← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30200

النكت على كتاب البرهان

التقي المقترح

Полный текст (282 стр.). Показаны 246–282 · переход к 251.

стр. 246

[٣٢٢] «فَصْلٌ فإن قيل: قد أثبتم الاستدلال، ولم تقبلوه على الإرسال، وزعمتم أن المقبول منه ما يلتفت إلى الأصول، ويضاهي معانيها، ولم تأتوا في ذلك بقول ضابط يستبين به المقبول من المردود. قلنا: الوجه في ذلك أن نقول: إذا ثبت حكم متفق عليه في أصل، ثم رام المستنبط إثارة معنى يعتقده مناطًا للحكم، فما الضبط فيما يقبل ويرد منه؟ فليقل المستدل: كل معنى لو ربط به حكم متفق عليه في أصل، لجرى واستد. فإذا اعتبره المستدل من غير إسناد إلى أصل، كان مقبولًا» (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: إن كان الإمام ممن يقول بالمناسب الغريب، فلا يصح منه الكلام، فإن الغريب إذا استنبط من أصل، وسلم على السبر، كان معمولًا به، وصلح أن يكون مناطًا. ومع ذلك لو وجد في محل مختلف فيه، فإنه [لا] يعمل به؛ لأنه لم يوجد فيه التقريب المشترط في المرسل (٢)، فقد انتقض هذا الضبط. وإن كان لا يقول بالمناسب الغريب، فيصح له الضابط كما ترى.

стр. 247

[٣٢٣] « فَصْلٌ فإن قال قائل: ما الاعتراض على الاستدلال ؟ قلنا: الاستدلال: معنى مخيل، فليتطرق إليه من الاعتراض ما يتطرق إلى معنى يبديه المستنبط مخيلا من أصل» (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: الضابط في هذا: أن كل ما يرد على المستنبط من أصل يرد عليه؛ إلَّا ما يختص بالأصل مثل الفرق وغيره. فيرد عليه إذًا منع الظهور ومنع الانضباط والقدح في المناسبة والنقض والقلب والمعارضة. ويرد عليه فساد الوضع. ويرد عليه منع قربه من الأصول، إذ هو شرط في صحته. والله أعلم. [٣٢٤] « فَصْلٌ في استصحاب الحال . قد قال به قائلون، ثم اختلفوا فيه: فذهب بعضهم إلى أنه دليل بنفسه، ولكنه مؤخر عن الأقيسة، وهو آخر متمسك للناظر. وقال قائلون: لا يستقل الاستصحاب دليلًا، ولكن يسوغ الترجيح به» إلى قوله: «فإن قيل: من استيقن الطهارة وشك في الحدث، فالحكم استصحاب الطهارة» إلى قوله: «قلنا: هذا لباب الفصل، وقول الفقيه: أستصحب يقين الطهارة، فيه تجوُّز» (٢). قال الشيخ: لا شك أنه تجوُّز، فإن بقاء اليقين في أحد النقيضين مع الشك في النقيض محال. ويلزم من الشك في أحدهما الشك في الآخر، على ما لا يخفى.

стр. 248

[٣٢٥] قوله: «والقول فيه: أنه إذا طرأ شك لم يخل المشكوك فيه من ثلاثة أحوال» إلى قوله: «فإنه يتصدى للمرء شك في بقاء ما سبق واجتهاد ظاهر في زواله، والاجتهاد مقدَّم» (١). قال الشيخ: هذا الكلام ليس بسديد، فإن الظن والشك [متناقضان] (٢)، فيستحيل إذًا الشك في البقاء مع الظن في الزوال. وهذا واضح.

стр. 249

[٣٢٦] « كِتَابُ الترجيحات الترجيح: تغليب بعض الأمارات على بعض في سبل الظنِّ» إلى قوله: «وهذا ثبت بتواتر النقل في الأخبار والظواهر وجميع مسالك الأحكام» (١). قال الشيخ: لا شك أن الأصل في الترجيح إجماع الصحابة على العلل (٢)، وهذا منقول تَواتُرًا، وهو لا يجري في النصوص، لأنها مفيدة للعلم، والعلوم لا تفاوت فيها، فلا يتصور أن يكون علم أجلى من علم، لأنه لو كان كذلك، للزم أن يكون علم أخفى من علم، وهو محال (٣). فإن العلم هو الانشراح والثلج، وهو نقيض الخفي (٤). [٣٢٧] « مسألة: أطلق الأئمة القول بأن المعقولات لا يجري الترجيح فيها . وهذا سديد لا ننكره، ولكنا أوضحنا في الديانات أن العوام لا يكلفون

стр. 250

بلوغ الغايات ودرك حقائق العلوم في المعتقدات» (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: الإمام يشير إلى أن العوام غير مخاطبين بحصول العلم في المعتقدات، بل يكتفى منهم بالتصميم والعقد، فبنى على هذا جريان الترجيح في عقولهم، إذ هي ليست علومًا، وهذا غير سديد، من جهة أن العامي إذا شرع في الترجيح لا بد أن ينحل عقده وتصميمه، لأن من ضرورة الترجيح حضور النقيض بالبال، وإذا حضر النقيض بباله كان ظانًا وليس بمعتقد، وهو كفر لا خفاء به، ولأجل هذا لم يكتف أحد من العامي بحصول غلبة الظن في العقائد؛ من قال باشتراط العلم، ومن لم يقل به، ولا بد من عقد تصميمي، فوضح بذلك عدم جريان الترجيح في المعقولات. والله أعلم. [٣٢٨] «مسألة: قال الأئمة ﵃: الترجيحات لا تستعمل في المذاهب من غير نصب أمارات، فإن كل ذي مذهب مدَّعٍ قبل أن يدل، والدعاوى لا تقبل الترجيح» (٢). فإن الترجيح عبارة عن زيادة ظن وإشعار. وهذا لا يتصور إلا في الأمارات، لأن الدعوى لا إشعار لها في نفسها، فلا يتصور الترجيح، فإن أثبت أحد دليلًا على [إحدى] (٣) الدعويين، والأخرى لم يقم عليها دليل، وسمى هذا القدر ترجيحًا؛ لا يمنع ولا يناقش في هذه التسمية، ولكن ليس بترجيح حقيقة. [٣٢٩] « مسألة: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة ﵃، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة السابرين

стр. 251

الذين سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل» إلى قوله: «وهذه الطريقة يقبلها كل منصف، وليس فيها نقص مرتبة إمام» (١). قال الشيخ: لا يلزم من كون هذه الأئمة سبروا وبوبوا الأبواب أن يتبعوا دون أعيان الصحابة، لأنه لو كان كثرة المسائل وتبويب الأبواب يوجب هذا، للزم أن لا يتبع هذه الأئمة: مالك والشافعي وغيرهم، لأنهم قد خلفهم من أصحابهم من جمع وسبر أكثر منهم، فينبغي أن يتبع المتأخرون عنهم جريًا على هذا الأصل. وأنا يظهر لي أن العوام (٢) لو كلفوا تقليد الصحابة، لكان فيه من المشقة عليهم ما لا يطيقون من تعطيل المعايش وغير ذلك، فلأجل هذه المشقة سقط عنهم تقليد الصحابة، وردوا إلى هذه الأئمة (٣). هذا هو اللائق بتقرير هذا المذهب، وإلا فإن كان زيادة الفضل هي المعتبرة، فلا أحد في عالم الله يدرك فضل الصحابة، وكل أحد من العلماء إنما يغترف من بحر كلامهم. [٣٣٠] قوله: «ثم نحن نوضح وراء ذلك المذهب منتخل (٤) المذاهب على الجملة في اختيار مذهب الشافعي ومجامع الكلام في ذلك يحصره طرق» (٥) إلى آخر المسألة.

стр. 252

قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه المسألة في ترجيح مذهب الشافعي لا ينبغي أن يقال، لأن فيه إشارة إلى قدح في هذه الأئمة الذين اشتهر دينهم وفضلهم، وطبق طبقات الأرض، وليس أحدٌ في عالم الله إلا ويعترف لهم بالفضل والدين، ولكن إذا أراد الإنسان أن يسلك مسلكًا في الترجيح، فليذكر ما اشتهر عن أبي حنيفة من تقديم القياس على الأخبار، وما اشتهر عن مالك من تقديم عمل أهل المدينة أيضًا، إلى غير هذا مما يشاكله. فيظهر هذا أن مذهب الشافعي أقرب إلى نفس الشرع، ولا يلزم من هذا قدح. هذا هو الطريق اللائق. والله أعلم. [٣٣١] « مسألة: ذهب معظم الأصوليين إلى أن المجتهد لا يجوز له الاقتصار على ترجيح مذهب على مذهب من غير تمسك بما يستقل دليلًا. وحكى صاحب «المغني»، وهو عبد الجبار (١) في كتابه الملقب بـ «العمد» عن بعض أصحابه جواز الاكتفاء بالترجيح، وسقوط هذا المذهب واضح» (٢). قال الشيخ: أما سقوط هذا المذهب، فلا حاجة إلى بيانه، فإن الواضحات أبين من أن تبين. ولكن يقع النظر أولا في هذه المسألة؛ وهل بينها وبين المسألة المتقدمة فرق أم لا؟ والذي أراه أنه لا فرق بينهما. وهذا واضح.

стр. 253

[٣٣٢] « القول في ترجيحات الأدلة إنما مظنة الترجيحات تعارض صور الأدلة، وهي في غرضنا ألفاظ منقولة، ومعانٍ مستنبطةٌ» (١). [٣٣٣] « مسألة: إذا تعارض نصان على الشرط الذي ذكرناه وتأرخا، فالمتأخر ينسخ المتقدم ، وليس ذلك من مواقع الترجيح، وإن تطرق إلى أحد النصين ظن النسخ من غير قاطع، فهذا نصوره، ثم نذكر المذاهب» (٢). قال الشيخ: صور الإمام صورا عدة. وبين أن مذهب الشافعي العمل بما لا يتطرق إليه ظن النسخ هو أولى عنده من تساقطهما، ونحن نقول: لا يعتقد المعتقد أن هذا ترجيح في دلالة النصين، هذا لا سبيل إليه، فإن العلوم لا ترجيح فيها، وإنما هو ترجيح في طرف الدوام باحتمال النسخ وعدم احتماله، ولا شك أنها جهة مظنونة، فجرى الترجيح فيها. [٣٣٤] قوله: « وقال قائلون: النصان متعارضان » إلى قوله: «فلا يبقي تعارض النصين إلا [ترجيحًا مجردًا] (٣)، ومجرد الترجيح لا يجوز التمسك به» (٤).

стр. 254

قال الشيخ: هذا كلام ليس بسديد، فإن العمدة ليست هي الترجيح، وإنما هو الدليل الراجح، ويلزم هذا القائل على قود كلامه هذا جحد الترجيح من الشريعة، وهو خلاف للإجماع. [٣٣٥] « مسألة: إذا تعارض خبران نصان نقلهما الآحاد ، واستوى الرواة في الصفات المرعية في حصول الثقة، ولكن كان أحدهما أكثر رواة، فالذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد، وهو مذهب الفقهاء. وذهب بعض المعتزلة إلى منع ذلك، واحتجوا بالشهادة» (١). قال الشيخ: إنكار زيادة غلبة الظن بزيادة العدد معاندة، وأما من قاس الرواية على الشهادة، فقد سلك مسلكًا فاسدًا من وجوه: الأول - أن الشهادة أيضا مختلف فيها. والثاني - أنها مبنية على التعبدات، بخلاف الرواية. وأيضا - فإن المعلوم من أحوال الصحابة الترجيح بكثرة العدد، فلا وجه للإنكار بعد ذلك. [٣٣٦] قوله: «ومما يتصل بذلك أنه إذا روى أحد الخبرين ثقة، وروى الآخر جمع لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر الآخر» إلى قوله: «وقوة العدد، فمن أهل الحديث من قدَّم بمزية العدد» إلى قوله: «والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة إذا ظهرت؛ فإن الذي يغلب على الظن أن الصديق ﵁ لو روى خبرًا، وروى جمع على خلافه خبرًا، لكان الصحابة يؤثرون رواية الصديق»

стр. 255

إلى آخر الكلام. قال الشيخ: الظاهر اعتبار العدد. وقول الإمام: إن الصدّيق لو روى خبرًا، وروى غيره وهم جمع خبرًا، لكان الصحابة يؤثرون خبر الصدّيق، كلام ليس بسديد، لأنه لم ينقل شيئا، وإنما قال: لو كان لكان. ولقائل أن يقول في مقابلته: لو كان لما كان. [٣٣٧] «مسألة: في تقديم أحد الخبرين على الآخر بموافقته أقضية الصحابة ﵃. والقول في هذه المسألة يستدعي مقدمة من كتاب الإجماع» (١). قال الشيخ: إنما استدعى مقدمة من كتاب الإجماع ليتبين الناظر بها أن هذه الأقضية؛ هل هي إجماع من جهتهم حتى يترك الخبر لأجلها أم لا؟ [٣٣٨] قوله: «والمستحيل حصول الإجماع على حكم مع خبر نص على مناقضته مع الإجماع على أنه غير منسوخ» (٢). قال الشيخ: هذا لا يتصور وقوعه أصلًا، فإنه لو وقع لزم منه تناقض الإجماعين، وهذا محال؛ لأنه لا يتعين (٣) الخطأ في أحدهما، وهو محال بالقاطع. [٣٣٩] قوله: «ثم الذي أراه أن من ضرورة الإجماع على مناقضة النص المتواتر أن يلهج أهل الإجماع بكونه منسوخًا» (٤).

стр. 256

قال الشيخ: لا شك في هذا، والعادة قاضية به، لأنهم إذا كانوا عالمين به، وعالمين بخلافه، فلا بد أن يتناطقوا به. [٣٤٠] قوله: « أما إذا فرض خبر على شرط الصحة نقله الآحاد، وجرت أقضية من أئمة الصحابة على مخالفته، فكيف الوجه ؟ ذهب مالك إلى تقديم أقضية الصحابة على الخبر، ونقل ناقلون عنه تقديم ما صار إليه أهل المدينة - يعني علماءها - وروي عنه في هذا تمسك بأخبار تشير إلى تعظيم المدينة وأهلها، فإن صح هذا، فهو ضعيف. وإن كان مذهبه النظر في مذاهب العلماء» إلى قوله: «فهذا قريب» (١). قال الشيخ: وعلى كل تقدير هو ضعيف؛ إن تمسك بالأخبار أو بالنظر في المذاهب، لأنهم ليسوا معصومين، ولا مذاهبهم حجة من حجج الله تعالى. [٣٤١] قوله: «وقال الشافعي: لا أنظر إلى الأعمال والأقضية إذا لم يتفق عليها أهل الإجماع والتعلق بالخبر» إلى قوله: «وقال الشافعي في مجاري كلامه: لو عاصرت العاملين بخلاف الخبر لحاججتهم وجادلتهم العين بالعين، فلا يتغير (٢) ذلك بانقراضهم» (٣). قال الشيخ: لا شك أن هذا هو النظر السديد، فإن غايتهم: مجتهدين (٤)،

стр. 257

والمجتهد يحرم عليه تقليد المجتهد. وأيضا - فليست أقوالهم حجة، فلا وجه إذًا إلا التمسك بالخبر. [٣٤٢] قوله: «والرأي الحق عندنا في ذلك نوضحه بتقسيم، فنقول: إذا تحققنا بلوغ الخبر طائفة من أئمة الصحابة، وكان الخبر نصًّا لا يقبل التأويل، ثم ألفيناهم يقضون بخلافه، مع ذكره والعلم به، فلسنا نرى التعلق بالخبر» (١). قال الشيخ: التقسيم الذي ذكره حاصله العلم وعدم العلم، فنقول: إذا علموا به وخالفوه يدل على أن ناسخًا بلغهم، فلا يتمسك به، وإن لم يعلموا به، فالخبر متمسَّك به، ولا يلزمنا تقليدهم في اجتهادهم. وهذا كلام ليس بسديد، لأن الإمام بنى على أنه إذا تركوه مع العلم به، فلا محمل لذلك إلا الاستهانة وبلوغ النسخ، والاستهانة محالٌ عليهم، فيتعين أن يكون بلغهم ناسخ. وهذا ليس بسديد، فإن ثَمَّ [احتمالًا] (٢) آخر، وهو أن يكونوا سلكوا مسلك الترجيح، بأن رجحوا أحد الخبرين على الآخر، ولا يلزمنا العمل بترجيحهم. [٣٤٣] « مسألة: إذا تعارض خبران نصّان، وانضم إلى أحدهما قياس يوافق معناه معنى الخبر، فقد اختلف العلماء في ذلك. فالذي ارتضاه الشافعي أن الحديث الذي وافقه القياس مرجح على الآخر» إلى قوله: «وقال القاضي: إذا تعارض الخبران تساقطا، ويجب العمل بالقياس» (٣). قال الشيخ: هذه المسألة تنبني على أن الدليل المستقل، هل يسوغ

стр. 258

الترجيح به أم لا؟ والقاضي لا يرى الترجيح به، والشافعي يرى ذلك. [٣٤٤] قوله: « واستدل القاضي بأن قال: الخبر مقدَّم في مراتب الأدلة على القياس » (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: يقال للقاضي: لا يلزم من كون القياس لا يكون دليلًا عند وجود النص ألا يكون مرجحًا لأحد النصين، وعند الترجيح لا يكون هو العمدة في ثبوت الحكم، وإنما العمدة الخبر الراجح. [٣٤٥] « مسألة: إذا تعارض نصان ولم يترجح أحدهما على الثاني ، ولم يتطرق إلى واحد منهما إمكان النسخ مما يعلم أو يظن، وعريت الواقعة عن دلالة أخرى، فحكمها عند الأصوليين الوقف عن الحكم فيها، وإلحاق الصورة بالوقائع كلها قبل ورود الشرائع. هذا حكم الأصول» (٢). قال الشيخ: المسألة فيها خلاف؛ من الناس من يقول: يتخير المكلف. ومنهم من يقول بالوقف، وهو نظر الأصول، إذا ليس أحدهما بأولى من الآخر. [٣٤٦] «فَصْلٌ كل ما قدمناه في تعارض النصوص. فأما إذا تعارض ظاهران يتطرق التأويل إلى كل واحد منهما، [فنتتبع] مسلك (٣) الترجيح» إلى قوله:

стр. 259

«وليس كالنصين فيما قدمناه، فإنا تحققنا من طرق الماضين أنهم في مظان (١) الظنون كانوا يبغون ترجيح ظن على ظن» (٢) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: هذا الكلام غير مسلَّم، فلم ينحصر الترجيح في الظواهر، بل يجري في النصوص إذا كان طريق النقل [آحادًا، أو يختص] (٣) أحدهما بزيادة عدد. [٣٤٧] « مسألة: إذا تعارض ظاهر من الكتاب وظاهر من السنة ، فقد اختلف أرباب الأصول، فقال بعضهم: يقدَّم الكتاب. وقال آخرون: تقدَّم السنة. وقال آخرون: هما متعارضان» (٤). قال الشيخ: إن فرضت المسألة مع التساوي من كل وجه؛ جرى فيها هذا الخلاف، والظاهر مذهب الوقف. وقد أشار الإمام إلى الحجة في ذلك. [٣٤٨] قوله: « وقد قال القاضي: إذا تعارض ظاهر من الكتاب وظاهر من السنة نقله الآحاد ، فهما متعارضان. وهذا لست أراه كذلك» (٥). قال الشيخ: لا وجه للتعارض أصلًا، فإن الكتاب مختص بالتواتر، ولا

стр. 260

أعظم من هذا الترجيح. [٣٤٩] « مسألة: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآية (١). وهذه الآية من آخر ما نزل. ولا خلاف أنها ليست منسوخة» إلى قوله: «والذي اعتمده الشافعي في الكلام على الآية تنزيلها على سبب في النزول» إلى قوله: «وذلك أنه قال: زعمت اليهود أن الشحوم محرمة» إلى قوله: «وأباح طوائف من الكفار الميتة» إلى قوله: «وأباح آخرون لحم الخنزير والدم، فأنزل الله الآية مراغمة لهم. ومجرى الآية على مذهب من يقول لمن يخاطبه: لم تأكل اليوم حلاوة، فيقول: لم آكل اليوم إلا الحلاوة» (٢). قال الشيخ: مثل هذا الكلام لا يتصور في القرآن، لأنه [خرج] (٣) مبالغة، والأمر على خلافه، فيكون كذبًا في الحقيقة. وهذا الجنس القرآن منزَّه عنه. [٣٥٠] « مسألة: إذا تعارض عمومان من الكتاب والسنة، وظاهرهما التناقض والتنافي ، مثل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤). وقال في آية أخرى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥). فظاهر هذه الآية يقتضي أخذ الجزية من كل كافر، كتابيًا كان أو وثنيًا» (٦).

стр. 261

قال الشيخ: التمثيل بهذه الآية غلط من الإمام، لأنها مختصة بأهل الكتاب نصًا، لأن الله تعالى قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١). وأما تمثيله بالخبرين فصحيح. والظاهر التناقض، كما قال. [٣٥١] قوله: « وقال بعض الفقهاء فيما ذكرناه وأمثاله: الجمع بين الظاهرين في المقدار الممكن ، فنأخذ الجزية من أهل الكتاب بآية الجزية، ونضع السيف فيمن ليس له كتاب ولا شبهة كتاب» (٢). قال الشيخ: هذا تأويل الخبرين بغير دليل، وقد عرف أن التأويل لا بد له من دليل، فلا يقبل هذا التصرف. [٣٥٢] « مسألة: إذا تعارض ظاهران، وأحدهما وارد على سبب خاص ، والآخر مطلق غير وارد على سبب» إلى قوله: «وهذا هو السر الأخفى في الترجيحات» (٣). قال الشيخ: ترجيح المطلق على الوارد على السبب أولى (٤)، فإن كان في محل السبب، فلا تعارض بينهما، لأن الوارد على السبب نص فيه، وإن تناقضا في غير محل السبب، ظهر ترجيح المطلق، لأن الوارد على السبب أظهر في الاختصاص، فيكون المطلق أظهر منه في تناول محل النزاع.

стр. 262

[٣٥٣] « مسألة: إذا تعارض ظاهران، وفي أحدهما ما يقتضي التعليل في صيغة التعميم، فهو مرجح» (١). قال الشيخ: جهة الترجيح ظاهرة؛ فإن كل واحد منهما بوضعه ظاهر في العموم، واختص أحدهما بجهة تقتضي ظهور قصد الشارع في إرادة التعميم فيرجح. [٣٥٤] « مسألة: إذا تعارض ظاهران، وقد تطرق إلى أحدهما التخصيص ، فالمذهب الذي ذهب إليه المحققون أن الذي لم يتطرق إليه التخصيص مرجح» (٢). قال الشيخ: قبل ورود التخصيص يغلب على الظن إرادة العموم، فإذا خصص، فقد ذهب هذا الظن، ورد الخبر إلى تأويله، فضعف لأجل هذا، ولهذا خفف عن مخصصه ثانيًا مؤنة الدليل، وتمكن من تخصيصه أيضًا بالقياس على محل التخصيص، بخلاف الآخر، وما ذاك إلا لانحطاطه في الرتبة. [٣٥٥] « مسألة: إذا تعارض ظاهران أو نصان، وأحدهما أقرب إلى الاحتياط ، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الأحوط مرجح على الثاني» (٣) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: صورة المسألة: أن يوجد ظاهر يدل على التحريم، وظاهر يدل على الإباحة، أو على الندب. هذا هو محل الخلاف، وهو عندي ترجيح

стр. 263

ضعيف، لأن الورع أمر خارج، لا تعلقٌ له بالمسألة، فلا يتصور أن يكون مرجحًا لأحد الظاهرين. أما لو قدرنا أن أحد الظاهرين يدل على التحريم، والآخر يدل على الوجوب، فلا يتصور فيه [الخلاف] (١)، لأن الورع لا مدخل له في واحد منهما. [٣٥٦] «مسألة: إذا تعارض لفظان، متضمن أحدهما النفي، ومتضمن الآخر الإثبات، فقد قال جمهور الفقهاء: الإثبات مقدم. وهذا يحتاج إلى مزيد تفصيل عندنا» (٢) إلى آخره. قال الشيخ: لا بد من التفصيل في المسألة كما أشار إليه الإمام.

стр. 264

[٣٥٧] « بَابُ ترجيح الأقيسة هذا الباب هو الغرض الأعظم من الكتاب . وفيه تنافس القيّاسون، وفيه اتساع الاجتهاد، وهو يستدعي تجديد العهد بمراتب الأقيسة» (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: المرتبة العليا: القياس في معنى الأصل. والسبب فيه: أن الإلحاق فيه معلوم، ومرتبة العلم مقدمة على الظن. ويلي هذه المرتبة قياس المعنى، من جهة ظهور معناه. وقياس الدلالة يتلوه، لأنه يشير إلى المعنى في بعض الأحوال. والشبه بعده. هذا هو الترتيب. [٣٥٨] قوله: «وإذا تجدد العهد بما ذكرناه، فنحن نرسم بعد ذلك مراتب في الإحالات، وننزل كل مرتبة منزلتها» إلى قوله: «فنقول: أوجب الله القصاص في نص كتابه زجرًا للجناة، واتفق المسلمون على هذه القاعدة» إلى قوله: «وهذا يمثل بالقتل بالمثقل» (٢). قال الشيخ: لا شك أن القتل بالمثقل من أعلى الأقيسة إذا قيس بالقاعدة المتفق عليها، والقول بانتفائه يخرم القاعدة.

стр. 265

[٣٥٩] قوله: «فإذا تمهدت هذه القاعدة، فنقول في الطرف: إنه صِينَ بالقصاص عن المنفرد، فليُصَن بالقصاص عن المشتركين كالنفس، وهذا جلي (١)، ولكنه في أعلى مراتب الظنون» (٢). قال الشيخ: هذا القياس دون ذاك، فإن ذاك معلوم من وجه، وهذا مظنون من كل وجه. على ما أشار إليه الإمام. [٣٦٠] قوله: « فإن عارضوا القصاص في الطرف بقطع السرقة ، وشبهوا الاشتراك في قطع اليد بالاشتراك في سرقة نصاب، لم يكن ما جاءوا به مأخوذًا من قاعدة القصاص» إلى قوله: «وهذا [لا] (٣) ينتظم فرقًا، فيدخل في أقسام فساد الوضع» (٤). قال الشيخ: لا ينتظم فيه فرق من جهة أن الفرق يستدعي وجود الجمع، وقد بين أنهما قاعدتان متقابلتان، وإنما دخل في أقسام فساد الوضع، من جهة أنه وضعه في غير محله، فيكون فاسد الوضع. [٣٦١] قوله: «ومن لطيف الكلام في ذلك: أن المعلل إذا قيد تعليله الفقهي المعنوي بقيد غير مخيل، لا على الاستقلال ولا على الانضمام، فذلك القيد مطرح في مسالك المعاني وطرق الإحالات إلا فيما نصفه، وهو تقييد الكلام بحكم معين متعلق بحكمة معلومة» (٥) إلى آخر المقال.

стр. 266

قال الشيخ: لا شك أنه لا أثر للقيد إذا كان غير مخيل، مع كون العلة مناسبة. فإذا لم يكن أثر، فلا فائدة في التقييد به، وهذا ظاهر. فأما التقييد بالحكم المعين المتعلق بحكمة معينة، فهذا يصح التقييد به. ولا يجوز التعدّي عنه إلى غيره. وهذه قاعدة القياس، فلا يجوز أن يلحق به إلا فروعه لا غير. وهو معنى قول بعض العلماء في حدّ القياس: إنه إدراج خصوص تحت عموم. [٣٦٢] قوله في: «المرتبة الثالثة: نمثلها بالقول في المكره على القتل ، وفيه ثلاثة مذاهب» (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: إنما كانت هذه دون المرتبة الأولى من جهة أنا لو نفينا القصاص عن المكره، لم يلزم منه خرم القاعدة، فإن القصاص واجب على المكره، وتحصل الصيانة به، ولكن من غير الجهة التي صين بها. وهو قول القائل: هذه جهة الزاجر. [٣٦٣] قوله: « ونحن الآن نذكر مراتب قياس الشبه، فنقول : مجال هذا التقسيم عند انحسام المعنى المخيل المناسب» إلى قوله: «مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام مراتب المعنى. فالواقع في المرتبة الأولى هو الذي يسمّيه الأصوليون في معنى الأصل. وهذا - إذا وقع (٢) - في الرتبة العليا» (٣) إلى آخر الكلام.

стр. 267

قال الشيخ: قد تقدم غير مرة أن هذا النوع مختلف فيه، هل هو من الأقيسة، أو مأخوذًا (١) من دلالة اللفظ؟ والظاهر أن الإمام يرى أنه قياس، ولكن ليس بشبه ولا معنى، ولكنه عنده «قاعدة الأشباه»، بمعنى أنه ما قَرُب منه كان مقدمًا على ما لا يقرب. وأما تقدمه، فلا شك فيه، فإنه معلوم، وجملة الأشباه مظنونة، والعلم يتقدم على الظن. [٣٦٤] قوله: «فإن قيل: فهل ترون الشبه الخلقي من غير مجانسة ومماثلة [معتبرًا؟] (٢)» (٣) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: لو قيل باعتبار الشبه للزم اعتبار الأوصاف الطردية، فإن [المشبَّه] (٤) لا يعدم في الغالب [أمرًا] (٥) ما في الخلقة [يتشابهان] (٦) فيه. وهذا ظاهر. [٣٦٥] قوله: «ومن مراتب (٧) الشبه: ما يتعارض فيه المعنى والشبه على التناقض، فيقع لذلك الشبه ثانيا، وهو كالتردد في أن قيمة العبد؛ تضرب على العاقلة أم لا؟» (٨).

стр. 268

قال الشيخ: القياس المعنوي ههنا أنه من المناسب أن لا تجب الغرامة إلا على من أتلف، فعلى هذا يمتنع الضرب على العاقلة، إلحاقًا له بسائر الأموال. والقياس الشبهي يقتضي الضرب، إلحاقًا له بالحر. وجه الشبه فيه: أنه آدمي مكلف معصوم إلى غير ذلك، فأشبه الحر. [٣٦٦] قوله: « فإن قيل: إذا تعلق الناظر بوجه من الشبه، فما وجه تقريره إذا نوقش فيه» إلى قوله: «فترجع الأشباه إذًا إلى معانٍ خفية، ويبطل تقسيم الأقيسة إلى المعنوي والشبهي» (١). قال الشيخ: لا شك أنه لا بد من ذكر الجهة التي تغلب على الظن، ولكن لا يلزم أن تكون راجعة إلى المعنى، بل قد يكون ذلك بأمور جملية لا تفصيلية، فهو دأب الشبه. [٣٦٧] قوله: « فإن قيل: المعلوم المسمَّى قياسًا في معنى الأصل ، ما مستند العلم فيه؟ قلنا: اكتفى بعض الضعفة بادعاء العلم ضرورة، وزعم أن جاحده في حكم جاحد الضرورات. ونحن نوضح القول في ذلك، فنقول: العتق في العبد بمثابة كونه في الأمة، والرق فيهما على حدٍّ سواء (٢)» إلى قوله: «ولكن لو كان كذلك لتعيَّن في حكم البيان التنصيص على التخصيص» (٣). قال الشيخ: الصواب في المسألة أن هذا القياس فيه جهتان: إحداهما - معلومة ضرورة.

стр. 269

والأخرى - لا تعلم إلا نظرًا. أما جهة التساوي بين العبد والأمة مثلًا، [فهذا] (١) معلوم ضرورة. وثبوت الحكم في الفرع، إلحاقًا له بالأصل لا يعلم إلا بالدليل. وهذا واضح. [٣٦٨] قوله: « فَصلٌ المرتبة الأولى من قياس المعنى هو النتيجة لما صح من معنى القاعدة، ويناظرها في مآخذ الأشباه ما يقال: إنه في معنى الأصل» إلى قوله: «فإذا انحططنا عن مرتبة العلم، فآخر مراتب المعاني مقدَّم على أعلى مراتب الأشباه، إلا أن يسترسل (٢)، ويختص الشبه (٣)» (٤). قال الشيخ: إنما كان الشبه الخصيص أولى من المعنى الكلي المسترسل من جهة أن هذا أخص بالحكم، فيظهر أنه هو المعتبر في الحكم، ويجوز في المعنى المسترسل أن يخرج منه محل النزاع، فيكون هذا أولى. وقد بين الإمام هذا أحسن بيان. [٣٦٩] « فَصلٌ أحدث المتأخرون لقبًا لبابٍ من أبواب القياس ، وراموا بذلك التلقيب تمييز فنٍّ كثير التدوار في مسالك الأحكام جارٍ على منهاج واحد، وهو عند المحققين إذا حقق يلتحق بقياس الشبه من وجه. وقد يتأتى في بعض أمثلته

стр. 270

وجه يلحقه بقياس المعنى، واللقب الذي تواضعوا عليه هو قياس الدلالة» (١) إلى ذكر المثال، وبيان جهة المعنى فيه. قال الشيخ: لا يلزم أن يكون راجعًا إلى المعنى ولا بد، فإنه قد يستدل المستدل بحكم على حكم بطريق الملازمة، وتمييز جهة التلازم، من جهة أنهما [نتيجتا] (٢) علة واحدة، فالمستدل به إنما هي جهة الملازمة، اللهم إلا أن يقول: إنه يستند في تقريره إلى المعنى. فهذا قريب، ولكن ما هو دليل الحكم المستدل به؛ بل هذا دليل الدليل. [٣٧٠] قوله: «وأنا أقول: إذا تحقق وجوب الخروج عن المطالبة، فلا يستقل بتمهيد قياس الدلالة إلا فطنٌ درَّاكٌ، فإن المعلل متى سلك طريقًا لهذا المعنى، فقد تبين أن ما اعتمده وسكت عنه لم يكن كلامًا تامًا» (٣). قال الشيخ: الإمام يشير إلى أنه إذا ذكر في جواب المطالبة معنى أو شبها، فقد انتقل عن الاستدلال، فيكون منقطعًا، وهو كلام ظاهر، فإنه إذا استدل أولًا على صحة الظهار بصحة الطلاق، فلما طولب بجهة الملازمة أبدى معنى يقتضي صحة الطلاق، وهو موجود في الظهار؛ لا شك (٤) أن هذا

стр. 271

غير الاستدلال الأول قطعا، فيكون انتقالًا، وفيه محذور آخر. وقد أشار الإمام إليه في الوجه الثاني، وهو تبديل الأصل، وذلك أنه في النظم الأول جعل الأصل إنما هو المسلم، وعند الخروج عن المطالبة، جعل الأصل إنما هو الطلاق، وهذا انتقال شنيع لا يخفى. والوجه السديد في تقرير هذا النظم أن يسلك طريق الطرد والعكس، فيحصل المقصود به، ولا يلزم منه تغيير النظم، ولا شيء منه. [٣٧١] قوله: «والذي يحيك في القلب أن المعنى إذا أمكن، فهو أولى» إلى قوله «وسبيل الجواب أن نقول: إذا اشتملت المسألة المظنونة على مراتب في الأدلة متفاوتة، فلا حرج على المستدل لو تمسك بأدنى المراتب، وإنما يظهر تفاوت المرتبتين إذا تناقض موجب الحجتين، فيقدم موجب الأعلى» (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: حاصل السؤال: بأن المناظر تلو الناظر، والناظر إذا وجد دليلين أحدهما أقوى من الآخر لزمه التمسك بالأقوى، فكذلك المناظر. وحاصل الجواب الذي أشار إليه الإمام: منع هذا عند توافق الدليلين. أما إذا تناقض الدليلان وجب التمسك بالأقوى. هذا قوله، وهو منازع فيه. والمنقول من أحوال الصحابة خلافه. [٣٧٢] قوله: «وإذا نجز قدر الحاجة في مراتب الأقيسة، حان أن يرجع بنا الكلام إلى الترجيح، فنقول: إنما يجري الترجيح في أقيسة لا يعترض عليها إلا من جهة التعارض» (٢).

стр. 272

قال الشيخ: يريد أن سؤال المعارضة إنما يكون آخر الأسولة، فإذا سلم الدليل عن سائر القوادح، فإذ ذاك يرد عليه سؤال المعارضة، ولا يرد الترجيح إلا على هذا النوع، من جهة أنه إذا تحقق قادح آخر أبطله؛ فلا يعارض إذًا، فلا ترجيح. [٣٧٣] قوله: «ومما يتعلق بالترجيح في المعاني النظر فيما يثبتها. وقد تقدم القول في مثبتات المعاني، ورجع حاصل القول إلى مسلكين: أحدهما - إيماء الشارع. والثاني - الإخالة» (١). قال الشيخ: لا يؤخذ من كلام الإمام ههنا أنه لا مسلك عنده تثبت به العلل إلا هذين المسلكين، فإنه قد تقدم منه أن الطرد والعكس مسلك صحيح، وإنما أراد ههنا الكلام فيما يتعلق بأقيسة المعاني، والطرد والعكس من باب الأشباه، كما مضى. [٣٧٤] قوله بعد ذلك: «والاستدلال إذا عارضه شبه، فمن ضرورة الشبه استناده إلى أصل، فالذي ذهب إليه المحققون تقديم الشبه لمكان استناده إلى أصل. وقدم الأستاذ أبو إسحاق الاستدلال على الشبه» (٢). قال الشيخ: لا شك أن هذا محل تجاذب. فإنا إذا نظرنا إلى استناد الشبه إلى الأصل اقتضى تقديمه. وإن نظرنا إلى ظهور المناسبة اقتضى الحال تقديم الاستدلال. لا جرم أن الإمام قال: «فليعمل كل مجتهد على حسب ما يؤدي إليه اجتهاده». والله أعلم.

стр. 273

[٣٧٥] « مسألة: إذا تعارضت علتان إحداهما منعكسة والأخرى غير منعكسة، فالذي ذهب إليه معظم الأصوليين أن الانعكاس من المرجحات المعتمدة» إلى قوله: «والانعكاس من فنِّ الأمثلة» (١). قال الشيخ: إذا فرعنا على أن الانعكاس مسلك صحيح ظهر به الترجيح. وأما قول الإمام: إنه من الأمثلة في باب الأشباه؛ فصحيح، فإنه راجع إلى بيان صور في الطرد والعكس، وهي أمثلة في الحقيقة. فعلى هذا: تقديم المنعكس على غير المنعكس ظاهر، لأن الأمثلة أقوى مراتب الأشباه. [٣٧٦] «مسألة: قد تقدم القول في العلة القاصرة المقتصرة على محل النص، فإذا رأينا صحتها، فلو فرضنا علة متعدية عن محل النص، ففي ترجيحها على القاصرة خلاف» (٢). قال الشيخ: هذه المسألة انبنى الخلاف فيها على الخلاف في مسألة أخرى، وهي ما إذا اجتمع علتان متعديتان إلا أن [إحداهما] (٣) أكثر فروعًا، فمن قال بترجيح الكثيرة الفروع يقول بالترجيح ههنا من باب الأولى، من جهة أن الترجيح ثَمَّ إنما كان بكثرة الفوائد، فناهيك بعلة مفيدة وأخرى لا فائدة فيها. ومن لم يقل بالترجيح ثَمَّ، طرد أصله ههنا. [٣٧٧] قوله: « والقول في هذا ينبني على الحكم الواحد، هل يعلل بعلتين أم لا ؟» (٤).

стр. 274

قال الشيخ: ليس الأمر كذلك، بل الخلاف متجهٌ، سواء فرعنا على ذلك أم لا، فإنه لا يخلو: إما أن يمكن الجمع أم لا. فإن أمكن الجمع تعارض في العقل [ثلاثة] (١) احتمالات: أن يكونا جميعا علة واحدة بالنسبة إلى الاعتبار. واحتمال أن تكون كل واحدة علة؛ فهما [معتبرتان] (٢). واحتمال أن تكون [إحداهما] (٣) ولم تعلم، فعلى هذا لا نعلم ما هو المناط، فهذا واضح. وإن لم يمكن الجمع، [فإحداهما] (٤) ملغاة ولم يُعلم (٥)، فلا بد من الترجيح على كل تقدير، ليتبين بذلك ما هو مناط الشارع. والله أعلم. [٣٧٨] «مسألة: قال من يرجح العلة المتعدية: إذا تعارض علتان فروع إحداهما أكثر من فروع الأخرى، فالكثيرة الفروع مقدمة» (٦) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: قد قدمنا في مسألة ترجيح المتعدية على القاصرة الوجه في ذلك، وبينا أن تلك ينبني الخلاف فيها على هذه.

стр. 275

[٣٧٩] « مسألة: من اعتقد أن كثرة الفروع تقتضي ترجيحًا : رسم مسألة يتكلم (١) عليها مجادلا بما نصفه (٢)» إلى قوله: «قال هؤلاء: إذا كثرت فروع علة وقلَّت فروع أخرى، ولكن القليلة الفروع اعتضدت بنظائر» إلى قوله: «في معارضة كثيرة الفروع. وبيان ذلك بالمثال: أن الشافعي خصص لزوم [الكفارة] (٣) العظمى من جملة المفطرات بالوقاع» إلى قوله: «واعتبر أبو حنيفة في إيجاب الكفارة الفطر بمسوغ النوع المفطر، فكانت فروعه أكثر، للاختصاص بالوقاع نظائر كثيرة، كالغسل والحدِّ ووجوب المهر وتكميله والإحصان والتحليل» إلى قوله: «وهذا قول عري عن التحصيل» (٤) إلى آخره. قال الشيخ: هذا الكلام من الإمام على المثال، وهو ليس بسديد، لأنه: غايته إبطال المثال، ولا يلزم من ذلك إبطال الحظ الأصولي في المسألة. وعندي أن النظائر تكون مغلبة على الظن، ويحصل بها الترجيح؛ فإنها تُثبت للعلة ملاءمةً، وكثرة الفروع ليس كذلك. والعجب كل العجب أن الإمام يقول بالمرسل مع التقريب من أصول الشرع، ويثبت كونه مسلكًا شرعيا بهذا القدر، فكيف ينفي الترجيح به؟ [٣٨٠] «مسألة متعلقة ببقايا الكلام في هذا الفن. قال قائلون من أصحاب الشافعي: إذا تعارضت علتان، [وإحداهما] (٥) أكثر فروعًا، بيْد أن الأخرى منطبقة على الأصل والفرع من غير تأويل، والكثيرة الفروع تحتاج

стр. 276

إلى تأويل في بعض مجاريها، فهذا يغض من جريانها» (١) إلى آخره. قال الشيخ: يقال للقائلين بهذه المقالة: أي شيء تعني بالتأويل؟ إن عنيت أنه قد وجد في بعض المجاري علة أخرى غير هذه، فليس هي المسألة. وإن عنيت أنها هي بعينها، فلا تأويل إذًا. وإن قال: عنيت بالتأويل: أنها لا تعلم في ذلك المجرى إلا بدليل، فليس هذا مرجحا، لأنه لا يختص بعلة دون علة. وهذا واضح. [٣٨١] «مسألة: ذهب ذاهبون إلى أن ما تجاذبه أصلان وتعارضا (٢)؛ في إلحاقه بأحدهما نظر النظار؛ فمن تمكن من توفير شبهي الأصلين، كان مسلكه مرجحا» (٣). قال الشيخ: إذا تحقق التجاذب لا يتصور توفير الشبهين، لأنه لا يخلو: إما أن يكون حكم الأصلين مثلين أو ضدين أو خلافين. إن كانا مثلين، فلا يتصور اجتماعهما، وكذلك إذا كانا ضدين، وإن كانا خلافين جاز الجمع بينهما وانتفى (٤) التجاذب؛ لأنه عبارةٌ أن يقتضي كل أصل ثبوت الحكم ونفيه عن الآخر. وإذا تصور اجتماعهما انتفى هذا، فلم يبق إلا أنهما دليلان اقتضى كل واحد منهما حكما خلاف حكم الآخر. وليس هذا من باب توفير الشبهين لما بيناه.

стр. 277

[٣٨٢] «مسألة: إذا تعارضت علتان، واختصت إحداهما بالاستناد إلى أصول، ففي الترجيح بكثرة الأصول خلاف بين أهل الأصول» إلى قوله: «والرأي الحق عندنا يقتضي تفصيلًا، فإن كان المعنى الجامع واحدًا، وكان مستندًا إلى أصول، فلستُ أرى الترجيح بكثرة الأصول والحالة هذه، فإن الدلالة على الحكم ضمن المعنى، وإنما يذكر الذاكر الأصل استئناسًا وأمنًا من الوقوع في متسع الظنون» (١). قال الشيخ: هذا الكلام ليس بسديد، فإن الأصول هي الشاهدة بالاعتبار، فهي دليل الدليل إذًا، ولا شك أن كثرة الأدلة تزيد في غلبة الظن، فتكون مرجحة. ولو سلم للإمام أن فائدة الأصل إنما هي الأمن من الوقوع في متسع الظنون، كما قال، فالترجيح أيضا ظاهر، فإن ما أمن فيه ذلك أغلب على الظن مما انتفى عنه الأمن. فعلى كل تقدير الترجيح ظاهر بكثرة الأصول كما ترى. [٣٨٣] « مسألة: إذا تعارض قياسان، واعتضد أحدهما بمذهب صحابي ، فمن يقول مذهب الصحابي حجة» إلى قوله: «فإن اعتضد القياس بمذهب صحابي شهد له الشارع بمزية العلم في ذلك الفن، كقوله ﷺ : «أفرضكم زيد» (٢). فهذا على المذهب الظاهر يقتضي ترجيحا، وإن كنا لا نرى قول الصحابي حجة» (٣) إلى آخر الكلام.

стр. 278

قال الشيخ: لا يلزم من الشهادة له ترجيح مذهبه على مذهب غيره من الصحابة، فإن المعلوم من أحوال الصحابة ﵃ أنهم كانوا يختلفون في المسائل، ويحتج كل واحد منهم على الآخر ويخالفه؛ وإن كان مشهودًا له في ذلك العلم. وهذا موجود كثير في مسائل الفرائض، فلو كان هذا مسلكًا في الترجيح صالحًا، لما أهمله الصحابة. وهذا القدر كافٍ في ذلك. [٣٨٤] « مسألة: إذا تعارضت علتان إحداهما ذات وصف واحد ، والأخرى ذات أوصاف. فذهب بعض الجدليين إلى تقديم التي هي ذات وصف واحد، وعللوا ذلك بأمرين: أحدهما - أن ذات الوصف الواحد تكثر فروعها وفوائدها» (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: الواحدة والكثيرة لا تقتضي زيادة فروع، ولا تقتضيه من حيث كونها واحدة، فإن الوصف الواحد قد يكون قاصرًا بالكلية، وقد تكون ذات الوصفين أكثر فروعا، اللهم إلا يكون الوصفان [موجودين] (٢) في أصل واحد، وأحد الخصمين يعلل بالمجموع، والآخر يعلل بواحد منهما؛ فهذا يلزم أن يكون الوصف الواحد أكثر فروعا، لأن الحكم يوجد معه في حالة انفراده وفي حالة اجتماعه. [٣٨٥] « مسألة: إذا تضمنت إحدى العلتين نفيًا، والأخرى إثباتًا ، فقد صار بعض الناس إلى تقديم العلة المثبة» (٣).

стр. 279

قال الشيخ: صاحب هذه المقالة اغتر بالأخبار، فإن المثبت فيها مقدَّم على النافي، فأجرى العلل هذا المجرى. والفرق بينهما ظاهر؛ فإن باب الأخبار مستند إلى بصيرة الناقل، بخلاف العلل على ما لا يخفى. [٣٨٦] قوله: « ويتصل بهذه المسألة أن إحدى العلتين إذا انطبقت على أصل مستقر في الشرع ، والأخرى تضمنت النقل عنه» إلى قوله: «فإن الناقلة أولى لاشتمالها على الزيادة» (١). قال الشيخ: يريد بالزيادة أنها غيرت حكم الأصل، بخلاف المقيدة (٢)، فإنها لم تؤثر شيئا، بل طابقت حكم الأصل الثابت. [٣٨٧] « مسألة: إذا تقابلت علتان: إحداهما حكم، والأخرى أمرٌ محسوس ، فلا يقع بينهما ترجيح» (٣) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: لا شك أنه لا ترجيح بينهما، ومن قال بأن الوصف الحقيقي مقدَّم من جهة كونه معلومًا [فباطل] (٤)، فإن من الأحكام أيضًا ما هو معلوم، مثل أن يكون مجمعًا عليه، أو منصوصًا عليه بنص متواتر. [٣٨٨] « مسألة: إذا كانت إحدى العلتين تعمُّ الأحوال ، كعلة الشافعي في منع بيع الكلب» إلى قوله: «وهذا عريٌّ عن التحصيل، فإن الجرو من جنس

стр. 280

ما ينتفع به» (١). قال الشيخ: الإمام ههنا إنما تكلم على المثال، وليس من شأن الأصولي، وكون العلّة تعم الأحوال راجع إلى كثرة الفروع، وقد مضى منا القول فيه، فلا نعيده. والله أعلم.

стр. 281

[٣٨٩] « كِتَابُ النسخ النسخ في وضع اللغة : معناه الرفع» إلى قوله: «فالنسخ عندهم إذًا تخصيص اللفظ بالزمان، كما أن ما يُسَمَّى تخصيصًا: فهو إزالة ظاهر العموم في المسميات» (١). قال الشيخ: هذه المسألة تنبني على أن الأمر يقتضي تكرار الفعل أم لا. فعلى القول بأنها تقتضي يصح هذا الكلام، ويكون تخصيص الزمان. وعلى القول بأن الأمر لا يقتضي التكرار لا يصح أن يكون تخصيصا، لأن (٢) اللفظ لا إشعار له بالزمان، فلا يصح فيه التخصيص، بخلاف تخصيص بعض المسميات من اللفظ العام، فإن اللفظ مشعر بحكم الوضع بجميع المسميات. [٣٩٠] « مسألة: منعت اليهود النسخ، وتابعهم على منعه غلاة الروافض » إلى قوله: «ولو أردنا أن نبتدئ الدليل على جوازه، فأقرب مسلك فيه التمسك بمعجزة عيسى بعد موسى ﵉» (٣). قال الشيخ: أقرب من هذا الذي ذكره الإمام أن يقال لهم: شريعة موسى ﵇ لا يخلو: إما أن تكون أثبتت أحكامًا مخالفة لأحكام شرائع الأنبياء المتقدمين عليه أم لا. فإن لم تكن أثبتت شيئا، فيكون متبعا للأنبياء، ولا

стр. 282

شريعة له. وإن أثبتت ما يخالف الشرائع المتقدمة، فقد نسخت، لأنه لا معنى للنسخ إلا مثل هذا. [٣٩١] « مسألة مترجمة بالنسخ قبل الفعل. وهذه الترجمة فيها خلل » (١) إلى آخر الكلام. قال الشيخ: كيف يستقيم من الإمام القول بالنسخ في هذه المسألة، مع أن الأمر عندنا لا يتوجه ويثبت التكليف إلا بشرط الإمكان، وشرط الإمكان عنده أن يمضي زمان يسع إيقاع الفعل المأمور به، فإذا لم ينقضِ زمان يسع إيقاع الفعل، تبينا أنه لم يثبت، وما لم يثبت؛ كيف يصح نسخه؟ وللإمام أن يعتذر عن هذا بأن يقول: شرط ثبوت التكليف إنما هو علم المخاطِب بأن عمر المخاطَب يتسع لإيقاع الفعل، فيصح النسخ قبل مضي زمان، لأن الشرط قد وجد، وهو حصول العلم للمخاطِب بسعة عمر المخاطَب. [٣٩٢] « مسألة: قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسنة ، وتردد جوابه في نسخ السنة بالكتاب .. » (٢).