معقول المعنى» (١). قلت أنا: وتأقيته أيضا معقول المعنى، فإنه إذا ربط بالأحداث وهي متكررة في كل وقت وأوان؛ حصلت النظافة بصفة الكمال، من جهة أن الوضوء يتكرر بتكرر الأحداث، ويلزم النظافة لا محالة على ما لا يخفى. قول القائل: إن تأقيته ليس معقول المعنى، ليس بسديد.
[٢٦٧] قوله: « وأما ما ذكره أصحاب أبي حنيفة من [أن] (٢) إزالة النجاسة معقولة المعنى، فيتوجه عليهم سؤال في هذا الشق لا ينقدح لهم عنه جواب» إلى قوله: «فإن تكلفوا في تعليل وجوب الإزالة كلاما، فغايتهم أن يقولوا: إن المصلي مأمور بأن يأخذ للصلاة أنقى زيٍّ، وأحسن هيئة» إلى قوله: «وهذا على الحقيقة إعادة المذهب، والسؤال باقٍ بحاله» (٣).
قال الشيخ: لا شك أنه إعادة المذهب، فإن القول بأنهم مأمورون أن يأخذوا أحسن زي هو بعينه عبارة عن الأمر بالتطهير، وليس بينهما فرق إلا تغيير العبارة.
[٢٦٨] « مسألة: قال الخائضون في هذا الفن: رب أصل يتطرق إليه التعليل من وجه ، ويتقاعد عنه من وجه، وضربوا لذلك أمثلة، ونحن نذكر منها مثالًا أو مثالين. من أمثلة ذلك: اختصاص القطع بالنفيس، هذا على الجملة معلل بأمر ظاهر» (٤) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: الجهة التي عقل معناها كونه [مالًا نفيسًا] (٥) يناسب القطع
стр. 212
من الوجوه التي قررها الإمام. وكونه مقدرًا بربع دينار غير معقول، لأن النفيس لا يهتدي إليه الرأي، ويقتصر فيه على ما ورد الشرع به.
وكذلك المثال الثاني بالنُّصُب في الزكاة، فإن المال المحتمل للإرفاق يناسب أن يرفق منه. أما القدر المرفق، فلا يهتدي إليه الرأي أصلا، وهذا واضح.
[٢٦٩] قوله بعد ذلك: « وهذا الذي ذكروه أصول الشريعة. ونحن نقسمها خمسة أقسام : أحدها - ما يعقل معناه، [ويؤول] (١) المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه» إلى قوله: «وهذا بمنزلة قضاء الشارع بوجوب القصاص في أوانه، فهو معلل بتحقيق العصمة في الدماء المحقونة» إلى قوله: «ويلتحق به تصحيح البيع، فإن الناس لو لم يتبادلوا لجرَّ ذلك إلى ضرورة ظاهرة» (٢).
قال الشيخ: أما شرعية القصاص، فإنها يظهر منها ما قاله الإمام، وأما البيع، فليس يظهر منه ذلك، ولا يجر عدم تعاطيه إلى ضرورة، وكم من الناس عاش ولم يخطر له البيع ولا الشراء.
[٢٧٠] قوله: « والضرب الثاني - ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حدّ الضرورة ، وهذا يمثل بالإجارة، فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها» إلى قوله: «ولكن حاجة الجنس قد بلغ مبلغ ضرورة الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة
стр. 213
فيه للجنس، لنال آحاد الجنس ضرر يبلغ مبلغ الضرورة في حق الشخص الواحد، وقد يزيد ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس» (١).
قال الشيخ: يريد بأن الضرر اللاحق بالآحاد قد يزيد على الضرر في حق الشخص الواحد من جهة تعلقه بأعداد أشخاص، وتعلق هذا بشخص واحد.
[٢٧١] قوله: « والضرب الثالث - ما لا يتعلق بضرورة خاصة، ولا حاجة عامة ، ولكنه قد يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها، ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث» (٢) إلى آخر الضرب.
قال الشيخ: هذا الضرب راجع إلى أمر تكميلي وليس بحاجي ولا ضروري، وقد بينه بطهارة الحدث. ومعنى ذلك أن طهارة الحدث لما ثبت الندب بها تصريحًا، ثم ثبت الوجوب بعد ذلك، علمنا كون الطهارة لا تناسب الوجوب، ولكن يغلب على الظن تعلقه بها، ففهمنا ذلك تلويحا. وهذا من أنواع الشبه. ولهذا المعنى أمثلة أوضح من هذا المثال.
منها - أن القصاص لما ثبت مرتبا على الجناية، علمنا أن كونها جناية [يناسب] (٣) العقوبة على الجملة. أما كون هذه الجناية المخصوصة تناسب هذه العقوبة المعينة فلا، ولكن يغلب على الظن أنه لما رتب الشارع الحدَّ عليها، علمنا أنها وافية به. وهذا المثال أوضح من مثال الطهارة على ما لا يخفى.
стр. 214
[٢٧٢] قوله: « والضرب الرابع - ما لا يستند إلى حاجة ولا ضرورة ، وتحصيل المقصود منه مندوب إليه تصريحًا ابتداء، وفي المسلك [الثالث] (١) في تحصيله خروج عن قياس كلي. وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب من الضرب الثالث» (٢) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: هذا هو من جنس الضرب الذي قبله، فإن العتق مندوب إليه، وكون الكتابة مقصودة لذلك إنما أخذ بطريق التلويح، ولكن بين الضربين فرق: من جهة أن هذا الضرب مناقض لقياس كلي، والذي قبله ليس كذلك.
[٢٧٣] قوله: « والضرب الخامس - ما لا يلوح للمستنبط فيه معنى أصلًا، لا مقتضى من ضرورة أو حاجة ولا استحثاث على مكرمة . وهذا يندر تصوره (٣) جدًا» إلى قوله: «ومثال هذا القسم: العبادات البدنية المحضة، فإنها لا تتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية» (٤) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: يريد هؤلاء بأن هذا الضرب لا يحصل منه جلب مصلحة ولا دفع مفسدة عاجلا، بل يحصل منه أمر آجل. وهذا بعيد التصور كما قال الإمام، فإنه إن امتنع أن يعقل منه أمر جزئي لا يمتنع أن يعقل منه أمر كلي.
والتمثيل بالعبادات البدنية قد بين الإمام أن منها ما عقل معناه، وهو تمرين العباد على حكم الانقياد دائما، ولا شك أن تجديد العهد بالباري - تعالى - ينهى عن الفحشاء والمنكر، وهذا أمر كلي قد عقل. أما تقدير
стр. 215
العبادات بمقادير مخصوصة، نعم هذا لا يعقل فيه معنى.
[٢٧٤] قوله: « فأما الضرب الأول - وهو ما يستند إلى الضرورة ، فنظر القائس فيه ينقسم إلى اعتبار أجزاء الأصل بعضها ببعض، وإلى اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل، إذا اتسق له جامع» إلى قوله: «ومن خصائص هذا الضرب: أن القياس الجزئي فيه - وإن كان جليا - إذا صادم القواعد الكلية، ترك القياس الجزئي للقاعدة الكلية» (١).
قال الشيخ: هذا الضرب يجوز قياس جزئه على جزئه، ويجوز قياس أصل آخر عليه، ويكون الجامع بينهما الضرورة الكلية، وإنما كان من خصائصه: أن القياس الجزئي إذا عارض القاعدة ترك لأجلها، من جهة أنه باب ضرورة، وللشرع اعتناء بدفع الضرورات بخلاف الحاجات والتحسينات.
[٢٧٥] قوله: «وأما الضرب الثاني - وهو ما بني على الحاجة كالإجارات، فلا خلاف في جريان قياس الجزء منه على الجزء، وأما اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل مع جامع الحاجة، فقد امتنع منه معظم القائسين» (٢).
قال الشيخ: هذه الطائفة إنما امتنعوا من القياس ههنا، لأنه قياس في الأسباب، ولا يجوز. وغيرهم يخالفهم في ذلك. وهذا الخلاف انبنى على الخلاف في أنه هل يشترط تحقيق المناط في الفرع قطعًا، أو يكتفى فيه بالظن؟ فهؤلاء [يشترطون] القطع، ولا [يكتفون] (٣) بغلبة الظن (٤). فحصل من هذا:
стр. 216
الخلافُ في سوغانِ قياس غير هذا الضرب عليه، بناء على أنه قياس في الأسباب.
[٢٧٦] قوله: «ونحن نرى أن ننبِّه قبل تبيين القول فيه على أمر، وهو أن الإجارة جاءت خارجة عن الأقيسة التي سميناها «جزئية» في القسم الأول، فإن مقابلة العوض الموجود بالمعدوم خارج عن القياس المرعي» إلى قوله: «ثم الحاجة والاستصلاح في الوجوه الخاصة» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: رأي الإمام جواز القياس في هذا الضرب والذي قبله في الأجزاء وغيرها، ومنعها في الاستصلاح. ويظهر أن معتمده في ذلك أن يقول: إن باب الضرورات والحاجات العامة قد تمهَّد في الشرع اعتبارهما، فإذا وجدت ضرورة اعتبرت، وكذلك الحاجة أخذًا من هذه القاعدة الممهدة، بخلاف الاستحسان. ولا يكون هذا عنده [مأخوذًا] (٢) من قياس جزئي، بل من هذا الأصل الذي بنيت عليه. وباب الاستحسان عنده لا ينضبط، بل يتعارض فيه وجوه الاستصلاحات، فيتوقف فيه على إذن الشرع. وقد ضرب الإمام له مثلًا: «بمن سبق إلى عقده قبل ورود الشرائع إلى تقدير ورودها بالمصالح» (٣) إلى آخر المثال.
стр. 217
[٢٧٧] قوله: «ومن دقيق ما يجري في هذا الفن، وهو [العِلْقُ النفيس] (١) في هذا القبيل: أن الشافعي ألحق إثبات الخيار والأجل بأبواب الرخص، من جهة أن قياس التقابل في المعاوضات أن يخرج العوض عن ملك أحد المتعاقدين حسب دخول مقابله في ملكه، وإذا حلَّ أحد العوضين وتأجل الآخر، كان ذلك خارجًا من هذا القانون، وكذلك الخيار الطارئ على العقد المبني على اللزوم في حكم الرخص» (٢) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: المقصود من هذا كله ضرب أمثلة. فالشافعي يلحق هذا بباب الرخص، فلا يكون القياس الجزئي فيه [مطرحًا] (٣) لأجل القاعدة الكلية، والإمام بين أن «العوض لا يكون إلا حسب دخول المعوض في ملكه» أمرٌ استحساني (٤)، وليس أمرًا كليا. وقال: إنما سمَّى الشافعي هذه رخصًا من جهة ندورها بالنسبة إلى ما تمهد في المعاوضات، فلما كانت نادرة سماها رخصًا. وقال الإمام: الأمور الكلية إنما هي اتباع الحاجات والضرورات، أو اتباع رضا المكلف لا غير. وهذا كله من الاستحسان.
[٢٧٨] قوله: « وأما الضرب الثالث - وهو ما لا ينتسب إلى ضرورة ولا حاجة. وغايته الاستحثاث على مكارم الأخلاق ، ووضع الاستصلاح
стр. 218
ينافي إيجاب ذلك على الكافة في عموم الأوقات لعسر الوفاء، والقدر الذي يقتضيه الاستصلاح لا ينضبط بقدر أفهام المكلفين» إلى قوله: «ويعتضد هذا القسم في غالب الأمر بأمور جبلية (١). حتى كأن الشريعة تتأيد بموجب الجبلة والطبيعة، فيكل إليها قدرًا، ويثبت للوظائف قدرًا. وهذا كالوضوء» (٢).
قال الشيخ: الإمام يريد أن الاستحسان يعلم من حيث الجملة، ومقداره لا تهتدي العقول إليه، بخلاف الضربين المتقدمين، ولهذا جرى القياس فيهما في الطرفين؛ «الجزء على الجزء»، وكذلك «قاعدة أخرى عليه». وباب الاستحسان لا يجري القياس فيه إلا إذا ورد الشرع بتعيين استصلاح، فإنه يقاس به إذ ذاك.
وأما قوله: «ويعتضد هذا بالأمور الجبلية»، فقد ذكر الإمام مثاله، فلينظر ثُمَّ.
[٢٧٩] قوله: « ثم هذا الضرب الذي أفضى الكلام إليه يضيق نطاق القياس فيه ، فليس للناظر أن يؤسس أصلًا في هذا الضرب يتخيل فيه معنى مثل المعنى الذي تكلفنا نظم العبارات عنه» (٣).
قال الشيخ: يريد أن هذا مما يدق مدرك النظر فيه، فلا يتصور أن يحصل منه غلبة ظن بالإلحاق فضلًا عن حصول علم، ولا يمكن الإلحاق، بخلاف باب الضرورات والحاجات، فإن الأمر ظاهر فيهما، فيجري فيهما القياس،
стр. 219
ولا يجري ههنا، وإن كان الكل [قياسًا] (١) في الأسباب لما بيناه.
[٢٨٠] قوله: «فالقول الوجيز فيه: أن المعنى الذي ذكرناه في هذه القاعدة [الثانية] (٢) محالٌ على غيب ينفرد بعلمه الشارع، وعليه انبنى الإيهام الكلي بين التلويح والتصريح المذكورين في الطهارة» (٣).
قال الشيخ: يريد بالتلويح والتصريح ما أشار إليه في الطهارة، وهو أن التعميم في الأمر بالنظافة يعسُر. وأما عقلية النظافة من حيث الجملة لا عسر فيه.
[٢٨١] قوله: « ثم للشرع تصرف في الضرورات بها يتم الغرض في القسم الأول» (٤).
قال الشيخ: يريد أن الضرورة في نظر الشارع تنقسم: منها ما يكتفى بتخيلها في الجنس ولا ينظر إلى آحاد الصور؛ كالبيع. ومنها ما لا يكتفى فيه بذلك، بل لا بد من النظر إلى آحاد الصور؛ كأكل الميتة. ومنها ما لا يعتبر، ولا تبيحه الضرورة. والسبب في هذا ما أشار إليه الإمام من تناهي القبح وعدم تناهيه.
ثم قال الشيخ: ووجه تعلق هذا الكلام بما نحن فيه: أنه لما بين في باب
стр. 220
الاستحسان أن الأمر مضطرب فيه بالنظر إلى آحاد الاستحسانات، فنَكِلُ الأمر فيه إلى الشارع. كذلك هذا المعنى موجود في الضرورات، فلهذا قال الإمام: «وبه يتم الغرض في القسمين الأولين» (١).
[٢٨٢] قوله: « فأما الطهارات وما يضاهيها مما قصاراه تخيل أمر بوظائف واجبة من غير تصريح بوجوب المقصود، فلا جريان للقياس في هذا الباب» (٢).
قال الشيخ: يريد أنه لا يجري فيها قياس قاعدة على قاعدة، لما بينه متقدما. أما قياس الأجزاء بعضها على بعض، فيجري فيه قياس الشبه، كما تقدم.
والسبب فيه: أن المقصود الذي لأجله أثبت الشارع الطهارة مثلا، أمر مغيب لا تهتدي العقول إليه. وما كان أصله لا تهتدي العقول إلى درك معناه، فكيف يمكن قياس غيره عليه، مع اختلاف الضابط؟
[٢٨٣] قوله: « ثم قال القاضي: كما لا تثبت الأحداث بالقياس، فلا مجال أيضا للقياس في نفي الأحداث » (٣).
قال الشيخ: إذا كان ثبوت الحدث لا يعقل معناه، فنفيه أيضًا لا يعقل معناه، لأن نفيه فرع عن وجوده، فإذا كان الأصل مشتبها، فالفرع بذلك أولى.
[٢٨٤] قوله: « فإن احتكم محتكم بإثبات حدث من غير تثبت ، فلا
стр. 221
حاجة إلى قياس في درء مذهب الخصم، وإن عزاه فيما زعم إلى قياس، فالوجه إبطال قياسه» (١).
قال الشيخ: إنما كان الوجه إبطال قياسه، لأن الباب ليس بمنقاس، فلا يتصور فيه القياس، كما تقدم.
[٢٨٥] قوله: « فإن تمسك في ذلك بظاهر يتعرض مثله للتأويل في غير هذا الباب، وأراد المعترض إزالة ذلك الظاهر بقياس، فقياسه مردود» (٢).
قال الشيخ: أراد الإمام بقوله: «يتعرض مثله للتأويل في غير هذا الباب»، يعني بقياس، والسبب في ذلك أن التأويل بالقياس في هذا الباب لا يصح، لأن القياس غير متصور فيه، فيكون تأويلًا غير معضود بدليل، فيكون مجرد احتمال، فلا يقبل.
[٢٨٦] قوله: «ومن نفى الحدث، فليكن متمسكه المطالبة بثبت فيه، والظاهر معتصم معمول به» (٣).
قال الشيخ: يعني أن الناظر إذا أراد أن ينفي حدثًا مَّا، فليس له طريق إلى التمسك بنفي مدارك الثبوت، لأن القياس لا يجري في نفيها كما لا يجري في إثباتها. فهذا هو المراد بقوله: «فليكن متمسكه المطالبة بثبت فيه» (٤)
стр. 222
يعني (١) ثبوته (٢).
[٢٨٧] قوله: « ومما يتعلق بتمام الكلام في هذا الفن: أن القياس الجزئي لا يتصور أن يجري معنويا في هذا الأصل. نعم، لا ينحسم فيه قياس الشبه» (٣).
والضابط فيه: أن كل ما لا ينحسم [فيه] (٤) إلحاق الشيء بالمنصوص عليه لكونه في معناه لا ينحسم فيه قياس الشبه (٥).
قال الشيخ: يريد أن نفي الفارق المعلوم يجري في هذا الباب، ويتصور أن يتطرق احتمال مَّا إلى هذا العلم فينتفي، ويبقى نفي الفارق مظنونًا، وهو من أنواع الشبه، فقد تصور أن يعقل الشبه بالشبه.
[٢٨٨] قوله: «فأما اعتبار أصحاب أبي حنيفة خروج النجاسات من
стр. 223
غير السبيلين بخروجها من السبيلين، ففيه فقه. وغايتهم في ذلك تشبيه نجاسة تنفصل عن محل الخلاف بنجاسة تنفصل عن أحد السبيلين» إلى قوله: «ولأصحاب الشافعي أن يقولوا: لا يستويان، فإن خروج النجاسة من أحد السبيلين لا يقتضي الوضوء لأمر يتعلق بالنجاسة» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: غاية الحنفية أن يتمسكوا بكونه [خارجًا نجسًا] (٢)، وأصحاب الشافعي [يمنعون] هذا، [ويقولون] (٣): إنما كان واجبًا تأقيتًا محضًا، والمقصود النظافة، وربطها بمتكرر بحكم الجبلة، يفضي إلى حصول النظافة.
وهذا هو الذي يظهر، لأنه لو قدر أنه لأجل كونه خارجًا نجسًا، لم يقتض هذا إلا غسل مورد النجاسة، ولا يظهر له متعلق سوى التأقيت، كما بيناه، ولا يليق بالتأقيت إلا ما ذكرناه من ربطه بمتكرر في الجبلة. والرعاف وغيره لا يتكرر، فلا يقاس عليه.
[٢٨٩] قوله: « وأما الضرب الرابع - فقد مثلناه بالكتابة ، وهو في الأصل كالضرب الثالث الذي انتجز منه الفراغ الآن. فإن الغرض المخيل الاستحثاث على مكرمة لم يرد الأمر على التصريح بإيجابها، بل ورد الأمر بالندب إليها» (٤).
قال الشيخ: الكتابة شبه الطهارة من حيث إن كل واحد منهما يفيد مكرمة
стр. 224
الطهارة ويحصل النظافة. والكتابة تحصل العتق، وكل واحد من النظافة والعتق مندوب إليه، إلا أن الكتابة اختصت عن الطهارة بأمور خارجة عن القياس:
منها _ معاملة السيد عبده.
ومنها _ مقابلة ملكه بملكه.
واختصت الطهارة أيضا بوجوب أصلها، بخلاف الكتابة، فإنها لم تجب.
[٢٩٠] وقوله: « إن مالكًا أوجبها » (١)، لم ينقل هذا عنه على ما يقول أصحابه. ولو فرعنا على صحة النقل، فهي [لا تشبه الطهارة - على رأيه - من كل وجه] (٢)، لأن العبد عند مالك يملك، وإن كان للسيد الانتزاع، فعلى هذا إنما باع ملكه بملك غيره، فلا يكون خارجا عن القياس.
[٢٩١] قوله: «ولكن الشافعي ﵀ لم يعتمد في إيجاب الإيتاء على مجرد الظاهر، ولكن عوَّل على سيرة الصحابة ﵃» (٣).
قال الشيخ: تمسك الشافعي في إيجاب الإيتاء بظاهر قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِن مَالِ اللَّهِ﴾ (٤). وعضد هذا باعتماد الصحابة الإيتاء للمكاتبين [استرسالًا دوامًا] (٥) على الاطراد. قال: ولو كان تبرعًا لما كان يطرد منهم.
стр. 225
وهذا ضعيف، لأنه لا مانع أن يقع الدوام في التبرعات والمندوبات.
ولأجل هذا قال الإمام: «على أني لا أرى على مذهب الشافعي مسألة أضيق مسلكًا من مسألة وجوب الإيتاء» (١).
[٢٩٢] « مسألة: قد ثبت أن الكتابة الفاسدة تثبت فيها أحكام مشابهة لأحكام الكتابة الصحيحة، فرأى أصحاب أبي حنيفة أن يعتبروا البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة، وقضوا بأن البيع الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض على تفصيلهم المعروف» (٢).
قال الشيخ: الأولى أن نقدم بحثًا في معنى الصحة والفساد؛ ما هما؟ وهما يطلقان في المعاملات باعتبار، وفي العبادات باعتبار.
تطلق الصحة في المعاملات بأن يقال هي: عبارة عن اعتبار السبب في جهة الحكم. والفساد نقيض هذا.
وأما في العبادات فهي: عبارة عن موافقة الأمر. والفساد نقيضه. والفساد والبطلان عند الشافعي عبارتان عن معبَّر واحد.
وأما أبو حنيفة: فالفساد عنده غير البطلان، فالفاسد عنده منعقد،
стр. 226
والباطل ليس كذلك. وتفصيل مذهبه في العقود أن قال: هي تنقسم إلى منعقد، وغير منعقد وهو الباطل. والمنعقد ينقسم إلى صحيح وفاسد. والصحيح ينقسم إلى نافذ وموقوف. والنافذ ينقسم إلى جائز ولازم. هذا تفصيل مذهبه.
[٢٩٣] قوله: « وقد امتنع طوائف من أئمتنا من قبول هذا القياس ، ونحن نكشف الغطاء فيه، مستعينين بالله، بعد ذكر مسلك الفريقين اعتراضًا وجوابًا. قال الشافعي: لا يقبل القياس في الفرعين، لأن الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاملات، والفاسدة متفرعة عليها، فإذا انحسم مسلك القياس في الأصلين ترتب عليه امتناع القياس في الفرعين» (١).
قال الشيخ: يريد بالأصلين: البيع الصحيح والبيع الفاسد، وليس المراد بكونهما فرعين أنهما نتجا عنهما. وإنما المراد بالفرعين ههنا المعنى الآخر، وهو أنه إذا توقفت معرفة شيء على معرفة شيء غيره سمي [فرعًا] (٢) له، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن معرفة الفاسد متوقفة على معرفة الصحيح، فإن الصحيح هو الموافق لموجب الشرع، والفاسد نقيضه، فمن لا يعرف الموافقة كيف يعرف المخالفة؟ وهذا واضح.
ثم قال الشيخ: ويبقى ههنا نظر آخر، وهو أن الإمام قرر أن القواعد الاستحسانية لا يقاس بعضها على بعض، وإنما تقاس أجزاء كل قاعدة بعضها على بعض. فهل البيع والكتابة قاعدتان، أو قاعدة واحدة؟
والذي يظهر لي أنها قاعدة واحدة، والكتابة نوع من أنواع البياعات،
стр. 227
ولا يلزم [من] (١) خروجها عن القياس - من جهة أن فيها مقابلة الملك بالملك - أن تخرج عن كونها بيعا. [وهذا] (١) واضح. فإذًا من قاس البيع الفاسد على الكتابة لم يكن قائسًا قاعدة على [قاعدة] (١) أخرى، وإنما قاس بيعًا على بيع.
[٢٩٤] قوله: «فإن تفطن الخصم [وسلَّم] (٢) انحسام المعنى، واجتزأ بالشبه، وقال: البيع الفاسد بالإضافة إلى الصحيح كالكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الكتابة الصحيحة، ولا يلزم [إبداء] (٣) معنى في الأصل وإظهاره في الفرع» (٤).
قال الشيخ: هذا مسلك يساوي الشبه، وهو من أنواع الشبه، والإمام قد أورد سؤال نقض، وذكر أن على الناظر أن يدأره بالنقض. وأنا أقول: ويدرأ هذا أيضا بغير النقض، وهو أن يقال: إن الكتابة الفاسدة لم تلتحق بالكتابة الصحيحة من جهة كونها كتابة، وإنما صحت لما فيها من معنى التعليق، فالكتابة الفاسدة اشتملت على سببين (٥): معاوضة وتعليق، فالمعاوضة فيها
стр. 228
فاسدة، والتعليق صحيح، فإذًا ما قيست عليها إلا من جهة صحيحة، بخلاف البيع الفاسد، فإنه ليس كذلك.
[٢٩٥] قوله: «وأنا أذكر مسلكًا أصوليا يغني عن جميع ذلك، فأقول: قد مهدت أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا يجري فيها تمهيد أصل قياسًا على أصل» إلى قوله: «فإذا لاح ذلك وتجدد العهد به، فالبيع من الضروريات، فكيف ينقدح تشبيه بفاسد قسم لا ضرورة فيه ولا حاجة، فهذا قاطع للشبه بالكلية» (١).
قال الشيخ: الإمام يشير إلى أن أحد هذين الأصلين - وهو البيع - ضروري، والآخر - وهو الكتابة - من باب المحاسن، وينبني عليه امتناع قياس أحدهما على الآخر بما قررناه متقدمًا، وأنا أمانعه في ذلك، وأقول: إن الكتابة من أنواع البياعات، وقد بينته في أول هذا الضرب.
[٢٩٦] قوله: «والضرب الخامس - متضمنه العبادات البدنية التي لا يلوح فيها معنى مخصوص، لا من مآخذ الضرورات، ولا من مآخذ الحاجات، ولا من مدارك المحاسن» إلى قوله: «وهذا أمرٌ لا يضبطه القياس، ولا يحيط به نظر مستنبط، والأمر فيه محال على أسرار الغيوب» (٢).
قال الشيخ: هذا الضرب هو من باب المحاسن، مثل الضرب الأول الذي قبله، إلا أن الفرق بينهما في شيء آخر: وهو أن هذا الضرب لا يلوح فيه معنى مخصوص، بل يعقل فيه أمور كلية، بخلاف الضرب الأول، فإنه ليس كذلك،
стр. 229
والأُمور الكلية قد أشار إليها الإمام من الوجهين [اللذين] (١) ذكر.
وتفترق أيضا في شيء آخر: وهو أن القياس في هذا الضرب يجري في أجزائه [معنويا وشبهيا] (٢)، والضرب الذي قبله لا يجري القياس في أجزائه إلا من جهة الشبه لا غير. والسبب فيه أن أجزاء ذلك لم يعقل فيها سوى ما عقل في الأصل، وهو لا يهتدي العقل لاستخراج معناه، وفي هذا الضرب عقل فيه معناه بالنسبة إلى الأجزاء، فيجري فيه القياس المعنوي، كما مثله الإمام في تبييت النية. وهذا واضح.
ثم قال الشيخ: دليل حصر أصول الشريعة في هذه الخمسة أن يقال: كل ما شرعه الشارع لا يخلو: إما أن يتوقف بقاء النفوس على تحصيله أم لا. فإن توقف فهو قسم الضرورات، وإن لم يتوقف؛ فلا يخلو: إما أن يلزم من فواته وعدم حصوله ضرر ببعض الآحاد أم لا. فإن لزم منه ضرر، فهو القسم الثاني، وهو قسم الحاجات العامة التي تنزل منزلة الضرورة الخاصة، والحاجة (٣). وإن لم يلزم منه ضرورة في حق الآحاد، فهو قسم المحاسن.
ثم باب المحاسن لا يخلو: إما أن يتعين فيه المعنى أم لا. فإن لم يتعين، فهو القسم الخامس، وهو باب العبادات البدنية. وإن تعين؛ فلا يخلو: إما أن يكون مخالفًا للقياس أم لا. فإن كان غير مخالف للقياس، فهو القسم الثالث، وهو باب الطهارة والنظافة. وإن كان على خلاف القياس، فهو القسم الرابع،
стр. 230
وهو باب الكتابة ونحوها. فقد ثبت بما ذكرناه حصر الأصول في خمسة، وإن كنا لا نرى ذلك، وإنما هي في نظرنا منحصرة في ثلاثة فقط، وهي الضرورات والحاجات والمكارم. وقد تقدم حصرها في ذلك. والله أعلم.
стр. 231
[٢٩٧] «القول في الاعتراضات الصحيحة»
فمنها - المنع. وهو يتوجه على الأصل، ويقدر متوجهًا على الفرع. فأما المنع في الأصل، فإنه يجري من أوجه:
أحدها - منع كون الأصل معللًا، فإن الأحكام تنقسم باتفاق النظار إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل» (١).
قال الشيخ: قوله: [تنقسم] (٢) إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل، يريد به أنها تنقسم إلى ما ظهرت علته، وإلى ما لم تظهر علته.
ثم قال الشيخ: التحقيق في هذا السؤال - وهو منع كون الأصل معللًا - أنه لا يرد، لأنه لا يخلو: إما أن يحرر المستدل العبارة أم لا. فإن لم يحررها، فلا يرد عليه المنع، لأن المنع إنما يرد على مذكور، وهو لم يذكر شيئا بعد.
وذلك مثل أن يقول: أجمعنا على تحريم الخمر؛ فليحرم النبيذ، فهذا ليس بدليل؛ لأنه لا يلزم من الإجماع على تحريم الخمر أن يحرم النبيذ. فعند ذلك لا يتجه عليه منع كونِ الأصل معللًا، بل يُنظر إلى استتمام الكلام؛ فإن ذكر الجامع؛ فعند ذلك يرد عليه منع كونِ ما ادعاه علةً، وإن لم يذكر الجامع؛ فيكون عريا عن التحصيل. أما منع كون الأصل معللا؛ فلا يرد، هذا فيما إذا لم يحرر العبارة. فإن حرر، فلا يخلو: إما أن يسلم له كون ما ادعاه علة أم لا،
стр. 232
فإن سلم له كونه علة، فيلزم من ذلك أن يكون الأصل معللا، وإن لم يسلم له ذلك، فيرد عليه منع كون الوصف علة، لا منع كون الأصل معللا (١). والذي يحقق ذلك: أنه إذا ثبت كون الوصف المدعى علة، فيلزم منه أن يكون الأصل معللا.
فإنما يرد عليه منع كون الوصف علة؛ فإذا استدل على كونه علة، فيلزم منه أن يكون الأصل معللا. هذا إذا كان طريق إثبات العلة الاستنباط.
«نعم، إذا انعقد الإجماع على كون الأصل معللًا، [أو ورد فيه نص] (٢)؛ فيستند (٣) الاعتقاد إليهما» (٤).
[٢٩٨] قوله: «والنوع الثاني من المنع في الأصل - إنكار وجود ما ادَّعاه المستدل علة. وهذا كثير التدوار في المركبات» (٥) إلى آخره.
قال الشيخ: أما قوله: إن هذا السؤال كثير التدوار في المركبات، [فلا] (٦) يصح، فإن ما ذكره من المثال، وهو القياس على ابنة خمس عشرة سنة، ليس هذا هو منع (٧) لوجود العلة المدعاة من جانب المستدل، وإنما هو منع لكون
стр. 233
ما ادعاه المستدل علة.
وبيانه: هو أن المستدل للشافعي إذا استدل على إجبار البكر، فقال: بكر فتجبر، قياسا على ابنة خمس عشرة سنة، فالحكم في الأصل - وهو ابنة [خمس عشرة] (١) سنة - متفق على إجبارها، إلا أنه لمأخذين مختلفين، فالشافعي يقول: لقرب بكارتها، فالبكارة مقتضية للإجبار، وأبو حنيفة يقول: علة الإجبار في ابنة [خمس عشرة] (٢) سنة إنما هي الصغر، فإن قلت بأنها كبيرة، فأنا أمنع الحكم في الأصل، وأقول: لا تجبر كبيرة مَا بحال. فإذًا أبو حنيفة يقول للشافعي: ما ادعيته علة - وهي البكارة - فالحكم - وهو الإجبار - غير مضاف إليها، وإنما هو مضاف إلى علتي؛ وهي الصغر. فيكون هذا السؤال [منعًا] لكون الحكم [مضافًا] (٣) إلى ما ذكره المستدل من العلة، وهو منع كونه علة، وليس هذا [منعًا] (٤) لوجود العلة في الأصل، فإن العلة المدعاة في الأصل من جانب الشافعي إنما هي البكارة، وهي موجودة، وأما الخصم فيمنع استناد الحكم، لا أنه يمنع وجودها.
والشافعي إنما عدل عن القياس على الصغيرة، وقاس على ابنة [خمس عشرة] سنة؛ لما بيناه من الفارق المناسب للإجبار، وهو الصغر، والخصم يوافقه في ابنة [خمس عشرة] سنة، فعند ذلك: الشافعي يدعي أن ابنة [خمس عشرة] (٥)
стр. 234
سنة كبيرة، ليدفع بها مأخذ الخصم، إلا أنه بيَّنَ أنها كبيرة، فعند ذلك أبو حنيفة يمنع الحكم فيها، فثبت بذلك أن المثال الذي ذكره ليس مطابقا لما أرادهُ في هذا السؤال. وهذا واضحٌ.
[٢٩٩] قوله: «والنوع الثالث - منع الحكم في الأصل» (١). إلى آخره.
قال الشيخ: هذا السؤال قد اختلف فيه، فمن قائل بانقطاع المستدل، وليس له أن يثبت الحكم بالدليل، [وأنه] (٢) بنفس ورود السؤال انقطع، لأنه لا يسوغ القياس على أصل مختلف فيه، كما عرف في موضعه. ومنهم من يقول: يسوغ ذلك، ويستدل على ثبوت الحكم، ولا يعد منقطعا، لأن من أركان الدليل [حكم الأصل] (٣).
[٣٠٠] قوله: «والضرب الرابع من المنع - منع ما أبداه المستدل علة» إلى قوله: «وزاد بعض المتكلفين منع القياس والمطالبة بإثبات أصل القياس، وهذا ليس بشيء، فإنه قد ثبت أصله على منكريه» (٤).
قال الشيخ: ينبغي أن يقسم الكلام في هذه المسألة، فيقال: إن كان الكلام مع من ينكر القياس، فيسوغ له هنا المنع.
[٣٠١] قوله: «وأما الفرع، فلا يرد عليه إلا منع واحد. وباقي الوجوه
стр. 235
تتوجّه على الأصل، فإن من وجوه المنع في الأصل: المطالبة بإثبات ما أظهره المستنبط علة. وهذا حقه أن يختص بالأصل» (١) إلى آخره.
قال الشيخ: هذا السؤال ينبغي أن يفصل القول فيه، فنقول: إن كان الوصف مما تظهر صلاحيته في الأصل، وتنخرم في الفرع، بأن يعارضه في الفرع معارض يخلُّ بمناسبته، فعند ذلك نحتاج في هذا الوصف إلى تبيين كونه صالحًا في الفرع، وإن لم يكن كذلك، فلا يحتاج إلى بيان الصلاحية في الفرع، لما ذكره الإمام. والله أعلم.
[٣٠٢] قوله: «ومن الاعتراضات الصحيحة ــ طلب الإخالة. وهو من أهم الأسئلة وأوقعها. وقد قال القاضي: بأن هذا ليس بسؤال» (٢).
قال الشيخ: هذا السؤال لا يرد على أصل القياس، وإنما يرد على جواب المطالبة في تقرير القياس، وإنما قلنا إنه لا يرد على أصل القياس، لأنه ليس بلازمِ ذكرُ الأصل. وللجامع أن يقرره بالمناسبة والإخالة، بل تارة يقرره بالمناسبة، وتارة بالشبه.
[٣٠٣] وأما قول القاضي «بأنه حق على كل مسؤول أن يبدأ بإظهار الإخالة» إلى أن قال: «ولو سكت عن إظهارها، كان مقتصرأ على بعض العلة» (٣).
قال الشيخ: هذا كلام غير سديد، فإن الإخالة والمناسبة ليست هي
стр. 236
الدليل، ولا جزءًا من أجزاء الدليل، وإنما هي ثمرة الحكم على تقدير ربطه بالوصف. ثم الدليل على أنها ليست بدليل ولا جزءًا من أجزاء الدليل؛ هو أن العلة يشترط: إما العلم بوجودها، أو غلبة الظن، ونحن لا نشترط غلبة الظن بالمناسبة، ولا العلم بوجودها، بل نقول: بأن الحكم يثبت في آحاد الصور مع احتمال الحُكْمِ (١)، ولو على بُعد، أو نقول: بأن الحكم ثبت في آحاد الصور مع القطع بانتفاءِ الحكمةِ، فثبت بهذا أن المناسبة ليست من الدليل، ولا هي الدليل بكليته. والله أعلم.
[٣٠٤] قوله: «ومن الاعتراضات الصحيحة ــ القول بالموجب» (٢).
قال الشيخ: القول بالموجب شرط وروده: أن يكون الذي أنتجه الدليل ليس ما أفتى به المستدل، لأن حقيقة القول بالموجب: تسليم مدلول الدليل مع بقاء النزاع في المسألة، وهذا لا يتصور فيما إذا كان الذي أنتجه الدليل هو [عين] (٣) ما أفتى به.
[٣٠٥] وأما قول الإمام في أول السؤال: «ثم الأصوليون تارة يقولون:
стр. 237
القول بالموجب ليس اعتراضًا، وهو لعمري كذلك، فإنه لا يبطل العلة، لأنه إذا جرت العلة وحكمها مختلف فيه، فلأن تجري وحكمها متفق عليه أولى» (١).
قال الشيخ: ما المعنى بقولهم: لا يبطل العلة؟ أيعنون به أنه لا يبطل العلة مطلقًا، أم في محل النزاع؟ فإن أرادوا الأول، فهو مسلَّم، فإنه لا يبطل العلة في جميع مجاريها، وإنما تبطل في محل النزاع. وإن أرادوا المعنى الثاني، فهو غير صحيح، فإنه يلزم من القول بالموجب إبطال العلة في محل النزاع. وهذا هو الذي تصدى المعترض له، وهو إبطال علة المستدل في المحل المتنازع فيه، فلم يصح قولهم: إنه ليس مبطلًا للعلة إلا على تقدير إرادة أنه لا يبطلها في جميع مجاريها. فأما المعنى الثاني، فلا يمكن أن يراد لما ذكرناه. والله أعلم (٢).
[٣٠٦] «مسألة: ذهب معظم (٣) الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة. وحكى أصحاب المقالات عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: ليس النقض من مبطلات العلل، ولكن متى عورضت علة المعلل بنقض، فعليه تعليل تلك المسألة التي ألزمها نقضًا، والفصل بينها وبين المسائل التي ادعى اطراد العلة فيها» (٤).
[٣٠٧] قوله: «وأما من لم [ير] (٥) النقض مفسدًا للعلة، فإنه تمسك
стр. 238
بوجوه: منها - أن الصيغة العامة إذا وردت من الشارع لا يمتنع تخصيصها إذا قامت دلالات» إلى قوله: «ولفظ المعلل لا يزيد على لفظ الشارع» (١).
قال الشيخ: هذا الاستدلال حائد عن المسألة، فإن الكلام في العلة المستنبطة، هل يجوز تخصيصها أم لا؟ وهذا الذي ذكروه قياس لفظ المستنبط على لفظ الشارع، وأين (٢) هذا من المسألة؟ وقد أجاب الإمام بجوابين سديدين.
[٣٠٨] قوله: « ومما تعلق به من جوز تخصيص العلة أن قال: إذا لم يبعد تخصيص العلة بزمان، لم يبعد تخصيصها بمسائل. وأراد بذلك أن الشدة المطربة في الخمر علة تحريم الخمر، ولم تكن علة قبل نزول التحريم» (٣).
قال الشيخ: هذا الكلام ليس بشيء، فإن الشدة قبل نزول تحريمها لم تكن علة، ولم تنصب أصلا، فكيف يقال إنها نصبت مختصة بزمان؟ هذه مغالطة لا تخفى. وقد أجاب الإمام بجواب سديد. وأجاب أيضا عن المسلك الذي بعد هذا.
[٣٠٩] قوله: « والمسلك الذي نختاره: أن المستنبط إذا نصب علة فورد عليها نقض ، فإن كان ينقدح فرق من جهة المعنى بين ما يرد نقضًا وبين ما نصب المعلل علة، فإن علته تبطل بورود النقض» (٤) إلى آخر الكلام.
стр. 239
قال الشيخ: هذا الكلام فيه تفصيل عندي، وهو أن يقال: لا يخلو: إما أن يكون الفرق المنقدح وجودًا في [صورة] (١) التعليل، عدما في صورة النقض، أو بالعكس. فإن كان الأول أبطل العلة، لأنه تبين انعطاف قيدٍ عليه، فيكون مستدلًا ببعض العلة أولا، فتبين إبطال ما ادعاه. وإن كان الثاني، فلا يبطل العلة، إلا على رأي من يأخذ عدم المعارض قيدًا في حد العلة، وهو محل النزاع.
[٣١٠] قوله: «وإن طرأت مسألة إجماعية، وكان لا ينقدح بينها وبين محل العلة فرق، فهذا محل الأناة والاتئاد» (٢) إلى آخر هذه الصورة والصورة التي بعدها.
قال الشيخ: [هاتان الصورتان اللتان] (٣) ذكرهما الإمام [اشتركتا] (٤) في عدم انقداح الفرق، إلا أن [إحداهما] (٥) ظهر فيها تعليل صورة النقض بوفقه، والأخرى غير معللة، فالإمام يبطل العلة بالنقض في الأولى، من جهة أنه يتصور فيها نقض ومعارضة، ويقول إذا كانت المعارضة وحدها تبطل العلة، فكيف وقد وجد معها نقض. وأما الصورة الثانية، فهي عنده مجراة مجرى المستثنيات، فلا يقدح في العلة.
[٣١١] قوله: «وأنا فيما ذكرته على قطع، فإن معتمدنا فيما نقبل ونرد
стр. 240
من التعليل اتباع الإجماع» إلى قوله: «والمستثنى لا يقاس عليه، وكأنه منقطع عن أكثر مسائل الشريعة، ولا يعتبر بشيء منه، ولا يعترض به على شيء» (١).
قال الشيخ: أما قوله: لا يقاس عليه، فمسلَّم. وأما قوله: لا يعترض به على شيء، فيمانع في ذلك، بل هو في الحقيقة محل النزاع بينه وبين من يقول بتخصيص العلة.
[٣١٢] قوله: «وإن كان ينقدح فيها معنى على حال، فهو ملتحق بالأقسام المبطلة التي تقدم ذكرها» (٢).
قال الشيخ: قد بينا أن الإمام يبطل العلة بانقداح الفرق مطلقا، وأن مذهبه أخذ عدم المعارض في حدِّ العلة، وغيره لا يرى ذلك، لكنه يجعل عدم المعارض شرطا، فكل واحد يقول: يتوقف الحكم على انتفاء المعارض. وعلى هذا يظهر لي أن الخلاف في ذلك يؤول إلى خلاف في تسمية، فالإمام يسميه جزءًا، وغيره يسميه شرطًا.
[٣١٣] قوله: « فإذا قال الملزم: ليس على المناقض أن يبدي جامعًا معنويا بين صورة النقض وبين محل علة الخصم» إلى قوله: «وهذه مزلة يجب التثبت عندها» (٣) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: لما قرر الإمام أن النقض لا يقدح إلا إذا انقدح فرق. وإذا ظهر تعليل صورة النقض، ولم ينقدح فرق؛ ورد عليه هذا السؤال، وهو أن
стр. 241
الموظف على الناقض إنما هو بيان قطع الطرد، ولا يلزم بيان التعليل. وقد بين الإمام في الجواب بطلان هذا بانعقاد الإجماع على أن المستثنيات تقطع الطرد، ومع ذلك لم تبطل العلل، بل هي خارجة بالإجماع.
[٣١٤] قوله: « فإن قال الخصم، وقد اضطر: الكتابة الفاسدة وإن فسد عوضها، فليس يفسد معنى تعليق العتق فيها (١). قلنا: ما ذكرته خروج عن الطريقة» (٢) إلى آخره.
قال الشيخ: يريد أنه رجوع عن النقض، لأنه إذا بين أن الكتابة الفاسدة إنما أفادت فائدة الصحيحة من جهة التعليق - وهو صحيح - فلم يثبت إذًا للفاسد حكم الصحيح، وهي جهة النقض. هذا واضح.
[٣١٥] قوله: « ومن أمثلة هذا الفصل: إلزام الاكتفاء بالخرص على من يدعونا إلى التقدير بالكيل أو الوزن الضابطين، فالأصل الضبط بالممكن» إلى قوله: «ولكن قد ينقدح في هذا المحل بأن الوزن أضبط من الكيل» (٣) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: تصوير هذه المباحثة في هذا المثال؛ أن يستدل مستدل في مسألة بيع الحفنة بالحفنة على عدم الصحة: بأنه مال ربوي فيعتبر فيه المعيار الشرعي، فيورد الخصم عليه [نقضًا] (٤) بصورة الخرص، فإنه مال ربوي ولم
стр. 242
يعتبر فيه المعيار.
فيقول المستدل: هذه الصورة من المستثنيات إذا لم ينقدح فيه معنى، وههنا المعنى منقدح، وهو أنه قد وقع الاكتفاء بالكيل عند إمكان الوزن في بعض الصور، مع أن الوزن أضبط، والكيل دونه في الضبط، فليقع الاكتفاء بالخرص مع إمكان غيره، هذا فرق منقدح. فيقول المستدل: هو وإن كان الأمر كذلك، إلا أن الأصل الرجوع إلى العرف في المعيار، وأهل العرف لا يعدون الخرص معيارًا، بل يرونه من باب الحدس والتخمين المجانبين لمدارك اليقين، فهذه طريق التجاذب والنزاع بين الخصمين في هذه الصورة.
стр. 243
[٣١٦] « القول في الاستدلال »
اختلف العلماء المعتبرون والأئمة الخائضون في الاستدلال، وهو معنى مشعر بالحكم مناسب له» إلى قوله: «فالمذاهب إذًا في الاستدلال ثلاثة» (١).
قال الشيخ: المذهب الثالث، وهو الذي [عزاه] (٢) إلى مالك، لم يصح نقله عنه، هكذا يقول أصحابه (٣). فانحصر إذًا في مذهبين. وأيضا لو حقق مذهب الشافعي ﵁ لخرج (٤) عن الاستدلال المرسل، فإنه إذا اشترط [التقريب] (٥)، وفسر هذا التقريب المشترط بالملاءمة، فيكون من باب القياس في الأسباب، فيكون معتبرًا، ويخرج عن الاستدلال.
[٣١٧] قوله: « فأما الشافعي فقد قال: أنا أعلم قطعًا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله - تعالى - معزي إلى الشريعة» إلى قوله: «ولا يخفى على المنصف أنهم ما كانوا يبحثون بحث (٦) من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن الحكم وإلى ما لا يعرى» (٧) إلى آخر الكلام.
стр. 244
قال الشيخ: هذا الكلام ليس بسديد، لأن النظر والبحث لا يختلف باعتقاد الانقسام ولا بعدمه، فإن من يعتقد أن الوقائع منقسمة إلى ما يعرى وإلى ما لا يعرى ومن لا يعتقد؛ لا بد لكل واحد منهما من البحث على حدٍّ سواء. هذا يطلب الحكم ولا بد، وهذا يطلب الحكم إن كان وإن لم يكن؛ وإلا اعتقد ألا حكم، فإذًا لا بد من البحث على كل تقدير.
[٣١٨] قوله: « ثم عضد الشافعي هذا بأن قال: من سبر أحوال الصحابة ﵃، وهم القدوة والأسوة في النظر، لم ير لواحد منهم في مجالس الاستوار تمهيد أصل» إلى قوله: «ولكنهم كانوا يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، كانت أو لم تكن» (١).
قال الشيخ: هذا أيضا كلام ضعيف، فإنهم ما أعرضوا عن الأصول أصلا، بل ما كانوا [يذكرونها] (٢) وإن كانت هذه العمدة في الحقيقة.
[٣١٩] « مسألة: الرجعية محرمة الوطء عند الشافعي ، وهي مباحة الوطء عند أبي حنيفة» (٣) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: ليس لهذه حظ في الأصول، وإنما ذكرها تمثيلًا، وقد بين ذلك (٤).
стр. 245
[٣٢٠] قوله: «فإن قيل: لو قال من يحرم الرجعية: معتدة فشابهت المعتدة عن وطء شبهة طارئ على النكاح، فهل يصح (١) هذا، أو يستقيم تقديره عدة الشبهة أصلًا؟ قلنا: هذا على اطراده من أحسن فنون الطرد» إلى قوله: «ومن يريد جمعًا، ولا متعلق له إلا اسم العدة، كان طاردًا» (٢).
قال الشيخ: لما بين الإمام أن هذا راجع إلى الاستدلال المرسل لعدم الأصل؛ قيل له: المعتدة من الشبهة [أصل] (٣)، [فبين] (٤) أنها لا تصلح أن تكون أصلا، وهو واضح، فإن المعنى متغاير في الأصل والفرع، فيمتنع الإلحاق. وقد بين الإمام جهة التغاير.
[٣٢١] قوله: «والذي يحقق ذلك: أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح لغير من عنه العدة» (٥) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: يريد: والذي يحقق الفرق بينهما: أن الزوج في عدة الشبهة لا يجوز له ابتداء النكاح عليها، بخلاف الفرع، وما ذاك إلا لأن المعنى ثَمَّ خشية اختلاط المياه، وههنا لبراءة الرحم.
стр. 246
[٣٢٢] «فَصْلٌ
فإن قيل: قد أثبتم الاستدلال، ولم تقبلوه على الإرسال، وزعمتم أن المقبول منه ما يلتفت إلى الأصول، ويضاهي معانيها، ولم تأتوا في ذلك بقول ضابط يستبين به المقبول من المردود. قلنا: الوجه في ذلك أن نقول: إذا ثبت حكم متفق عليه في أصل، ثم رام المستنبط إثارة معنى يعتقده مناطًا للحكم، فما الضبط فيما يقبل ويرد منه؟ فليقل المستدل: كل معنى لو ربط به حكم متفق عليه في أصل، لجرى واستد. فإذا اعتبره المستدل من غير إسناد إلى أصل، كان مقبولًا» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: إن كان الإمام ممن يقول بالمناسب الغريب، فلا يصح منه الكلام، فإن الغريب إذا استنبط من أصل، وسلم على السبر، كان معمولًا به، وصلح أن يكون مناطًا. ومع ذلك لو وجد في محل مختلف فيه، فإنه [لا] يعمل به؛ لأنه لم يوجد فيه التقريب المشترط في المرسل (٢)، فقد انتقض هذا الضبط. وإن كان لا يقول بالمناسب الغريب، فيصح له الضابط كما ترى.
стр. 247
[٣٢٣] « فَصْلٌ
فإن قال قائل: ما الاعتراض على الاستدلال ؟ قلنا: الاستدلال: معنى مخيل، فليتطرق إليه من الاعتراض ما يتطرق إلى معنى يبديه المستنبط مخيلا من أصل» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: الضابط في هذا: أن كل ما يرد على المستنبط من أصل يرد عليه؛ إلَّا ما يختص بالأصل مثل الفرق وغيره. فيرد عليه إذًا منع الظهور ومنع الانضباط والقدح في المناسبة والنقض والقلب والمعارضة. ويرد عليه فساد الوضع. ويرد عليه منع قربه من الأصول، إذ هو شرط في صحته. والله أعلم.
[٣٢٤] « فَصْلٌ
في استصحاب الحال . قد قال به قائلون، ثم اختلفوا فيه: فذهب بعضهم إلى أنه دليل بنفسه، ولكنه مؤخر عن الأقيسة، وهو آخر متمسك للناظر. وقال قائلون: لا يستقل الاستصحاب دليلًا، ولكن يسوغ الترجيح به» إلى قوله: «فإن قيل: من استيقن الطهارة وشك في الحدث، فالحكم استصحاب الطهارة» إلى قوله: «قلنا: هذا لباب الفصل، وقول الفقيه: أستصحب يقين الطهارة، فيه تجوُّز» (٢).
قال الشيخ: لا شك أنه تجوُّز، فإن بقاء اليقين في أحد النقيضين مع الشك في النقيض محال. ويلزم من الشك في أحدهما الشك في الآخر، على ما لا يخفى.
стр. 248
[٣٢٥] قوله: «والقول فيه: أنه إذا طرأ شك لم يخل المشكوك فيه من ثلاثة أحوال» إلى قوله: «فإنه يتصدى للمرء شك في بقاء ما سبق واجتهاد ظاهر في زواله، والاجتهاد مقدَّم» (١).
قال الشيخ: هذا الكلام ليس بسديد، فإن الظن والشك [متناقضان] (٢)، فيستحيل إذًا الشك في البقاء مع الظن في الزوال. وهذا واضح.
стр. 249
[٣٢٦] « كِتَابُ الترجيحات
الترجيح: تغليب بعض الأمارات على بعض في سبل الظنِّ» إلى قوله: «وهذا ثبت بتواتر النقل في الأخبار والظواهر وجميع مسالك الأحكام» (١).
قال الشيخ: لا شك أن الأصل في الترجيح إجماع الصحابة على العلل (٢)، وهذا منقول تَواتُرًا، وهو لا يجري في النصوص، لأنها مفيدة للعلم، والعلوم لا تفاوت فيها، فلا يتصور أن يكون علم أجلى من علم، لأنه لو كان كذلك، للزم أن يكون علم أخفى من علم، وهو محال (٣). فإن العلم هو الانشراح والثلج، وهو نقيض الخفي (٤).
[٣٢٧] « مسألة: أطلق الأئمة القول بأن المعقولات لا يجري الترجيح فيها . وهذا سديد لا ننكره، ولكنا أوضحنا في الديانات أن العوام لا يكلفون
стр. 250
بلوغ الغايات ودرك حقائق العلوم في المعتقدات» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: الإمام يشير إلى أن العوام غير مخاطبين بحصول العلم في المعتقدات، بل يكتفى منهم بالتصميم والعقد، فبنى على هذا جريان الترجيح في عقولهم، إذ هي ليست علومًا، وهذا غير سديد، من جهة أن العامي إذا شرع في الترجيح لا بد أن ينحل عقده وتصميمه، لأن من ضرورة الترجيح حضور النقيض بالبال، وإذا حضر النقيض بباله كان ظانًا وليس بمعتقد، وهو كفر لا خفاء به، ولأجل هذا لم يكتف أحد من العامي بحصول غلبة الظن في العقائد؛ من قال باشتراط العلم، ومن لم يقل به، ولا بد من عقد تصميمي، فوضح بذلك عدم جريان الترجيح في المعقولات. والله أعلم.
[٣٢٨] «مسألة: قال الأئمة ﵃: الترجيحات لا تستعمل في المذاهب من غير نصب أمارات، فإن كل ذي مذهب مدَّعٍ قبل أن يدل، والدعاوى لا تقبل الترجيح» (٢). فإن الترجيح عبارة عن زيادة ظن وإشعار. وهذا لا يتصور إلا في الأمارات، لأن الدعوى لا إشعار لها في نفسها، فلا يتصور الترجيح، فإن أثبت أحد دليلًا على [إحدى] (٣) الدعويين، والأخرى لم يقم عليها دليل، وسمى هذا القدر ترجيحًا؛ لا يمنع ولا يناقش في هذه التسمية، ولكن ليس بترجيح حقيقة.
[٣٢٩] « مسألة: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة ﵃، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة السابرين