌ قد نصَّ عليها الكتابُ والسُّنَّةُ، مِنْها: - أنَّ ذكر الله أكبرُ مِنْ كلِّ شيءٍ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. - أنَّ الله يذكرُ من يذكرهُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وفي الحديث: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنا مَعَهُ إِذا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» (٢). - وهو امتثالٌ لأمر الله : قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. - وهو من أسبابِ الفلاح في الدنيا والآخرة: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. - والذكر يثقّل ميزان العبد يوم القيامة: «كَلِمَتانِ خَفِيفتانِ عَلَى اللِّسانِ، ثَقِيلتانِ في الميزانِ، حَبِيبتانِ إِلى الرَّحْمَنِ: سُبْحانَ الله الْعَظِيمِ، سُبْحانَ الله وَبِحَمْدِهِ» (٣). «والحَمْدُ لله تَمْلأُ الميزانَ، وَسُبْحانَ الله والحَمْدُ لله تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمواتِ والأَرْضِ» (٤). _________ (١) «الأذكار» (ص: ٩). (٢) البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥). (٣) البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤). (٤) مسلم (٢٢٣).

стр. 13

- بل الذِّكْر أفضل من الدُّنيا وما فيها: كما قال رسول الله ﷺ : «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (١)، لأن هؤلاء هم الباقيات الصالحات. - والذِّكْر مع يُسره وعدم التعنِّي بأدائه فهو يعدل عتق عشر رقاب ومائة حسنة، وهو أفضل شيء يأتي به العبدُ يوم القيامة: «مَنْ قال: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (٢). و «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» (٣). - وفيه تكفير الذنوب وإن كثرت: «مَنْ قال: سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (٤). - وهو أحبُّ الكلام إلى الله : قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكلامِ إلى اللهِ؟ إِنَّ أَحَبَّ الكلامِ إلى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» (٥). - لذا لمَّا أراد النبيُّ ﷺ أن يُوصي أحد أحبابه، أوصاه بذكر الله : قال: «قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لله _________ (١) مسلم (٢٦٩٤). (٢) البخاري (٣٢٩٣)، ومسلم (٢٦٩١). (٣) البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣) وهو بنحوه عند المصنف رقم (٢٤) وسيأتي هناك بيان المحفوظ في لفظه. (٤) البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١). (٥) مسلم (٢٧٣١).

стр. 14

كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العالمينَ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ»، قال: فهؤُلاءِ لِرَبِّي، فَما لي؟ قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» (١). - وذكر الله أفضل الأعمال ولا يُدرك فضله أحد إلا من عمل مثل عامله، فقال: «ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَكُونَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟»، قالوا: بَلَى يا رسول الله، قال: «تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ» (٢). - كما أنَّ ذكر الله عمل يسيرٌ وأجره عظيمٌ: فمَن «يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» (٣). - والذكر مال الفقراء فبه يتصدقون: «فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ» (٤). - و «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ» (٥). - وذكر الله يجزئ عن العاجز عن أداء النوافل والمستحبات فسأله صحابي: إنَّ شَرائِعَ الإِسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قال ﷺ : «لا يَزالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ» (٦). _________ (١) مسلم (٢٦٩٦) وهو عند المصنف رقم (١٦). (٢) البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥) وهو عند المصنف رقم (٣). (٣) مسلم (٢٦٩٨) وهو عند المصنف رقم (١٥). (٤) مسلم (٢٧٠٧) وهو عند المصنف رقم (١). (٥) البخاري (٦٤٠٧). (٦) صحيح: رواه الترمذي (٣٣٧٥).

стр. 15

- والذاكرون هم السابقون: قال رسولُ الله ﷺ : «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، قالوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يا رسول الله قال: «الذَّاكِرُونَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ» (١). - وهو سرُّ تباهي الله وملائكته ببني آدم: فقد مرَّ رَسُول الله ﷺ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فقال: «ما أَجْلَسَكُمْ؟»، قالُوا: جَلَسْنا نَذْكُرُ الله، ونَحْمَدُهُ عَلَى ما هَدانا لِلْإِسْلام، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنا، قال: «آلله ما أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟»، قالُوا: والله ما أَجْلَسَنا إِلَّا ذاكَ، قال: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلكِنَّهُ أتانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الله يُباهِي بِكُمُ الملائِكَةَ» (٢). وهو سببُ رحمة الله : قال النَّبي ﷺ : «لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ الله إِلَّا حَفَّتْهُمُ الملائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُم الله فِيمَنْ عِنْدَهُ» (٣). فينبغي على المُسلم أن يكون ممَّن يُدمن الذِّكر، ويتقوَّت بالتسبيح حتى يختلط بلحمه ودمه؛ ليذوق حلاوة الأُنس بالله، والموفَّق مَنْ وفَّقه الله. * * * _________ (١) مسلم (٣٥٩٦). (٢) مسلم (٢٧٠١). (٣) مسلم (٤٨٦٨).

стр. 16

المسألة الثانية آداب الذِّكْر ينبغي أن يكون الذاكرُ على أكمل الصفات، فإن كان جالسًا في موضعٍ استقبل القبلة وجلس متخشِّعًا متذلِّلًا بسكينة ووَقار، مطرِقًا رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز، ولو كان ذلك - أي: ترك الذاكر ذلك - بغير عذرٍ كان تاركًا للأفضل، وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خاليًا نظيفًا، ولهذا مدح الذِّكْر في المساجد والأماكن الشريفة، وقد جاء عن أبي ميسرة: «لا يذكر الله تعالى إلا في مكان طيب» (١). وينبغي للذاكر أيضًا أن يكون فمه نظيفًا، فإن كان فيه تغيّرٌ أزاله بالسواك ونحوه، وإن كان فيه نجاسةٌ أزالها بالماء، فإن ذكر ولم يفعل، فهو مكروهٌ وليس بحرام، وهو محبوب في جميع الأحوال، إلا في أحوالٍ ورَدَ الشَّرعُ باستثنائها، منها: «عند الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع، وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب، وفي القيام في الصلاة؛ لأنَّ عليه الاشتغال بالقراءة، وفي حالة النعاس، ولا يكره في الطريق، ولا في الحمَّام» (٢). * * * _________ (١) «مصنف ابن أبي شيبة» (١٢٢٩) بسند صحيح. (٢) «الأذكار النووية» (ص: ١٧ - ١٨).

стр. 17

المسألة الثالثة ضرورة الذِّكْر ذكر الله تعالى هو زاد الروح وغذاؤها، وهو الحصن المنيع للمسلم من عدوِّه، فكلما ازداد الله ذكرًا ازداد قوّة في بدنه ونفسه وروحه وضعف شيطانه وانهزم واندحر. ولذلك كانت وصية الرسول ﷺ لمن يحبه، فقد أوصى ﷺ معاذًا بعدما أخبره أنه يحبه، فقال له: «لا تَدَع في دُبر كلِّ صلاة أن تقول: اللهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك» (١)، وأرشد ﷺ من تكاثرت عليه العبادات بالذكر حتى يكون على اتصال مع ربه فقال: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ» (٢). وحذَّر ﷺ من الغفلة عن ذكر الله لأنّ «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللهَ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ» (٣) والتِّرة هي النقص، أي: تَبِعة ونقص وحسرة يوم القيامة. لذا ينبغي أَلَّا يخلو مجلسٌ يجلسه المسلم من ذكر الله ، والصلاة والسَّلام على رسول الله ﷺ . والذكر هو الموصل إلى معيَّة الله «يقول الله : أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» (٤). _________ (١) سبق تخريجه. (٢) أخرجه أحمد (١٧٦٨٠)، والترمذي (٣٣٧٥) وحسنه، وابن حبان (٨١٤)، والحاكم (١٨٢٢) وصححه عن عبد الله بن بسر. (٣) أخرجه أحمد (٩٨٤٣)، والترمذي (٣٣٨٠) وحسنه، والحاكم (١٨٢٦). والحديث صحيح بذكر المجلس. أما فقرة المضجع والمشي في الطريق، فإنها ضعيفة كما حققته في كتاب آخر. والله أعلم وسيأتي تخريجه مُفصلًا في جزء ملحق الكتاب. (٤) علقه البخاري بصيغة الجزم في «الصحيح» (٩/ ١٥٣) كتاب التوحيد، باب قول الله =

стр. 18

وهذه هي المعيّة الخاصة، وهي غير معيّة الله العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كلِّ أحوالهم، فالمعيّة الخاصّة هي التي جاءت في مثل قوله : ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]، فهذه المعيّة الخاصة تكون بالنُّصرة والتأييد والحفظ والكلاءة. وبالذكر يُستعان على الشَّدائد؛ لذا وصَّى الله هارون وموسى لما أرسلهما إلى فرعون فقال: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢]. وأمر الله بكثرة الذِّكر عند لقاء العدو، فهو قوة للقلب، وقوة للبدن، كما في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. * * * _________ = تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾، ووصله في «خلق أفعال العباد» (٤٣٦)، وأحمد (١٠٩٦٨)، وابن ماجه (٣٧٩٢)، وابن حبان (٨١٥) من طريق إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، به. وقيل: عن إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت الحسحاس المزنية، عن أبي هريرة، به. وقال المزي في «تهذيب الكمال» (٣٥/ ٢٩٣) في ترجمة كريمة: وكلاهُمَا صَحِيحٌ. ووافقه الحافظ في «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤٤٨) وقال: وهو أحد الأحاديث المرفوعة التي لم يوصلها - يعني البخاري - في الجامع.

стр. 19

المسألة الرابعة مَنْ هم الذَّاكرون الله كثيرًا والذاكرات ؟ قال ابن عباس ﵄: «المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدُوًّا وعشيًّا، وفي المضاجع، وكلَّما استيقظ من نومه وكلَّما غدا أو راح من منزله ذكرَ الله تعالى». وقال مجاهد: «لا يكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا». وقال عطاء: «من صلَّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]». وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، فقال: «إذا واظبَ على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساءً، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلًا ونهارًا، وهي مبيَّنة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيرًا، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أفضل من سائر الأَذْكَارِ» (١). وقد جاء في الحديث قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى - رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ» (٢). _________ (١) «فتاوى ابن الصلاح» (١/ ١٥٠). وانظر: «الأذكار للنووي» (ص: ٤٠). (٢) أخرجه أبو داود (١٣٠٩، ١٤٥١)، والنسائي في «الكبرى» (١٣١٢، ١١٣٤٢)، وابن ماجه (١٣٣٥)، والبزار في «مسنده» (٨٢٨١)، (١٨/ ٨٨/ ٢٠)، وأبو يعلى (١١١٢)، وابن حبان (٢٥٦٨، ٢٥٦٩)، والآجري في «فضل قيام الليل والتهجد» (٢٠)، والدارقطني في «العلل» (٩/ ٦٩/ ١٦٤٩)، والمستغفري في «فضائل القرآن» (٤٦٩)، =

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . _________ والحاكم (١١٨٩، ٣٥٦١)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٧٠٦) عن علي بن الأقمر، عن الأغر، أبي مسلم المدني، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ ، به. - وأخرجه أبو داود (١٣٠٩)، وابن أبي الدنيا في «التهجد» (٤٠٧)، والحارث/ (زوائد الهيثمي) - (٢٤٠) عن سفيان، عن علي بن الأقمر، عن الأغر، عن أبي سعيد، موقوفًا، ولم يذكر أبا هريرة. وقال أبو داود: رواه ابن مهدي، عن سفيان قال: وأراه ذكر أبا هريرة. قال أبو داود: وحديث سفيان موقوف. وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وذكر الدارقطني في «العلل» (٢٢٩٧) الخلاف فيه، فقال: «يرويه شيبان، عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغرّ مسندًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ . وغيره يرويه عن علي بن الأقمر موقوفًا. والله أعلم». وقال الحافظ في «النتائج» (١/¬٣٥): اختلف في وقفه رفعه على علي بن الأقمر. والحديث احتج به الحافظ ابن كثير في «التفسير» (٥/ ٢٤٠). وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٥٨٧)، وفي رياض الصالحين (ص: ٣٥٦): إسناده صحيح. وصححه المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٤٢) حسب شرطه في الكتاب بإيراده بصيغة الجزم. وصححه عبد الحق في «الأحكام الكبرى» (٢/ ٣٦٦) حيث أورده ساكتًا عليه. - وله طريق آخر عن أبي هريرة بلفظ مختلف: أخرجه أحمد (٧٤١٠، ٩٦٢٧)، وأبو داود (١٣٠٨ و ١٤٥٠)، وابن ماجه (١٣٣٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٥)، وفي «الكبرى» (١٣٠٢)، والبزار (٨٩٢٨)، ومحمد بن نصر المروزي في «مختصر قيام الليل» (٩١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٥/¬١٥١/¬٢٥٦٩)، وابن خزيمة (١١٤٨)، وابن حبان (٢٥٦٧)، والدارقطني في «العلل» (٨/ ١٩٤)، والحاكم (١١٦٤) من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلَّى، وأيقظ امرأته، فإن أبت، نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء». =

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . _________ = رواه عن ابن عجلان: (أحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار، وأحمد بن ثابت، ويعقوب بن إبراهيم، وأبو قدامة، عبيد الله بن سعيد). ورواه سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قامَ من الليل … ». أخرجه أحمد (٧٣٦٩)، والبزار (٨٥٠٢) عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. والأول أصح، وهو ما رجحه البزار.

стр. 22

الفَصْلُ الأوَّلُ تَرْجَمَةُ المُؤَلِّف ° اسمه ونسبه. ° مولده. ° شيوخه. ° تلاميذه. ° مؤلفاته. ° طلبه للعلم. ° ثناء العلماء عليه. ° ذكر ولايته القضاء وسيرته. ° أخباره التي تدل على هيبته وفطنته. ° نكبته ووفاته.

стр. 23

° اسمه ونسبه : القاضي، أبو محمَّدٍ يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد بن درهمٍ، مولى آل جَرير بن حازم الأزديّ، البصريّ الأصل، البغداديّ (١) (٢). ° مولده : لا خلاف في تحديد سنة مولده وهو سنة ٢٠٨ هـ (٣). ° شيوخه : سمع: مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وعمرو بن مروزق، ومحمد بن كثير، ويحيى بن حبيب بن عربي، ومحمد بن أبي بكر المقدَّمي، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومُسدَّدًا، وهُدبَة بن خالد، وأبا الربيع الزهراني، _________ (١) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥). (٢) انظر أيضا ترجمته في: «أخبار القضاة» (٢/ ١٨٢)، (٣/ ٢٨٢)، «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٥٦)، «الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي» (٢/ ٦٠٨)، «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» (٤/ ٢٩٥)، «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٣/ ١٠٣)، «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ٤٩٠)، «العبر في خبر من غبر» (١/ ٤٣٤)، «المعين في طبقات المحدثين» (ص: ١٠٦)، «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٦٦٠)، «تاريخ الإسلام» (٢٢/ ٢١١)، «الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة» (١/ ٢١٦)، «طبقات علماء الحديث» (٢/ ٣٧١)، «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» (٣/ ١٣٩٨)، «البداية والنهاية» (١١/ ٤٠٣)، «قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر» (٢/ ٦٥٧)، «هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين» (٢/ ٥٤٩)، «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون» (٤/ ٤١٣) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب» (٢/ ٣٧٣)، «شجرة النور الزكية في طبقات المالكية» (١/ ٩٨)، «الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة» (ص: ٤٧)، «مرآة الجنان وعبرة اليقظان» (٢/ ١٧٢)، «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» (٣/ ١٧١)، «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» (٣/ ٤١٤)، «الأعلام» للزركلي (٨/ ٢٥٨)، «معجم المؤلفين» (١٣/ ٣٤٤). (٣) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٥٦)، «البداية والنهاية» (١١/ ٤٠٣)، «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٢/ ١٧٠)

стр. 24

وكامل بن طلحة، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وشيبان بن فَرُّوخ، وعبد الواحد بن غياث. ° تلاميذه : روى عنه: أبو عمرو ابن السَّمَّاك، وأبو سهل بن زياد، وعبد الباقي بن قانع، وإسماعيل بن علي الخطبي، ودَعْلَج بن أحمد، وأبو بكر الشافعي، وأبو محمد بن ماسي، وغيرهم. ° مؤلفاته : ١ - كتاب «السنن» (١): وهو أشهر كتبه كما يظهر من كلام المترجمين له، ومن شهرته وصفه الذهبي بصاحب التصانيف في السنن (٢). ٢ - كتاب «العلم» (٣): وقد سمعه الذهبي، والعلائي: ومن كتاب العلم المذكور ساق العلائي بسنده إلى يوسف القاضي قال: (١١٥) حدثنا أبو الربيع، ثنا إسماعيل بن جعفر، أنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثٍ، إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له» (٤). ٣ - كتاب «الزكاة» (٥): وقد سمعه الذهبي، والحافظ ابن حجر وله به _________ (١) «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ٤٩٠)، «قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر» (٢/ ٦٥٧)، «الأعلام» للزركلي (٨/ ٢٥٨)، «كشف الظنون» (٤/ ٤١٣)، «هدية العارفين» (٢/ ٥٤٩)، «المعين في طبقات المحدثين» (ص: ١٠٦)، «الديباج المذهب» (٢/ ٣٧٣)، الرسالة المستطرفة» (ص: ٣٧). (٢) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥). (٣) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥). (٤) «إثارة الفوائد المجموعة في الإشارة إلى الفرائد المسموعة» (١/ ٣٠٦). (٥) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥)، «الرسالة المستطرفة» (ص: ٤٧)، «شجرة النور الزكية في طبقات المالكية» (١/ ٩٨)، «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» (٣/ ١٣٩٩).

стр. 25

سند، قال: «قرأت على الحافظين أبي الفضل بن الحسين وأبي الحسن بن أبي بكر قالا: أنبأنا محمد بن إبراهيم البياني قال الأول: بقراءتي بحضوره على زينب بنت مكي وإجازة منها بسماعها على عُمر بن محمد بن طبرزد، أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن كيسان، أنبأنا أبو يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد، به» (١). ٤ - كتاب «الصيام» (٢)، وسماه الكتاني: «الصوم والاعتكاف» (٣). ٥ - كتاب في فضائل أزواج النبي ﷺ (٤). ٦ - «مسند» شعبة (٥). ٧ - كتاب «الدعاء» (٦): وقد سمعه الحافظ ابن حجر وله به سند، قال: «أخبرنا الشيخ أبو الفرج ابن الغزي إجازةً مشافهةً عن عبد الغفار وعبد الحق ابني محمد بن عبد الكافي قالا: أنبأنا عبد الهادي بن عبد الكريم القيسي سماعًا عليه من قوله: باب الدعاء بأصبع واحدة إلى آخر الكتاب، وإجازةً لسائره، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي في كتابه، أنبأنا أبو الحسن علي بن الحسين الموصلي إجازة مكاتبة، أنبأنا أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني، أنبأنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن نصر الذهلي، حدثنا يوسف بن يعقوب، به» (٧). _________ (١) «المعجم المفهرس» (ص: ٦٥). (٢) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥)، «شجرة النور الزكية» (١/ ٩٨)، «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» (٣/ ١٣٩٩). (٣) «الرسالة المستطرفة» (ص: ٤٧). (٤) «شجرة النور الزكية» (١/ ٩٨)، «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» (٣/ ١٣٩٩). (٥) «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» (٣/ ١٣٩٩). (٦) «شجرة النور الزكية» (١/ ٩٨)، «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» (٣/ ١٣٩٩). (٧) «المعجم المفهرس» (ص: ١٠٣).

стр. 26

٨ - «الذِّكْرُ والتسبيح من «السنن» (١). وهو كتابنا، وسيأتي الكلام عليه في الفصل الآتي. وقد سمعه الحافظ ابن حجر وله به سند، قال: «أخبرنا به فَرج بن عبد الله الحافظي إجازة مكاتبة، أنبأنا مولاي القاضي الزين عبد الله بن الحسن بن الحافظ، أنبأنا أبو المظفر يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي، أنبأنا جدِّي لأبي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، أنبأنا أبو الحسن علي بن عبد الواحد الدينوري، أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن كيسان عنه» (٢). ° طلبه العلم : طلب العلم صغيرًا فسمع مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حَرب ومسدَّدًا وشيبان بن فَرُّوخ وطبقتهم (٣)، وكان أهله بيت علمٍ (٤). ° ثناء العلماء عليه : ١ - قال القاضي وكيع في كتابه: «كان يوسف صلبًا، عفيفًا، بلغ سِنًّا عالية، وحمل عنه علم كثير، من المسند وغيره. وذكر ابن كامل في كتاب القاضي: أنه كان غير مطعون عليه في الحديث، ضعيف الفقه، وأنه كان لا يغيِّر شيبه» (٥). ٢ - قال الخليلي: «وكان له معرفةٌ بالحديث» (٦). _________ (١) «معجم الشيوخ» (ص: ٨٤)، «إثارة الفوائد المجموعة» (١/ ٣٠٦). (٢) «المعجم المفهرس» (ص: ١٠٣). (٣) «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٢/ ١٧٠)، «العبر في خبر من غبر» (١/ ٤٣٤). (٤) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥)، «الديباج المذهب» (٢/ ٣٧٣). (٥) «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» (٤/ ٢٩٦). (٦) «الإرشاد في معرفة علماء الحديث» (٢/ ٦٠٨).

стр. 27

٣ - قال أبو بكر الخطيب: «كان ثقة، سكن بغداد، وحدَّث بها» (١). ٤ - وقال القاضي عياض: «وكان مسندًا فاضلًا، سمع منه الناس ببغداد، قراءة وإملاءً … وكتب عنه الناس علمًا كثيرًا» (٢). ٥ - ووصفه الذهبي بقوله: صاحب التصانيف في السنن، الإمام، الحافظ، الفقيه الكبير، الثقة (٣)، ووصفه: بمحدِّث بغداد (٤)، وقال: وكان أسندَ أهل زمانه ببغداد (٥). ٦ - وقال ابن كثير: «وكان ثقة، قد ولي قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد، وكان ثقة، نزها، عفيفًا، شديد الحرمة» (٦). ° ذكر ولايته القضاء وسيرته : كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد، وأول ما ولي بها: الحسبة، سنة إحدى وسبعين. وولي أيضًا نفقات الموفّق، فكان يتولّاها دون رأي وزيرٍ أو غيره. ولما استعفى إسماعيل - أيام المعتضد - من القضاء، وأجيب صيّر مكانه يوسفُ هذا، فيما ذكره الفرغانيّ. ثم ولي البصرة بعده ابنُ عمّه، محمد بن حمّاد، مع قضاء سائر عمله، الذي مات عنه، في سنة ستّ وسبعين من قضاء واسط، وكور دجلة. فأقام يوسف ببغداد، واستخلف على البصرة محمد بن جعفر بن أحمد بن العباس بن عبد الله بن الهيثم بن سام، وكان فقيهًا سريًّا عالمًا متفنّنًا وعفَّ وحَسُن أثره. _________ (١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٥٦). (٢) «ترتيب المدارك» (٤/ ٢٩٥). (٣) «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٢/ ١٧٠)، «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥). (٤) «المعين في طبقات المحدثين» (ص: ١٠٦). (٥) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٥). (٦) «البداية والنهاية» (١١/ ٤٠٣).

стр. 28

ثمَّ توفي محمَّد بن جعفر، فاستخلف يوسف مكانه، إبراهيم بن المنذر الجارودي. ثم أتى خليفة الفاضل بن الحباب الجُمحي، ثم أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي، والد القاضي أبي الطاهر بن علي المالكي. وولي يوسف مع ذلك، المظالم، ببغداد، سنة سبع وسبعين. فلما مات القاضي إسماعيل بن إسحاق منسلخ سنة اثنين ومائتين، قسّم عمله، فقلّد يوسف بن يعقوب، قضاء الجانب الشرقي، فلم يزل عليه، إلى أن نكب، وقلّد ابنه أبا محمَّد بعد مدَّة، مدينة المنصور. قال ابن عرفة: وذكر ولايته القضاء، قال: فحمدت مذاهبه، وحسُن حُكمه. واستقامت طريقته، وكثر الشاكر له. وقال طلحة بن محمَّد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا، رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسنَ العلم بصناعة القضاء، شديدًا في الحكم، لا يراقب فيه أحدًا، وكانت له هيبة، ورئاسة، وكان ثقة أمينًا. - قال أبو جعفر الطبري: لما ولي يوسف بن يعقوب المظالم، أمر أن ينادي: مَنْ كانت له مظلمة قبل الأمير الناصر، وأخذ من الناس، فليحضر، وتقدم الإذن إلى صاحب الشرطة، ألا يطلق أحدًا مِنْ السجن إلا من رأى إطلاقه، بعد أن تُعرَض عليه قصصهم. - وكان قد وليَ القضاء بالبصرة في سنة ستّ وسبعين ومائتين، وضم إليه قضاء واسط، ثمّ أضيف إلى ذلك قضاء الجانب الشرقي من بغداد إلى ما كان يتولاه من قضاء واسط والبصرة وجلس في مسجد الجامع الشرقي إلى ما كان يتولاه من قضاء واسط والبصرة، وجلس في مسجد الجامع سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فأحمدت مذاهبه، وحسُن حكمه، واستقامت طريقته، وكثر الشاكر له (١). _________ (١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٥٦).

стр. 29

- وكان رجلًا صالحًا، عفيفًا خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء، شديدًا في الحكم، لا يراقب فيه أحدًا، وكانت له هيبة ورياسة، وحمل الناس عنه حديثًا كثيرًا، وكان ثقة أمينًا (١). - ويروي ابنه محمّد بن يوسف، يقول: قدم خادمٌ من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي في حُكم، فجاء فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خَصمه، فلم يفعل إدلالًا بعظم محله من الدولة، فصاح أبي عليه، وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع؟ يا غلام، عمرو بن أبي عمرو النخاس الساعة لأتقدم إليه ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثمّ قال لحاجبه: خذ بيده وسوّ بينه وبين خصمه، فأخذ كرهًا وأجلس مع خصمه، فلما انقضى الحكم انصرف الخادم فحدث المعتضد بالحديث، وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد، وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبدًا، وليس خصوصك بي يزيل مرتبة الحكم، فإنه عمود السلطان، وقوام الأديان (٢). • ومن أخباره التي تدلُّ على هيبته وفطنته : قال ابن الخطيب - مؤدّب المعتضد -: حضرت يومًا في مجلس يوسف بن يعقوب، مع أصحاب الحديث، فدخل عليه مؤنس صاحب شرطة بغداد، وكان جبارًا غاشمًا، من كبار خدّام المعتضد والمكتفي، فقصد إلى سرير يوسف، فلم يقم له، فسلّم عليه مؤنس وهو قائم، فأومأ إليه يوسف، فأجلسه بين يديه، وكان مع مؤنس إلى أن قضى حديثه مع يوسف، ثم انصرف. ولما أشار المعتضد بلعنِ معاوية وآله على مَنْ أمره، وكتب في ذلك _________ (١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٥٦). (٢) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٥٦)، «البداية والنهاية» (١١/ ٤٠٣)، «ترتيب المدارك» (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨).

стр. 30

كتابًا، انتخب له من الكتاب، الذي كان أنشأه المأمون، حين عزم على ذلك، فلم يزل القاضي يوسف يتردّد، ويسعى في ردّ ذلك، حتى ترك الأمر بذلك، وانصرف عنه، فذكر أبو جعفر الطبري: أن يوسف مضى في ذلك إلى المعتضد، وقال له: إني أخاف أن تضطرب العامة عند سماعه. فقال: إن تحركت وضعت سيفي. فقال له: ما تصنع بالطالبيين، وهم في كل ناحية، يخرجون ويميل إليهم الكثير من الناس، وفي هذا الكتاب إطراؤهم والتفجّع لما نيل منهم، أو كيف؟ قال: فإذا سمعه الناس زادوا فيهم تشيّعًا. وكانوا أثبت حجة، فأمسك المعتضد عما همّ به، فعد الناس هذه من مناقب ابن حماد، بخاصة ليوسف بن يعقوب. قال: فدخل على القاضي يوسف بعض أهل الحديث، يشكره ويقول: جزاك الله خيرًا، فإنكم أهل بيت سنة. ولما مات المعتضد، تولى غسله القاضي أبو عمر، وصلى عليه أبوه يوسف هذا (١). - وذكروا أن ابن أبي الدنيا دخل عليه، وكان مولدهما واحد، فسأل القاضي عن قوته؟ فقال القاضي: أجدني كما قال سيبويه: فكيف تجدك أنت يا أبا بكر أصلحك الله؟ فقال: أَرَانِي فِي انْتِقَاصٍ كُلَّ يَوْمٍ … وَلَا يَبْقَى مَعَ النُّقْصَانِ شَيْءُ طَوَى العَصْرَانِ مَا نَشَرَاهُ مِنِّي … فَأَخْلَقَ جِدَّتِي نَشْرٌ وَطَيُّ (٢) _________ (١) «ترتيب المدارك» (٢٩٩/ ٤). (٢) «تاريخ بغداد» (٤٥٦/ ١٦)، «ترتيب المدارك» (٢٩٩/ ٤).

стр. 31

° نكبته ووفاته : لما قام عبد الله بن المعتزِّ لطلب الخلافة أيام المقتدر سنة ست وتسعين، وبايع له من بايع، كان في جملتهم: القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب هذا، وهو شريك لأبيه في القضاء، فلما ظفر بابن المعتز، وانحلَّ أمره، انتشر أبو عمر، وكان من محنته ما يأتي ذكره في خبره، فصرفه المقتدر عن القضاء، وصرف بصرفه ابنه أيضًا، واقتصر على الصرف، فلزم يوسف منذ ذلك منزله، ولم يتولَّ للسلطان عملًا من القضاء إلى أن توفي إثر ذلك يوم الاثنين لتسع خلونَ من رمضان، سنة سبع وتسعين ومائتين، وهو ابن خمس وتسعين سنة (١). قال ابن طاهر: وصلى عليه ابنه أحمد، وقال ابن كامل: بل ابنه أبو عمر، ودفن في داره. وترك من الولد غير القاضي أبا عمر، محمدًا وأبا يعلى الحسين. وتوفي أبو يعلى سنة ست وثلاثمائة. وتوفي أحمد سنة تسع وتسعين ومائتين (٢). _________ (١) «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٥٦)، «البداية والنهاية» (١١/ ٤٠٣)، «العبر في خبر من غبر» (١/ ٤٣٤)، «مرآة الجنان» (٢/ ١٧٢)، «النجوم الزاهرة» (٣/ ١٧١). (٢) «ترتيب المدارك» (٤/ ٢٩٩).

стр. 32

الفَصْلُ الثَّاني التَّعْرِيفُ بِالكِتَابِ ١ - توثيق اسم الكتاب. ٢ - نسبته للمؤلف. ٣ - وصف المخطوط. ٤ - ترجمة سند الكتاب.

стр. 33

١ - توثيق اسم الكتاب : جاء في المخطوط باسم «الذكر والتسبيح من «السنن» عن رَسُولِ الله ﷺ . وهكذا ذكره السبكي (١). وسماه العلائي «كتاب الذِّكر والتسبيح» (٢). والحافظ (٣). وسمعه عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن عبد الغني الحافظ بن عبد الواحد بن علي بن سرور شرف الدين، قاضي القضاة، أبو محمد المقدسي الحنبلي (٦٤٦ - ٧٣٢ هـ) من يوسف بن فرغل «الذِّكر والتسبيح» ليوسف القاضي (٤). وذكره السيوطي (٥) باسم: «جزء الذكر والتسبيح». وذكره شمس الدين، محمد بن محمد الروداني المالكي (المتوفى: ١٠٩٤ هـ) (٦) باسم: «كتاب الذكر والتسبيح والدعاء». والظاهر أنه جزء مستقل ألّفه المصنف، ولا يبدو أنه مُستلّ من كتابه «السنن»؛ فقد سمّاه السيوطي وغيره كما تقدم «جزء» وهذا يطلق على التأليف المستقلّ، كما أنه سمعه العلائي والحافظ ابن حجر ولم يشيرا لكونه جزءًا من كتاب «السنن»، كما كتب الناسخ في آخره ما يوحي بتمامه. _________ (١) «معجم الشيوخ» (ص: ٨٤). (٢) «إثارة الفوائد المجموعة» (١/ ٣٠٦) وقد سمعه بالسند المذكور في المخطوط. (٣) «المعجم المفهرس» (ص: ١٠٣) وقد سمعه بالسند المذكور في المخطوط. (٤) «معجم الشيخة مريم» (ص: ١٢٤). (٥) «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٨٠). (٦) «صلة الخلف بموصول السلف» (ص: ٢٤١).

стр. 34

٢ - أما صحة نسبته للمؤلف : فبالإضافة لما سبق: فقد استفاد منه العلماء ومن أقدمهم الطبراني فالمُصنِّف من شيوخه، وكذلك البيهقي وابن عساكر والسلفي وغيرهم، كما سيظهر من تخريج الأحاديث، حيث خرَّجتها من طريق المصنف من كتبهم، ووجدت أنَّ منهم من اشترك في السند من أوله يعني يرويه عن سبط ابن الجوزي سواء بسواء كسند الكتاب، منهم السلفي والدبيثي وابن النجار. ويرويه ابن عساكر عن الجوهري بسنده المتصل حتى المصنف. - واقتبس منه ابن حجر (١). ٣ - وصف المخطوط : يقع ضمن مجموع رقم ١٨٢٤ من مكتبة «أولو جامع» (Ulucami)، مدينة بورصة، ولاية بورصة، بتركيا. عدد أوراقه: ٣٠ ورقة (٧٠ - ١٠٠). ومسطرته: ٩ أسطر، في كل سطر ٩ كلمات تقريبًا. وخطه نسخ جميل جدًّا، وهو ملون وعليه تصحيحات دلالة العناية به. وهي نسخة تامة، وتاريخ نسخها الأربعاء حادي عشر ربيع الثاني، ببلدة لاهور المعمورة سنة ستّ وتسعين وتسعمائة، وناسخها عبد الحميد بن قاضي فريد (٢). * * * _________ (١) «فتح الباري» (١/ ١٢٣). (٢) لم أجد له ترجمة.

стр. 35

٤ - ترجمة سند الكتاب سند الكتاب هكذا: يرويه أبو المظفر يوسف سبط أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، عن جده ابن الجوزي، عن أبي الحسن علي بن عبد الواحد الدينوري، عن أبي محمد الحسن بن على الجوهري، عن أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، عن المصنّف القاضي أبي محمد يوسف بن يعقوب. وهذه تراجم رجاله كالآتي: ١ - يوسف بن قز أوغلي (١) بن عبد الله، أبو المظفر الواعظ، التركي ثم البغدادي العوني الحنفي سبط الإمام ابن الجوزي (٥٨١ - ٦٥٤ هـ ): نزيل دمشق، صاحب كتاب «مرآة الزمان». روى عن جدّه ببغداد، وسمع أبا الفرج بن كليب وغيره، وسمع بالموصل ودمشق، وحدث بها وبمصر وأُعطي القبول، وصنف الكتب العديدة منها: كتاب مرآة الزمان في التأريخ، وشرح الجامع الكبير، واللوامع في أحاديث المختصر، وغيرها. أخذ العلم من ابن الجوزي في بغداد، وتوفي سنة (٦٥٤ هـ) (٢). _________ (١) قزأوغلي، بكسر القاف وسكون الزاي، ثم همزة مضمومة وغين ساكنة ولام مكسورة وياء: لفظ تركي، ترجمته الحرفية «ابن البنت» أي «السبط» وفي الكتاب من يحذف الألف والواو، تخفيفًا، فيكتبها «قزغلي» بالقاف المكسورة وضم الزاي. من هامش «الأعلام» للزركلي. (٢) انظر: «ميزان الاعتدال» (٤/ ٤٧١)، «النجوم الزاهرة» (٧/ ٣٩)، «الأعلام» للزركلي (٨/ ٢٤٦).

стр. 36

قال الذهبي: «ألّف كتاب مرآة الزمان، فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفّض، وله مؤلّف في ذلك». وقال ابن تيمية: «يذكر في مصنفاته أنواعًا من الغثّ والسمين، ويحتج في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة، وكان يصنف بحسب مقاصد الناس يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك، ويصنف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك لينال أغراضه، فكانت طريقته الواعظ الذي قيل له: ما مذهبك؟ قال: في أي مدينة، ولهذا يوجد في بعض كتبه ثلب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة، ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم» (١). ٢ - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي البغدادي الحنبلي، المعروف بابن الجوزي (٥١١ - ٥٩٧ هـ ): شيخ وقته، إمام عصره، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم، كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق والنثر الفائق بديها، ويسهب ويُعجب ويُطرب ويُطنب، لم يأت قبله ولا بعده مثله، فهو حامل لواء الوعظ والقيم بفنونه، مع الشكل الحسن والصوت الطيب، والوقع في النفوس، حسن السيرة، كان بحرًا في التفسير، علامة في السير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث، ومعرفة فنونه، فقيها، عليمًا بالإجماع والاختلاف، جيد المشاركة في الطبّ، ذا تفنّن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار، وإكبابٍ على الجمع والتصنيف، مع التصوّن والتجمّل، وحسن الشارة، ورشاقة العبارة، ولطف الشمائل، والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاص والعام، توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة. _________ (١) «منهاج السنة» (٤/ ٢٤).

стр. 37

وكانت ولادته سنة (٥١١ هـ)، وتوفي سنة (٥٩٧ هـ). يقول الذهبي: «ما علمت أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل». من مؤلفاته: «المغني في علوم القرآن»، «تذكرة الأريب في اللغة»، «جامع المسانيد»، «المنتظم في تاريخ الأمم»، و «بستان الواعظين ورياض السامعين»، «مثير الغرام الساكن في فضل البقاع والأماكن»، «زاد المسير في علوم التفسير»، «تلبيس إبليس»، «البر والصلة»، «مناقب الكرخي»، «ذم الهوى» (١). ٣ - الشيخ، المعمَّر، الصّدوق، أبو الحسن عليّ بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس، الدّينوريّ، ثمّ البغداديّ (ت ٥٢١ هـ ): سمع: أبا الحسن القزوينيّ، وأبا طالب بن غيلان، والحافظ أبا محمّدٍ الخلّال، وأبا محمّدٍ الجوهريّ، وغيرهم. حدّث عنه: أبو المعمَّر الأنصاريّ، والحافظ ابن عساكر، وأبو الفرج بن الجوزيّ، وآخرون. وهو أقدم شيخ لابن الجوزيّ. قال أبو سعدٍ السّمّعانيّ: «كان صاحب الخبر، توفّي في جمادى الآخرة، سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، وكان يقول: قد مرّ بي أبي من الدّينور وأنا صبيٌّ، واحترقت كتبي زمن المستظهر، وقد سمع أبو الحسن القزوينيّ من جدّي أحمد» (٢). _________ (١) انظر: «تذكرة الحفاظ» (٤/ ١٣١)، و «سير أعلام النبلاء» (٢١/ ٣٦٥)، و «البداية والنهاية» (١٦/ ٧٥٦)، و «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (٢/ ٤٥٨). (٢) «مشيخة ابن الجوزي» (٦٣)، «المنتظم» (١٧/ ٢٤٦)، «تاريخ الإسلام» (٣٦/ ٦٧)، «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٥٢٥)، «العبر في خبر من غبر» (٢/ ٤١٥)، «شذرات الذهب» (٦/ ١٠٥).

стр. 38

٤ - الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله أبو محمد الجوهري المقنّعي الشيرازي ثمّ البغدادي (٣٦٣ - ٤٥٤ هـ ): سمع أبا بكر بن مالك القطيعي، والحسين بن محمد بن عبيد العسكري، ومحمد بن أحمد بن المتيم، وعلي بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، وغيرهم. حدث عنه: أبو نصر ابنُ ماكولا، وأبو عليّ البرداني، وقاضي المرستان أبو بكر الأنصاري؛ خاتمة من سمع منه. قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان ثقة أمينًا كثير السَّماع. قال الذهبي: «الشيخ، الإمام، المحدّث، الصدوق، مسند الآفاق، وكان من بحور الرواية. روى الكثير، وأملى مجالس عدّة … عاش نيفًا وتسعين سنةً، وقيل له: المقنّعي، لأنّه كان يتطيلس ويتحنّك كالمصريين. ولد في شعبان من سنة ثلاث وستين وثلاث مائة، ومات سنة أربع وخمسين وأربع مائة ودفن بالجانب الشرقي في مقبرة باب أبرز» (١). ٥ - علي بن محمد بن أحمد بن كيسان أبو الحسن الحربي (٢٨٢ - ٣٧٣ هـ ): سمع: يوسف بن يعقوب القاضي. روى عنه: أبو بكر البرقاني، والحسين بن جعفر السلماسي، وعلي بن المحسن التنوخي، والحسن بن علي الجوهري، وهو آخر من حدّث عنه. روى عن يوسف القاضي جزءين: التسبيح والزكاة ليس إلّا. _________ (١) «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٩٧)، «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ٢٣٥)، «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٦٨)، «غاية النهاية في طبقات القراء» (١/ ٢٢٥)، «النجوم الزاهرة» (٥/ ٧٠)، «الأعلام» للزركلي (٢/ ٢٠٢).

стр. 39

قال الخطيب: قال لنا التنوخي: أرانا ابن كيسان بخط أبيه: ولد علي ومحمد ابنا محمد في بطن واحد في ليلة الجمعة سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وقال البرقاني: «كان ابن كيسان لا يُحسن يحدث، سألته أن يقرأ عليَّ شيئًا من حديثه، فأخذ كتابه ولم يدرِ ما يقول: فقلت له: سبحان الله، حدثكم يوسف القاضي، فقال: سبحان الله حدثكم يوسف القاضي! قال: إلا أنَّ سماعه كان صحيحًا. سمع من أخيه. ذكر الجوهري أنه سمع منه في سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة. ولم يؤرخ الخطيب وفاته، وكان أبوه من كبار النحاة، مات سنة تسع وتسعين ومائتين، وهذا صبي، فطلع لا يعرف شيئًا». قال الذهبي: «الشيخ الثقة، روى عن يوسف القاضي جزء الزكاة وجزء التسبيح، ما روى سواهما … وكان عليَّ هذا عريًّا من الفضيلة». وقال: وعاش نيِّقًا وتسعين سنة، فاحتيج إليه، وكان جاهلا. وفاته: (٣٧٣ هـ) ثلاث وسبعين وثلاثمائة (١). ٦ - القاضي أبو محمد يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد (٢٠٨ - ٢٩٧ هـ ). هو المصنِّف، وقد سبقت ترجمته مفصلة. تنبيه: قد يُشكل على البعض الاحتجاج بهذا السند، وفيه مَنْ لم يُوثَّق توثيقًا قويًّا ومنهم ابن كيسان راوي الجزأين عن المصنف؟ _________ (١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٦٣)، «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٥٤)، و «العبر» (٢/ ١٤٢)، و «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، «تاريخ الإسلام» (٨/ ٣٩٢)، «لسان الميزان» (٤/ ٢٥٥)، و «شذرات الذهب» (٤/ ٣٩٤).

стр. 40

فنقول: هذا سند نسخة مكتوبة ومقروءة وسماعهم لها صحيح، كما نصَّ النُّقَّاد في تراجمهم، وهذا كافٍ للثقة بالنسخة؛ لأنَّ الخوف من سوء الحفظ جُبر بالكتاب، كما أنهم لم يتفردوا بأسانيد الروايات ولا متونها؛ فقد توبعوا عليها متابعات تامة وناقصة، كما سيظهر من التخريج، فانتفى بذلك الرّيب في روايتهم. و «الثقة» في عرف أهل القرون الثلاثة الأولى - عصر التدوين - يختلف معناه عن قولهم «ثقة» في العصور التالية، يعني بعد عصر جمع وتدوين الأخبار؛ لاختلاف الغرض من الرواة؛ لذا تشدَّدوا في تعريفه وتحديد أوصافه؛ أما بعد ذلك فإنَّ الغرض من الرواة هو حفظ تسلسل الأسانيد فقط! لذا ترخّصوا في الشروط المفروض وجودها في الراوي كالضبط، واكتفوا بصحّة أصله ولقائه! يقول الذهبي (١): «فمِن هذا الوقت بل وقبله صار الحفَّاظ يطلقون هذه اللفظة - يعني كلمة: ثقة - على الشيخ الذي سماعه صحيح بقراءة متقن وإثبات عدل وترخّصوا في تسميته بالثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسع المتأخرون». وفي ألفية الحافظ العراقي بعد ذكر المتروكين من الرُّواة قال: وَأَعْرَضُوا فِي هذهِ الدُّهُورِ … عَنِ اجتماعِ هذهِ الأُمُورِ لِعُسْرِهَا بَلْ يُكْتَفَى بالعَاقِلِ … المُسْلِمِ البالِغِ غَيرِ الفَاعِلِ لِلْفِسْقِ ظَاهِرًا وَفِي الضَّبْطِ بأَنْ … يَثْبُتَ مَا رَوَى بَخَطِّ مُؤْتَمَنْ وَأَنَّهُ يَرْوِي مِنْ أَصْلٍ وَافَقَا … لأَصْلِ شَيْخِهِ كَمَا قَدْ سَبَقَا _________ (١) «السير» (١٦/ ٧٠).
следующие страницы →