Полный текст (7 463 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
كلمة الناشر
الحمد لله والصلاة والسّلام على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه.
وبعد؛ فإنّ إعراب القرآن مفتاح لفهمه وتفسيره، وهذا ما دعا العلماء للاهتمام بإعرابه في كتب التفسير، بل أفردوه بالتصنيف، فكثرت كتب الأعاريب ما بين قديم وحديث، ومطوّل ومختصر، لكن القديم منها يحتاج قارئها لقدر كبير من العلم بالأساليب والمصطلحات ليفيد منها.
أما الكتب الحديثة في إعراب القرآن فاشتهر منها اثنان:
الأول: «إعراب القرآن وبيانه» للعلاّمة اللغوي محيي الدين الدرويش، وقد نشرته الدار قبل سنوات (بالمشاركة مع دار اليمامة ودار الإرشاد) في طبعة متميزة أنيقة.
والثاني: «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه» للعلاّمة المفسّر النحوي الشيخ محمد علي طه الدّرة ﵀، وقد امتاز هذان الكتابان بسهولة الأسلوب، واستيعاب المادّة، ويسر المراجعة فكان عليهما معوّل طلاب العلم في هذا العصر.
وها هي الدار تقدّم لقرائها الأعزاء كتاب الشيخ الدرة ضمن إصداراتها لهذا العام وقد تميّزت هذا الطبعة بما يلي:
١ - تصحيح النصّ مما عرض له من سهو قلم، أو خطأ في أثناء الطباعة، وذلك بدفعه إلى أساتذة من أهل الاختصاص (أحمد السيد، أكرم البوشي، يوسف بديوي) فعنوا به أيّما عناية. فلهم الشكر الكبير على الجهود التي بذلوها.
٢ - ضبط النص، ووضع علامات الترقيم التي تسهل فهمه.
٣ - توثيق النقول بالرجوع إلى مصادرها.
٤ - إثبات الآيات من المصحف الشريف، وضبط الأحاديث بالشكل وتمييزها بوضعها بين هلالين.
٥ - ضبط الشعر، وتسمية بحره، وقد قام بذلك الأستاذ الشاعر معاذ زغبيّة. فجزاه الله خيرا، ونفع به.
ولم تقتصر عناية الدار بالمادة العلمية وحدها، بل تعدّتها إلى جودة الطباعة والتجليد بحيث يجتمع جمال المبنى مع جلال المعنى، فخرج هذا الكتاب بهذه الحلّة الفاخرة.
إنّ الدار لترجو بعد رضا الله أن تحافظ على ثقة قرّائها الكرام، بما تقدّمه لهم من مطبوعاتها في مختلف العلوم والفنون، سائلة الله تعالى التوفيق لذلك فهو الولي وهو المعين، والحمد لله رب العالمين.
دمشق
١٧ ربيع الأول ١٤٢٨ هـ
٢٤ آذار ٢٠٠٨ م
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي أرسل محمدا ﷺ بالحق بشيرا، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، مبشرا من آمن، وعمل الصّالحات بجنة عرضها السموات والأرض، ومنذرا من كفر، وعاند، واقترف السيئات ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ وأنزل عليه كتابا كريما حوى علوم الأولين، والآخرين، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ كتابا عظيما لا ريب فيه، لا يتطرق لساحته تحريف، ولا يشوبه تبديل، ولا تزييف ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. كتابا حفظه الله الذي أنزله، ولم يكل حفظه إلى وليّ، ولا إلى صفيّ، بل تولاه برعايته، وعنايته إلى يوم يبعثون ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ كتابا فتح الله به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا، كتابا أسكت الفصحاء بفصاحته، وأخرس البلغاء ببلاغته، كتابا آمنت الجن بآياته، وأذعنت لتعاليمه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ربّ غيره، ولا معبود سواه، ولا طاعة، ولا تقديس إلا لشرعه وهداه، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، وحبيبه، وخليله، وصفيّه، ومصطفاه، صلّى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن والاه، واغفر يا رب لمن نهج نهجهم، وسلك طريقهم إلى يوم الدين.
وبعد: فإن علوم القرآن الكريم كثيرة، ومتنوعة، فهو منهل عذب لا ينضب ماؤه، ولا يصدّ وارده، وإنّ علماء المسلمين من يوم أنزله الله على قلب محمد ﷺ ، وهم يبحثون في علومه، ويتدارسون آياته للاطلاع على أسراره وكنوزه، كلّ يأخذ، ويغرف ما يقسمه الله له من تلك الأسرار والكنوز، فهناك علم الفقه، وهناك علم التفسير، وهناك علم المواريث، وهناك علم
стр. 3
القراءات، وأحكام التجويد، وهناك، وهناك، وهناك... إلخ، وهناك من اهتم بإعراب آياته وكلماته، ولا أقول شططا، إن قلت: إنّ الإعراب هو الوسيلة الوحيدة لفهم أسرار ذلك الكتاب، والاطلاع على كنوزه؛ لأن الإعراب هو الذي يبيّن المحذوف، ويقدّره، أو يشير إليه من قريب، أو بعيد، ولكن لم يصنف أحد منهم كتابا يتضمن الإعراب الكافي الوافي، وإنما اقتصروا على إعراب بعض الصّعب، أو حلّ بعض المعقّد، أو توضيح بعض المشكل، كما في إعراب أبي البقاء العكبري، وكما في إعراب مكي بن أبي طالب القيسي، وغيرهما، رحم الله الجميع رحمة واسعة، ولكنهما، وأمثالهما لم يشفوا الغليل فيما وصل إلينا من إعرابهم.
ومن يوم منّ الله علي بالجلوس على مائدة التأليف فكرت بإعراب كاف واف لكتاب الله تعالى، يجد فيه المبتدئ بغيته، والمنتهى أمنيته، ولا سيما بعد أن طلب ذلك منّي الكثير ممّن قرءوا كتبي في الإعراب، أخصّ بالذكر منهم المرحوم: محمد محيي الدين عبد الحميد المصري، جعل الله الجنة مأواه، فإنّه التمس منّي بواسطة من كان يوصل إليه كتبي، ويزوره في بيته أن أعرب الآيات التي استشهد بها ابن هشام-﵀-في مغنيه بالإضافة لما قمت به من إعراب شواهده، فأيقنت بقرارة نفسي: أن إعراب تلك الآيات المستشهد بها معناه إعراب القرآن الكريم بكامله، فقمت بإعراب شواهد جامع الدروس العربية، وشرحها بعد إعراب شواهد المغني، وتيسّر طبعه، ونشره، وهو متداول بأيدي الناس، وقمت بشرح كتاب قواعد اللغة العربية، وإعراب أمثلته، وشواهده، وتهيّأ طبعه، ونشره، ثم قمت بإعراب المعلقات العشر، وشرحها، وأيضا قمت بإعراب شواهد همع الهوامع، وشرحها، وهما لا يزالان مخطوطين عندي، لم يتيسر طبعهما، وبعد الانتهاء منهما طبعت رسالة صغيرة، سمّيتها: «الحجّ والحجّاج في هذا الزمن» بيّنت فيها مفاسد بعض الحجّاج، وكذبهم، وخداعهم، وما انطووا عليه من شرّ أكثر ممّا اتصفوا به من خير.
وفي كلّ هذه المدة الطويلة لم يغب عن خاطري إخراج مؤلف يضم بين دفتيه إعرابا وافيا كافيا لكتاب الله تعالى، وفي المدة الأخيرة قوي هذا الدافع، وصرت كالمتردد، أقدّم رجلا، وأؤخر أخرى؛ حتى استخرت الله تعالى-كعادتي في جميع أموري وشئوني-فشرح الله صدري لهذا العمل، وأخذت أخط مبيضة بدون تسويد حتى خرج هذا الذي بين يديك أيها القارئ الكريم، وينبغي أن تتنبّه للأمور التالية:
١ - إنّ المعلم المبتدئ يستفيد من شرح وتفسير كلام الله تعالى: إفرادا، وجملا.
٢ - بالنسبة للإعراب لا يستفيد من هذا الكتاب إلا الملمّ بقواعد النحو، أعني به: معرفة الأفعال الخمسة، وأحوال إعرابها، وأحوال إعراب المثنى، والجمعين السالمين، وأسماء الإشارة، والموصولة، وإعراب المقصور، والمنقوص، ونحو ذلك.
стр. 4
٣ - سلكت في هذا الإعراب طريق الاختصار، والإيجاز خوفا من الإطالة، وما يتسبب عنها من ضخامة حجم الكتاب، بينما تجدني أحيانا توسعت في الشرح، والتفسير، والغاية من ذلك نفع العامة، والخاصّة.
٤ - من الإيجاز الذي سلكته في الإعراب والإعلال: الإحالة على آية سلفت في سورة سبقت، وقد يقع مثل ذلك في التفسير أيضا، وقد تكون الإحالة على آية في سورة تأتي بعد، كما في قصّة أصحاب السبت المذكورة في سورة الأعراف بالتفصيل، والمومأ إليها في سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة المائدة إيماء.
٥ - شرحت، وأعربت الاستعاذة، والبسملة مرّة واحدة في أول هذا الكتاب.
٦ - لم أضع لسورة الفاتحة رقما خاصّا بها، وإنما أحيل عليها باسمها، وذلك لقصرها.
٧ - وضعت لسورة البقرة [٢] ولسورة آل عمران رقم [٣] وهكذا، فعند ما أحيل على رقم مؤلّف من رقمين؛ فالرقم الأول يشير للآية، والثاني يشير للسورة، فمثلا الرقم [٥/ ٢٠] يعني: أنه من سورة المائدة، والرقم [٧/ ١٧] يعني: أنه من سورة الأعراف، وهكذا. أما الرقم الواحد، فإنه يعني نفس السورة.
٨ - اعتبرت في إعرابي لكتاب الله تعالى الضمير (إيّاك إيّاكم...) إلخ ونحو ذلك مبنيّا على ما ينتهي به آخر اللفظ، وقد شرحت هذا، وبينت أسبابه في صفحات ملحقة بكتاب القواعد الطبعة الثالثة، انظره فإنّه جيد.
٩ - بعد هذا ينبغي أن تعلم: أني ذكرت أوجه القراءات، وما ينتج عنها من وجوه الإعراب، وهذا لا يتنافى مع الإيجاز الذي ذكرته، فإن غايتي أن يكون القارئ على علم بجميع وجوه الإعراب، وهو ممّا يساعد على فهم كتاب الله تعالى، والاطلاع على أسراره.
١٠ - المراجع التي اعتمدتها في تصنيف هذا الكتاب هي: تفسير الخازن، وتفسير الكشاف للزمخشري، وتفسير البيضاوي، وتفسير النّسفي، وتفسير الجلالين، وحاشية الجمل عليهما، وإعراب القرآن لأبي البقاء العكبري، وإعراب مشكل القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي، وكتبي [فتح القريب المجيب، إعراب شواهد مغني اللبيب] و [فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية] وكتاب [قواعد اللغة العربية] وما صنعته فيه من شرح وإعراب بالإضافة إلى المصادر التي اعتمدتها في إخراج هذه الكتب، وقد ذكرتها في أواخرها.
وعملي هذا ليس بالهيّن كما هو ظاهر، ولم يأت عفوا، وإنما هو عمل شاقّ، وصعب، ركبت كلّ ذلول في سبيله، وتجشّمت متاعب، ومشاقّ؛ كلّ بصري، وجفّ عرقي في تحصيله، وعملي هذا مغامرة قمت بها؛ لأني لست من أهل ذلك، كما هو تطفل على مائدة التأليف، إن كان هذا من اختصاص حملة الشهادات العالية، لذا فإني أتمثل بقول القائل: [الوافر]
стр. 5
إذا قصّرت رفقا بالملام... أروم وذاك من قوم كرام
لقد صوّبت في التّأليف سهما... وتلك رميّة من غير رام
ثم ما أجدرني بقول ابن هشام-طيّب الله ثراه-: إني سائل من حسن خيمه، وسلم من دار الحسد أديمه، إذا عثر على شيء طغى به القلم، أو زلت به القدم؛ أن يغتفر ذلك في جنب ما قرّبت إليه من البعيد، ورددت عليه من الشّريد، وأرحته من التعب، وصيّرت القاصي يناديه من كثب، وأن يحضر قلبه؛ أنّ الجواد قد يكبو، وأنّ الصّارم قد ينبو، وأنا النّار قد تخبو، وأنّ الإنسان محل النسيان، وأن الحسنات يذهبن السيئات: [الطويل]
ومن ذا الّذي ترضى سجاياه كلّها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
بعد هذا ألفت الأنظار إلى قوله تعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ وإلى قول الرسول الأعظم ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وفي رواية: «ما دام العبد في عون أخيه» راجيا ممّن عثر على هفوة في هذا الجزء، وغيره مما سيصدر-إن شاء الله تعالى-أن ينبّهني، ويرشدني إليها؛ لأتدارك ذلك، وأشير إليه فيما يصدر تباعا من أجزاء بعونه تعالى، فنكون قد أرضينا ربنا، ونفعنا مجتمعنا، وأرضينا ضمائرنا، مع العلم أنّني أتقبل-كعادتي-بصدر رحب، ونفس-كلها رضا وشكر-كلّ إشارة إلى خطأ يأتيني من قريب، أو بعيد، من عدوّ، أو صديق، من صالح، أو من طالح عملا بقول سيّدنا الأعظم ﷺ :
«خذ الحكمة، ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت»، «الحكمة ضالّة المؤمن يلتقطها حيث وجدها» وما أجدرني أن أتمثل بقول الجلال السيوطي-عليه سحائب الرحمة والرضوان-: فرحم الله امرأً نظر بعين الإنصاف إليه، ووقف فيه على خطأ فأطلعني عليه، وأنشد: [الوافر]
حمدت الله ربّي إذ هداني... لما أبديت مع عجزي وضعفي
فمن لي بالخطإ فأردّ عنه... ومن لي بالقبول ولو بحرف
ومن أراد غير ذلك فحسبي الله ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّ يا ربّ، وسلم على من أرسلته رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، واغفر اللهم لي، ولوالديّ، ولجميع المسلمين! والحمد لله ربّ العالمين، آمين!.
الفقير لعفوه تعالى الشيخ محمد علي طه الدّرّة سورية-حمص
стр. 6
الاستعاذة
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
الشرح: (أعوذ): أتحصّن، وأعتصم، وأستجير، وألتجئ؛ إذا معنى الاستعاذة في كلام العرب: الاستجارة والتحيّز إلى الشيء، على معنى الامتناع به من المكروه، يقال: عذت بفلان، واستعذت به، أي: لجأت إليه، وهو عياذي، أي: هو ملجئي، وأصل الفعل: (أعوذ) على وزن (أنصر) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين بعد سلب سكونها، فصار:
(أعوذ).
(الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلّف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال، ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي هل تسمى أحد الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنه لم يذكر في سورتي الرّحمن، والواقعة أبدا.
(الشيطان): اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجنّ، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم! قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢] انظر شرحها هناك، ونصّها: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً،﴾ وقال الرسول ﷺ لأبي ذرّ الغفاريّ-﵁: «يا أبا ذرّ! تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم»، ولا تنس أنّ لكل واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «أجاءك شيطانك؟» قالت: أو لي شيطان؟ قال: «ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلاّ أنّني أعانني الله عليه، فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير» يروى بضم الميم وفتحها.
هذا و (الشيطان) واحد الشياطين مأخوذ من شطن: إذا بعد، والنون أصلية، فهو مصروف على هذا، وسمّي الشيطان شيطانا لبعده عن الحقّ، وتمرده، قال جرير: [البسيط]
стр. 7
أيّام يدعونني الشّيطان من غزل... وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: من: شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه: فهو غير مصروف.
وشطن من باب قعد. وشاط من باب ضرب. هذا واشتاط الرّجل: إذا احتدّ غضبا، واشتاط:
إذا هلك. قال الأعشى في معلقته رقم [٦٨]: [البسيط]
قد نخضب العير في مكنون فائله... وقد يشيط على أرماحنا البطل
ويقوّي الاعتبار الأول، ويضعف الثاني: أن سيبويه حكى: أن العرب تقول: تشيطن فلان:
إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن أنه تفيعل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا: تشيّط.
(الرجيم): فعيل بمعنى مفعول؛ أي أنّه مرجوم باللعن والطّرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل. أي: يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة. وأصل الرجم:
الرّمي بالحجارة، والرّجم: القتل، واللعن، والطرد، والشّتم. وقد قيل: هذا كله في قوله تعالى حكاية عن قول قوم نوح له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ رقم [١١٦] من سورة (الشعراء) وأيضا قوله تعالى حكاية عن قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ رقم [٩١] من سورة (هود)، وقول أبي إبراهيم له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ رقم [٤٦] من سورة (مريم)، والرجم: القول بالظنّ، كما في قوله تعالى: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ رقم [٢٢] من سورة (الكهف) قال زهير بن أبي سلمى في معلّقته رقم [٣٠]: [الطويل]
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم... وما هو عنها بالحديث المرجّم
بعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة:
(الاستعاذة) على طريقة النّحت، والنّحت في الكلام: تركيب كلمة من كلمتين، فأكثر، نحو:
البسملة، والحوقلة من: (لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم) والاسترجاع من: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ والفذلكة من: (فذلك كذا، وكذا) وهلمّ جرّا، وخذ قول الشاعر عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي شاعر جاهلي، وهو الشاهد رقم [٥٠٣] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وتضحك منّي شيخة عبشميّة... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
حيث نحت (عبشمية) من عبد شمس، وتفصيل ذلك تجده في الشاهد رقم [٣٠٥] من كتابنا المذكور، وهو لسويد بن أبي كاهل اليشكري: [الطويل]
هم صلبوا العبديّ في جذع نخلة... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
قال الخازن رحمه الله تعالى: ومن لطائف الاستعاذة: أن قوله: (أعوذ بالله...) إلخ إقرار من العبد بالعجز، والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الله ، وأنّه الغنيّ القادر على دفع
стр. 8
جميع المضرات، والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأنّ الشيطان عدوّ مبين، ففي الاستعاذة لجوء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر، وأنّه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى. انتهى.
تنبيه: أجمع العلماء على أن الاستعاذة ليست من القرآن، ولا آية منه، وقد أجمعوا على الجهر بها في أوّل القراءة في غير الصلاة، وفي الصلاة يسرّها في أول كلّ ركعة قبل الفاتحة عند الشّافعيّ، وعند أبي حنيفة يسرّها في أول الركعة الأولى فقط، وقد روى أبو سعيد الخدري-﵁: أنّ النبيّ ﷺ كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة. وخذ في فضل الاستعاذة ما يلي:
عن سليمان بن صرد-﵁-قال: استبّ رجلان عند النبيّ ﷺ ، فجعل أحدهما يغضب، ويحمرّ وجهه، وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «إنّي لأعلم كلمة لو قالها؛ لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ فقال:
أتدري ما قال رسول الله ﷺ آنفا؟ قال: «إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشّيطان الرجيم» فقال له الرجل: أمجنونا تراني؟! رواه البخاريّ، ومسلم. وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي-﵁: أنه أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليّ! فقال رسول الله ﷺ : «ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته؛ فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا». قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. هذا وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٠]: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٩٧ و ٩٨]: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى في سورة (فصّلت) رقم [٣٦]: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
هذا وقالت طائفة من القرّاء: إن التعوّذ بعد القراءة، وأخذوا بظاهر النّص: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ رقم [٩٨] من سورة (النحل). والذي عليه الجمهور: أنّ الاستعاذة قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها، ومعنى الآية: إذا أردت القراءة، كقوله تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا..﴾. إلخ؛ أي: إذا أردتم القيام، الآية رقم [٧] من سورة (المائدة).
وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، فأقبل عليه الليل؛ قال: «يا أرض ربّي وربّك الله، أعوذ بالله من شرّك، ومن شرّ ما خلق فيك، ومن شرّ ما يدبّ عليك، ومن أسد، ومن أسود، ومن الحيّة، والعقرب، ومن ساكن البلد، ووالد وما ولد!» رواه أبو داود.
الإعراب: (أعوذ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا» (بالله) متعلقان بالفعل قبلهما، هذا وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ فلا بأس به، ويكون
стр. 9
التقدير: أعوذ مستجيرا بالله. (من الشيطان): متعلقان بالفعل قبلهما. (الرّجيم): صفة الشيطان مجرور مثله، هذا ويجوز رفعه على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرّجيم، ويجوز نصبه على أنّه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم الرّجيم، وهذان الوجهان على القطع عن الإتباع، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]
واقطع أو اتبع إن يكن معيّنا... بدونها أو بعضها اقطع معلنا
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا... مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
وجملة: (أعوذ بالله...) إلخ مبتدأة لا محل لها من الإعراب.
стр. 10
سورة الفاتحة
هي مكية، وقيل: مدنية، والأصح أنها مكية، نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، ثم نزلت بالمدينة حين حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة، وسبب ذلك التنبيه على فضلها وشرفها، وارتفاع مكانتها عند الله وعند رسوله، وتسمّى أمّ القرآن لقول النبي ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمّ القرآن». رواه البخاريّ، ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ : قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، فهي خداج-يقولها ثلاثا-». أي غير تمام، وسميت أمّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، كما ذكرته لك سابقا.
وتسمّى سورة الوافية، قاله سفيان بن عيينة؛ لأنها لا تنتصف، ولا تحتمل الاختزال، ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة، ونصفها الآخر في ركعة، أي بعد الفاتحة لأجزأ. وتسمّى الكافية، قال يحيى بن أبي كثير: لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. وتسمّى سورة الكنز، لقوله ﷺ حاكيا عن قول الله : «فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشي». وسورة الشّفاء، والشّافية لقول الرسول ﷺ : «فاتحة الكتاب شفاء من كلّ داء إلاّ السّام» وفي رواية آخرى: «فاتحة الكتاب شفاء من كلّ سمّ». أخرجه الدارمي عن أبي سعيد الخدري ﵁. وسورة المثاني، سميت بذلك؛ لأنها تثنّى في كلّ ركعة، قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. وتسمى سورة الصّلاة؛ لقول أبي هريرة ﵁: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله تعالى: مجّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ..﴾. إلخ؛ قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». رواه مسلم.
وتسمّى سورة الحمد؛ لأنّ فيها ذكر الحمد، كما يقال: سورة الأعراف، والأنفال، ونحوها. وتسمّى سورة الأساس، فإنها أساس القرآن، قال ابن عباس-﵄: «إذا اعتللت، أو اشتكيت؛ فعليك بالأساس». وشكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس القرآن؛ فاتحة الكتاب. وتسمّى سورة الرّقية، ثبت ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لرجل الذي رقى سيّد الحي: «وما أدراك أنّها رقية؟» فقال: يا رسول الله! شيء ألقي في روعي. الحديث مشهور، خرّجه الأئمة.
стр. 11
وسمّيت فاتحة الكتاب؛ لأنها تفتتح قراءة القرآن بها لفظا، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطّا وتفتتح بها الصلوات، والمرجّح: أنها أوّل سورة كاملة نزلت، وأمر النبي ﷺ بجعلها أول القرآن، وانعقد الإجماع على ذلك، وهي سبع آيات بالاتفاق، فمن عدّ البسملة آية منها لا يقف على: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ ومن لم يعدّها آية منها يقف على ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ وهي سبع وعشرون كلمة، ومائة وأربعون حرفا.
حكمها في الصّلاة: هي ركن في كلّ ركعة من ركعات الصلاة: الفرض، والنفل عند الشافعي، وأحمد، وعند مالك في القول الثاني له، وهو المعتمد في مذهبه لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، وقوله ﷺ : «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، فهي خداج-ثلاثا-» وقد تقدّما لحديثان قريبا. ولا تعدّ ركنا في ركعات الصلاة عند أبي حنيفة، بل تعدّ واجبا، الواجب عنده دون الفرض والرّكن، وهو: ما ثبت بدليل ظنّي، واستدل بقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وبقول الرسول ﷺ لمسيء الصلاة: «ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن»، فتصح الصلاة إذا قرأ في صلاته غير الفاتحة، ولكن فيها نقص، فيجب إعادتها، وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
فدل هذا الحديث على أنّ قول النبي ﷺ للأعرابي: «اقرأ ما تيسّر معك من القرآن» ما زاد على الفاتحة، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
حكم الفاتحة بالنسبة للمأموم: يقرؤها خلف الإمام في كلّ ركعة عند الشافعي، وأحمد، ومالك في المشهور عنه في السّرية، والجهرية، إلا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا، فإن الإمام يحمل عنه القراءة لإجماعهم على أنه أدركه راكعا: وإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائما منتصبا، ولا يقرأ شيئا بشرط أن لا يشتغل بسنة من تعوّذ، وتوجّه.
وعند أبي حنيفة: لا يقرأ المأموم خلف الإمام في السّرية، ولا في الجهرية؛ لعموم قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٤]: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ انظر شرحها هناك، فإنّه جيّد، والحمد لله.
تنبيه بل فائدة: من تعذّر عليه بذل جهده، فلم يقدر على تعلم الفاتحة، أو شيء من القرآن، ولا علق منه بشيء لزمه أن يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنه، من تكبير، أو تهليل، أو تحميد، أو تسبيح، أو تمجيد، أو لا حول ولا قوة إلا بالله؛ إذا صلى وحده، أو مع إمام فيما أسرّ به الإمام، فقد روى أبو داود، وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه، قال: «قل:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال: يا رسول الله! هذا لله؛ فما لي؟ قال: «قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني».
стр. 12
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾
الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-قال العلماء: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قسم من ربنا، أنزله عند رأس كل سورة، يقسم لعباده: إنّ هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حقّ، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت هذه السورة من وعدي، ولطفي، وبرّي. ولم أره لغيره، وليس فيها معنى القسم، والبسملة مما أنزله الله تعالى في كتابنا خصوصا بعد سليمان، علي نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد تضمّنت جميع الشرع؛ لأنّها تدل على الذّات وعلى الصّفات، لذا فالقول: إن القرآن تضمّن كل ما في الكتب السابقة من أمور الدنيا والآخرة، والفاتحة تضمّنت كل ما في القرآن الكريم، والبسملة تضمّنت كل ما في الفاتحة، وجميع ذلك في الباء من البسملة، وكأنّ الله يقول: بي كان، وما يكون، وما سيكون في الدنيا والآخرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كلامه.
قال سعيد بن أبي سكينة: بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب-﵁، نظر إلى رجل يكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال له: جوّدها، فإن رجلا جوّدها، فغفر له، وقال سعيد أيضا: وبلغني أنّ رجلا نظر إلى قرطاس فيه: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقبّله، ووضعه على عينيه، فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنّه لمّا رفع الرقعة التي فيها اسم الله من مكان ممتهن، وطيّبها بمسك بعد أن نظّفها، وأزال عنها الأقذار؛ طيّب الله اسمه؛ أي: رفع ذكره بين الناس، ويحكى: أنه قيل له في المنام: كما طيبت اسمنا لنطيبنّ اسمك.
وروى النّسائيّ عن أبي المليح عن ردف رسول الله ﷺ ، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا عثرت بك الدابّة؛ فلا تقل: تعس الشّيطان، فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي صنعته، ولكن قل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ فإنه يتصاغر حتّى يصير مثل الذّباب».
وروى وكيع بن الأعمش، عن أبي وائل: عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر، فليقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فيجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنّة من كل واحد، فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وهم يقولون في كل أفعالهم: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فمن هنالك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. هذا وكسرت الباء الجارة في البسملة وغيرها، لتكون حركتها مشبهة لعملها، وقيل: كسرت ليفرق بين ما يخفض، ولا يكون إلا حرفا، نحو الباء، واللام الجارة، وبين ما يخفض، وقد يكون اسما، نحو الكاف في قول العجاج: [الرجز]
بيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهمّ
стр. 13
وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب فانظره، وما ألحقته به، فإنه جيد، والحمد لله ربّ العالمين.
هذا وقد ندبنا الرسول ﷺ إلى افتتاح جميع أمورنا بالبسملة تيمّنا، وتبرّكا، كالأكل، والشرب، والنّحر، والجماع، والطّهارة، وركوب الدابة، والسيارة، والطيّارة، وغير ذلك من الأفعال، فقد روى الخطيب في كتاب الجامع عن النبيّ ﷺ ، قال: «كلّ أمر ذي بال، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر» وفي رواية: «فهو أقطع» والمعنى: قليل البركة، أو معدومها، لذا سمّيت الخطبة التي ألقاها زياد ابن أبيه في العراق: البتراء؛ لأنه لم يبدأها بالبسملة.
بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ البسملة آية من سورة الفاتحة، وآية من كلّ سورة ما عدا براءة عند الشّافعي، ولا تعدّ آية في كلّ ذلك عند مالك، وأبي حنيفة، وإنّما هي للفصل بين كلّ سورتين، وأحمد بن حنبل يعدّها آية من أول سورة الفاتحة، وليست آية في غيرها، ﵃-أجمعين، واحتجّ الشافعي-﵁-بما رواه الدّارقطني من حديث أبي بكر عبد الحميد بن جعفر الحنفي عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁-عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فاقرءوا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إنّها أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسّبع المثاني». قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا؛ إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسّما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: «نزلت عليّ آنفا سورة». فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ..﴾. إلخ، وذكر الحديث، وذكرته بكماله في سورة الكوثر، والحمد لله.
(اسم): اختلفوا في اشتقاقه، فقال البصريّون: أصله: سمو، بضم السين وكسرها، من السّمو، وهو العلوّ، والارتفاع، فاسم الشيء ما علاه؛ حتى ظهر به، وعلا عليه، فكأنه علا على معناه، وصار علما له، فحذفت لامه، وعوض عنها همزة الوصل في أوله، وقال الكوفيون:
أصله: وسم من السّمة، وهي العلامة، فكأنه علامة لمسمّاه، حذفت فاؤه، وعوض عنها همزة الوصل. وحجّة البصريين: أنه لو كان اشتقاقه من السّمة، لكان تصغيره: وسيم، وجمعه:
أوسام؛ لأن التصغير والتكسير يردّان الأشياء إلى أصولها، وقد أجمعوا على أن تصغيره: سميّ، وجمعه: أسماء، وجمع الجمع: أسام، وقد حذفت الألف من ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. إلخ للخفّة، ولكثرة الاستعمال، وأثبتت في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لقلّة الاستعمال، هذا و (اسم) أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السّكون، فإذا نطقوا بها مبتدءين، زادوا همزة الوصل في أولها توصلا للابتداء بالسّاكن، علما بأن هذه الهمزة تسقط في وصل الكلام؛ وإن كتبت، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضّرورة، كقول الأحوص: [الطويل]
وما أنا بالمخسوس في جذم مالك... ولا من تسمّى، ثمّ يلتزم الاسما
стр. 14
انظر مبحثها في كتاب قواعد اللغة العربية بشرحنا، هذا وذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن لفظة: (اسم) صلة، أي: زائدة، واستشهد على ذلك بقول لبيد بن ربيعة الصّحابي-﵁-انظره تبعا ملحقا للشاهد [٩٧٦] من كتابنا فتح القريب المجيب، ونصّه: [الطويل]
إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
واختلفوا في معنى زيادته، فقال قطرب: زيدت؛ لإجلال ذكره تعالى، وتعظيمه.
وقال الأخفش: زيدت؛ ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك؛ لأن أصل الكلام: بالله.
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ اسمان من أسماء الله الحسنى، وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهما في حقه بمعنى: المحسن، أو: مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى المحسن بدقائق النّعم، وإنما جمع بينهما في البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة، وقد يوصف ب ﴿الرَّحِيمِ﴾ المخلوقون، وأما ﴿الرَّحْمنِ﴾ فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف مسيلمة الكذاب، فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط]
أسموت بالمجد يا بن الأكرمين أبا... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
هذا واشتقاق ﴿الرَّحِيمِ﴾ من الرحمة لا خلاف فيه، وفي اشتقاق ﴿الرَّحْمنِ﴾ خلاف، والجمهور من الناس ذهبوا إلى أنه مشتق من الرّحمة أيضا، مبني على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة، الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثنى، ولا يجمع، كما يثنى ﴿الرَّحِيمِ﴾ ويجمع، قال ابن الحصار: ومما يدلّ على الاشتقاق ما خرّجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «قال الله : أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته»: أو قال: «بتتّه» وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وما وجب له، وقد قال الله في سورة (الفرقان) رقم [٦٠]: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ..﴾.
إلخ، وقال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤٥]: ﴿أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ،﴾ ولما تجرأ مسيلمة الكذاب وتسمى ب «رحمان اليمامة» كساه الله جلباب الكذاب، وشهر به، فلا يقال إلا: مسيلمة الكذاب، فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر، والمدر.
فائدة: قال سعيد بن جبير-﵁: كان المشركون يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله ﷺ : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قالوا: هذا محمّد يذكر «رحمان اليمامة» يعنون:
مسيلمة الكذاب، فأمر أن يخافت ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ونزل: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ الآية رقم [١١٠] من سورة (الإسراء)، فبقي ذلك إلى يومنا
стр. 15
هذا؛ وإن زالت العلة، كما بقي الرمل في الطواف؛ وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة في صلاة النّهار، وإن زالت العلّة، وهذا جواب لمن يسأل: لماذا الإسرار بالنّهار، والجهر في الليل في الصلوات الخمس؟ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقرأ، أو أتلو؛ إذا أراد الشخص القراءة، وقس على ذلك جميع الأعمال التي يقوم بها المسلم، ويسمّي الله عليها، فمثلا: الآكل، والشارب، والقائم، والقاعد، تقدير المحذوف عنده: آكل، أو أشرب... إلخ، وتقدير المحذوف فعلا مذهب الكوفيين، وهم يقدّرونه مؤخرا، ليفيد الاختصاص، وأما البصريّون؛ فيقدرون المحذوف اسما، والتقدير عندهم: ابتدائي، أو أكلي، أو قراءتي بسم الله... إلخ، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: أكلي، أو شربي كائن بسم الله، ويشهد لقول الكوفيين قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ويشهد لقول البصريين قوله تعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال المرحوم سليمان الجمل: والأحسن أن يقدر متعلق الجار هنا: قولوا؛ لأن المقام مقام تعليم، وهذا الكلام صادر عن حضرة الربّ تعالى. انتهى. و (اسم) مضاف و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وعلى اعتبار لفظ: (اسم) صلة، فيكون مقحما بين الجار والمجرور، ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة، وهذا على اعتبارهما اسمين من أسماء الله الحسنى، وهو المعتمد، وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، هذا ويجوز في العربية رفعهما على أنهما خبران لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرّحمن الرحيم، كما يجوز نصبهما على أنهما مفعول لفعل محذوف، التقدير: أمدح، ونحوه، وهذان الوجهان على القطع، أعني به قطع النّعت عن المنعوت، انظر ما ذكرته في الاستعاذة، وجملة البسملة على الوجهين مبتدأة، لا محلّ لها.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)﴾
الشرح: ﴿الْحَمْدُ:﴾ هو في اللغة: الثناء بالكلام الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة، أم لا. فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته، وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللّسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان؛ التي هي الأعضاء، كما قال الأخطل التغلبي، وبعضهم يعتبر ما في البيت تفسيرا للشّكر: [الطويل]
أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضّمير المحجّبا
стр. 16
وممّا هو جدير بالذكر: أنّ معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح فهو: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ والحمد أربعة أقسام: حمد قديم لقديم، كحمد الله لذاته، وحمد قديم لحادث، كحمد الله لأنبيائه، والصّالحين من عباده، وحمد حادث لقديم، كحمدنا الله ، وحمد حادث لحادث، كحمد بعضنا بعضا، ولا تنس: أنّ المدح أعمّ من الحمد؛ لأنّه يكون للحيّ والميت، وللجماد، كما يمدح الطعام، والمكان، ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان، وبعده على الصفات المتعدّية، واللازمة أيضا فهو أعمّ، والألف واللام في ﴿الْحَمْدُ﴾ لاستغراق جميع أنواع الحمد، وصنوفه، كما جاء في الحديث الشريف من قول النبي ﷺ : «اللهم لك الحمد كلّه، وبيدك الخير كلّه، وإليك يرجع الأمر كلّه»، فهذا الحديث من كلام جبريل ﵇ بيّنه النبيّ ﷺ ، وهو بروايات مختلفة: عن أنس بن مالك، وعن مصعب بن سعد عن أبيه، وعن أبي سعيد الخدري، منها مطوّل، ومنها مختصر بتخريج البيهقيّ، وابن أبي الدنيا، انظر: الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، رحمه الله تعالى!.
وعن جابر بن عبد الله-﵄-عن رسول الله ﷺ : أنّه قال: «أفضل الذكر: لا إله إلاّ الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله». رواه الترمذيّ، وقال: حسن غريب. وعن أنس-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ إلا كان الّذي أعطى أفضل ممّا أخذ». رواه ابن ماجة.
وعن عبد الله بن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ حدّثهم: «أن عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها؟! صعدا إلى السماء، فقالا: يا ربّنا! إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟! قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب! إنه قد قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي؛ حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد، وابن ماجة.
وعن أبي أيوب الأنصاري-﵁-قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ : «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه» فقال رسول الله ﷺ : «من صاحب الكلمة؟» فسكت الرجل، ورأى أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه. فقال رسول الله ﷺ : «من هو؟ فإنه لم يقل إلاّ صوابا!». فقال الرجل: أنا قلتها يا رسول الله، أرجو بها الخير! فقال: «والّذي نفسي بيده لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك؛ أيّهم يرفعها إلى الله تعالى». رواه ابن أبي الدنيا، والطّبراني بإسناد حسن، والبيهقيّ.
﴿رَبِّ﴾ يطلق، ويراد به: المالك، والسّيد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً،﴾ وقال الأعشى: [الكامل]
стр. 17
ربّي كريم، لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
كما يقال: ربّ الدار، وربّ الأسرة، أي: مالكها، ومتولي شئونها، كما يراد به المربّي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة، يربّها: إذا أصلحها، والله ربّ العالمين: مالكهم، ومربّيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم بجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه حتى يجعله رجلا أو امرأة كاملين. هذا ولا يطلق لفظ الرّبّ على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، وقد قالوه في الجاهلية للملك، قال الحارث بن حلّزة في معلّقته رقم [٣٩]: [الخفيف]
وهو الربّ والشّهيد على يو... م الحيارين والبلاء بلاء
والربّ: المعبود بحق، وهو المراد منه عند الإطلاق، ومنه قول راشد بن عبد ربه السّلمي الصّحابي-﵁-وهو الشاهد رقم [١٥٧] من كتابنا فتح القريب: [الطويل]
أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟! ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السّجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السّابقة قال الشاعر: [الطويل]
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا
وهو اسم فاعل بجميع معانيه السّابقة، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدخال أحد المثلين في الآخر.
﴿الْعالَمِينَ:﴾ جمع عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عمّا يقال:
إنّه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة، فأكثر، وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا وعليه أفضل الصّلاة، وأتم التسليم-لمّا قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ،﴾ هذا والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ، والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، ولا واحد له من لفظه، مثل: رهط، وقوم.
وقال مقاتل: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البر، وأربعون ألف عالم في البحر، انتهى. وجمع جمع المذكر السالم، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل، والعالم مشتق من العلامة؛ لأنه دالّ على وجود خالقه، وصانعه، وعلى وحدانيته جلّ، وعلا، كما قال ابن المعتز: [المتقارب]
стр. 18
فيا عجبا كيف يعصى الإله... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد
الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ، ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، التقدير: واجب، أو مستحقّ لله، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، هذا ويجوز في العربية الرفع والنصب في ﴿رَبِّ﴾ فالرفع على إضمار مبتدأ، التقدير: هو ربّ، والنصب على المدح بفعل محذوف، قال الزمخشري: وقرأ زيد بن عليّ-﵄: «رب العالمين» بالنصب على المدح، أو على النداء.
قاله مكيّ، وهذان الوجهان على القطع، انظر ما ذكرته في الاستعاذة.
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾
الشرح: وصف الله تعالى نفسه بعد ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بأنّه ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لأنه لما كان في اتصافه ب ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ترهيب؛ قرنه ب ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ لما تضمنه من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمتع، كما قال في سورة (الحجر) رقم [٤٩ و ٥٠]: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ وقال جل ذكره في أول سورة (غافر): ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ،﴾ وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنّته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرّحمة؛ ما قنط من جنّته أحد».
وقد شرحت الاسمين الكريمين في البسملة، فلا معنى لإعادته، هذا؛ وذكرت لك فيما تقدم:
أنّ ﴿الرَّحْمنِ﴾ أبلغ من ﴿الرَّحِيمِ،﴾ وذكر ﴿الرَّحِيمِ﴾ بعده، فهو من ذكر الخاص بعد العام، لتخصيص المؤمنين به في قوله تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب).
الإعراب: يجوز فيهما ما جاز في البسملة من أوجه الإعراب.
﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾
الشرح: ﴿مالِكِ﴾ قرئ: («ملك») من غير مد، وبكسر الكاف فيهما، وقرأ محمد بن السّميقع بنصب («مالك»)، والمالك: هو المتصرّف في الأعيان المملوكة كيف شاء، من: الملك.
والملك هو المتصرف بالأمر، والنهي في المأمورين، من: الملك. انتهى. بيضاوي.
стр. 19
وجمع مالك: ملاّك، وملّك، وجمع ملك: أملاك، وملوك، هذا وفيه لغتان أخريان ملك بسكون اللام، وجمعه على هذا: أملك، وملوك. ومليك فمن الأول قول عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [٣٠]: [الوافر]
وأيّام لنا غرّ طوال... عصينا الملك فيها أن ندينا
ومن الثاني قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في ملعقته، رقم [٨٤] [الكامل]
فاقنع بما قسم المليك فإنّما... قسم الخلائق بيننا علاّمها
هذا وذكر ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بعد ذكر: ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هو من ذكر الخاص بعد ذكر العام، وفيه ما فيه من التهويل، ورفعة الشأن، والتنبيه على مكانته، وعلوّ قدره. هذا وقيل:
﴿مالِكِ﴾ أبلغ من («ملك») لأن فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة عمّن يقرأ: («ملك»).
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة ب («ملك») وفيه من المعنى ما ليس في ﴿مالِكِ﴾ لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى ملكا كان ملكا ومالكا بلا ريب. قال ابن الحصار: إنما كان ذلك؛ لأن المراد من (﴿مالِكِ﴾) الدلالة على الملك بكسر الميم، وهو لا يتضمّن الملك بضم الميم، و («ملك») يضمن الأمرين جميعا، فهو أولى بالمبالغة، ويتضمّن أيضا الكمال، لذا استحق الملك على من دونه.
﴿يَوْمِ الدِّينِ:﴾ يوم الجزاء، ومنه: كما تدين تدان، أي كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس ﵄-قال: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ هذا و ﴿الدِّينِ﴾ أيضا: الملّة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٧٦]: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ،﴾ و ﴿الدِّينِ﴾ اسم لجميع ما يعبد به الله تعالى. هذا ويطلق ﴿الدِّينِ﴾ على العادة، والشأن، والحال، كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٠]: [الطويل]
كدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
هذا والدّين-بفتح الدال-: القرض المؤجّل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبّد به الله. هذا وتخصيص ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالإضافة له سبحانه، مع أنه مالك لجميع الأشياء في جميع الأوقات، والأيام؛ لأنه في ذلك اليوم ينسلخ عن ملوك الدنيا ما كان لهم من الملك الظاهر، وينفرد الجبّار فيه بالملك، ونفوذ الأمر، كما يقول الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (غافر)، وكما قال الله تعالى في وصف ذلك اليوم في آخر سورة الانفطار: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ،﴾ وانظر شرح «يوم» في الآية رقم [٤٨] من سورة (البقرة).
стр. 20
الإعراب: ﴿مالِكِ:﴾ يجوز فيه الجر، والرفع، والنصب كما في البسملة، فالنصب على الحال، أو على النداء، وعلى المدح بفعل محذوف، وعلى النعت ل ﴿رَبِّ﴾ على قول من نصبه، قاله مكي. كما في الأسماء السابقة، و ﴿مالِكِ﴾ مضاف و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف و ﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، هذا وقيل:
إنّ إضافة ﴿مالِكِ﴾ ل ﴿يَوْمِ﴾ من إضافة اسم الفاعل للظرف، ومفعوله محذوف، التقدير: مالك الأمر كله يوم الدين.
﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾
الشرح: ﴿نَعْبُدُ:﴾ العبادة: غاية التذلل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السجود لغير الله تعالى، وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. والاستعانة: طلب المعونة من الله تعالى على أمور الدنيا، والآخرة، وإنّما قدم: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ على (﴿إِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) لأن العبادة لله هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والأصل أن يقدم ما هو الأهم، فالأهم، وقدم المفعول في الجملتين للاهتمام والحصر؛ إذ المعنى: لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين إلا بك، وهذا هو كمال الطاعة، والدّين يرجع كلّه إلى هذين المعنيين، فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول، والقوة، وتفويض إلى الله ، هذا وأصل ﴿نَسْتَعِينُ:﴾ نستعون، وإعلاله مثل إعلال ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ في الآية التالية، ومصدره: استعانة، والأصل: استعوان، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الاستفعال، فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، منه قوله تعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أي: إقامتها.
والإعلال المتقدم إنما هو إعلال بالنقل، والقلب، والحذف معا، ومثل هذا المصدر قولك:
استعاذ استعاذة، واستقام استقامة.
والضمير بالفعلين إنما هو لجماعة المتكلّمين، والمراد: جميع الموحّدين المصلّين، ففيه إيحاء إلى أداء الصلاة في الجماعة، يدرج المصلي عبادته في تضاعيف صلاة إخوانه المؤمنين لعلّها تقبل ببركتهم، فكأنّ المصلّي يقول: إلهي! عبادتي مشوبة بأنواع التقصير، لكنها مخلوطة بعبادة جميع العابدين، فاقبلها مني ببركة خلّص عبادك المؤمنين، فيا خسارة المهملين لصلاة الجماعة، كيف لا والرسول ﷺ يقول: «صلاة الرجل في الجماعة تضعّف على صلاته في بيته
стр. 21
وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك: أنه إذا توضّأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد -لا يخرجه إلاّ الصّلاة-لم يخط خطوة إلاّ رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلّى؛ لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما لم يحدث: اللهمّ صلّ عليه، اللهمّ ارحمه! ولا يزال في صلاة ما انتظر الصّلاة». رواه الستة ما عدا النّسائي عن أبي هريرة-﵁-والمشهور، والمأمول بعون الله: أنّ صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة، لقول النبي ﷺ : «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة». رواه البخاريّ، ومسلم، ومالك، والترمذيّ، والنّسائيّ عن ابن عمر-﵄.
وهناك أحاديث ترغب في صلاتي الفجر، والعشاء في جماعة؛ مثل قول الرسول ﷺ : «من صلّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنّما صلّى اللّيل كلّه». رواه مالك، ومسلم، وأبو داود عن عثمان بن عفان-﵁.
وشدّد النبي ﷺ النكير على المتخلفين عن الجماعة، وخذ ما يأتي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر-أي: في الجماعة-ولو يعلمون ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصّلاة، فتقام، ثمّ آمر رجلا، فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم، لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» رواه البخاريّ، ومسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (البقرة).
تنبيه: ينبغي أن تعلم: أنّ الكلام في الآيات السابقة، إنما هو للغيبة، وفي هذه الآيات للخطاب، وهذا يسمّى في فنّ البلاغة: التفاتا التفات من أسلوب لآخر، وهذا جيد؛ لأنه لمّا ذكر: أنّ الله جدير بالحمد، وبأنّه ربّ العالمين، وأنّه مالك الناس أجمعين يوم لا ينفع مال ولا بنون، والكلام كلّه في الغيبة؛ حسن التوجه بالخطاب إليه ، وتخصيصه بالعبادة، والاستعانة.
الإعراب: ﴿إِيّاكَ:﴾ ضمير نصب منفصل، مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم.
﴿نَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وإعراب الجملة الثانية مثلها بلا فارق، وتقديم المفعول في الجملتين يفيد الاختصاص.
стр. 22
«إلى» كما في قوله تعالى في سورة (الصّافات) رقم [٢٣] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ وقد يعدّى باللام، كما في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٤٣] ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾.
﴿الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو في لغة العرب: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، قال جرير في مدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
أمير المؤمنين على صراط... إذا اعوجّ الموارد مستقيم
وقال عامر بن الطفيل: [الوافر]
شحنّا أرضهم بالخيل حتّى... تركناهم أذلّ من الصّراط
ثمّ إن العرب تستعير (الصّراط) في كلّ قول، وعمل وصف باستقامة، أو اعوجاج، واختلفت عبارات المفسرين من السّلف والخلف في تفسيره هنا، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو امتثال أمر الله فيما أمر، وفيما نهى، والأخذ بقول رسول الله ﷺ وعمله، فقيل: هو كتاب الله، وقيل: إنّه الإسلام، قال ابن عباس-﵄: هو دين الله الذي لا اعوجاج فيه. قال ابن الحنفية: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وانظر ما ذكرته في قوله تعالى في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ..﴾. إلخ و ﴿الصِّراطَ﴾ يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، وهو يذكّر، ويؤنث، والأول أكثر.
﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ هو الذي لا اعوجاج فيه، والأصل فيه: «مستقوم» لأنّه من استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، فصار: «مستقوم» ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.
﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ:﴾ اختلف الناس في المنعم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين: إنّه صراط النبيين، والصديقين، والشهداء، والصّالحين، وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٦٩]: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ يعمّ، ويشمل جميع ما قيل، فلا معنى لتعدد الأقوال، والله المستعان، وهو وليّ التوفيق.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: في هذه الآية ردّ على القدرية، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم يعتقدون: أنّ إرادة الإنسان كافية في صدور أفعال منه، طاعة كانت، أو معصية؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربّه، وقد أكذبهم الله في هذه الآية؛ إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم؛ لما سألوه الهداية، ولا كرّروا السؤال في كلّ صلاة، وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما
стр. 23
يناقض الهداية، حيث قالوا: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ فكما سألوه أن يهديهم؛ سألوه أن لا يضلّهم، وكذلك يدعون، فيقولون: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا..﴾. إلخ رقم [٨] من سورة (آل عمران)، انتهى.
﴿غَيْرِ:﴾ اسم شديد الإبهام، ك «مثل» لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها إن فهم المعنى، أو تقدمت عليها كلمة ليس، يقال: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو على الفتح، خلاف، وإن أردت الزيادة؛ فانظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ:﴾ اختلفت في المغضوب عليهم، والضّالين من هم؟ وجاء ذلك مفسرا عن النبي ﷺ في حديث عبيد بن حاتم الطائي، وقصّة إسلامه حيث قال: هم اليهود، وعن قوله تعالى: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ قال: هم النصارى، أخرجه أبو داود، والتّرمذيّ، وأحمد، ويشهد لهذا التّفسير أيضا قوله تعالى في اليهود: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ الآية رقم [٦١] من سورة (البقرة)، وقوله تعالى في سورة المائدة رقم [٦٠]:
﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾. وقال جل ذكره في النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ هذا وفي الآية الكريمة تحذير للمؤمن من مسالك أهل الباطل؛ لئلا يحشر مع سالكيه يوم القيامة، ومن تشبّه بقوم فهو منهم.
هذا والأصل في ﴿الضّالِّينَ:﴾ (الضّاللين) حذفت حركة اللام الأولى، ثمّ سكنت، ثم أدغمت اللام في اللام، فاجتمع ساكنان: مدّة الضاد بالألف، واللام المدغمة، وقرأ أيوب السختياني: («ولا الضألين») بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين، وهي لغة، حكاها أبو زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ قوله تعالى في سورة (الرحمن): (﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾) فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة وشأبة، قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير عزّة: [الطويل]
... إذا ما العوالي بالعبيط احمأرّت
انتهى قرطبي. هذا وقد راجعت قصيدة كثير عزة التائية في شرحي شواهد المغني للسيوطي والبغدادي، فلم أجد هذه الشطرة فيها، ومن أبياتها الشواهد رقم [٧٢٨ و ٧٧٣ و ٨٥٢] من كتابنا فتح القريب المجيب.
تنبيه: يسن للقارئ أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة في الصلاة وخارجها بعد سكتة على نون (﴿وَلا الضّالِّينَ﴾): آمين؛ ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن، وقد أطال القرطبي رحمه الله تعالى الكلام في فضله وفضائله، آخذا من أحاديث الرسول ﷺ وأقوال السلف الصالح، والصحيح:
стр. 24
أن معناه: استجب، فهو اسم فعل أمر، وهو مبني على السكون، وحرّك بالفتح لأجل الياء قبل آخره، كما فتحت (أين) والفتح فيها أقوى؛ لأن ما قبل الياء كسرة، فلو كسرت النون على أصل التقاء الساكنين؛ لوقعت الياء بين كسرتين.
ويجهرها الإمام والمأموم في الجهرية. وفي الموطأ، والصحيحين: قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين. وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁-قال: ترك الناس آمين. وكان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول ليرتج بها المسجد. ويسن ختم الفاتحة به، وكل دعاء. وفيه لغتان:
المدّ على وزن: «فاعيل» ك «ياسين» كقول قيس المجنون: [البسيط]
يا ربّ لا تسلبني حبّها أبدا... ويرحم الله عبدا قال: آمينا
ولهذا البيت حكاية مذكورة في شرح شواهد الكشاف للمرحوم محب الدين الخطيب، ولولا الإطالة عليك لذكرتها، وقال آخر: [البسيط]
آمين آمين لا أرضى بواحدة... حتّى أبلّغها ألفين آمينا
والقصر، قال الشاعر في القصر: [الطويل]
تباعد مني فطحل إذ سألته... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
فطحل: اسم رجل استمنحه القائل فما منحه، فدعا عليه بالبعد. وتشديد الميم قاله الجوهري. وقد روي عن الحسن، وجعفر الصادق-﵄-التشديد، وهو قول الحسين بن الفضل، من: أمّ: إذا قصد، أي: نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣]: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾.
الإعراب: ﴿اِهْدِنَا﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت» و (نا): مفعول به أول. ﴿الصِّراطَ:﴾
مفعول به ثان، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ وقيل: هو منصوب على نزع الخافض، وانظر الشرح، والجملة الفعلية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ صفة ﴿الصِّراطَ﴾. ﴿صِراطَ:﴾ بدل مما قبله، بدل كل من كل، أو هو عطف بيان، ومثله قوله تعالى حكاية عن قول الطاغية فرعون في سورة (غافر) رقم [٣٦ - ٣٧]: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ..﴾. إلخ. ﴿صِراطَ﴾ مضاف و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
﴿أَنْعَمْتَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلاّ ب (على).
стр. 25
﴿غَيْرِ:﴾ بالجر صفة ﴿الَّذِينَ﴾ أو هو بدل منه، وقيل: بدل من الهاء، والميم. ويقرأ بالنصب، وخرّج على ثلاثة أوجه: أحدها: النّصب على الحال من الهاء، الثاني: النصب على الاستثناء، الثالث: النصب على إضمار فعل، التقدير: «أعني غير» وحكي عن الخليل. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وإذا رأيت «غير» يصلح في موضعها «لا» فهي حال.. وإذا صلح في موضعها «إلا» فهي استثناء، فقس عليه. و ﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و ﴿الْمَغْضُوبِ﴾ مضاف إليه.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمغضوب، وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): صلة للتوكيد عند البصريين، وظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية.
﴿الضّالِّينَ:﴾ معطوف على المغضوب على قول البصريين، ومضاف إليه على قول الكوفيين، وعلى الاعتبارين فهو مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. تأمل، وتدبر؛ وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت سورة الفاتحة شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه، والحمد لله ربّ العالمين.
стр. 26
سورة البقرة
مدنية
سورة البقرة مدنية، نزلت في مدد شتّى: من أول الهجرة إلى قبيل وفاة الرسول ﷺ ، وهي مائتان وست، أو سبع وثمانون آية، وستة آلاف، ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وخمسة وعشرون ألف حرف، وخمسمائة حرف، انتهى. خازن.
وقد ورد في بيان فضلها وثواب قراءتها أحاديث كثيرة مشهورة، أذكر منها ما يلي: عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». أخرجه مسلم، والنسائيّ، والترمذيّ، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلّ شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيّدة القرآن».
رواه الترمذيّ، وقال: حديث غريب، ومن حديث أبي أمامة الطويل الذي خرّجه مسلم، قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا سورة البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة».
قال معاوية بن سلام: بلغني: أنّ البطلة: السحرة، سمّوا بذلك لمجيئهم بالباطل.
وعن سهل بن سعد-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإنّ من قرأها في بيته ليلا، لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام». رواه الطبرانيّ، وابن حبّان، وابن مردويه.
قال ابن العربي: سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر! انتهى. وهذا وسميت سورة البقرة لذكر بقرة بني إسرائيل؛ التي كانت معجزة باهرة لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما ستقف عليها مفصّلا إن شاء الله تعالى.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
стр. 27
السّلف التفويض، ومذهب الخلف التأويل، فالصّحابة، والتابعون لهم بإحسان لم يخوضوا في تفسيرها، ويكلون العلم بها إلى الله تعالى، فعن أبي بكر الصدّيق-﵁-أنه قال: في كتاب الله سرّ، وسر الله في القرآن أوائل السور. وعن عمر، وعثمان، وابن مسعود-﵃: أنهم قالوا: الحروف المقطعة من السرّ المكتوم؛ الذي لا يفسّر، وعن عليّ-﵁-وكرّم وجهه: أنّه قال: إنّ لكلّ كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي. وعن ابن عباس، وعليّ أيضا-﵄: إنّ الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنّا لا نعرف تأليفه منها.
ولكن بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل أكثر أهل البلاد المفتوحة في الدين الإسلامي الحنيف، وظهرت الملل، والنحل، خصوصا في العصر العباسيّ اضطر علماء المسلمين للخوض في تفسير هذه الحروف، وأعني بهؤلاء: الخلف، وبمذهبهم: مذهب الخلف، وكثرت الأقوال، والتفاسير في ذلك، فقيل: هي أسماء للسّور؛ الّتي بدئت بها. وقيل: كل حرف مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، فالألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، ومعين، ومتين، وقيل: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه. وقيل: هي أسماء مقطعة لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنك تقول: (﴿الر﴾، و ﴿حم﴾، و ﴿ن﴾) فيكون مجموعها الرحمن، وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا، وروى أبو الضحى عن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿الم﴾ قال: أنا الله أعلم، وفي: ﴿الر﴾ أنا الله أرى، وفي: ﴿المص﴾ أنا الله أفصل، فالألف تؤدي معنى: «أنا» واللام تؤدي عن معنى: «اسم الله» والميم تؤدي عن معنى: «أعلم» واختار هذا القول الزجاج، قال: أذهب إلى أنّ كل حرف منها، يؤدّي عن معنى، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها، ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول زهير، قاله القرطبي، وقال المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد: من ذلك قول لقيم بن أوس أحد بني ربيعة بن مالك يخاطب امرأته: [الرجز]
إن شئت أشرفنا كلانا فدعا... الله جهدا ربّه فأسمعا
بالخير خيرات وإن شرّا فا... ولا أريد الشّرّ إلاّ أن تا
أراد: وإن شرّا فشرّ، إلا أن تشائي، وقول الآخر: [الرجز]
نادوهم ألا الجموا ألا تا... قالوا جميعا كلّهم ألا فا
أراد: ألا تركبون، قالوا: ألا فاركبوا. ومن ذلك قول حكيم بن معية التميمي: [الرجز]
قد وعدتني أمّ عمرو أن تا... تدهن رأسي وتفلّيني
وتمسح القنفاء حتّى تنتا
стр. 28
المعنى: قد وعدتني أن تدهن رأسي، وأن تخرج القمل منه، وأن تسرح لحيتي حتى تصبح جيدة. ومثل ذلك كثير في الكلام العربي شعرا، ونثرا، هذا ويرى كثيرون من أهل العلم: أنّ هذه الحروف، إنما ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأنّ الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطّعة؛ التي يتخاطبون بها. حكاه الرازي عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء، وقرّره الزمخشري، ونصره أتمّ نصر، وإليه ذهب الإمام ابن تيمية، وشيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزي. انتهى مختصر ابن كثير.
﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ أي الذي وعد به على لسان موسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والقرآن الكريم في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلوّ شأنه، ورفعة قدره، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلوّ المكانة، فكأنّه بسبب ذلك بعيد كل البعد، فنزل بعد المرتبة منزلة البعد الحسي.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ فقد نفى الله عنه الريب، أي: الشك على سبيل الاستغراق، وقد ارتاب فيه كثيرون؛ لأن المنفي كونه متعلقا للريب، ومظنّة له؛ لأنه من وضوح الدلالة، وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، لا أن أحدا لا يرتاب، ومن ارتاب فيه، أو في بعضه، فالريب حصل له من فهمه السّقيم، وعقله العقيم، وخذ قول المتنبي: [الوافر]
وكم من عائب قولا صحيحا... وآفته من الفهم السّقيم
ولكن تأخذ الآذان منه... على قدر القريحة والفهوم
ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد... وينكر الفم طعم الماء من سقم
ورحم الله أحمد شوقي إذ يقول: [الوافر]
وما ضرّ الورود وما عليها... إذا المزكوم لم يطعم شذاها
وما أحسن قول بعضهم: [البسيط]
عاب الكلام أناس لا خلاق لهم... وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضرّ شمس الضحى في الأفق طالعة... ألاّ يرى ضوءها من ليس ذا بصر
وخذ قول أبي الطيب المتنبي أيضا: [الوافر]
ومن يك ذا فم مريض... يجد مرّا به الماء الزّلالا
هذا وتقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في ريبة، أي في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذيّ،
стр. 29
والنّسائيّ عن الحسن بن عليّ سبط رسول الله ﷺ وريحانته-﵁-وقد يستعمل الرّيب في التهمة، قال جميل بن معمر العذريّ: [الطويل]
بثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب
واستعمل أيضا في الحاجة كما قال كعب بن مالك الصّحابيّ الأنصاريّ ﵁: [الوافر]
قضينا من تهامة كلّ ريب... وخيبر ثمّ أجممنا السّيوفا
﴿هُدىً:﴾ أصله: هديا، أو هدي، بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار ﴿هُدىً﴾ وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: «هدا»، فلا يوجد ما يدلّ عليها، وهذا الإعلال يجري في كل اسم مقصور مجرد من ال، والإضافة.
﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جمع متق، فهو مأخوذ من التقوى، وهي: حفظ النفس من العذاب الأخرويّ بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك دنيا، وأخرى، وفيه تغليب الرّجال على النساء؛ إذ ما من شك: أنّ في النساء متّقيات مهتديات بالقرآن الكريم، هذا شيء معلوم لا ينكره مسلم عاقل. هذا؛ وخصّ الله تعالى المتقين بهدايته، وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم؛ لأنهم آمنوا، وصدّقوا بما فيه، وإسناد الهداية للقرآن من الإسناد للسبب، والهادي في الحقيقة هو الله، ففيه مجاز عقليّ.
الإعراب: ﴿الم:﴾ في إعراب هذا اللفظ وجوه، الأول: أنّ محله الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الم، أو هو مبتدأ خبره ما بعده، والثاني: أنّ محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل الم، قاله ابن كيسان النحوي. أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير:
التزمت الله، أو اليمين به، والثالث: أنّ محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب «الم»؛ لقول ابن عباس-﵄: إنها أقسام أقسم الله بها، وضعّف هذا سليمان الجمل، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك-أي: حذف الجار وإبقاء عمله-من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها، وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، ﴿الْكِتابُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هنا في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو: ﴿الم﴾ على الوجه الثاني من وجهي الرفع، كما رأيت، والرابط اسم الإشارة على
стр. 30
اعتبار الإشارة عائدة على: ﴿الم﴾ ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ خبر: ﴿الم﴾ و ﴿الْكِتابُ﴾ بدلا منه، أو عطف بيان عليه، والصفة هنا لا تجوز؛ لأنه اسم جامد.
﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ»، ﴿رَيْبَ﴾ اسم ﴿لا:﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْكِتابُ﴾ على اعتباره خبر المبتدأ: ﴿ذلِكَ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، مثل قوله تعالى: ﴿هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو ذلك، على اعتبار الكتاب بدلا منه، والرابط على الوجهين الضمير المجرور في ﴿فِيهِ،﴾ كما جوز أن تكون الجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدإ ﴿ذلِكَ﴾.
﴿هُدىً:﴾ يجوز فيه وجهان: الرفع، والنصب، أما الرفع؛ فعلى اعتبارين: الأول: اعتباره مبتدأ، و ﴿فِيهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، ويكون الوقف على ﴿لا رَيْبَ﴾ ولم يرتضه ابن هشام، واستشهد بأول سورة السجدة على خلافه.
والثاني: على اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو هدى، وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المجرور في ﴿فِيهِ﴾ كما جوز أن يكون خبرا للمبتدإ ﴿ذلِكَ﴾ أو خبرا ثانيا له، وأما النصب فعلى الحال من الضمير المجرور، ويجب تأويله باسم الفاعل «هاديا» والرفع، أو النصب مقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.
﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ أو بمحذوف صفة له على الاعتبارين فيه، التقدير: كائن، أو: كائنا، أو هما متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ نفسه؛ لأنه مصدر. وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ في الحقيقة صفة لموصوف محذوف كما هو واضح.
تنبيه: من الإعراب المتقدم يتبين لك: أنّ ما تقدّم يمكن عدّه أربع جمل متناسقة، يقرر اللاحقة منها السابقة، ولذلك لم يدخل العاطف بينها، ف ﴿الم﴾ مع المبتدأ المحذوف، أو مع الفعل المحذوف جملة، و ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ جملة، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ جملة: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ جملة، أو تستتبع كل واحدة منها ما تليها استتباع الدليل للمدلول. انتهى. بيضاوي.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ:﴾ يصدّقون. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ كل ما غاب عنّا من أمر البعث يوم القيامة، والحساب، والصراط، والجنّة، والنّار. هذا والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسّه، قال الشاعر المسلم: [الطويل]
стр. 31
وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد
ورحم الله من قال: [الطويل]
إذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن عليّ رقيب
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب
هذا؛ وإيماننا بمحمد ﷺ إيمان بالغيب، كما بينت ذلك الأحاديث الشريفة، هذا والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللّسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، ولمّا سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؛ قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، خيره وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما بينته في الآية رقم [٢] من سورة الأنفال، وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة: جمع يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ الآية رقم [٢٢٤] الآتية، واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر، والمصدر لا يثنّى، ولا يجمع.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ:﴾ يؤدّونها في أوقاتها، ويحافظون على طهارتها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصلاة، وأصل «يُقِيمُونَ» يؤقومون، حذفت الهمزة للتخفيف حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل:
«أأقوم» الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: «يقومون»، ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف، فصار (يقومون) ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي مزيدة الهمزة في أوله، مثل:
أجاب يجيب، وأكرم يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لأنّ ماضيه: آمن، وأصله أأمن، والمضارع يؤأمن، أؤمن، فتحذف من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز]
فإنّه أهل لأن يؤكرما
ولا تنس أنّ هذه الهمزة تحذف من اسمي الفاعل والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس مؤكرم ومؤكرم، وقس على ذلك، وانظر شرح ﴿الصَّلاةَ﴾ في الآية [٤٣].
стр. 32
﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ أعطيناهم، وملكناهم.
﴿يُنْفِقُونَ:﴾ يتصدّقون على الفقراء، والمساكين، ويكون الإنفاق فرضا كالزكاة الواجبة، والكفارات على أنواعها، ويكون تطوعا وتقربا إلى الله تعالى، وانظر شرح الآيات [٢٦١] وما بعدها، إن شاء الله تعالى، هذا والفعل الماضي «أنفق» وهو رباعي الحروف، مضارعه: يؤنفق، حذفت الهمزة على مثال ما قبله، ويكون ثلاثيا: «نفق». قال الزمخشري رحمه الله تعالى: إنّ كلّ ما فاؤه نون، وعينه فاء، يدل على معنى الخروج، والذّهاب، مثل: نفق، ونفخ، ونفد، ونفش... إلخ.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه وجوه: الأول: الإتباع ل: (المتقين) على البدلية، أو على النعت، الثاني: في محل نصب على المدح بفعل محذوف. الثالث: في محل رفع على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع
إلخ، والواو فاعله. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾) معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. (﴿وَمِمّا﴾): الواو: حرف عطف.
(﴿مِمّا﴾): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية ضعيفة، ﴿رَزَقْناهُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: ومن الذي، أو من شيء رزقناهم إيّاه؛ لأن الفعل: «رزق» ينصب مفعولين، كالفعل الذي هو بمعناه، وهو: أعطى، ومنح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من رزقنا إيّاهم المال، وهو ركيك معنى، كما ترى. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجار والمجرور (ممّا) في محل المفعول به، وتقديمه للاهتمام به، وللمحافظة على رءوس الآي.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ المراد به القرآن الكريم. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾
يعني: الكتب السابقة، والمراد: المؤمنون الصادقون من المسلمين، ومن آمن من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأمثاله، بخلاف اليهود والنصارى الذين بقوا على أديانهم، ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ﴾ الآية رقم [٩١] الآتية: وفي حديث أبي ذر-﵁، قال: قلت: يا رسول الله! كم كتابا أنزل الله؟ قال: «أنزل مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزّبور، والفرقان». ويقال: لما
стр. 33
نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قالت اليهود، والنصارى: نحن نؤمن بالغيب، فلمّا قال الله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ قالوا: نحن نقيم الصلاة، فلما قال الله تعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قالوا: نحن ننفق، ونتصدّق، فلما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ نفروا من ذلك، ومثل ذلك في الآيتين رقم [١٥٥ و ١٥٦] من سورة (الأعراف).
﴿وَبِالْآخِرَةِ:﴾ المراد بالآخرة: الحياة التي تكون بعد الموت، وما فيها من نعيم مقيم، أو عذاب اليم، وهي الحياة الثانية الأبدية؛ التي تكون بعد البعث، والنشور، وبعد الحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن، وعمل صالحا، وفي النّار لمن كفر، وعمل سيئا، ورحم الله من يقول: [البسيط]
الموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟
ورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط]
الدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار
هما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟
و (الآخرة): مشتقة من التأخّر، لتأخرها عنّا، وتأخّرنا عنها، كما أنّ الدنيا مشتقة من الدّنو، كما ستعرفه. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ أي: بما بعد الموت، عالمون علما ثابتا دون شك؛ إذ الإيقان: العلم بنفي الشك والشبهة عند الاستدلال. وأصل الفعل: «يؤيقنون» فحذفت الهمزة على مثال ما سبق، فصار الفعل «يويقنون» ثم حذفت الياء الساكنة لالتقائها ساكنة مع الواو، فصار الفعل ﴿يُوقِنُونَ﴾.
الإعراب: (﴿الَّذِينَ﴾) معطوف على ما قبله في الآية السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيه.
﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): اسم موصول، وضعف أبو البقاء الموصوفة، قال: لأنه لا عموم فيه على هذا، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.
﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، والجملة الفعلية صلتها، ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، وعليه ف ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما) والكاف في محل جر بالإضافة.
(﴿بِالْآخِرَةِ﴾): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها، وهو أقوى من اعتبارها حالا.
стр. 34
﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين وصفوا بالآيتين السّابقتين بالصفات الحميدة، والأعمال المجيدة، هذا؛ و ﴿أُولئِكَ﴾ جمع: ذلك، وقد يجمع على أولالك، وأنشد ابن السكيت: [الطويل]
أولالك قومي لم يكونوا أشابة... وهل يعظ الضّلّيل إلا أولالكا؟!
و ﴿أُولئِكَ﴾ لجماعة العقلاء، وربما جاء في غير العقلاء، قال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الكامل]
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى... والعيش بعد أولئك الأيّام
وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٦]: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾. هذا؛ وقد قال العلماء: إنّ في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ردّا على القدرية، والمعتزلة، والإمامية في قولهم: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه-تعالى الله عن قولهم-ولو كان كما قالوا؛ لقال: «من أنفسهم» وقد تقدم الكلام فيه، وفي الهدى. انتهى القرطبي. هذا وفي قوله تعالى: ﴿عَلى هُدىً﴾ استعارة تبعية بالحرف، أي: تمكّنوا من الهداية التامة، ويقال في إجرائها: شبّه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى، بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه بجامع التمكّن في كلّ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات، ثم استعيرت «على» من جزئي من جزئيات المشبّه به لجزئي من جزئيات المشبّه على طريق الاستعارة التّصريحية التّبعيّة.
﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون برضا الله، الناجون من غضبه، وعقابه، فهو جمع اسم فاعل، من: أفلح الرجل: فاز ببغيته، ومراده، وأصله، «مؤفلح» فعل فيه ما فعل بما قبله، وتكرّر اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، وأنهم جديرون بذلك الفضل الذي خصّهم الله به، ومنحهم إياه، هذا و «الفلح» أصله في اللغة: الشقّ، والقطع، ومنه فلاحة الأرضين؛ أي: شقها للحرث، ولذلك سمي الأكّار فلاحا، ويقال للذي شقّت شفته السفلي، أو العليا: أفلح، والفلاح: البقاء، والدوام، قال الأضبط بن قريع السّعدي في الجاهلية الجهلاء: [الرجز]
لكلّ همّ من الهموم سعه... والمسي والصّبح لا فلاح معه
يقول: ليس مع كر اللّيل والنهار بقاء، وقال آخر: [الطويل]
نحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا... ونرجوا الفلاح بعد عاد وحمير
стр. 35
الإعراب: ﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلى هُدىً:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿هُدىً﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ: (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ..﴾.) إلخ، وما عطف عليه، على وجه مرّ ذكره، (﴿أُولئِكَ﴾): مبتدأ مثل سابقه، ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، هذا ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا و ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ:
معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله المؤمنين، وأحوالهم؛ ذكر الكافرين، ومآلهم، وتلك سنّة اقتضتها حكمة العليم الحكيم، ورحمته في كتابه الكريم؛ بأن لا يذكر التكذيب، والكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة، ونعيمها إلا ويذكر النّار وجحيمها، ولا يذكر الرحمة إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا، وهذا ما يسمّى بالمقابلة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا والكفر: ضدّ الإيمان، وهو المراد في الآية، وقد يكون بمعنى: جحود النعمة، والإحسان، ومنه قول النبي ﷺ في النساء في حديث الكسوف: «ورأيت النار، فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع! ورأيت أكثر أهلها النّساء» قيل: بم يا رسول الله؟! قال: «بكفرهنّ» قيل:
أيكفرن بالله؟! قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر كلّه، ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ!». أخرجه البخاري، وغيره. ويروى بأطول من هذا من رواية أبي سعيد الخدري-﵁، وأصل الكفر في كلام العرب: الستر، والتغطية، قال لبيد-﵁-في معلّقته رقم [٤٢] في وصف بقرة وحشية: [الكامل]
يعلو طريقة متنها متواتر... في ليلة كفر النّجوم غمامها
وسمّي الزّارع: كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتّراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا في سورة (الحديد) رقم [٢٠] ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾. ويسمّى الليل:
كافرا؛ لأنه يستر كلّ شيء بظلمته. قال لبيد في معلقته رقم [٦٥]: [الطويل]
стр. 36
حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
ويطلق لفظ الكافر على النّهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النّهر: [الطويل]
وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأس مضلّل
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التيّار في كلّ جدول
هذا وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وأسرّها، وأخفاها.
قال تعالى في سورة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الآية رقم [٧]: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال القطامي، وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا فتح رب البريّة: [الوافر]
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ:﴾ ﴿سَواءٌ﴾ مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد.
وقيل: بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هما، وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيّان، وإن شئت قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا ويأتي بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ رقم [٥٥] من سورة (الصافات) ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ الآية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال) وسواء السبيل: ما استقام منه، كما في الآية رقم [١٠٨] الآتية: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته، وسواء الشيء: غيره، قال الأعشى: [الطويل]
تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائها
﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ الإنذار: الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد يكون إلا في التخويف من عذاب الله، وتناذر القوم لأمر: إذا خوفه بعضهم بعضا، ففي الآية الكريمة تيئيس من إيمان الكفار، سبقت للتنبيه، على غلوّهم في الكفر، والطغيان، وعدم استعدادهم للإيمان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (سواء أأنذرتهم). ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتسوية. (﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية، وهمزة التسوية في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف
стр. 37
عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية هذه مؤوّلة بمصدر معطوف على سابقه، وتقدير الكلام: إنذارك وعدمه سواء، وقال محمد بن يزيد: ﴿سَواءٌ:﴾ يرفع بالابتداء، والمصدر المؤول خبر عنه. وقال أبو البقاء: ﴿سَواءٌ:﴾ مبتدأ، والمصدر المؤوّل في محل رفع فاعل ب ﴿سَواءٌ﴾ سد مسدّ خبره، والتقدير: يستوي عندهم الإنذار، وتركه. والأول أقوى؛ لأن ﴿سَواءٌ﴾ نكرة كما ترى، ولا مسوغ لوقوعه مبتدأ، وعلى كلّ فالجملة الاسمية في محل رفع فاعل به. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها، ورجّحه ابن هشام في المغني على غيره، أو هي في محل رفع خبر (إنّ) فتكون الجملة الاسمية: ﴿سَواءٌ..﴾. إلخ المعترضة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾ أقوال، وأرجح الأول، وهو الحالية، هذا ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٢١]: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) الآية رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٣٦]: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ ولا تنس الآية رقم [١٠] من سورة (ياسين). و (أم) في هذه الآيات، وأمثالها تسمى: متصلة؛ لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى أيضا معادلة لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية، والمنقطعة بخلاف ذلك، انظر مبحث «أم» في كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك؛ فإنه جيد، والحمد لله.
﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾
الشرح: ﴿خَتَمَ اللهُ﴾ قال الزجّاج: الختم: التغطية؛ لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه تغطية له؛ لئلا يطّلع عليه أحد. وقال ابن عباس-﵄: طبع الله على قلوبهم، فلا يعقلون الخير. وقال النسفي: وحاصل الختم والطّبع خلق الظلمة، والضيق في صدر العبد عندنا، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه. انتهى.
أقول: ولعل هذه الظلمة حاصلة من الرّان الذي ذكره الله بقوله: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سورة (المطففين) رقم [١٤]، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا؛ كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب، ونزع، واستغفر؛ صقل منها، وإن زاد؛ زادت حتّى يغلّف بها قلبه، فذلك الرّان الّذي ذكر الله في كتابه:
﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾. رواه الترمذيّ، والنّسائي، وابن ماجة، وابن حبّان.
стр. 38
هذا وفي هذه الآية دليل واضح على أنّ الله سبحانه خالق الهدى، والضلال، والكفر، والإيمان، فاعتبروا أيها السّامعون، وتعجّبوا أيها المفكرون من عقول القدرية والمعتزلة القائلين بخلق إيمانهم، وهداهم، فإنّ الختم هو الطّبع، فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا؛ وقد طبع على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون؟! أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم، وأصمهم، وأعمى أبصارهم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضلّه، وخذله؛ إذ لم يمنعه حقّا وجب له، فتزول صفة العدل، وإنّما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم. انتهى. قرطبي.
أقول: ولو تركهم وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر قطعا، هذا وقد شبه قلوبهم لتأبّيها الحق، وأسماعهم وأبصارهم لارتفاعها عن تقبل نور الهداية بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغشى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، واستعار لفظ الختم، والغشاوة لذلك بطريق الاستعارة التصريحية؛ لأنه ليس تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بها أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر، والمعاصي، واستقباح الإيمان، والطاعات. قال سليمان الجمل- رحمه الله تعالى-: وحيث أطلق القلب في لسان الشرع؛ فليس المراد به الجسم الصنوبري الشّكل؛ فإنه للبهائم، والأموات، بل المراد به معنى آخر، سمّي بالقلب أيضا، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني، قيام العرض بمحله، أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك، وترتسم فيه العلوم والمعارف. انتهى.
تنبيه: وحّد السمع دون القلوب والأبصار لأمن اللّبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال:
سمعت الشيء سمعا، وسماعا، والمصدر لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه اسم جنس، يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع، انتهى. نسفي. وقيل: وحّد السّمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصّوت، ومدركات القلب والبصر مختلفة، وإنّما خصّ الله تعالى هذه الأعضاء بالذكر؛ لأنها طرق العلم، فالقلب محل العلم، وطريقه إما السّماع وإما الرؤية. انظر سورة (الملك) جيدا.
﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قوي مستمرّ، فهو وعيد، وبيان لما يستحقّونه، والعذاب: كالنكال وزنا ومعنى، تقول: عذب عن الشيء، ونكل عنه: إذا أمسك، ومنه: الماء العذب؛ لأنه يقمع العطش، ويردعه، ولذلك سمي نقاحا، وفراتا.
الإعراب: ﴿خَتَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، وفيها معنى التعليل لعدم قبولهم الإيمان. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿غِشاوَةٌ:﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، هذا وقال الأخفش: ﴿غِشاوَةٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور، وهذا يوجب تقدير
стр. 39
فعل، فيكون التقدير: ووضع أو: وثبت على أبصارهم غشاوة، فتكون الجملة فعلية على هذا التقدير، هذا ويقرأ «غشوة» بالنصب على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، قال القرطبي:
فيكون من باب قوله، وهو الشاهد رقم [١٠٧٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل]
علفتها تبنا وماء باردا... حتّى بدت همّالة عيناها
وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [٩]: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ..﴾. إلخ، وانظر سورة (الحج) رقم [٢٠]، وسورة (الفرقان) رقم [١٢]، والهاء في الكلّ ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، فلا محل لها على الاعتبارين. هذا والحالية ممكنة من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وساغ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه. هذا وإن اعتبرت ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا بالجار والمجرور على قول الأخفش، فتكون الجملة فعلية، ومعطوفة على ما قبلها.
تنبيه استدل بالآية الكريمة من فضّل السّمع على البصر لتقدمه عليه باللفظ، ومثلها كثير.
وقال لتبرير قوله: والسّمع يدرك به الجهات السّت، وفي النور، والظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء، وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السّمع؛ لأن السمع لا يدرك إلا الأصوات، والكلام.
والبصر يدرك به الأجسام، والألوان، والهيئات كلّها، قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر؛ كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات السّت. انتهى قرطبي بتصرف.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾
الشرح: لمّا تقدم وصف المؤمنين في صدر السّورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بآيتين شرع الله تعالى في بيان حال المنافقين؛ الّذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر. ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس؛ أطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية؛ لينبّه إلى عظيم خطرهم، وكبير ضررهم، ووصفهم بصفات متعدّدة، كلّ منها نفاق، كما أنزل سورة (براءة) وسورة (المنافقين) فيهم، وذكرهم في سورة (النّور) وغيرها من السور تعريفا بأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبّس بها أيضا.
والنّفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وهو نوع اعتقاديّ، وهو الذي يخلد صاحبه في النّار، وعمليّ بأن يتصف إنسان بصفاتهم، ويعمل بأعمالهم من الكذب، والخيانة، والفجور، وخلف الوعد، وغير ذلك.
стр. 40
عن عبد الله بن عمرو-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ، كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم.
﴿النّاسِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده: إنسان، وإنسانة من غير لفظه، وتصغيره: نويس، وناس، وإنسان، وأناسيّ، وإنس من مادّة واحدة. وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس:
حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، ولا يكاد يقال:
الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٦٠] الآتية:
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وقيل: إن أصله النوس، ولم يحذف منه شيء، وإنّما قلبت الواو ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها.
هذا وقيل: «النّاس» مأخوذ من النّوس، وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس: إذا تحرك، وقيل: أصله من: نسي، فأصل ناس: نسي، قلب، فصار: نيس، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام، فقيل: النّاس، وقال ابن عباس-﵄: نسي آدم عهد الله فسمّي إنسانا. وقال النبي ﷺ : «نسي آدم فنسيت ذرّيّته» وقال تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً،﴾ وعلى هذا فالهمزة زائدة. قال الشاعر: [الكامل]
لا تنسين تلك العهود فإنّما... سمّيت إنسانا لأنك ناسي
وقال آخر: [البسيط]
فإن نسيت عهودا منك سالفة... فاغفر فأوّل ناس أوّل النّاس
وقيل: سمي: إنسانا؛ لأنسه بحواء، وقيل: لأنسه بربّه، قال الشاعر: [الطويل]
وما سمّي الإنسان إلا لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب
وأضيف: إن الله أطلق لفظ الناس على شخص واحد، وهو نعيم بن مسعود-﵁، وذلك بقوله تعالى في سورة آل عمران رقم [١٧٣] ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ..﴾. إلخ.
(اليوم ﴿الْآخِرِ﴾): هو آخر أيّام الدنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهي، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الرّباني.
﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ:﴾ هذا ردّ لما ادّعوه من الإيمان على أكمل وجه. هذا؛ وما قاله
следующие страницы →