Полный текст (282 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يسرُّ «مشروع أسفار» أن يقدّمَ للقارئ الكريم الإصدارَ الرَّابع والأربعين من إصدارات المشروع: (النُّكَت على كتابِ البُرهان) للعلامة أبي العزِّ تقيِّ الدِّين المقترح (ت ٦١٢).
فإنَّ «كتاب البرهان» لأبي المعالي الجويني قد علا في علم الأصول نجمُهُ، وقويَ سبكُهُ وجَزُلَ نظمُهُ، إلا أنه استغلقت فوائدُ معانيه، وحقُّها أن تُستخرج للطَّالب النَّبيه؛ لذا اعتنى به العلماء شرحًا وتنكيتًا واختصارًا.
وكتابنا من الكتب المهمَّة القلائل التي وُضِعت على (البرهان): فهي تنكيتاتٌ حسانٌ من المعاني العلميَّة الدَّقيقة التي أبداها التقيُّ المقترح، وسمّيت بكتاب النُّكت، ويعتبر الثَّاني من خوادمِ البرهان ضمن إصداراتنا؛ نتشرَّف بإخراجه مطبوعًا لأوَّل مرَّة، وقد سبقه كتابُ «الكفيل بالوصول لابن المنير».
تميَّز أسلوبُ المنكِّتِ بلطافة المعاني، ودقَّة التَّنبيهات، ورشاقة البيان، والاهتمام بمحلِّ الفائدة، وعلى خلاف عادة الشُّروح فلم يأتِ على جميع عبارات البرهان أو أكثرها، بل هو تعاليقُ على مواضعِ الإشكال من البرهان رآها مشكلةً أو محلَّ استدراك؛ تراوحت بين الاختصار والإشارة، وبين الإسهاب والبيان.
وكانت مادَّةُ المنكِّتِ في غالبها الأعمِّ من بناتِ فكرِهِ، ونتاجِ نظرِهِ،
стр. 2
فجاءت معانيه قليلةَ النَّظير في كتبِ الأصول، إذ صَدَرت عن: نظرٍ عميقٍ، وفهمٍ دقيقٍ، وإحاطةٍ حسنةٍ بكتبِ الأصلينِ، ومُكنةٍ علميَّةٍ لمؤلِّفِها كونه «إمامًا في الفقهِ والخلافِ وأصولِ الدِّينِ».
فالكتابُ - من هذه الوجوه - مهمٌّ لا يستغني عنه دارسُ (لغز الأُمَّةِ) بغيره من الشُّروحِ؛ وقد تصدَّى له محقِّقُه الفاضل وبذل فيه جهدًا بالغًا، ولا سيما مع النُّسخة الخطِّيَّة الفريدة للكتاب، التي لم تكن بالجيِّدة؛ مما ضاعف جهدَه في الكتاب حتى يردَّهُ إلى أصله ويخرجَه بأقرب صورةٍ ممكنةٍ إليه، فشكر الله له وأعظم أجره.
والحمد لله الذي يسَّر لنا في (مشروع أسفار) إخراج الكتاب، عسى أنْ يكون فيه سدادًا لحاجة المشتغلين بالبرهان وبعلم الأصول، ولا يفوتنا شكرُ فضيلة الشَّيخ «إبراهيم بن صالح الخزِّي» على ما قدَّمه من ملاحظاتٍ علميَّةٍ وتوجيهات، كتب الله تعالى أجره.
وأخيرًا؛ نسألُ الله تعالى المغفرة والرَّحمة والرِّضوان لمؤلِّفِ الكتاب، ومحقِّقِه، ولمن تحمَّل تمويل الكتاب فساهم في طباعته ونشره، والقائمين على مشروع أسفار، اللهم اجزهم خيرًا، وأسبل عليهم بركتك، والحمد لله ربِّ العالمين.
أسفارٌ لِنَشْرِ نَفِيسِ الكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ العِلْمِيَّةِ دَوْلَةُ الكُوَيْتِ
стр. 3
المُقَدِّمَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
«الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٣).
وبعد، فإنه لما منَّ عليَّ بالتخرج في جامعة أم القرى بمكة المكرمة - حرسها الله - في مرحلة الدكتوراه، وكان موضوع البحث: دراسة وتحقيق
_________
(١) الآية (١٠٢) من سورة آل عمران.
(٢) الآية (١) من سورة النساء.
(٣) الآيتان (٧٠، ٧١) من سورة الأحزاب. وهذا نص خطبة الحاجة. أخرجها أبو داود. الحديث (٢١١٨). والترمذي (١١٠٥). والنسائي (٦/ ٨٩). وابن ماجه (١٨٩٢). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: «أن الحمد لله .. » وانظر شرح السنة (٩/ ٥٠).
стр. 4
كتاب «التحقيق والبيان في شرح البرهان» للإمام علي بن إسماعيل الأبياري (ت: ٦١٨ هـ). وقد طبع الكتاب - والحمد لله - في أربعة مجلدات.
وكنت في أثناء اشتغالي بتحقيق الكتاب المذكور، أفادني الدكتور عبد العظيم الديب ﵀ أول من حقق كتاب «البرهان في أصول الفقه» لإمام الحرمين بنسخة من كتاب «النكت على كتاب البرهان» للإمام تقي الدين أبي العز مظفر بن عبد الله (ت: ٦١٢ هـ). ومصدرها مكتبة المتحف العراقي تحت رقم (٩٩٦) أصول فقه (١). وقد قمت بتحرير بعضه ووضعه في هامش شرح الأبياري، زيادة في الإيضاح.
إلا أنه بقي في نفسي شعورٌ بشيء من التقصير في حق هذا الكتاب، وفي حق مؤلفه، لاسيما بعد معاودتي للتدريس، وتحت طلب وإلحاح الطلبة وبعض الأساتذة عليّ بضرورة تحقيقه وإخراجه، فأجبتهم إلى ذلك، مستعينا بالله.
هذا وقد قسمت الدراسة إلى ثلاثة فصول:
* الفصل الأول - لمحة عن حياة إمام الحرمين وكتابه «البرهان». وفيه مباحث:
الأول - نسبه ونشأته.
الثاني - في عقيدته.
الثالث - في شيوخه في أصول الفقه.
الرابع - في تلاميذه في أصول الفقه.
_________
(١) راجع «فهرس مخطوطات مكتبة المتحف العراقي» (٢/ ١٦، ١٧). القسم الأول: المخطوطات الفقهية.
стр. 5
الخامس - تمهيد لجهود ومؤلفاته في أصول الفقه.
السادس - في مؤلفاته في أصول الفقه.
السابع. وفاته.
الثامن - التعريف بكتابه «البرهان».
التاسع - منزلة كتاب «البرهان» في علم أصول الفقه.
العاشر - الأعمال العلمية التي تتابعت على كتاب «البرهان».
* الفصل الثاني - في حياة المقترح (صاحب النكت). ويحتوي على المباحث التالية:
الأول - في اسمه ونسبه ومولده وأسرته.
الثاني - شيوخه.
الثالث - تلاميذه.
الرابع - في مؤلفاته.
الخامس - في عقيدته.
السادس - في مذهبه الفقهي.
السابع - في مكانته العلمية وأخلاقه وثناء العلماء عليه.
الثامن - في وفاته.
* الفصل الثالث: دراسة الكتاب (النكت). وتضمن المباحث التالية:
الأول - توثيق نسبة كتاب «النكت» إلى مؤلفه.
стр. 6
الثاني - عنوان الكتاب - الشرح.
الثالث - وصف نسخة الكتاب - الشرح.
الرابع - مصادر الشارح في «النكت».
الخامس - منهج الشارح في سياق كلام «البرهان».
السادس - في أسلوب الكتاب، وهل هو كتاب محرَّر أو تعليق عن مؤلفه؟
السابع - في تقويم كتاب «النكت».
الثامن - منهج التحقيق.
هذا ما أردت توضيحه في هذه المقدمة، وقد بذلت جهدي في التصحيح والمراجعة والمعصوم من عصمه الله. فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن غير ذلك، فمني ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم وأتوب إليه، والحمد لله أوله وآخره، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله.
стр. 7
الفَصْلُ الأوَّلُ لمحةٌ عن حياة إمام الحرمين وكتابه «البرهان »
وفيه مباحث:
الأول: نسبه ونشأته.
الثاني: في عقيدته.
الثالث: في شيوخه في أصول الفقه.
الرابع: في تلاميذه في أصول الفقه.
الخامس: تمهيد لجهوده ومؤلفاته في أصول الفقه.
السادس: في مؤلفاته في أصول الفقه.
السابع: في وفاته.
الثامن: في التعريف بكتابه «البرهان».
التاسع: في منزلة كتاب «البرهان» في علم أصول الفقه.
العاشر: في الأعمال العلمية التي تتابعت على كتاب «البرهان».
стр. 8
المبحث الأول نسبه ونشأته
* أما نسبه: فهو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيُّويَة الطائي السَّنْبَسي (١). قال والده: «أنا من سِنْبِس قبيلة من العرب» (٢).
كان مولده في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة من الهجرة بنيسابور (٣). ويعرف بابن الجويني، نسبة إلى جوين: اسم لمجموعة قرى بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ (٤). والملقب بإمام الحرمين: لمجاورته بمكة والمدينة أربع سنين (٥).
* أما نشأته: فقد نشأ بنيسابور، حاضرة العلم، وأبرز مدن خراسان، تفقه في صباه على والده أبي محمد، فكان يزهى بطلعته وتحصيله وجودة
_________
(١) راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨). وطبقات ابن السبكي (٥/ ١٦٥ - ٢٢١). والبداية والنهاية (١٢/ ١٣٨). وتبيين كذب المفتري ص: ٢٧٨. وانظر كتب الدكتور عبد العظيم الديب: «إمام الحرمين، حياته وعصره وآثاره». و «فقه إمام الحرمين خصائصه وأثره ومنزلته». ومقدمة كتاب «البرهان في أصول الفقه»، ومقدمة كتاب «الغياثي». و «الجويني إمام الحرمين» للدكتورة فوقية حسين محمود.
(٢) راجع سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨). والبداية والنهاية (١٢/ ٦٠).
(٣) راجع تبيين ابن عساكر ص: ٢٨٥.
(٤) راجع معجم البلدان لياقوت الحموي (٢/ ١٩٢).
(٥) راجع البداية والنهاية (١٢/ ١٨٣).
стр. 9
قريحته وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخايل. درس بعده في حلقته بعد أن أتى على جميع مصنفاته، فقلبها ظهرا لبطن، وتصرف فيها، وخرج المسائل بعضها على بعض، ودرَّس سنين. ولم يرض في شبابه بتقليد والده وأصحابه، حتى أخذ في التحقيق، وجد واجتهد في المذهب والخلاف ومجالس النظر.
فكان يقيم الدرس، ثم يقوم منه، ويخرج إلى مدرسة البيهقي ليغنم درس الأصول على الأستاذ أبي القاسم الإسكاف. وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل. ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي، يقرأ عليه القرآن. ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس.
وبقي على ذلك إلى أن اضطربت الأحوال، فاضطر إلى السفر مع بعض المشايخ قاصدا بغداد، فالتقى بأكابر العلماء ودارسهم وناظرهم. ثم خرج إلى الحجاز، وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويفتي، ثم رجع إلى نيسابور بعد مضي نوبة التعصب. فسلم إليه التدريس والخطابة والوعظ.
ولما بنيت «المدرسة النظامية» أقعد للتدريس فيها، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة غير مزاحم.
واشتغل عليه الطلبة ورحلوا إليه من الأقطار (١). كان يقعد بين يديه نحو من ثلاثين فقيه. وتخرج به جماعة من الأئمة. وتوثقت صلته «بنظام الملك»، الوزير السلجوقي، وألف له كتبا. ونال من وفور الحشمة عنده ما لم يتفق لغيره من الأئمة. وصارت حشمته ملاذ العلماء والأئمة والقضاة. وأصبح قوله في
_________
(١) راجع البداية والنهاية (١٢/ ١٨٣).
стр. 10
الفتوى مرجع الأكابر والولاة. واتفق له مرة أن قصد «أصبهان» بسبب مخالفة بعض الشافعية له. ثم عاد منها مكرها إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته مصروفا إلى تصنيف كتابه الكبير المسمى «نهاية المطلب في دراية المذهب». ولما فرغ منه عقد مجلسا حضره الأئمة والكبار (١). وصنف في كل فن (٢).
وقد أثنى عليه العلماء والأئمة. قال أبو إسحاق الشيرازي: «يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمة» (٣). وقال عنه شيخه في الأدب: «ما رأيت عاشقا للعلم، أي نوع كان، مثل هذا الإمام» (٤).
ووصفه بعضهم «بأنه فخر الإسلام، وإمام الأئمة على الإطلاق، حبر الشريعة، المجمع على إمامته شرقا وغربا» (٥). ووصف بأنه «كان متواضعا جدا، مبالغا في ذلك. وكان لا يستنكف أن يعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها، وكان لا يجامل في رد أي كلام لا يرضاه، ولو كان من أبيه، أو أحد من الأئمة. وكان رقيق القلب، غزير الدمعة، إذا سمع بيتا أو تفكر في نفسه ساعة. وإذا خاض في الرقائق بكى وأبكى الحاضرين» (٦).
_________
(١) بتصرف من تبيين ابن عساكر. ص: ٢٨٠٠ - ٢٨٤٤.
(٢) راجع البداية والنهاية (١٢/ ١٣٨).
(٣) راجع البداية والنهاية (١٢/ ١٣٨).
(٤) راجع تبيين ابن عساكر. ص: ٢٨٣.
(٥) المرجع السابق. ص: ٢٧٨.
(٦) نفس المرجع. ص: ٢٨٤.
стр. 11
المبحث الثاني في عقيدته
فيبدو أن إمام الحرمين اختار لنفسه مذهب أبي الحسن الأشعري في وقت مبكر، وذلك حين عكف على كتب أبي بكر الباقلاني الكلامية يحفظها. ونقل عنه أنه قال: «ما تكلمت في علم الكلام كلمة حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر اثني عشر ألف ورقة» (١).
ويعتبر القاضي الباقلاني وإمام الحرمين من رؤوس الأشعرية الذين قاموا ينصرون المذهب في القرن الخامس الهجري، بوضع قواعد ومقدمات عقلية تتوقف عليها أدلتهم. وجعلوا هذه القواعد تبعا للعقائد في وجوب الإيمان بها، وسميت طريقتهم هذه بطريقة المتقدمين (٢). وتقوم هذه الطريقة على إثبات أصول الاعتقاد بالحجج والبراهين العقلية (٣).
ومصنفات إمام الحرمين التي نصر فيها مذهب الأشعري هي: «الإرشاد»، و «الشامل»، و «لمع الأدلة» (٤). ولقد عرض فيها لأقوال أهل المذهب في مسائل الاعتقاد وحللها ونقدها وربط بينها بالأدلة والبراهين العقلية (٥).
_________
(١) راجع طبقات ابن السبكي (٣/ ٢٥٩).
(٢) راجع المقدمة لابن خلدون. ص: ٤٢٩.
(٣) راجع كتاب «الجويني إمام الحرمين» للدكتورة فوقية حسين محمود. ص: ٦٨، ١٣٨.
(٤) راجع كتاب «الجويني إمام الحرمين» للدكتورة فوقية حسين محمود. ص: ٦٨، ١٣٨.
(٥) راجع كتاب «الجويني إمام الحرمين» للدكتورة فوقية حسين محمود. ص: ٦٨، ١٣٨.
стр. 12
«وكانت مادته في هذه الكتب من كلام أبي هاشم الجبائي، على مختارات له. ولقد خرج على طريقة القاضي وذويه في مواضع» (١).
وسبب ذلك كما يقول ابن تيمية: «إنه كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين» (٢). وقد صرح بكثرة بحثه في كتب أبي هاشم في كتابه «البرهان في أصول الفقه» (٣).
أما كتابه «العقيدة النظامية»، فقد سجل فيه رجوعه إلى عقيدة السلف، قال: «والذي نرتضيه رأيا، وندين الله به عقدا: اتباع سلف الأمة» (٤). وهي الحال التي انتهى إليها والده من قبل (٥). وكذلك الشيخ أبو عثمان الصابوني (٦). وهو الذي يقول في حقه إمام الحرمين: «كنت أتردد وأنا بمكة في المذاهب، فرأيت النبي ﷺ وهو يقول: عليك باعتقاد أبي عثمان الصابوني» (٧).
وحكى عنه ابن تيمية أنه كان يقول بالتأويل ثم حرمه، وحكى إجماع السلف على تحريمه (٨). وبذلك يكون ﵀ قد خرج من دائرة المذهب الكلامي البدعي إلى دائرة مذهب أهل السنة.
_________
(١) عن كتاب «منهج البحث عند مفكري الإسلام» للدكتور علي سامي النشار. ص: ٧٧. ومجموع الفتاوى (٤/ ١٨).
(٢) راجع «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/ ٥٢).
(٣) راجع البرهان (١/ ٣٠٤).
(٤) راجع كتاب «العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية» لإمام الحرمين. ص: ٣٢.
(٥) راجع سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦١٧).
(٦) راجع عقيدته في كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن قيم الجوزية: ٩٧.
(٧) حكاه عنه ابن كثير في: البداية والنهاية (١٢/ ٨٣).
(٨) راجع مجموع الفتاوى (١٦/ ٩١).
стр. 13
والضابط في ذلك كما يقول ابن تيمية: «إن من قال منهم - أي المنتسبون إلى الأشعري - بكتاب «الإبانة» الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعدُّ من أهل السنة. لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لاسيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر» (١).
وظاهرة الرجوع إلى مذهب السلف لوحظت على كثير منهم (٢). وهي حقيقة كبرى، وحجة دامغة تدفع الدعاوى العريضة التي يطلقها بعض مؤرخي علم الكلام المعاصرين، والتي مفادها أن المذهب الأشعري هو المذهب السني السائد في العالم الإسلامي، وأن من أراد عقيدة السلف الصحيحة، فلتكن الأشعرية قبلته.
والحق الذي لا مراء فيه، أن البون شاسع بين مذهب السلف وبين مذهب الأشعرية، من حيث المصدر والعرض (٣).
ومن أوضح الأدلة على بطلان تلك الدعاوى: أن الشخص الذي يعلن إسلامه من غير بلاد المسلمين، هل تستطيع أي فرقة أن تنسبه لنفسها غير الفرقة التي عقيدتها عقيدة الفطرة التي يولد عليها الإنسان؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. . .﴾ (٤).
_________
(١) راجع مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٩).
(٢) المرجع السابق (٤/ ٧٢ - ٧٤).
(٣) راجع كتاب «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (١/ ٥٠، ٥٣). وكتاب «تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام» للدكتور محمد علي أبو ريان. ص: ٣٣٥.
(٤) الآية (٣٠) من سورة الروم.
стр. 14
المبحث الثالث في شيوخه في أصول الفقه
فأبرزهم والده:
١ - عبد الله بن يوسف ب ن عبد الله الجويني، ثم النيسابوري، أبو محمد، الإمام الفقيه الأصولي، الأديب النحوي المفسر. تخرج به جماعة من أئمة الإسلام، منهم ولده عبد الملك. الذي أتى على جميع مصنفات والده، فقلبها ظهرا لبطن، وتصرف فيها. ومنها - لا شك - «شرح رسالة الشافعي في الأصول». توفي ﵀ سنة (٤٣٨ هـ) (١).
٢ - عبد الجبار بن علي بن محمد بن حسكان، الأستاذ الإمام، أبو القاسم الإسفراييني الأصم، المعروف بالإسكاف. شيخ جليل من أفاضل العصر، ورؤوس الفقهاء والمتكلمين، جمع بين العلم والزهد. تخرج به جماعة منهم: إمام الحرمين، الذي كان يواظب على مجلسه، لاستكمال ما كان قد شرع فيه ابتداء بمفرده، وكان قد علق عليه في الأصول أجزاء، وتخرج بطريقته. وقد صرح بمشيخته له في البرهان، وخالفه في الرأي (٢). توفي ﵀ سنة (٤٥٢) هـ (٣).
_________
(١) راجع ترجمته في: تبيين ابن عساكر: ٢٥٧، ٢٧٩.
(٢) راجع البرهان (١/ ٣١١).
(٣) راجع ترجمته في: تبيين ابن عساكر: ٢٦٥، ٢٧٩.
стр. 15
المبحث الرابع في تلاميذه في أصول الفقه
فأبرزهم:
١ - أحمد بن محمد بن المظفر الخوافي، الإمام الفقيه المناظر، كان في خدمة إمام الحرمين وصحبته، وبرع عنده حتى صار من أوحد تلاميذه. وكان الإمام معجبا به وبكلامه. وكان أحد معيدي الإمام. ثم استقل بنفسه. توفي ﵀ بطوس سنة خمسمائة. والخوافي - بفتح الخاء والواو - نسبة إلى «خواف» ناحية من نواحي نيسابور (١).
٢ - علي بن محمد بن علي، المعروف بـ «إلكيا الهراسي»، الإمام أبو الحسن، أحد فحول الأصول. حصَّل طريقة إمام الحرمين وتخرج به فيها. وصار من وجوه الأصحاب ورؤوس المعيدين. له كتب في الفقه والأصول والجدل. توفي ﵀ ببغداد سنة (٥٠٤ هـ) (٢).
٣ - محمد بن محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي، الملقب بحجة الإسلام. كان يحضر دروس إمام الحرمين بنيسابور، وبه تخرج. برع في علوم كثيرة، وله مصنفات في فنون عديدة. منها «المنخول» و «المستصفى» في أصول الفقه. و «الوسيط» و «البسيط» و «الوجيز» و «الخلاصة» في الفقه.
_________
(١) راجع ترجمته في: المرجع السابق: ٢٨٨. والبداية والنهاية (١٢/ ١٨١).
(٢) راجع ترجمته في: تبيين ابن عساكر: ٢٨٨. ووفيات الأعيان (٢/ ٤٤٨). والبداية والنهاية
(١٢/ ١٨٦). وطبقات ابن السبكي (٦/ ٩١). وشذرات الذهب (٤/ ٨).
стр. 16
و «إحياء علوم الدين». وردَّ على الفلاسفة في مؤلفات. ثم أقبل على العبادة وأعمال الآخرة في آخر حياته. توفي ﵀ سنة (٥٠٥ هـ) (١).
_________
(١) راجع ترجمته في: تبيين ابن عساكر: ٢٩١. ووفيات الأعيان (٣/ ٣٥٣). والبداية والنهاية
(١٢/ ١٨٧). وطبقات ابن السبكي (٦/ ٩١). وشذرات الذهب (٤/ ١٠).
стр. 17
المبحث الخامس تمهيد لجهوده ومؤلفاته في أصول الفقه
فقد ذكرنا أنه في أيام طلبه تلقى أصول الفقه على والده، الذي يعتبر من أبرز شراح «رسالة الشافعي». ثم كان بعد ذلك يواظب على مجلس أستاذه أبي القاسم الإسفراييني، وعلق عليه في الأصول أجزاء معدودة. وقال عن نفسه: أنه طالع مائة مجلدة (١).
وإذا أردنا أن نعرف شيئًا عن طبيعة هذه المجلدات التي طالعها لابد أن نعرف أولًا طبيعة التأليف الأصولي من بعد الإمام الشافعي، ثم نستعرض أهم المدونات الأصولية التي خلفها العلماء، ثم نقطع بأن إمام الحرمين استفاد منها كلها أو جلها.
أما عن طبيعة التأليف عمومًا، فقد ازدادت حركتها ونشطت في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وظهرت مدارس تربوية لها مفاهيمها الخاصة في المنهج والأسلوب. فظهرت مدرسة الحديث ومدرسة الرأي اللتين تتلمذ عليهما الإمام الشافعي ﵀.
وكان لأخذه - أي الشافعي - عن المدرستين معًا، مدرسة المدينة عن طريق الإمام «مالك بن أنس» نفسه، ومدرسة الكوفة عن طريق «محمد بن الحسن الشيباني»، أثره الكبير في منهجه البارع الذي تمخض عن كتاب «الرسالة»
_________
(١) راجع تبيين ابن عساكر: ٢٨٠.
стр. 18
الذي يعتبر أول مصنف في علم أصول الفقه، والنواة الأولى للمكتبة الأصولية.
يقول الإمام أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين -: «لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها، وقد حكي عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول بالمفهوم، ومن بعدهم لم يقل في الأصول شيئا، ولم يكن لهم فيه قدم. فإنا رأينا كتب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم، فما رأيناهم صنفوا فيه» (١). وكذلك قال إمام الحرمين في البرهان (٢/ ١٣٣٧).
وقال الزركشي: «الشافعي جمح أول من صنف في أصول الفقه، صنف فيه كتاب «الرسالة»، وكتاب «أحكام القرآن»، و «اختلاف الحديث»، و «إبطال الاستحسان»، و «كتاب جماع العلم»، و «كتاب القياس» .. ثم تبعه المصنفون في الأصول» (٢).
واستمرت «رسالة» الشافعي لسنوات طويلة تسيطر على المناهج الأصولية في العالم الإسلامي. ولم يبدأ التحقيق والدراسة فيها إلا بعد أكثر من قرن (٣)، حين بدأ الإمام محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي توفي سنة (٣٣٠) هـ، يضع شرحه عليها. وقد حفظ لنا التاريخ أسماء تسعة من شراح «الرسالة» (٤).
_________
(١) راجع البحر المحيط للزركشي (١/ ١٠).
(٢) راجع البحر المحيط للزركشي (١/ ١٠).
(٣) وهذا لا يعني أن منهج البحث في أصول الفقه وقف ساكنا كل هذه المدة، بل كان في نمو مستمر، وتضاف إليه طرق جديدة على أيدي مدرسة القياس عموما، وفي العراق خصوصا، عندما قام الحنفية بإقامة الأصول على الفروع.
(٤) راجع «مناهج البحث عند مفكري الإسلام». ص: ٨٣.
стр. 19
وهؤلاء الشراح وغيرهم هم الذين كان يقصدهم الزركشي - فيما أعتقد - حين قال: «وجاء من بعده - يعني الشافعي ﵀، فبينوا وأوضحوا وبسطوا «وشرحوا»، حتى جاء القاضيان: قاضي السنة أبي بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم، فحرروا وصوَّبوا وقرروا وصوروا، فجزاهم الله خير الجزاء» (١).
ويلاحظ على هذه المحاولات التي ذكرها الزركشي، سواء كانت على «رسالة» الشافعي، من بيان وإيضاح وبسط وشرح، أو المحاولات التي توالت على مؤلفات القاضيين من تحرير وتصويب وتصوير، كانت كلها ضمن مؤلفات انحدرت إلى الأجيال التالية عبر التعليم.
وإذا ألقينا نظرة في مراجع الزركشي التي استخدمها في إعداد كتابه «البحر المحيط» والتي رتبها حسب مذاهب أصحابها، وجدنا مصداق قول إمام الحرمين: «طالعت في نفسي مائة مجلدة». وهو نصف الثروة التي آلت إلى الزركشي يقول عنها: «اجتمع عندي بحمد الله من مصنفات الأقدمين في هذا الفن، ما يربو على المئين. . .» (٢).
وإذا أنصتنا إليه وهو يعدد كتب الأصول من لدن الإمام الشافعي إلى وقت إمام الحرمين، أدركنا مقدار ضخامة التراث الأصولي الذي نقطع بأن إمام الحرمين استفاد منه، وكان له الأثر البالغ على فكره الأصولي.
_________
(١) راجع البحر المحيط (١/ ٦).
(٢) راجع البحر المحيط (١/ ٦).
стр. 20
قال الزركشي: «فمن كتب الشافعي ﵀: «الرسالة» و «اختلاف الحديث»، و «أحكام القرآن»، ومواضع متفرقة من «الأم». و «شرح الرسالة» للصيرفي، وللقفال الشاشي، وللجويني، ولأبي الوليد النيسابوري. و «كتاب القياس» للمزني، وكتاب «الرد على داود في إنكار القياس» لابن سريج، وكتاب «الأعذار والأنوار» له أيضًا، وكتاب «الدلائل والأعلام» للصيرفي، وكتاب القفال الشاشي، وأبي الحسين القطان، وأبي علي بن أبي هريرة، وأبي إسحاق المروزي، وأبي العباس بن القاضي في «رياض المتعلمين»، وأبي عبد الله الزبيري، وأبي الحسن محمد بن يحيى بن سراق الغامدي، وأبي القاسم بن كج، وأبي بكر بن فورك، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وسليم الرازي في «التعريف في الأصول»، و «التحصيل» لأبي منصور البغدادي، و «شرح الكفاية والجدل» للقاضي أبي الطيب الطبري. و «التقريب» و «الإرشاد» للقاضي أبي بكر، وهو أجل كتاب صنف في هذا الفن مطلقًا (١)، و «التلخيص» من هذا الكتاب لإمام الحرمين، أملاه بمكة - شرفها الله - و «البرهان» للإمام. . .» (٢).
ولا شك أن الإمام قبل أن يصنف في أصول الفقه، قد أتى على معظم هذه المدونات، لاسيما وأن أغلبهم من علماء المذهب الشافعي. ولا شك أيضًا أنه استفاد من مؤلفات المذاهب الأخرى.
_________
(١) يلاحظ هنا أن الزركشي لم يراع الترتيب الزمني للمؤلفين، حيث أورد بعد كتب أبي إسحاق الإسفراييني، وهو من أقران إمام الحرمين، كتاب ابن القشيري، وهو من تلاميذه، ثم كتاب أبي الحسن السهيلي، ثم كتب ابن برهان، وهو من تلاميذ الغزالي، ثم كتاب أبي المظفر السمعاني، ثم ذكر بعده كتب الباقلاني.
(٢) راجع البحر المحيط (١/ ٧، ٨).
стр. 21
وإذا كان الإمام لم يتكلم في علم الكلام كلمة حتى حفظ من كلام الباقلاني اثني عشر ألف ورقة، فالظاهر أنه لم يتكلم في الأصول حتى طالع مثلها في الفن كذلك. إلا أن اشتغاله بالكلام - وهو عنده إثبات العقائد بالأدلة العقلية - قد انعكس على طريقته في أصول الفقه. ومن ثم كان من أبرز الأصوليين المتكلمين. وقد نقل طرق البحث من علم الكلام إلى علم أصول الفقه، وهي محاولة عقلية بحتة تقوم على تجريد القواعد العامة من المسائل الفقهية، وتستند إلى الاستدلال العقلي والبرهنة النظرية.
ولقد كشف الغزالي عن هذا الاتجاه فقال: «وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة» (١).
ولقد وجد الإمام في البحث في أصول الفقه ما يتفق مع نزعاته العقلية، وميله إلى التجريد. ولهذا جاء كتابه «البرهان» من أحسن ما ألف على هذه الطريقة.
يقول ابن خلدون: «وكان من أحسن ما كتب فيه - يعني أصول الفقه - المتكلمون، «البرهان» لإمام الحرمين، و «المستصفى» للغزالي، وهما من الأشعرية، وكتاب «العمد» لعبد الجبار، وكتاب «المعتمد» لأبي الحسين البصري، وهما من المعتزلة. وكانت الأربعة قواعد الفن وأركانه» (٢). وكأني بإمام الحرمين في محاولته نقل مناهج البحث الكلامية إلى علم
_________
(١) راجع المستصفى (١/ ١٠).
(٢) راجع مقدمة ابن خلدون: ٤٢٠.
стр. 22
أصول الفقه، قد وجد نفس الدوافع التي وجدها في مجال البحث في علم الكلام، وهي ملاحظته «بأن المعتقدات عرية عن قواطع البرهان» (١). فأراد أن يضع قواعد ونماهج للبحث في أصول الفقه (٢). وسيأتي أمثلة ذلك في مبحث «التعريف بكتابه البرهان».
_________
(١) راجع كتاب «الجويني إمام الحرمين»: ٦٨.
(٢) المرجع السابق: ٦١.
стр. 23
المَبْحث السَّادس في مؤلفاته في أصول الفقه
فقد أحصى له الباحثون في هذا العلم الكتب التالية:
١ - «البرهان في أصول الفقه». وقد طبع لأول مرة بتحقيق د. عبد العظيم الديب.
٢ - «التحفة في أصول الفقه» (١). ولم يرد له ذكر في فهارس المكتبات (٢).
٣ - «التلخيص في الأصول» (٣). قال عنه الزركشي: «. . . فإن الإمام اختصره من كتاب «الإرشاد» و «التقريب»، وأملاه بمكة - شرفها الله» (٤). وقد ألحق محقق «البرهان» - مشكورا - كتابي «الاجتهاد والفتوى «بالبرهان»، لأنه وجد ملحقا ببعض نسخ الكتاب المخطوطة التي اعتمد عليها. وهي نسخة تركيا.
في حين يدعي محققا كتاب «التلخيص» بأن بعض المتأخرين فصل جزءا منه، وهو باب «الاجتهاد والتقليد»، وهو موجود في بعض المكتبات
_________
(١) ذكره ابن السبكي في الطبقات (٥/ ١٧٢). وصاحب كشف الظنون (١/ ٣٧٧). وصاحب هدية العارفين (١/ ٦٢٦).
(٢) راجع كتاب «إمام الحرمين» للدكتور عبد العظيم الديب: ٥٢.
(٣) وقد حقق الكتاب في رسالتين علميتين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقد قامت بطبعه ونشره «دار البشائر الإسلامية». بيروت. الطبعة الأولى. سنة: ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.
(٤) راجع البحر المحيط (١/ ٨).
стр. 24
باسم «كتاب المجتهدين». وفي الحقيقة هو جزء من هذا الكتاب - أي «التلخيص». قالا: «كما اتضح بمقابلة نسخه» (١).
والحقيقة التي هي أكبر من التي ذكراها أنه بالمقارنة بين ما ألحقه محقق «البرهان» بالبرهان يختلف كل الاختلاف عما في كتاب «التلخيص» المحقق. والعلم عند الله.
٤ - رسالة «في التقليد والاجتهاد»، ذكرتها الدكتورة فوقية (٢).
٥ - «مغيث الخلق في ترجيح القول الحق». طبع على ثلاث نسخ خطية. ونشر في فيصل آباد بباكستان. سنة (١٤٠٢ هـ). وله نسخ في مكتبات العالم (٣).
٦ - «الورقات في أصول الفقه». وقد طبع عدة طبعات، وله شروح كثيرة (٤).
_________
(١) راجع كتاب «التلخيص في أصول الفقه» (١/ ٥٥).
(٢) راجع كتاب «الكافية في الجدل» لإمام الحرمين. تحقيق الدكتورة فوقية. ص: ١٥ من المقدمة.
(٣) راجع كتاب «الكافية في الجدل» لإمام الحرمين. تحقيق الدكتورة فوقية. ص: ١٥ من المقدمة.
(٤) المرجع السابق. ص: ١٦. وكتاب «الجويني إمام الحرمين» ص: ٦٦. وكتاب «إمام الحرمين» للدكتور عبد العظيم الديب: ٧٠.
стр. 25
المبحث السابع في وفاته
فجاءت بعد حياة حافلة بالبحث والتأليف في شتى العلوم والمعارف.
فتذكر كتب السير أن صحته قد اعتلت في آخر أيامه، ومرض باليرقان أياما، ثم برأ منه وعاد إلى الدرس والمجلس، فسُرَّ الناس بذلك. ثم عاوده المرض مرة أخرى، وبقي أياما تغالبه الحرارة، إلى أن ضعف، وحمل إلى بلدة «بشتنيقان» لاعتدال هوائها وخفة مائها، فلم ينفعه ذلك، وزاد الضعف، وبدت عليه مخايل الموت.
وذكروا أنه قال عند موته: «لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه، والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني. وها أنذا أموت على عقيدة أمي - أو قال: عقيدة عجائز نيسابور» (١).
ثم فاضت روحه ليلة الأربعاء بعد صلاة العشاء يوم الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة للهجرة. وصلى عليه ابنه الإمام أبو القاسم، ودفن في داره ثم نقل بعد مدة إلى المقبرة (٢).
_________
(١) راجع مجموع الفتاوى (٤/ ٧٣).
(٢) راجع مراجع ترجمته السالف ذكرها.
стр. 26
المبحث الثامن في التعريف بكتابه «البرهان »
يبدو أن إمام الحرمين لم يصنف كتاب البرهان إلا بعد أن استكمل أدوات البحث في العلوم، وبعد أن خاض في علم الكلام مع الخائضين، ثم بدا له أن يضع مناهج للبحث في أصول الفقه.
وإذا كان الإمام الشافعي ﵀ هو أول من وضع للناس قانونا كليا يرجع في معرفة مراتب أدلة الشرع إليه (١). فإن إمام الحرمين أراد أن يضع قواعد للبحث في مسائل أصول الفقه في كتابه «البرهان» (٢).
ومن القواعد التي وضعها ﵀ للباحثين في أصول الفقه، على سبيل المثال، ما يلي:
١ - وجوب الإحاطة بالمقصود من العلم الذي يبحث فيه، ومواده وحقيقته وحدِّه، إن أمكنت صناعة الحد، وإلا لجأ إلى مسلك التقاسيم، أو منهج التحليل (٣).
٢ - وضع خطة للبحث ومعرفة ترتيب الكتاب وموضوعاته (٤).
_________
(١) عن كتاب «أصول الفقه» لأبي زهرة: ١٨٥.
(٢) راجع كتاب «الجويني إمام الحرمين» لفوقية: ٦١، ٦٢.
(٣) انظر الفقرة (١) من البرهان المطبوع.
(٤) انظر الفقرتين (٤٨٦، ٤٨٧) من البرهان المطبوع.
стр. 27
٣ - ميز المطلوب مما ليس منه (١).
٤ - اختيار العبارات المناسبة في صناعة الحدود (٢).
٥ - تمهيد القواعد وتحديد مجال العقل في البحث (٣).
٦ - ضرورة الإحاطة باللغة التي يبحث بها (٤).
٧ - عدم الالتفات إلى الفروع الفقهية في تمهيد الأصول (٥).
٨ - ضرورة تحري الأمانة في نقل المذاهب، والبحث عن مصادرها (٦).
٩ - وجوب الاعتراف بأن لكل فن أهله ومصطلحاته (٧).
١٠ - نماذج لبحث مسائل الأصول (٨).
١١ - مناقشة الآراء في موضوعية وتجرد (٩).
١٢ - العناية بربط مسائل الكتاب بعضها ببعض، والعلاقة بين الموضوع السابق واللاحق (١٠).
_________
(١) انظر الفقرة (٤١).
(٢) انظر الفقرتين (٧٠، ٦٨٦).
(٣) انظر الفقرة (٥٥).
(٤) انظر الفقرة (٧٩).
(٥) انظر الفقرات (٢٦٣، ٧٧١، ١٢٧٥، ١٥٥٢).
(٦) انظر الفقرات (٤٢، ٤٠٤، ٥٠٦).
(٧) انظر الفقرتين (٥٩٠، ٥٩٣).
(٨) انظر الفقرات (٣٣٣، ٣٧٠، ٦٤٤).
(٩) انظر الفقرات (١٨٠، ٣٠٨، ٥٣٢).
(١٠) انظر الفقرتين (٣٨٥، ٤٨٧).
стр. 28
هذا، وقد قسم الإمام كتاب «البرهان» إلى مقدمة وخمسة كتب. عدا الكتابين اللذين ألحقهما المحقق، وهما: «كتاب الاجتهاد» و «كتاب الفتوى».
* أما المقدمة: فقد ضمنها موضوعات كلامية وبيانية ولغوية ونحوية.
وقد استغرق بحثها من الفقرة (١ - ١١٤).
* ثم الكتاب الأول - وقد اشتمل على الأبواب التالية: باب الأوامر، باب النواهي، باب العموم والخصوص، باب في أفعال الرسول ﷺ ، باب في التعلق بشرائع الماضين، باب التأويلات، باب الأخبار. وتحتل في البرهان من فقرة (١١٥ - ٦١٦).
* الكتاب الثاني - في الإجماع: صدَّره بثلاث مسائل، ثم عرض لموضوعاته في فصل قسَّمه إلى أربعة فنون، ثم رسم مسائل مرسلة شذَّت عن تقسيمه السابق. وقد احتلت في البرهان من الفقرة (٦١٧ - ٦٧٣).
* الكتاب الثالث - في القياس: واستهلَّه بتمهيد، ثم قسَّمه إلى أربعة أبواب: الأول - في القول في ماهية القياس والخلاف فيه.
الثاني - في تقاسيم النظر الشرعي.
الثالث - في تقسيم العلل والأصول.
الرابع - في الاعتراضات وتقسيمها، ثم القول في المركبات. واستغرق بحث هذه الأبواب من الفقرة (٦٧٤ - ١١٢٦).
* الكتاب الرابع - في الاستدلال: ذكر فيه تعريفه والاختلاف فيه،
стр. 29
وضابط ما يجري فيه الاستدلال، ثم الاعتراضات الواردة عليه، ثم دليل استصحاب الحال. وقد استغرق بحث هذا الكتاب من الفقرة (١١٢٧ - ١١٦٦)
* الكتاب الخامس - في الترجيحات: وقد بحث فيه معنى الترجيح والتعارض، ثم تعارض الظواهر، ثم ترجيح الأقيسة، ثم النسخ. وقد استغرق بحث هذا الكتاب من الفقرة (١١٦٧ - ١٤٥٣).
* أما الكتابان الملحقان بالبرهان فهما: كتاب الاجتهاد - وقد استغرق بحثه من الفقرة (١٤٥٤ - ١٤٨١).
وكتاب الفتوى وصفات المفتين: وقد استغرق بحثه من الفقرة (١٤٨٢ ١٥٥٣).
стр. 30
المبحث التاسع في منزلة البرهان في أصول الفقه
فهو بشهادة العلماء «من أحسن ما ألف على طريقة المتكلمين» (١). «وضعه الإمام على أسلوب غريب، لم يقتد فيه بأحد» (٢).
ويقول عنه الأبياري: «البرهان من أجلّ ما صنف في أصول الفقه، لمكان مصنفه من العلم، وحرصه على التحقيق، وميله عن التقليد، وإضرابه عن التطويل والتكرير، وانصرافه في الاستدلال عن الخيالات البعيدة، والاستدلالات الركيكة، مع فصاحة في اللفظ واختصار، واعتناء بالمعنى وعدم انتشار» (٣).
وتظهر منزلة البرهان من حيث كونه: مدونة أمينة لآراء أئمة الأصول الأوائل، الذين لم تصلنا كتبهم، والتي ربما ضاعت فيما ضاع من تراث الأمة. فالإمام يعرض لآراء القاضي «أبي بكر الباقلاني» في كل مسألة تقريبا، كما ينقل عن الإمام «أبي بكر ابن فورك»، والإمام «أبي الحسن الأشعري»، و «ابن الجبائي»، والقاضي «عبد الجبار»، والأستاذ «أبي إسحاق الإسفراييني». ولاشك أن في نقل الإمام عن هؤلاء ما يسد حاجة الدارسين، ويمكنهم من الاطلاع على آرائهم والموازنة بينها والاستفادة منها.
_________
(١) راجع المقدمة لابن خلدون: ٤٢٠.
(٢) راجع طبقات ابن السبكي (٥/ ١٩٢).
(٣) راجع الجزء الأول من التحقيق والبيان في شرح البرهان (١/ ١٨٠).
стр. 31
ظهور شخصية الإمام في البرهان، حيث صار أهلا لأن يناقش ويخالف الأئمة: الشافعي، وأبي الحسن الأشعري، والباقلاني، وابن فورك، وغيرهم، ويختار ما ترجح لديه بالدليل. إلى جانب التحقيقات والتخريجات التي انفرد بها (١).
اهتمام المتأخرين بآرائه الأصولية المدونة في «البرهان»، ونقلها في كتبهم، لاسيما منهجه في بحث المسائل، الذي صار عمدة المؤلفين في علم الأصول، كالمقدمات التي وضعها في أول الكتاب، واعتمدها جل من ألف في أصول الفقه على طريقة المتكلمين، كتلميذه الغزالي، ثم الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب.
_________
(١) راجع الجزء الأول من التحقيق والبيان في شرح البرهان (١/ ١٨٠). تحقيق علي بن عبد الرحمن بسام.
стр. 32
المبحث العاشر في الأعمال العلمية التي تتابعت على كتاب البرهان
لاشك أن قيمة أي كتاب تظهر من خلال تضافر الجهود على خدمته، سواء بالشرح أو الاختصار.
ومما لوحظ على كتاب «البرهان» أنه لم تتوافر عليه الجهود الكافية واللائقة بمثله. وتنوعت هذه الملاحظات، فقال ابن السبكي: «وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية، وأنا أعجب لهم، فليس منهم من انتدب لشرحه، ولا للكلام عليه، إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر السمعاني في كتاب «القواطع» وردها عليه، وإنما انتدب له المالكية، فشرحه «الإمام أبو عبد الله المازري» شرحا لم يتمه، وعمل عليه أيضًا مشكلات، ثم شرحه أيضًا «أبو الحسن الأبياري» من المالكية. ثم جاء شخص مغربي يقال له «الشريف أبو يحيى» جمع بين الشرحين، وهؤلاء كلهم عندهم بعض تحامل على الإمام» (١).
ويعلل ذلك بما جاء في البرهان من قسوة في مناقشة الإمام لأبي الحسن الأشعري، والمالكية يستعظمون ذلك، ثم مناقشته للإمام مالك، ونيله منه في مسائل الاستصلاح، وإجماع أهل المدينة وغيرها. والمالكيون يأنفون من ذلك (٢).
_________
(١) راجع كتاب «فقه إمام الحرمين، خصائصه، أثره ومنزلته» للدكتور عبد العظيم الديب. ص: ٧١ - ٢٨٦.
(٢) راجع طبقات ابن السبكي (٥/ ١٩٢).
стр. 33
والحقيقة أن هذه المبررات لا تصلح دليلا لنفرة الناس عن الكتاب، لاسيما إذا أحصينا المواضع التي ذكر الإمام فيها الإمامين (١).
ويرى بعضهم أن السبب في ذلك يرجع إلى تحكم عقيدة التقليد في نفوس المتأخرين، والإمام لا يتقيد بشخص، لاسيما في البرهان، فإنه يتكلم على حسب ما يؤديه إليه نظره واجتهاده (٢).
ويذهب محقق كتاب «البرهان» إلى أن السبب في ذلك هو عدم شيوع كتاب «البرهان» وانشغال الناس بكتبه الأخرى، وبخاصة الكلامية منها. ثم صعوبة الكتاب وقصور الهمم عن التحصيل. وربما كان انشغال الناس بكتب تلميذه «الغزالي» من بين هذه الأسباب، باعتبار أن الدارسين وجدوا علم الإمام ملخصا في كتب تلميذه (٣).
وكل هذه الملاحظات قد يكون لها وجه.
أما قول ابن السبكي: «فليس من الشافعية من انتدب لشرحه، ولا للكلام عليه»، فقد فاته أن «الإمام المظفر بن عبد الله بن علي بن الحسين المصري الشافعي «المعروف» بالمقترح (ت: ٦١٢ هـ) قد شرحه. وقد ترجم له في «طبقاته» (٤). وذكر أنه جد ابن دقيق العيد لأمه. وهو ما ذكره الزركشي أيضا في كتابه «البحر المحيط». ضمن مراجعة وهذا الشرح يسمى بـ «النكت» (٥).
_________
(١) راجع الجزء الأول من التحقيق والبيان في شرح البرهان (١/ ١٨٠).
(٢) راجع طبقات ابن السبكي (٥/ ١٩٢).
(٣) راجع كتاب «الفكر الأصولي» للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان. ص: ٣١٧.
(٤) راجع طبقات ابن السبكي (٨/ ٣٧٢).
(٥) راجع «فهرس مخطوطات مكتبة المتحف العراقي» (٢/ ١٦، ١٧). القسم الأول: المخطوطات الفقهية.
стр. 34
وهو موضوع دراستنا.
وقد فات ابن السبكي أيضا أن من علماء المالكية غير المازري والأبياري والشريف أبو يحيى (١)، كل من:
١ - ابن العلاف. وقد شرحه. ذكره الزركشي ضمن مراجعه (٢). ولم أقف على ترجمته.
٢ - ابن عطا الله الإسكندري، وقد اختصره. ذكره الزركشي ضمن مراجعه (٣).
٣ - ابن المنير، أحمد بن محمد، ناصر الدين (ت: ٦٨٣) هـ، وقد اختصره. ذكره الزركشي ضمن مراجعه (٤).
قلت: وصدر أخيرا عن مؤسسة «أسفار لنشر نفيس الكتب والرسائل العلمية» بدولة الكويت كتاب «الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول» تصنيف ناصر الدين ابن المنير أحمد بن محمد بن منصور الإسكندراني المالكي. بتحقيق الأستاذ مقصد فكرت أوغلو كريموف. بمراجعة إبراهيم بن صالح الخزي.
٤ - ابن المنير، علي بن محمد، زين الدين (ت: ٦٩٥) هـ، وقد شرحه. ذكره الزركشي ضمن مراجعه (٥).
_________
(١) راجع في زيادة معلومات عن هذه الشروح: «كتاب الكافية في الجدل» للدكتورة فوقية: ١٤
من المقدمة.
(٢) راجع البحر المحيط (١/ ٨).
(٣) راجع البحر المحيط (١/ ٨).
(٤) راجع البحر المحيط (١/ ٨).
(٥) راجع البحر المحيط (١/ ٨).
стр. 35
الفصل الثاني في حَياةِ المقترح (صاحب النكت )
ويحتوي على المباحث التالية:
الأول: في اسمه ونسبه ومولده وأسرته.
الثاني: شيوخه.
الثالث: تلاميذه.
الرابع: في مؤلفاته.
الخامس: في عقيدته.
السادس: في مذهبه الفقهي.
السابع: في مكانته العلمية وأخلاقه وثناء العلماء عليه.
الثامن: في وفاته.
стр. 36
المبحث الأول في اسمه ونسبه ومولده وأسرته (١)
هو مظفر بن عبد الله بن علي بن الحسين الأزدي المصري، الشافعي. يكنى بتقي الدين، وبأبي العز، وبأبي الفتح. ويلقب بـ «المقترح». و «المقترح»: اسم كتاب في الجدل (٢). «فإنه كان لا يفارقه وقتا من الأوقات، وعلى حالة من الأحوال، لا يزال ظاهرًا في يده أو داخلًا في كُمِّه إلى أن شُهر باسمه، واستحق بمعرفته به، وملازمته له».
* أما مولده: فقد اختلف المترجمون في ذلك، فقيل سنة (٥٦٠ هـ). وقيل سنة (٥٦١ هـ) (٣). وقيل غير ذلك (٤).
_________
(١) راجع ترجمته في فهرست البلي (٢٧، ٢٨). والتكملة لوفيات النقلة للمنذري (٢/ ٣٤٣). وتاريخ الإسلام للذهبي (٤٤/ ١٢٨). وطبقات الشافعية لابن السبكي (٨/ ٣٧٢). وطبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ٤٤٤). وحسن المحاضرة (١/ ٤٠٩). وكشف الظنون (١٧١١، ١٧٩٣). والأعلام للزركلي (٨/ ١٦٤).
(٢) ومؤلفه الشيخ أبو منصور محمد بن محمد البروي الشافعي المتوفى سنة (٥٦٧ هـ). وشرحه تقي الدين أبو الفتح مظفر ابن عبد الله المصري المعروف بالمقترح، لكونه حافظه، فلا يقال له إلا التقي المقترح». راجع كشف الظنون (٢/ ١٧٩٣).
(٣) راجع مقدمة تحقيق كتابه «الأسرار العقلية في الكلمات النبوية» ص: ١٧. تحقيق نزار حمادي. نشر مكتبة المعارف. بيروت - لبنان. الطبعة الأولى سنة (١٤٣٠ هـ، ٢٠٠٩ م).
(٤) راجع مقدمة تحقيق كتابه «الأسرار العقلية في الكلمات النبوية» ص: ١٧. تحقيق نزار حمادي. نشر مكتبة المعارف. بيروت - لبنان. الطبعة الأولى سنة (١٤٣٠ هـ، ٢٠٠٩ م).
стр. 37
* أما أسرته: فلا نعرف عنها شيئًا إلا ما نقله الزركشي في «البحر المحيط» بقوله: «قال ابن دقيق العيد: هذا سؤال حسن لجدي العلامة أبي [الحسن] مظفر بن عبد الله الشافعي المعروف بالمقترح؛ رحمه الله تعالى» أي جده لأمه كما هو بيّن من اختلاف النسب، وقد نص الزركشي على أنه جده لأمه في مواضع (١). وذكرت بعض المراجع أنه خلف بنتين وهما: أم ابن دقيق العيد، وأختها أم إبراهيم مريم (٢).
_________
(١) البحر المحيط ١/ ٣١٢. وراجع البحر المحيط ٨/ ١. و «الحسن» كذا وقعت في فيما اطلعت عليه من نشرات البحر المحيط: الكويتية، والسنة، والكتبي، ورسالة د. محمد الدويش.
(٢) دراسة «كفاية طالب البيان في شرح البرهان» رسالة دكتوراه للطالب عبد الرحمن الوكيلي. جامعة تطوان (١٢). المملكة المغربية. عن مستفاد الرحلة والاغتراب للقاسم التجيبي (١٩)
стр. 38
المبحث الثاني شيوخه
ومن أبرزهم:
١ - محمد بن محمد بن محمد بن سعد بن عبد الله، أبو منصور البروي الشافعي. ولد بطوس وتفقه بأبي محمد بن يحيى النيسابوري، وكان فقيها واعظا عالما بالخلاف.
له كتاب «مقترح الطلاب في مصطلح الأصحاب». وهو الكتاب الذي كان يحفظه الشيخ تقي الدين ولازمه حتى لقب به. توفي البروي سنة (٥٦٧ هـ) (١).
٢ - قال الحافظ المنذري: «سمع بالإسكندرية من أبي الطاهر بن عوف» (٢). واسمه: إسماعيل بن مكي بن إسماعيل بن عيسى عوف، ينتهي نسبه إلى الصحابي عبد الرحمن بن عوف ﵁. كان من العلماء الأعلام ومشايخ الإسلام، ظاهر الورع والفتوى. كتب عنه الحافظ السلفي وروى عنه الحافظ شرف الدين بن المقدسي. وبيت ابن عوف بثغر الإسكندرية بيت كبير شهير بالعلم. كان فيه جماعة من الفقهاء. قال ابن هلال: سمعت أنه اجتمع منهم سبعة في وقت واحد، وكانوا إذا دخلوا على الإمام أبي علي سند بن
_________
(١) راجع طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٦/ ٣٨٩).
(٢) المرجع السابق (٨/ ٣٧٢).
стр. 39
عنان، مؤلف كتاب «الطراز» يقول: أهلا بالفقهاء السبعة، تشبيها لهم بالفقهاء السبعة أئمة المدينة النبوية. وكان الشيخ أبو الطاهر بن عوف ربيب الإمام أبي بكر الطرطوشي، وقيل: إن خالته كانت تحت الطرطوشي، وعليه تفقه. وكان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يعظم ابن عوف ويراسله ويستفتيه. من مؤلفاته «الرد على المتنصر» و «التذكرة في أصول الدين». مولده سنة (٤٨٥ هـ). وتوفي سنة (٥٨١ هـ) (١). وسمع منه المقترح (٢). وأثبت ذلك في سنده في كتاب «الأسرار العقلية». قال: «أخبرنا الشيخ الفقيه الصدر الرشيد جمال الفقهاء أبو الطاهر إسماعيل بن مكي بن إسماعيل بن عيسى بن عوف الزهري بالإسكندرية» (٣).
٣ - محمد بن محمود بن محمد، شهاب الدين الطوسي، أبو الفتح.
تفقه بأبي محمد ابن يحيى وغيره من أصحاب الغزالي. قدم إلى مصر فنشر
العلم ووعظ وذكَّر. توفي سنة (٥٩٦ هـ) (٤).
_________
(١) راجع ترجمته في الديباج: ٩٥، ٩٦. وشجرة النور: ١٤٤.
(٢) راجع طبقات ابن السبكي (٨/ ٣٧٢).
(٣) «الأسرار العقلية في الكلمات النبوية» ص: ٣٥.
(٤) راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٨٧). وطبقات ابن السبكي (٦/ ٣٩٦). وطبقات الأسنوي (٢/ ١٧٥).
стр. 40
المبحث الثالث أما تلاميذه
فقد قال عنه ابن السبكي: «وتخرج به خلق» (١)، فمن أبرزهم:
١ - أبو يحيى زكريا بن يحيى بن يوسف بن حماد الشريف الحسني السبتي الإدريسي المالكي. أخذ عن شيخه أبي الحسن علي بن محمد، المعروف بابن الحصار (ت: ٦١١ هـ). والتقى بشيخه الإمام أبي العز المقترح، وتخرج به في علم الكلام وعلم أصول الفقه. أخذ عنه كتاب «الإرشاد في أصول الاعتقاد» وقام بشرحه في كتابه «أبكار الأفكار العلوية في شرح الأسرار العقلية في الكلمات النبوية». وكان الفراغ من شرحه يوم الخميس التاسع والعشرين من صفر من عام تسع وعشرين وستمائة بثغر الإسكندرية. وله «كفاية طالب البيان في شرح البرهان». وذكر فيه بخطه أنه انتهى الفراغ من نسخه سنة (٦٤١ هـ). ولم يعرف تاريخ وفاته (٢).
٢ - عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد، الحافظ الكبير، الإمام الثبت، شيخ الإسلام زكي الدين، أبو محمد المنذري الشامي ثم المصري، تأدب وتفقه، ثم طلب الحديث وبرع فيه. له «اختصار صحيح مسلم» و «سنن أبي داود» وصنف في المذهب الشافعي، وله كتاب «الترغيب
_________
(١) راجع طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٧٢).
(٢) راجع ترجمته في مقدمة دراسة وتحقيق كتابه «كفاية طالب البيان في شرح البرهان» رسالة دكتوراه من إعداد الطالبين: عبد الإله الشعيري والطالب عبد الرحمن الوكيلي. نسخة خاصة.
следующие страницы →