Полный текст (7 463 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
ويطلق لفظ الكافر على النّهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النّهر: [الطويل]
وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأس مضلّل
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التيّار في كلّ جدول
هذا وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وأسرّها، وأخفاها.
قال تعالى في سورة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الآية رقم [٧]: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال القطامي، وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا فتح رب البريّة: [الوافر]
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ:﴾ ﴿سَواءٌ﴾ مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد.
وقيل: بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هما، وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيّان، وإن شئت قلت: سواآن، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان، ومتساوون. هذا ويأتي بمعنى: الوسط، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ رقم [٥٥] من سورة (الصافات) ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ الآية رقم [٥٨] من سورة (الأنفال) وسواء السبيل: ما استقام منه، كما في الآية رقم [١٠٨] الآتية: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسواء الجبل: ذروته، وسواء الشيء: غيره، قال الأعشى: [الطويل]
تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائها
﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ الإنذار: الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد يكون إلا في التخويف من عذاب الله، وتناذر القوم لأمر: إذا خوفه بعضهم بعضا، ففي الآية الكريمة تيئيس من إيمان الكفار، سبقت للتنبيه، على غلوّهم في الكفر، والطغيان، وعدم استعدادهم للإيمان، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (سواء أأنذرتهم). ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتسوية. (﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية، وهمزة التسوية في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف
стр. 37
عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ:﴾ مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية هذه مؤوّلة بمصدر معطوف على سابقه، وتقدير الكلام: إنذارك وعدمه سواء، وقال محمد بن يزيد: ﴿سَواءٌ:﴾ يرفع بالابتداء، والمصدر المؤول خبر عنه. وقال أبو البقاء: ﴿سَواءٌ:﴾ مبتدأ، والمصدر المؤوّل في محل رفع فاعل ب ﴿سَواءٌ﴾ سد مسدّ خبره، والتقدير: يستوي عندهم الإنذار، وتركه. والأول أقوى؛ لأن ﴿سَواءٌ﴾ نكرة كما ترى، ولا مسوغ لوقوعه مبتدأ، وعلى كلّ فالجملة الاسمية في محل رفع فاعل به. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها، ورجّحه ابن هشام في المغني على غيره، أو هي في محل رفع خبر (إنّ) فتكون الجملة الاسمية: ﴿سَواءٌ..﴾. إلخ المعترضة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾ أقوال، وأرجح الأول، وهو الحالية، هذا ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٢١]: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المنافقون) الآية رقم [٦]: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٣٦]: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ ولا تنس الآية رقم [١٠] من سورة (ياسين). و (أم) في هذه الآيات، وأمثالها تسمى: متصلة؛ لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى أيضا معادلة لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية، والمنقطعة بخلاف ذلك، انظر مبحث «أم» في كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك؛ فإنه جيد، والحمد لله.
﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾
الشرح: ﴿خَتَمَ اللهُ﴾ قال الزجّاج: الختم: التغطية؛ لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه تغطية له؛ لئلا يطّلع عليه أحد. وقال ابن عباس-﵄: طبع الله على قلوبهم، فلا يعقلون الخير. وقال النسفي: وحاصل الختم والطّبع خلق الظلمة، والضيق في صدر العبد عندنا، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه. انتهى.
أقول: ولعل هذه الظلمة حاصلة من الرّان الذي ذكره الله بقوله: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سورة (المطففين) رقم [١٤]، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا؛ كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب، ونزع، واستغفر؛ صقل منها، وإن زاد؛ زادت حتّى يغلّف بها قلبه، فذلك الرّان الّذي ذكر الله في كتابه:
﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾. رواه الترمذيّ، والنّسائي، وابن ماجة، وابن حبّان.
стр. 38
هذا وفي هذه الآية دليل واضح على أنّ الله سبحانه خالق الهدى، والضلال، والكفر، والإيمان، فاعتبروا أيها السّامعون، وتعجّبوا أيها المفكرون من عقول القدرية والمعتزلة القائلين بخلق إيمانهم، وهداهم، فإنّ الختم هو الطّبع، فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا؛ وقد طبع على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون؟! أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم، وأصمهم، وأعمى أبصارهم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضلّه، وخذله؛ إذ لم يمنعه حقّا وجب له، فتزول صفة العدل، وإنّما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم. انتهى. قرطبي.
أقول: ولو تركهم وشأنهم؛ لما اختاروا غير الكفر قطعا، هذا وقد شبه قلوبهم لتأبّيها الحق، وأسماعهم وأبصارهم لارتفاعها عن تقبل نور الهداية بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغشى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، واستعار لفظ الختم، والغشاوة لذلك بطريق الاستعارة التصريحية؛ لأنه ليس تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بها أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر، والمعاصي، واستقباح الإيمان، والطاعات. قال سليمان الجمل- رحمه الله تعالى-: وحيث أطلق القلب في لسان الشرع؛ فليس المراد به الجسم الصنوبري الشّكل؛ فإنه للبهائم، والأموات، بل المراد به معنى آخر، سمّي بالقلب أيضا، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني، قيام العرض بمحله، أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك، وترتسم فيه العلوم والمعارف. انتهى.
تنبيه: وحّد السمع دون القلوب والأبصار لأمن اللّبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال:
سمعت الشيء سمعا، وسماعا، والمصدر لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه اسم جنس، يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع، انتهى. نسفي. وقيل: وحّد السّمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصّوت، ومدركات القلب والبصر مختلفة، وإنّما خصّ الله تعالى هذه الأعضاء بالذكر؛ لأنها طرق العلم، فالقلب محل العلم، وطريقه إما السّماع وإما الرؤية. انظر سورة (الملك) جيدا.
﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قوي مستمرّ، فهو وعيد، وبيان لما يستحقّونه، والعذاب: كالنكال وزنا ومعنى، تقول: عذب عن الشيء، ونكل عنه: إذا أمسك، ومنه: الماء العذب؛ لأنه يقمع العطش، ويردعه، ولذلك سمي نقاحا، وفراتا.
الإعراب: ﴿خَتَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، وفيها معنى التعليل لعدم قبولهم الإيمان. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿غِشاوَةٌ:﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، هذا وقال الأخفش: ﴿غِشاوَةٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور، وهذا يوجب تقدير
стр. 39
فعل، فيكون التقدير: ووضع أو: وثبت على أبصارهم غشاوة، فتكون الجملة فعلية على هذا التقدير، هذا ويقرأ «غشوة» بالنصب على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، قال القرطبي:
فيكون من باب قوله، وهو الشاهد رقم [١٠٧٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل]
علفتها تبنا وماء باردا... حتّى بدت همّالة عيناها
وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [٩]: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ..﴾. إلخ، وانظر سورة (الحج) رقم [٢٠]، وسورة (الفرقان) رقم [١٢]، والهاء في الكلّ ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، فلا محل لها على الاعتبارين. هذا والحالية ممكنة من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وساغ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه. هذا وإن اعتبرت ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا بالجار والمجرور على قول الأخفش، فتكون الجملة فعلية، ومعطوفة على ما قبلها.
تنبيه استدل بالآية الكريمة من فضّل السّمع على البصر لتقدمه عليه باللفظ، ومثلها كثير.
وقال لتبرير قوله: والسّمع يدرك به الجهات السّت، وفي النور، والظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء، وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السّمع؛ لأن السمع لا يدرك إلا الأصوات، والكلام.
والبصر يدرك به الأجسام، والألوان، والهيئات كلّها، قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر؛ كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات السّت. انتهى قرطبي بتصرف.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾
الشرح: لمّا تقدم وصف المؤمنين في صدر السّورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بآيتين شرع الله تعالى في بيان حال المنافقين؛ الّذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر. ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس؛ أطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية؛ لينبّه إلى عظيم خطرهم، وكبير ضررهم، ووصفهم بصفات متعدّدة، كلّ منها نفاق، كما أنزل سورة (براءة) وسورة (المنافقين) فيهم، وذكرهم في سورة (النّور) وغيرها من السور تعريفا بأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبّس بها أيضا.
والنّفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، إظهار الإيمان، وإخفاء الكفر، وهو نوع اعتقاديّ، وهو الذي يخلد صاحبه في النّار، وعمليّ بأن يتصف إنسان بصفاتهم، ويعمل بأعمالهم من الكذب، والخيانة، والفجور، وخلف الوعد، وغير ذلك.
стр. 40
عن عبد الله بن عمرو-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ، كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم.
﴿النّاسِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده: إنسان، وإنسانة من غير لفظه، وتصغيره: نويس، وناس، وإنسان، وأناسيّ، وإنس من مادّة واحدة. وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس:
حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، ولا يكاد يقال:
الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٦٠] الآتية:
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وقيل: إن أصله النوس، ولم يحذف منه شيء، وإنّما قلبت الواو ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها.
هذا وقيل: «النّاس» مأخوذ من النّوس، وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس: إذا تحرك، وقيل: أصله من: نسي، فأصل ناس: نسي، قلب، فصار: نيس، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام، فقيل: النّاس، وقال ابن عباس-﵄: نسي آدم عهد الله فسمّي إنسانا. وقال النبي ﷺ : «نسي آدم فنسيت ذرّيّته» وقال تعالى في سورة (طه) رقم [١١٥]: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً،﴾ وعلى هذا فالهمزة زائدة. قال الشاعر: [الكامل]
لا تنسين تلك العهود فإنّما... سمّيت إنسانا لأنك ناسي
وقال آخر: [البسيط]
فإن نسيت عهودا منك سالفة... فاغفر فأوّل ناس أوّل النّاس
وقيل: سمي: إنسانا؛ لأنسه بحواء، وقيل: لأنسه بربّه، قال الشاعر: [الطويل]
وما سمّي الإنسان إلا لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب
وأضيف: إن الله أطلق لفظ الناس على شخص واحد، وهو نعيم بن مسعود-﵁، وذلك بقوله تعالى في سورة آل عمران رقم [١٧٣] ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ..﴾. إلخ.
(اليوم ﴿الْآخِرِ﴾): هو آخر أيّام الدنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهي، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الرّباني.
﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ:﴾ هذا ردّ لما ادّعوه من الإيمان على أكمل وجه. هذا؛ وما قاله
стр. 41
الزمخشري عن المنافقين: كانوا يهودا؛ غير مسلّم له، بل إنّ المنافقين كانوا من العرب سكان المدينة المنورة، ورئيسهم عبد الله بن أبيّ خزرجيّ الأصل.
الإعراب: ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ الواو حرف عطف عطفت قصّة المنافقين على ما قبلها. (﴿مِنَ النّاسِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو المتعارف عليه في هذه الجملة، وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس، على حد قوله تعالى في سورة (الجنّ) رقم [١١]: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ. و (﴿مِنَ﴾) هي الخبر؛ لأنّ (﴿مِنَ﴾) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ ف (﴿أَكْثَرُهُمُ﴾) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٦٩]: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ ف (﴿كَثِيرٌ﴾) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ،﴾ وخذ قول الحماسيّ: [الكامل]
منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب
حيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدلّ على أنّ مضمون «منهم» مبتدأ، هذا و «ليوث» جمع: ليث، وهو السّبع، لا ترام: لا تقصد. قمشت:
جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء.
﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى من، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِمُؤْمِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مؤمنين):
خبر (ما) منصوب وعلامة نصبه الياء المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جيء بها لمناسبة حرف الجر الزائد، ويقال: مجرور لفظا منصوب محلاّ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من البعض المفهوم ممّا سبق، والضمير في الفعل: ﴿يَقُولُ﴾ والرابط الواو، والضمير. هذا وبنو تميم يهملون (ما) فتكون الباء زائدة في خبر المبتدأ، ولكن جاء القرآن بلغة الحجازيّين.
تنبيه: الباء حرف جر زائد، ويقال في القرآن: حرف صلة تأدّبا؛ لأنه لا زيادة في القرآن الكريم، ولا نقص، وهو وأمثاله يفيد التوكيد، ولكن يقول النّحويّون: زائد من حيث الاصطلاح، وهو ضروري عند علماء البلاغة لتوكيد الكلام، وتقويته.
стр. 42
﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ:﴾ الخداع، والمخادعة: أن يوهم المرء صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه؛ ليوقعه فيه من حيث لا يشعر، أو: يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغترّ بذلك، وكلا المعنيين مناسب للمقام، فإنّهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطّلعوا على أسرار المؤمنين، فيذيعوها إلى المنابذين، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة.
قال العلماء: معنى ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ أي: يخادعونه عند أنفسهم، وعلى ظنّهم.
وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون رسول الله ﷺ قاله الحسن، وغيره؛ لأنّ خداع رسول الله خداع لله. أو المعنى: إن معاملة رسول الله معاملة الله؛ من حيث إنّه خليفته في تشريع الأحكام، وتنفيذ الحدود، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ الآية رقم [٨٠] من سورة (النّساء)، وقال تعالى في سورة (الفتح) رقم [١٠]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ،﴾ وكذلك إذا خادعوا المؤمنين؛ فقد خادعوا الله. هذا؛ ومن قولهم: خدع الضب، إذا توارى في جحره، والأخدعان: عرقان خفيّان في العنق، وقال أهل اللغة: أصل الخدع في كلام العرب:
الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، وأنشد قول سويد بن كاهل: [الرمل]
أبيض اللّون لذيذ طعمه... طيّب الرّيق إذا الرّيق خدع
﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ:﴾ أي: إن دائرة الخداع راجعة إليهم، وضررها يحيق بهم، أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لمّا غروها بذلك، وخدعتهم أنفسهم حيث حدّثتهم بالأماني الفارغة، وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، وقد قال الرسول ﷺ : «لا تخادع الله، فإنّ من يخادع الله يخدعه، ونفسه يخدع؛ لو يشعر» قالوا: يا رسول الله! وكيف يخادع الله؟ قال: «تعمل بما أمرك الله به، وتطلب به غيره»، أي: ترائي به النّاس، هذا؛ وقرئ: «يخدعون» في الموضعين.
﴿وَما يَشْعُرُونَ:﴾ الشّعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ، ويخفى، مشتقّ من الشعر لدقته، وسمّي الشاعر: شاعرا لفطنته، ورقّة معرفته، والمعنى: وما يشعرون أنّ وبال خداعهم راجع على أنفسهم، وأنّهم سيحاسبون حسابا عسيرا، وسيعاقبون عقابا شديدا. ومحصّل ما ذكر: أنّ الآية من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبه حالهم في معاملتهم لله بحال المخادع مع صاحبه من حيث القبح، أو من باب المجاز العقلي في النسبة الإيقاعية. انتهى. جمل.
هذا وأما (النّفس) فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس. والنفس: مؤنث باعتبار الرّوح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا أم
стр. 43
أنثى، فعلى الأول قيل: هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرّطب.
فتكون سارية في جميع البدن، قال الجنيد-﵀: الرّوح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنّه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وقال بعضهم: إنّ هناك لطيفة ربّانيّة لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تفكّرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى: روحا، ومن حيث شهوتها: تسمّى نفسا، فالثلاثة متّحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار، وهذا ما تدل عليه الآثار الصّحاح. هذا؛ ومن الدليل على أن النفس هي الروح قوله تعالى في سورة (الزّمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يريد الأرواح، وذلك بين في قول بلال-﵁-عن النبي ﷺ في حديث ابن شهاب: «أخذ بنفسي يا رسول الله الّذي أخذ بنفسك». وهذا كان في الوادي الّذي ناموا فيه عن صلاة الصّبح حتى طلعت الشمس، وهم قافلون من غزوة تبوك. والنّفس أيضا: الدم، يقال: سالت نفسه، قال الشاعر: [الطويل]
تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا... وليست على غير الظّبات تسيل
وقال إبراهيم النّخعي، وهو المقرّر في الفقه: (ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجّس الماء إذا مات فيه)، والنّفس أيضا: الجسد، قال شاعر: [الكامل]
نبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا... أبياتهم تامور نفس المنذر
والتّامور أيضا: الدم. وانظر الآية رقم [١٤٤] الآتية.
هذا وقد ذكر القرآن الكريم للنفس خمس مراتب: الأمارة بالسّوء، واللّوامة، والمطمئنّة، والراضية، والمرضية، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسّوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشّهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق؛ لكن بقي فيها ميل للشّهوات؛ سمّيت: لوّامة، وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشّهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقّت الإلهامات؛ سمّيت: ملهمة.
فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشّهوانية حكم أصلا؛ سميت: مطمئنّة، فإن ترقّت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت على جميع مراداتها؛ سميت: راضية، فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحقّ، وعند الخلق، فإن أمرت بالرّجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سمّيت كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.
وأخيرا خذ ما ذكره القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ : أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية، وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية؟».
стр. 44
قالوا: يا رسول الله هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده إنّها لنفوسكم التي بين جنوبكم!». انتهى.
الإعراب: ﴿يَخْدَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على لفظ الجلالة.
﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿يَخْدَعُونَ..﴾. إلخ: بدل اشتمال من جملة:
﴿يَقُولُ..﴾. إلخ؛ لأنّ قولهم كذا مشتمل على الخداع، وتحتمل أن تكون مستأنفة جوابا لسؤال مقدّر، وهو: ما بالهم قالوا: آمنا، وما هم بمؤمنين؟ فقيل: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾. وجوز أبو البقاء اعتبارها حالا من فاعل: ﴿يَقُولُ﴾ المستتر، أو من الضمير المستتر ب (مؤمنين) ﴿وَما:﴾ الواو واو الحال. (ما) نافية. ﴿يُخادِعُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿إِلاّ﴾ حرف حصر لا محل له.
﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير، فتكون حالا متداخلة على قول أبي البقاء، وغير متداخلة على الوجهين المعتبرين في الجملة السابقة، ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ إعرابها كإعراب ما قبلها، وهي معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقيل: مستأنفة لا محل لها، ولا وجه له، وحذف مفعول الفعل للعلم به، التقدير: وما يشعرون: أن وبال خداعهم راجع على أنفسهم. هذا؛ ولا تنس: أنّه روعي لفظ (من) بإرجاع فاعل يقول إليها، وروعي معناها بإرجاع الضّمير بقوله: (وهم لا يشعرون).
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ أي: شكّ، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض: حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدّي إلى الموت، والمرض هنا: عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم، وذلك إما أن يكون شكّا، ونفاقا، وإما جحدا، وتكذيبا، والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوّها من الإيمان، والعصمة، والتوفيق، والرّعاية، والتأييد من الله.
﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً:﴾ قيل: هو دعاء عليهم، ويكون معنى الكلام: زادهم الله شكّا، ونفاقا جزاء على كفرهم، وخبثهم. وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدّعاء على المنافقين، والطرد لهم من رحمة الله؛ لأنهم شر خلق الله، وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم، أي: فزادهم الله مرضا إلى مرضهم، كما قال في سورة (التوبة) رقم [١٢٥]: ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: بأن طبع الله على قلوبهم لعلمه
стр. 45
تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير، والإنذار، وقيل: زادهم كفرا بزيادة التكاليف الشّرعية؛ لأنهم كانوا كلما ازدادت التكاليف بنزول الوحي؛ يزدادون كفرا. انتهى نقلا من أبي السعود.
هذا وزاد، يزيد: ضد نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا؛ بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدّي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ الآية رقم [٤] من سورة (التوبة)، ومن اللازم قوله تعالى في سورة ق رقم [٤]: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.
﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ أي: موجع، مثل السّميع، بمعنى: المسمع، وآلم: إذا أوجع.
والإيلام: الإيجاع، والألم: الوجع، والتألّم: التوجّع. هذا وقال المرحوم سليمان الجمل:
مؤلم بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذّب، يقال: ألم، من باب: طرب، فهو أليم: كوجع، فهو وجيع، أي:
متألّم ومتوجّع، ولا يقال: إنّه بكسر اللام اسم فاعل على طريق الإسناد الحقيقي، كسميع بمعنى:
مسمع لخلوّه من دعوى المبالغة الحاصلة على كونه بفتح اللام؛ حيث يقتضي: أن العذاب لشدّة إيلامه للمعذبين، صار هو كأنه مؤلم، أي: معذب، فهو على حد: جدّ جدّه. انتهى. هذا؛ وعذاب: اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله عطاء، وسلام، وثبات؛ لأعطى، وسلم، وأثبت، هذا والعذاب كل ما شقّ على الإنسان، ومنعه عن مراده، وهو كالنّكال وزنا ومعنى.
تنبيه: وحكمة كفّه ﷺ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ما ثبت في الصحيحين:
أنه ﷺ قال لعمر-﵁: «أكره أن يتحدّث العرب: أنّ محمدا يقتل أصحابه».
وفي رواية ثانية: «معاذ الله أن يتحدث الناس أنّي أقتل أصحابي!». والنبي ﷺ لم يقتلهم لمصلحة، وهي تأليف القلوب عليه لئلا تنفر منه، علما بأن أقرباء بعض المنافقين جاءوا للنّبيّ ﷺ يستأذنونه بقتل ذويهم، الذين ظهر منهم إيذاء له ﷺ ، وذلك مثل عبد الله-﵁ ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، الذي جاءه يستأذنه في قتل أبيه حينما تكلّم كلاما مسيئا للنبيّ ﷺ ، وقد كان ﷺ يعطي المال من أسلم حديثا تألّفا لهم مع علمه بضعف إيمانهم، ولكن جاء التّهديد، والوعيد من الله لهم على العموم، مثل قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٠]:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ قال قتادة: معناه: إذا هم أعلنوا النفاق.
هذا وزيادة النفاق في قلوبهم كانت تحصل من نزول القرآن آية بعد آية، فكانوا كلّما كفروا بآياته؛ ازدادوا كفرا، ونفاقا، والمؤمنون بعكس ذلك، كانوا كلما تليت عليهم آيات القرآن؛ ازدادوا إيمانا، ويقينا. انظر الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال).
стр. 46
الإعراب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر، هذا؛ ويجيز الأخفش اعتباره فاعلا بالجار والمجرور من غير اعتماد على نفي، أو استفهام، وهو ممّا ينفرد به، والتقدير عنده: ثبت، أو استقر في قلوبهم مرض، فهو في الحقيقة فاعل بمتعلق الجار والمجرور. والجملة على الاعتبارين بمنزلة التوكيد لقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أو هي تعليل لعدم إيمانهم. (زادهم):
فعل ماض، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مَرَضاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة على الوجهين المعتبرين فيها. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وقيل فيه ما رأيته في سابقه عن الأخفش. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة عذاب، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَلِيمٌ﴾ أو بمحذوف صفة ثانية ل ﴿عَذابٌ﴾ وقال أبو البقاء: صفة: ﴿أَلِيمٌ﴾. و (ما) تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر بالباء، ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿يَكْذِبُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير بسبب الذي كانوا يكذبونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكونهم يكذبون، وعلى هذا القول بأن ل (كان) مصدرا، وهو الصحيح عند بعضهم للتّصريح به في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٢٣] من كتابنا فتح رب البرية: [الطويل]
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى... وكونك إيّاه عليك يسير
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ لهؤلاء المنافقين، والقائل هو الله، ، أو الرسول ﷺ ، أو بعض المؤمنين، وهذا شروع في تعديد بعض قبائحهم. ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن جرير -رحمه الله تعالى-: أهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم ربهم، وركوبهم ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكّهم في دينه، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم مقيمون عليه من الشّكّ، والرّيب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله، وكتبه، ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، كالذي حصل منهم، كمودتهم لقريش، ومصافاتهم لقبائل اليهود؛ الذين كانوا يسكنون المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، فذلك إفساد المنافقين في الأرض.
وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون في الأرض، قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [٨]:
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٠٣ - ١٠٤]: ﴿قُلْ﴾
стр. 47
﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ فالمنافق لمّا كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، وغرّهم بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمرّ على حاله الأول؛ لكان شرّه أخفّ، وخذ ما يلي:
فقد قال رسول الله ﷺ : «إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا، ولا كافرا، أمّا المؤمن فيحجزه إيمانه، وأمّا الكافر فيقمعه كفره، ولكن أخاف على أمّتي كلّ منافق عليم اللّسان». أخرجه الطّبرانيّ عن عليّ-﵁، وكرم الله وجهه.
﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين، والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء، وهؤلاء. وقال ابن عباس-﵄: أي نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. انتهى. وخذ قوله تعالى في بيان حقيقتهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ رقم [١٤٣] من سورة (النساء).
هذا و (﴿الْأَرْضِ﴾) مؤنثة، وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة أن يقال: أرضة، ولكنهم لم يقولوا، والجمع: أرضات لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليس فيه هاء التأنيث بالألف، والتاء، لقولهم: عرسات، ثم قالوا: أرضون، فجمعوا بالواو والنون، والمؤنث لا يجمع بالواو، والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة، وظبة، ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا عن حذفهم الألف، والتاء، وتركوا فتحة الراء على حالها، وربما سكنت، وقد تجمع على أروض.
وزعم أبو الخطاب: أنّهم يقولون: أرض، وأراض، مثل: أهل، وأهال، والأراضي أيضا على غير قياس، كأنّهم جمعوا أرضا، وكل ما سفل فهو أرض، وأرض أريضة؛ أي: زكية بينة الأراضة، وقد أرضت بالضم؛ أي: زكت، قال أبو عمرو: نزلنا أرضا أريضة، أي: معجبة للعين. ويقال: لا أرض لك! كما يقال: لا أمّ لك! والأرض أسفل قوائم الدّابة، قال حميد بن ثور الهلالي يصف فرسا: [الرجز]
ولم يقلّب أرضها البيطار... ولا لحبليه بها حبار
والأرض: النّفضة، والرّعدة، قال ابن عباس-﵄-وقد زلزلت الأرض:
زلزلت الأرض أم بي أرض؟ أي: نفضة، ورعدة. وقال ذو الرّمّة يصف صائدا: [البسيط]
إذا توجّس ركزا من سنابكها... أو كان صاحب أرض أو به الموم
والأرض: الزّكام. وقد آرضه الله إيراضا؛ أي: أزكمه، فهو مزكوم. والأرضة بالتّحريك:
دويبة تأكل الخشب، يقال: أرضت الخشبة، تؤرض أرضا-بالتسكين-فهي مأروضة: إذا أكلتها. انتهى صحاح الجوهري بحروفه.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل
стр. 48
ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول، وقيل: الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل، وقيل: جملة: ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ هي في محل رفع نائب فاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، أو نائبا عنه، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: (يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه). وهذا لا غبار عليه، وقال ابن هشام في المغني: فليس هذا من باب الإسناد إلى الجملة لما بينا، أي: من أنّ الجملة إذا قصد لفظها؛ يحكم لها بحكم المفرد؛ ليجوز حينئذ وقوعها مبتدأ، أو فاعلا، أو نائبا عنه، وانظر الشاهد [٧٩٣] من كتابنا فتح القريب المجيب، ومثّل لذلك في شذور الذهب بقول النبي ﷺ : «أفضل ما قلته أنا، والنبيّون من قبلي: لا إله إلاّ الله». ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُفْسِدُوا:﴾
فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مفسرة لنائب الفاعل على اعتباره ضميرا، أو هي في محل نصب مقول القول، أو هي في محل رفع نائب فاعل، كما رأيت، فتكون على الحكاية، وهو المعتمد، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها، على القول المرجوح، وهو المشهور، أقول هذا دائما؛ لأن ابن هشام رجح تعليق «إِذا» بفعل شرطها، وأكد ذلك إذا اقترن جوابها بالفاء، فإنه لا يعمل ما بعد الفاء بما قبلها، وهو كثير؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ [النصر: ١ - ٣]، انظر مبحث «إذا» في مغني اللبيب، وقد خطّأ أبو البقاء من يرجّح ذلك، وهو المخطئ بلا ريب.
﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتّفريق. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة، ﴿نَحْنُ مُصْلِحُونَ:﴾
مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له، وقيل: معطوف على جملة:
﴿يَكْذِبُونَ﴾ الواقعة خبرا ل (كان)، وقيل: معطوف على جملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ الواقعة صلة ل (﴿مِنَ﴾)، وأرجّح الأوّل من هذه الأقوال.
﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ:﴾ هذا ردّ عليهم، وتكذيب لقولهم، وانظر شرح إفسادهم في الآية السابقة، ولا تنس تأكيد هذا الردّ ب (إنّ) وبضمير الفصل، وتعريف الخبر، ب ﴿أَلا﴾ الاستفتاحية في الردّ عليهم لما ادعوه من قولهم: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فإنهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكّدة ب ﴿إِنَّما﴾ ليدلوا بذلك على ثبوت الوصف لهم، فردّ الله عليهم بأبلغ، وأوكد ممّا ادّعوه.
стр. 49
﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ قال ابن كيسان رحمه الله تعالى: يقال: ما على من لم يعلم أنّه مفسد من الذّم، إنّما يذمّ إذا علم: أنّه مفسد، ثم أفسد على علم. قال: ففيه جوابان: أحدهما أنهم كانوا يعملون الفساد سرّا، ويظهرون الصّلاح، وهم لا يشعرون أنّ أمرهم يظهر عند النّبيّ ﷺ ، والوجه الآخر أن يكون فسادهم عندهم صلاحا، وهم لا يشعرون: أنّ ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحقّ واتّباعه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعى به انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام، ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿هُمُ:﴾
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، هذا ويجوز اعتبار: ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، كما يجوز اعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل. فيكون ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ على هذين الاعتبارين خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَلكِنْ:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وقيل: بل معطوفة على جملة ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ، والتقدير: ولكنهم لا يشعرون.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ..﴾. إلخ: القائل لهم هم المؤمنون: ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أي كإيمان الناس بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والجنّة، والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به. وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر، وترك الزواجر.
﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ:﴾ يعنون-لعنهم الله-أصحاب رسول الله ﷺ ، مثل: عمّار، وبلال، وصهيب، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة؟! قال البيضاوي: وإنما سفّهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإنّ أكثر المؤمنين كانوا فقراء، ومنهم موال، كصهيب، وبلال، أو للتجلّد، وعدم المبالاة بمن آمن منهم؛ إن فسر (﴿النّاسِ﴾) بعبد الله بن سلام، وأشياعه، وهذا القول من المنافقين إنّما كانوا يقولونه في خفاء، واستهزاء، فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك.
وقيل: إنّ السفه، ورقّة الحلوم، وفساد البصائر إنّما هي في حيزهم، وصفة لهم، وأخبر:
أنهم هم السّفهاء، ولكن لا يعلمون للرّين الّذي على قلوبهم.
стр. 50
هذا و ﴿السُّفَهاءُ:﴾ جمع: سفيه، وهو الجاهل. والسّفه: سخافة العقل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها، فكل هذه المعاني يجوز إطلاقها على السّفه، والسّفيه. انظر: ﴿سَفِهَ﴾ في الآية رقم [١٣٠] الآتية، وانظر ﴿سَفِيهاً﴾ في الآية رقم [٢٨١]، ولا تنس: أن الاستفهام في هذه الآية، إنّما هو بمعنى النفي؛ إذ المعنى: لا نؤمن... إلخ، هذا وإنما سمّى الله المنافقين سفهاء؛ لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء رؤساء، فقلب ذلك عليهم، وسمّاهم: سفهاء؛ لأنهم يجهلون حقيقة أنفسهم.
وينبغي أن تعلم: أنّ الله-جلّت قدرته-قد ذكر هنا: ﴿لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقال فيما تقدم: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لأنه قد ذكر هنا السّفه، وهو جهل محض كما رأيت، فكان ذكر العلم به أحسن به طباقا، ولأن الإيمان يحتاج فيه إلى نظر، واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، أمّا الفساد في الأرض؛ فأمر مبني على العادات، فهو كالمحسوس، ولكن المنافقين لشدة جهلهم، وغباوتهم لا يشعرون به، أي: لا يحسّون، فهم كالبهائم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب الكلمات الموجودة في الآية رقم [١١] بلا فارق. هذا و ﴿قِيلَ﴾ أصله: (قول) بضم القاف وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب حركتها، فصار: (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: قيل. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَما:﴾ الكاف حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله. و (ما) المصدرية، والفعل في تأويل مصدر في محل جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس المؤمنين الصادقين، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم، وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. انتهى. جمل نقلا عن السّمين، ومثله في إعرابه، واعتباره قوله تعالى: ﴿كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾.
﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها. ﴿أَنُؤْمِنُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وإنكار معناه النفي، (﴿نُؤْمِنُ﴾): فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن» والجملة الفعلية وما يتعلق بها كل ذلك في محل نصب مقول القول، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على مثله في الآية رقم [١١]. ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة، فهو مثله بلا فارق.
هذا؛ ونقل أبو حيّان عن الزّمخشري، وأبي البقاء، أنّهما قالا: إنّ (ما) كافة للكاف عن العمل،
стр. 51
مثلها في: (ربّما قام زيد). ويرد أبو حيّان ذلك، ويقول: ينبغي ألا تجعل كافة إلا في المكان الذي لا تتقدر فيه مصدرية.
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ويقرأ: («لاقوا») فأصل ﴿لَقُوا:﴾ لقيوا بوزن: شربوا، فحذفت الضمّة التي على الياء لثقلها، فالتقى ساكنان، الياء، والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء؛ لأنها حرف علة، ثم أبدلت كسرة القاف ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ ومعنى لقي:
صادف، وله مصادر كثيرة، منها: اللّقيّ بضم اللام وكسر القاف، واللّقى بضم اللام مقصورا، واللّقاء بكسرها ممدودا ومقصورا، وأصل: لاقوا، لاقيوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: لاقاوا، فاجتمع ساكنان: الألف، والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: لاقوا، وبقيت الفتحة على القاف دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا:
استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة وواو الجماعة، فحذفت الياء، وبقيت واو الجماعة. وما ذكرته يجري في إعلال كلّ ناقص، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا. هذا وتحرك واو الجماعة في («لاقوا») بالضمة إذا لقيها ساكن، كما في قوله تعالى:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها، وقيل:
حركت بالضم دون غيره؛ ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت لنجوت). وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: ضمت لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل غير لك، فإن قيل: لم ضمت الواو في: لاقوا إذا لقيها ساكن، ولا تضم في: لقوا؟ فالجواب: أن قبل الواو التي في لقوا ضمة، فلو حركت بالضم، لثقل على اللسان النطق بها، فحذفت لثقلها، وحركت في: لاقوا؛ لأن قبلها فتحة فلم تثقل مثل تلك. ﴿قالُوا آمَنّا:﴾ أي بالله، ورسوله، واليوم الآخر... إلخ. ﴿وَإِذا خَلَوْا:﴾ رجعوا.
وخلوت بفلان، وإليه: إذا انصرفت إليه، ولذا صح وصل الفعل بإلى، وكان حقه أن يوصل بالباء، فيقال: خلوا بشياطينهم، ومنه قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٦٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الرجز]
كيف تراني قالبا مجنّي؟ ... قد قتل الله زيادا عنّي
إذ المعنى: صرف الله زيادا عنّي. هذا؛ وإعلال ﴿خَلَوْا﴾ مثل إعلال (لاقوا). ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ:﴾ جمع شيطان على التكسير، وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة.
والمراد ب ﴿شَياطِينِهِمْ:﴾ رؤساء الكفر، والنفاق؛ الذين ماثلوا الشيطان في الإفساد، والفساد،
стр. 52
والمكر، والخداع، لذا يصح القول: إنّ من البشر شياطين بثياب البشر، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ..﴾. إلخ. ﴿قالُوا إِنّا مَعَكُمْ:﴾ أي: في الدّين، والاعتقاد، خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، والشياطين بالجملة الاسمية المؤكّدة ب (إنّ) لأنهم قصدوا بالأول دعوى إحداث الإيمان، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه من الفساد، والضلال. ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ:﴾ أي بهؤلاء الذين تبعوا محمدا، وصدقوه، ويصدّقونه بكلّ ما يقوله لهم، ويأمرهم به.
تنبيه: قال ابن عباس-﵄: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ، وأصحابه، وذلك لأنّهم خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السّفهاء عنكم! فأخذ بيد أبي بكر-﵁ فقال: مرحبا بالصديق، سيد بني تميم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه، وماله لرسول الله ﷺ ! ثم أخذ بيد عمر-﵁-فقال: مرحبا بسيد بني عدي ابن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ! ثم أخذ بيد عليّ-﵁-فقال: مرحبا بابن عمّ رسول الله ﷺ ، وختنه، وسيد بني هاشم، ما خلا رسول الله! فقال له عليّ-كرّم الله وجهه-: اتق الله يا عبد الله، ولا تنافق، فإن المنافقين شرّ خليقة الله تعالى! فقال: مهلا يا أبا الحسن! إني لا أقول هذا نفاقا، والله إن إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم! ثم تفرقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فأثنوا عليه خيرا. انتهى.
خازن.
أقول وبالله التوفيق: في زمننا هذا كثير من الناس يهزءون بالإسلام، وبتعاليمه، وبالمسلمين الصّادقين، ولا يقيمون لله فرضا، ولرسول الله ﷺ سنّة، ثم يدّعون الإسلام، والإيمان، ويقولون لمن ينتقدهم: أنتم لستم أحسن منّا، نحن مسلمون مثلكم، وإسلامنا مثل إسلامكم.
الإعراب: (﴿إِذا﴾): انظر الآية رقم [١١]، هذا و (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، بالجواب، واعترض بأنّ الجواب قد يقترن بالفاء، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، وقيل: بالشرط، واعترض أيضا بأنها مضافة للشرط، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأن القائلين: إنّ الناصب هو الشّرط، لا يقولون بإضافة «إِذا» إليه، فلذا كان الثاني أرجح من الأول، وإن كان الأول أشهر، فقول المعربين:
خافض لشرطه، منصوب بجوابه، جرى على غير الرّاجح، ولذا كانت عبارة سيبويه محتملة لما تريد من احتمالات.
﴿لَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب
стр. 53
الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمّ الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وجملة: ﴿لَقُوا..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح.
﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و (نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة.
وهكذا قل في إعراب كلّ فعل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: حفظت حفظنا، حفظن... إلخ، ويقال اختصارا: فعل وفاعل، وجملة: ﴿آمَنّا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها من الإعراب، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة.
﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، و (﴿إِذا﴾): مثل ما قبلها. ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة مثل ما قبلها. ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها. ﴿إِنّا﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا) ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.
﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر: (إنّ) والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر.
﴿نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مؤكدة لقولهم: ﴿إِنّا مَعَكُمْ﴾ أو هي بدل منه، أو هي مستأنفة مبنية على سؤال مقدر نشأ من دعاء التبعية. انتهى. جمل، ونسفي بتصرف.
﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي: ينتقم منهم، ويعاقبهم، ويسخر بهم، ويجازيهم على استهزائهم، فسمّى العقوبة باسم الذّنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، من ذلك قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [١١٤]: [الوافر]
ألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمّى انتصاره جهلا، والجهل لا يفخر به ذو عقل، وإنما قاله ليزدوج الكلام، فيكون ذلك أخفّ على اللسان من المخالفة بينهما، وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له،
стр. 54
وجزاء؛ ذكروه بمثل لفظه؛ وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن، والسنة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآية رقم [١٩٤] الآتية، انظر ما ذكرته فيها، وقال تعالى في سورة (الشورى) رقم [٤٠]: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداء؛ لأنه وجب بحقّ، وهو كثير في كتاب الله، قد شرحته في محالّه، والحمد لله! وتختلف في المعنى كقول ابن الشّمقمق في المشاكلة: [الكامل]
أصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصّيصا
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا
هذا والاستهزاء بالناس حرام، فقد نهى الله ورسوله عنه، قال تعالى في سورة الحجرات:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ..﴾. إلخ. وقال الرسول ﷺ في بيان مصير المستهزءين بالناس ومآلهم يوم القيامة: «إنّ المستهزءين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنّة، فيقال له: هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، ثمّ يفتح له باب آخر، فيقال له: هلمّ! هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، فما يزال كذلك؛ حتّى إنّ أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنّة، فيقال له: هلمّ! فما يأتيه من الإياس». رواه البيهقيّ مرسلا من رواية الحسن البصريّ-﵁، وانظر ما ذكرته في سورة (المطففين) رقم [٣٤] فإنّه جيد، والحمد لله! وانظر الآية رقم [٢١١] الآتية.
﴿وَيَمُدُّهُمْ:﴾ أي يطيل لهم المدّة، ويمهلهم، ويملي لهم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٨]: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (ن) رقم [٤٤] وفي سورة (الأعراف) أيضا برقم [١٨٢] و [١٨٣] ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قال بعض العلماء في هذه الآية: كلّما أحدثوا ذنبا؛ أحدث لهم نعمة، وهم لا يعلمون: أنه استدراج. وعن عقبة بن عامر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته؛ فذلك منه تعالى استدراج»، ثم تلا قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٤٤]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطّبري، ولا تنس قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٥]: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾.
﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾ كفرهم، وضلالهم، وأصل الطّغيان: مجاوزة الحد، يقال: طغى، يطغى، ويطغو طغيانا، وطغوانا: جاوز الحد، وكلّ مجاوز حدّه في العصيان طاغ، قال تعالى في حق فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ أي: أسرف في الدعوى؛ حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ والمعنى في الآية:
يمدّهم بطول العمر؛ حتى يزيدوا في الطّغيان، فيزيدهم في عذابهم. هذا؛ وطغى البحر: هاجت
стр. 55
أمواجه. وطغى السيل: جاء بماء كثير، قال تعالى في سورة الحاقة رقم [١١]: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.
﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتردّدون متحيّرين في الكفر، لا يعرفون ما يلحقهم من ضرّ، أو نفع.
وحكى أهل اللغة: عمه الرجل، يعمه عموها، وعمها، فهو عمه، وعامه: إذا حار، وجمعه: عمه، وذهبت إبله العمهى: إذا لم يدر أين ذهبت، وعن بعض الأعراب: أنه دخل السّوق، وما أبصرها قطّ، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد: مترددين في أشغالهم، وأعمالهم، قال رؤبة بن العجاج: [الرجز]
ومهمه أطرافه في مهمه... أعمى الهدى بالحائرين العمّه
هذا والعمه قريب من العمى، لكنّ العمى يطلق على ذهاب نور العين وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني، وهو ما يعبّر عنه بعمى القلب، قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٤٦]: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وفي المصباح:
عمه، يعمه، عمها، من باب تعب: إذا تردد متحيّرا، وتعامه مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء، إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النّجاة، فهو عمه، وأعمه، وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر: أنّه فعل جامد، لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنّه لا يستعمل، ولم يتداول، وهو بلفظ المضارع كثير في القرآن الكريم.
قال القاضي البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والمعتزلة لمّا تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره؛ قالوا: لمّا منعهم الله تعالى ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم، وإصرارهم، وسدّهم طريق التوفيق على أنفسهم، فتزايدت بسببه قلوبهم رينا، وظلمة؛ تزايد قلوب المؤمنين انشراحا ونورا، أو مكّن الشيطان من إغوائهم، فزادهم طغيانا، أسند ذلك كلّه إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب مجازا، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم: أنّ إسناد الفعل إليه على الحقيقة، ومصداق ذلك: أنه لما أسند إلى الشّياطين، أطلق الغيّ، قال:
﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾. انتهى. وهذا على اعتقاد المعتزلة بأنّ العبد يخلق أفعال نفسه، وقد فنّدت رأيهم في سورة النّحل، وسورة الصّافات، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، ﴿يَسْتَهْزِئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الله، ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (﴿يَمُدُّهُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل
стр. 56
رفع مثلها. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿يَعْمَهُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، أو من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط واو الجماعة فقط.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ أي: الموصوفون بالصفات السابقة من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ إلى هنا. ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى:﴾ الشّراء هنا مستعار، والمعنى: استحبّوا الكفر على الإيمان، كما قال الله تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٧]: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فعبّر عنه بالشراء؛ لأن الشراء إنّما يكون فيما يحبه مشتريه، فأما أن يكون بمعنى شراء المعاوضة فلا؛ لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين، فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس-﵄: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، ومعناه: استبدلوا، واختاروا الكفر على الإيمان، وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا؛ لأنّ الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كلّ من استبدل شيئا بشيء، قال أبو ذؤيب الهذلي، وهو الشاهد رقم [٧٧١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو... فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل
هذا والباء بمعنى: «بدل» وقد دخلت على المتروك.
﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ:﴾ أسند الله تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم:
ربح بيعك، وخسرت صفقتك، وقولهم: ليل قائم، ونهار صائم، والمعنى: ربحت، وخسرت في بيعك، وقمت في ليلك، وصمت في نهارك، أي: فما ربحوا في تجارتهم، قال الشاعر: [الطويل]
نهارك هائم وليلك نائم... كذلك في الدّنيا تعيش البهائم
و (الهدى) المراد به الإيمان، وإنّما أخرج الاستبدال بلفظ الشّراء والتجارة توسعا على سبيل الاستعارة؛ لأن الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر، فقد جعلوا لتمكنهم من الإيمان، كأنّه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة؛ فقد عطّلوه، واستبدلوه بها. انتهى. خازن بتصرف، وقال النسفي: وإنّما قال: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ ولم يكونوا على هدى؛ لأنّها في قوم آمنوا، ثمّ كفروا، أو في اليهود الذين كانوا مؤمنين بمحمّد ﷺ قبل مبعثه: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا﴾
стр. 57
﴿بِهِ﴾ انتهى. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي لم يكونوا موفّقين في هذه التجارة، والباء في هذه الآية للعوض والمقابلة، وهي تدخل على المتروك كما هنا، وخذ قول الشاعر: [الرجز]
أخذت بالجمّة رأسا أزعرا... وبالثّنايا الواضحات الدّردرا
وبالطّويل العمر عمرا حيدرا... كما اشترى المسلم إذ تنصّرا
والمراد بالمسلم الذي تنصّر: جبلة بن الأيهم أمير بني غسان، وكان على دين النّصرانية، وقد أسلم، فقدم مكّة في أحسن زيّ، وبينما هو يطوف بالكعبة، وطئ رجل من قبيلة فزارة إزاره، فلطمه جبلة على عينه، فشكاه إلى عمر-﵁-فحكم عليه أن يقتصّ منه باللّطمة، فقال له: تأخذ الملوك بالسّوقة؟! فقال له الفاروق: إن الإسلام قد سوّى بينكما، فسأله جبلة أن يؤخره إلى الغد، فسار ليلا، ولحق بالرّوم، وتنصّر، ثم ندم على ما فعل، وقال قبل موته: [الطويل]
تنصّرت بعد الحقّ عارا للطمة... ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
وأدركني فيها لجاج حمية... وبعت لها العين الصّحيحة بالعور
ويا ليت لي بالشّام أدنى معيشة... أجالس قومي ذاهب السّمع والبصر
فيا ليت أمّي لم تلدني وليتني... صبرت على القول الّذي قاله عمر
وملخص الكلام في الآية الكريمة: أنّ مطلوب التّجار سلامة رأس المال والرّبح، وهؤلاء قد أضاعوهما، فرأس مالهم الهدى، ولم يبق مع الضلالة، وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح؛ وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح. انتهى. نسفي.
هذا واستبدالهم الغيّ بالرشاد، والكفر بالإيمان استعارة تصريحيّة، وذكر ربح التجارة هو التّرشيح؛ الذي يبلغ بالاستعارة الذروة العليا. قال الزمخشري: وهذا من الصنعة البديعية التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ.
﴿اِشْتَرَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، وحرّكت بالضم لالتقاء الساكنين. ﴿الضَّلالَةَ:﴾ مفعول به، والجملة
стр. 58
الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِالْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضّلالة، التقدير: مستبدلة بالهدى، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف، (ما): نافية. ﴿رَبِحَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، حرف لا محل له. ﴿تِجارَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، وقال الجمل: معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. هذا؛ وقال النّسفي: وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿فَما رَبِحَتْ..﴾.
إلخ: في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾. وعليه: فالفاء زائدة. وقيل: الجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وتكون الفاء زائدة أيضا. ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [٨٦] الآتية.
(ما): نافية. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿مُهْتَدِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وهو أقوى من اعتبار الحالية فيها.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً:﴾ قال ابن عباس-﵄-نزلت في المنافقين، يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستدفأ، ورأى ما حوله، فاتّقى ممّا يخاف، فبينما هو كذلك؛ إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمة حائرا متخوّفا، فكذلك حال المنافقين أظهروا كلمة الإيمان، فأمنوا بها على أنفسهم، وأموالهم، وأولادهم، وناكحوا المسلمين، وقاسموهم في الغنائم، فذلك نورهم، فلمّا ماتوا عادوا إلى الظّلمة، الخوف. انتهى. خازن بحروفه.
هذا وربنا ذكر لنا في سورة (الحديد) رقم [١٣] حال المنافقين يوم القيامة حينما يطفأ نورهم، وينادون المؤمنين: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ انظر شرح هذه الآية فإنّه جيد، والحمد لله! هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: لما جاء بحقيقة حالهم؛ عقّبها بضرب المثل زيادة في التوضيح، والتقرير، فإنه أوقع في القلب، وأقمع للخصم الألد، لأنه يريك المتخيّل محققا، والمعقول محسوسا، ولأمر ما أكثر الله في كتبه الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء، والحكماء.
هذا ولفظ ﴿الَّذِي﴾ مفرد، ومراد به الجمع، قيل: المعنى: كمثل الذين استوقدوا، ولذلك قال: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ..﴾. إلخ، فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع، ومثل
стр. 59
هذه الآية قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٩]: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية رقم [٣٣] من سورة (الزمر)، ومثل هذه الآيات قول الأشهب بن زميلة النهشلي، وهو الشاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
هذا؛ و ﴿اِسْتَوْقَدَ﴾ بمعنى: أوقد، مثل: استجاب بمعنى: أجاب، فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي فيها أخاه شبيبا، ومن أبياتها، وهو الشاهد رقم [٧٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدا... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي: يجبه عند ذاك مجيب، هذا والمثل-بفتح الميم، والثاء-بمعنى: مثل، ومثيل، وشبه، وشبيه. ومثل: اسم متوغل في الإبهام لا يتعرف بإضافته إلى الضمير وغيره من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة المؤمنون. ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع تذكيرا وتأنيثا، كما في الآية الكريمة. وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى)، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية رقم [١٣٧] من سورة (البقرة) أي: بما آمنتم.
وأما المثل في مثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام؛ فهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه. والمثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغيّر، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من أفرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.
﴿ناراً:﴾ أصله: نور، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم، التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]
وألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها وتلهابها
стр. 60
فهي مستعارة في هذا البيت لشدة النكاية التي أذاقها قبيلة قيس. والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.
﴿أَضاءَتْ:﴾ أنارت، وأشرقت، كذلك يستعمل متعديا كما في هذه الآية، ولازما كما في الآية رقم [٢٠] الآتية. وأصل الفعل: «أضوأ» يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الضاد، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، والمصدر:
«الضوء» بفتح الضّاد وضمّها، وكذا الاسم منه، كما يأتي المصدر، والاسم أيضا: «ضياء».
﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان، وهو لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله وحواله، وحوليه، وحواليه، ولا تقل: حواليه بكسر اللام، وقعد بحياله، وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه، وقيل للعام: حول؛ لأنه يدور، ثم يرجع كما بدأ.
﴿ظُلُماتٍ:﴾ جمع: ظلمة، وقد جمعت باعتبار تعدد معانيها؛ إذ المراد: ظلمة الكفر، وظلمة النّفاق، وظلمة يوم القيامة. أو المراد: ظلمة شديدة، كأنها ظلمات متراكمة. انتهى بيضاوي بتصرف. هذا؛ والظلمات تستعار من ظلمة الليل الحقيقية لكل ما ذكر، والجامع بينهما عدم الاهتداء في كلّ منهما، كما أنّ النور يستعار من نور النّهار، أو من نور المصباح المضيء للإيمان، والإسلام، والجامع بينهما الاهتداء في كلّ منهما.
الإعراب: ﴿مَثَلُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، وجوز أبو البقاء اعتبار الكاف اسما على أنها خبر المبتدأ، وأرى: أنه لا وجه له هنا على اعتبار المثل بمعنى القصّة، والحكاية، وهذا يناقض ما ذكرته في الشرح، وتكون الكاف مضافا، و (مثل) مضافا إليه، هذا واعتبار الكاف اسما واقع في العربية كثيرا، انظر الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، و (مثل) مضاف، و ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
﴿اِسْتَوْقَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود على ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿ناراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿مَثَلُهُمْ..﴾. إلخ: في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط الضمير فقط، هذا؛ إن أردت اتصال الكلام بسابقه، أو هي مستأنفة لا محل لها؛ إن أردت انقطاع الكلام من سابقة، ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني.
﴿أَضاءَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿ناراً﴾ تقديره:
стр. 61
هي. ﴿ما حَوْلَهُ:﴾ ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهذا على اعتبار الفعل قبلها متعديا، وأما على اعتباره لازما؛ فهي زائدة، والمعتمد الأول، قال الشاعر: [الطويل]
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم... دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبة
﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (﴿ما﴾) على اعتبارها موصولة، أو بمحذوف صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة، أي: مكانا حوله، ومتعلق بالفعل قبله على اعتبار (﴿ما﴾) زائدة، وجملة: ﴿أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ:﴾ ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى اعتبارها متعلقة بالجواب. ﴿ذَهَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِنُورِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ جواب (لمّا) لا محل لها، هذا وقيل: الجواب محذوف، التقدير: فلما أضاءت ما حوله؛ خمدت، فبقوا خابطين في ظلام متحيّرين. وعليه فجملة: ﴿ذَهَبَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها، أو هي بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان.
انتهى كشاف. و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿وَتَرَكَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿تَرَكَهُمْ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) تقديره:
هو، والهاء مفعول به أول، والميم في كلّ ما تقدم حرف دالّ على جماعة الذكور. ﴿فِي ظُلُماتٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان؛ لأن (﴿تَرَكَهُمْ﴾) بمعنى: صيّرهم، هذا ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف مفعول به ثان، التقدير: وتركهم متحيرين في ظلمات، وتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، وأرى جواز اعتبارها من تعدد المفعول الثاني ل: (ترك). ومثل الآية الكريمة قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢١] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الرجز]
لا تتركنّي فيهمو شطيرا... إنّي إذن أهلك أو أطيرا
وجملة: (﴿تَرَكَهُمْ..﴾.) الخ: معطوفة على جملة: ﴿ذَهَبَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها، ومفعول (﴿يُبْصِرُونَ﴾) محذوف للتعميم، أو للاختصار.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
الشرح: ﴿صُمٌّ:﴾ جمع أصم، هو فاقد السّمع، والصّمم في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء: إذا لم تكن مجوّفة، وصممت القارورة: إذا سددتها. فالأصم من انسدت خروق مسامعه. ﴿بُكْمٌ﴾ جمع: أبكم، وهو الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإذا فهم؛ فهو الأخرس، وقيل: الأخرس والأبكم واحد، وهو الذي لا يقدر على النطق لعاهة في لسانه. ﴿عُمْيٌ:﴾
стр. 62
جمع: أعمى، وهو فاقد البصر، وتعامى الرّجل: أرى ذلك من نفسه، وعمي عليه الأمر: إذا التبس، ومنه قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٦٦]: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ هذا ولم يكن المنافقون والكافرون صمّا، ولا بكما، ولا عميا، وإنّما المراد أنّهم صمّ عن الحقّ، فلا يسمعونه سماع قبول، وأنّهم بكم؛ أي: خرس عن الحقّ، والهدى، فلا ينطقون به، وأنّهم عمي عن طريق الهدى، والنور، فلا يبصرونه. وقال الزمخشري، وتبعه النّسفي، والبيضاويّ: كانت حواسّهم سليمة، ولكن لمّا سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا، ويتبصّروا بعيونهم؛ جعلوا كأنما ماتت مشاعرهم، وانتفت قواهم، كقول قعنب ابن أمّ صاحب، وهو الشاهد رقم [١١٧٦] من كتابنا فتح القريب، والشاهد رقم [١٦٤] من كتابنا فتح رب البرية: [البسيط]
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا... منّي وما يسمعوا من صالح دفنوا
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به... وإن ذكرت بسوء عندهم أذّنوا
وقال آخر: [الطويل]
أصمّ عن الشّيء الّذي لا أريده... وأسمع خلق الله حين أريد
هذا وفي قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ تشبيه بليغ؛ لأنه حذف منه وجه الشبه، وأداة التشبيه، فأصبح بليغا.
﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن غيّهم، وضلالهم إلى الحقّ الذي باعوه، وإلى الهدى الّذي ضيّعوه، وعن الضلالة التي استبدلوها بالهدى، والنّور. هذا؛ والفعل: رجع، يرجع يستعمل لازما، وهو كثير كما في هذه الآية، ومتعدّيا، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٨٣] من سورة (التوبة)، وقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣١]: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ معناه: يتلاومون فيما بينهم.
الإعراب: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يجوز أن تكون هذه الأسماء أخبارا متعددة لمبتدإ محذوف، وأن تكون أخبارا لمبتدآت محذوفة، والجملة الاسمية الواحدة، أو الجمل المتعددة في محل نصب حال من واو الجماعة في الآية السابقة، والرابط: الضمير فقط، وهو المبتدأ المقدّر ب «هو» والاستئناف ممكن، فلا يكون لها محلّ من الإعراب.
﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية المنفية: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها.
стр. 63
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ..﴾. إلخ: المعنى: ومثلهم في نفاقهم كمثل مطر نزل من السّماء
إلخ، ففيه، وفي قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي..﴾. إلخ: تشبيه تمثيلي، شبه في الآية السابقة المنافق بالمستوقد للنّار، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النّار، وفي هذه الآية شبه الإسلام بالمطر؛ لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء، وشبه شبهات المنافقين، والكافرين بالظّلمات، وما في القرآن من الوعد، والوعيد بالرّعد، والبرق... إلخ.
هذا و (الصّيّب): المطر، وأصله: صيوب من صاب، يصوب؛ أي: نزل، ينزل، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء، والواو، وسبقت إحداهما بالسّكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقل مثله في إعلال: ميّت، وسيّد، وهيّن... إلخ، وهو على حذف مضاف؛ أي: مثلهم في نفاقهم كمثل أصحاب صيّب.
و ﴿السَّماءِ:﴾ يذكر، ويؤنث، وهو كل ما علاك، فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، والسماء يطلق على المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]
إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا
أراد بالسّماء: المطر، ثمّ أعاد الضمير عليه في رعيناه بمعنى النّبات، وهذا يسمّى في فن البديع بالاستخدام. وأصل «سماء»: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ﴿ظُلُماتٌ:﴾ المراد هنا: ظلمة السّحاب، وظلمة المطر، وظلمة اللّيل مجتمعة، وانظر تفسيرها بغير هذا في الآية رقم [١٧].
(﴿رَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾): مصدران لا يجمعان، فالأول: مصدر: رعد، يرعد، والثاني: مصدر: برق يبرق. و (الرّعد): اسم ملك يسوق السّحاب، و (البرق): لمعان سوط من نور يزجر به السّحاب، قاله ابن عباس، ﵄. وفي العلم الحديث: الرّعد: صوت احتكاك أجرام السّحاب، والبرق: مما ينقدح من احتكاكها. وقال ابن عباس-﵄: من سمع صوت الرعد، فقال: سبحان من يسبح الرّعد بحمده، والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة؛ فعليّ ديته، وكان يقول: إنّ الوعيد لأهل الأرض شديد، انظر قوله تعالى في سورة (الرّعد) رقم [١٣]: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وعن عبد الله بن عمر-﵄:
стр. 64
أن النبي ﷺ كان إذا سمع الرّعد، والصّواعق، قال: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك». أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث غريب.
﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ أي: من أجل الصواعق، والمراد: رءوس الأصابع، وهي الأنامل، لأن دخول الأصابع كلها في الآذان لا يمكن، فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، وهذا ما يسمّى المجاز المرسل، و ﴿الصَّواعِقِ:﴾ جمع: صاعقة. قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: إذا اشتدّ غضب الرّعد الذي هو الملك، طار النّار من فيه، وهي الصّواعق. وكذا قال الخليل: هي الواقعة الشّديدة من صوت الرّعد، يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه.
وقرأ الحسن البصري: («من الصّواقع») بتقديم القاف، ومنه قول أبي النّجم العجلي: [الرجز]
يحكون بالصّواقع القواطع... تشقّق البرق عن الصّواقع
قال النحاس: وهي لغة تميم، وبني ربيعة، ويقال: صعقتهم السّماء: إذا ألقت عليهم الصّاعقة، والصاعقة أيضا: صيحة العذاب، قال الله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ والمراد: صيحة العذاب، والهلاك. هذا و (الأصابع): جمع: إصبع، فلم تذكر بلفظ المفرد أبدا في القرآن الكريم، وقد ذكرت بلفظ الجمع هنا، وفي سورة (نوح) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والأنامل: ذكرت بلفظ الجمع في سورة (آل عمران) رقم [١١٩] فقط، ولم تذكر في غيرها، والأنملة: رأس الإصبع، ففيها وفي إصبع تسع لغات: تثليث همزتها، وتثليث ميم أنملة، وتثليث بإصبع، وتزيد أصبوعا، وقد نظم ذلك بعضهم، فقال: [البسيط]
بإصبع ثلّثن مع ميم أنملة... وثلّث الهمز أيضا وارو أصبوعا
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ خوف الموت، و (﴿حَذَرَ﴾) («حذار») قراءتان، وهما بمعنى واحد. هذا؛ و ﴿الْمَوْتِ:﴾ هو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنّصائح. ﴿مُحِيطٌ:﴾ أي عليم علما دقيقا بالكافرين، فلا يفوتونه، ولا يعجزونه، يقال: أحاط السلطان بفلان: إذا أخذه أخذا حاصرا من كلّ جهة، فهو من باب المجاز، بل هي استعارة تبعيّة في الصّفة سارية إليها من صدرها، انتهى جمل نقلا من كرخي.
قال الشاعر: [الطويل]
أحطنا بهم حتّى إذا ما تيقّنوا... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السّلم
ومنه قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٣]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ،﴾ وقال تعالى في آخر سورة (الطلاق): ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. هذا؛ و ﴿مُحِيطٌ﴾ أصله: (محوط) لأنه من: أحاط، يحيط، أو من: حاط، يحوط، وهو أولى، فهو من الباب الأول، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح
стр. 65
أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء، فصار: (محوط) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، قال القرطبي: قال الطبري: ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، وقاله الفراء، وأنشد قول توبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية، وهو الشاهد رقم [٩٥] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقول جرير في مدح الخليفة الصّالح عمر بن عبد العزيز-﵁-وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا المذكور: [البسيط]
نال الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر
أي: وكانت له قدرا. وقيل: ﴿أَوْ﴾ للتخيير، أي: مثّلوهم بهذا، أو بهذا لا على الاقتصار على أحد الأمرين. انتهى. القرطبي بتصرف كبير. ﴿كَصَيِّبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: أو حالهم وشأنهم كحال أصحاب صيّب، وإن اعتبرت الكاف اسما، فلها المحل كما رأيت في الآية رقم [١٧] والجملة الاسمية معطوفة عليها، وعليه فالآية السابقة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (صيّب) أو هما متعلقان به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ظُلُماتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل (صيب) أو في محل نصب حال منه وصفه بما تقدم، وجوز الزمخشري أن يكون ﴿فِيهِ﴾ متعلقين ب (صيّب) أو بمحذوف صفة له. و ﴿ظُلُماتٌ﴾ فاعل فيه، أي: بالجار والمجرور، لاعتماده على الموصوف، وهو: (صيّب) ورجّحه ابن هشام في المغني. (﴿رَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾): معطوفان على ﴿ظُلُماتٌ﴾ بالواو العاطفة على الوجهين المعتبرين فيه.
﴿يَجْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَصابِعَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من ﴿أَصابِعَهُمْ﴾.
﴿مِنَ الصَّواعِقِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَجْعَلُونَ،﴾ و ﴿مِنَ﴾ بمعنى: من أجل، وقيل: سببية.
﴿حَذَرَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف و ﴿الْمَوْتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدّر، فكأن قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد والبرق؟ فقيل:
﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ.
وجوز مكي اعتبارها حالا من الضمير المنصوب، وجوز أبو البقاء اعتبارها صفة: «أصحاب صيب» والواو عائدة عليهم، على الاعتبارين فالرابط الواو. ﴿وَاللهُ﴾ الواو: حرف استئناف.
стр. 66
(الله): مبتدأ. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبره. ﴿بِالْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقال الزمخشري: معترضة، وكأنه يعني بذلك: أنّ جملة: ﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ، وجملة:
(﴿يَكادُ..﴾.) الخ شيء واحد؛ لأنهما من قصّة واحدة. انتهى. جمل.
﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿يَكادُ..﴾. إلخ: أي: يقرب، يقال: كاد الفعل، ولم يفعل، فهو يدل على وقوع مقاربة الفعل بعدها، ولذا لم تدخل عليه «أن» لأنها تخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليها حرف نفي دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٧١] الآتية: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ،﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي، لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منها واوي العين، ف (كاد) أصله: كود بكسر الواو كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار: يكاد بوزن: يخاف، ومصدره: الكود، وهذا في «كاد» الناقصة، وأما «كاد» التامة، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، المكسورة العين في المضارع ك «يبيع»، ومصدره: الكيد، ك «البيع»، فهو من الباب الثاني، بخلاف الناقص فإنه من الباب الرابع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول قوله تعالى في سورة (النّور) رقم [٣٥]: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى في آخر سورة (الطّارق): ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ ومعنى الأول: المقاربة، ومعنى الثاني: المكر، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تامّ التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.
فائدة: قد تأتي «كاد» بمعنى: أراد، قاله محبّ الدين الخطيب، شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الراقدة الأودي، والبيت: [البسيط]
فإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا
أي: الّذي أرادوا، ومنه قول الآخر: [الكامل]
كدنا وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي: أردنا، وأردت، دليله: «تلك خير إرادة». هذا وقد شاع على الألسن أنّ نفي كاد إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعريّ بقوله: [الطويل]
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت... وإن أثبتت قامت مقام جحود
стр. 67
فأجابه الشّيخ جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]
نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن، ومتشابه، انظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا فتح القريب المجيب، والأشموني، وغيرهما، وها أنا ذا أسوق لك ما ذكره السّيوطي رحمه الله تعالى في كتابه: (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك، قال رحمه الله تعالى: والتحقيق: أنها كسائر الأفعال نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منع نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: «كاد زيد يقوم» معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٥] ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة إلا أنه لم يضيء، وقولك: «لم يكد زيد يقوم» معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى في سورة (النّور) رقم [٤٠]: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى في سورة إبراهيم، على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٧]: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه، وعلى هذا الزجاجي. وغيره، وذهب قوم، منهم ابن جني إلى أنّ نفيها يدلّ على وقوع الفعل ببطء كما في الآية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنّهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنّها محمولة على وقتين؛ أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذّبح، بل أنكروا أشدّ الإنكار، بدليل ما حكى الله عنهم:
﴿قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾.
وقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها بدليل ما يتلى علينا من تعنّتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.
وقوله مشابه لقول السّيوطي المتقدّم.
﴿يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ:﴾ يأخذها بسرعة، وخطف، يخطف من باب: فهم، وعلم. قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٠]: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ،﴾ ومجيئه من باب: ضرب، يضرب لغة، وقد قرئ بها. و ﴿كُلَّما،﴾ (كلّ) هي هنا ظرف، وكذلك في كلّ موضع كان لها جواب، وهذا يعني: أنها متضمنة معنى الشرط، وهذا هو المشهور، و (ما) مصدرية، والزمان محذوف. وقيل: هي هنا نكرة موصوفة ومعناها الوقت ﴿أَضاءَ لَهُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٧].
﴿مَشَوْا:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [١٤]. ﴿قامُوا:﴾ وقفوا عن المشي بسبب الظلمة التي
стр. 68
تحيط بهم. ﴿شاءَ:﴾ أصله: شئ على فعل بكسر العين بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومفعوله محذوف، التقدير: ولو شاء الله إذهاب سمعهم، وأبصارهم، وكثر حذف مفعوله، ومفعول «أراد» حتى كاد لا ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى في سورة الأنبياء رقم [١٧] ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وينبغي أن تعلم: أنّه يكثر حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو». (سمعهم): بمعنى:
أسماعهم بقرينة: (﴿أَبْصارَهُمْ﴾) وانظر الآية رقم [٧] ﴿شَيْءٍ:﴾ هو في اللغة عبارة عن كل موجود، إمّا حسّا كالأجسام، وإمّا حكما كالأقوال، نحو قلت شيئا، وجمع الشيء: أشياء، غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كثيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إنّ وزنه: شياء، وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزن: لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: أدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا.
هذا وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: وهذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، ووجه التمثيل:
أنّ الله- -شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة، أصابهم مطر فيه ظلمات، وهي: ظلمة الليل، وظلمة المطر، وظلمة السّحاب، من صفة تلك الظلمات: أنّ الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم سامعوه أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يخطف أبصارهم، ويعميها من شدته، فهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن، وصنيع الكافرين، والمنافقين معه.
فالمطر هو القرآن؛ لأنه حياة القلوب، كما أن المطر حياة الأرض، والظلمات في القرآن من ذكر الكفر، والشرك، والنفاق. والرّعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار، والبرق ما فيه من الهدى، والبيان، والوعد، وذكر الجنة، فالكافرون والمنافقون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن، وسماعه مخافة أن تميل قلوبهم إليه؛ لأن الإيمان به عندهم كفر، والكفر موت، وقيل غير ذلك. انتهى. وفي البيضاوي، والقرطبي ما يشبهه.
الإعراب: يكاد فعل مضارع ناقص. البرق: اسمه. يخطف: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى البرق. أبصارهم: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر يكاد، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهي عند الزمخشري بمنزلة البدل من جملة (﴿يَجْعَلُونَ..﴾.) إلخ.
﴿كُلَّما:﴾ (كلّ): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿أَضاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى
стр. 69
﴿الْبَرْقُ﴾ والفعل إما متعدّ، والمفعول محذوف، بمعنى: كلّما نوّر لهم طريقهم، وإمّا لازم بمعنى:
كلّما لمع لهم مشوا في موضع نوره. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) والفعل ﴿أَضاءَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت إضاءة الطريق لهم، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كلّ)، انظر مبحث: «كلّما» في كتابنا فتح القريب المجيب، وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا، والمدرسون يقولون: أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب والتفصيل.
﴿مَشَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [١١]، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله، هذا وذكر مع ﴿أَضاءَ﴾ ﴿كُلَّما﴾ وهي مفيدة للتكرار، ومع ﴿أَظْلَمَ﴾ (﴿إِذا﴾) لشدّة حرصهم على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، ولا كذلك التوقف في الظلمة. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَذَهَبَ:﴾
اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾)، (ذهب): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿بِسَمْعِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، (﴿أَبْصارَهُمْ﴾): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، وجملة: ﴿لَذَهَبَ..﴾. إلخ جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، وقيل: مستأنف، ولا محل له على الاعتبارين.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، لأنه اسم فاعل بمعنى قادر، فهو صيغة مبالغة، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾
خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾
الشرح: لما ذكر الله تعالى الأصناف الثلاثة: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين، وذكر ما تميّزوا به من سعادة، أو شقاوة، أو إيمان، أو نفاق، وضرب الأمثال، ووضح طرق الضّلال؛ أعقبه هنا بذكر الأدلة والبراهين على وحدانية ربّ العالمين، وعرّف الناس بنعمه؛ ليشكروه عليها، وأقبل عليهم بالخطاب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ وهو خطاب لجميع الفئات ممتنّا عليهم بما خلق، ورزق. انتهى صفوة التفاسير.
стр. 70
هذا؛ ونقل عن علقمة بن قيس-﵁-قوله: ما في القرآن: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ فهو خطاب لأهل مكة، وما فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو خطاب لأهل المدينة. انتهى.
ولكن إذا علمت أنّ تعاليم القرآن وأحكامه صالحة لكلّ زمان ومكان إلى يوم القيامة؛ علمت أنّ النّداءين لا يتقيّدان بزمان، ولا بمكان. كيف لا وقد علمت: أن سورة (البقرة) مدنيّة، وأيضا سورة (النّساء) وسورة (المائدة) وفيهنّ من لفظ: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ الكثير؟!.
فائدة: النداء على سبع مراتب: نداء مدح، ونداء ذمّ، ونداء تنبيه، ونداء إضافة، ونداء نسبة، ونداء تسمية، ونداء تضيّف، فالأول كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ والثاني كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ والثالث كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ،﴾ والرابع كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ،﴾ والخامس كقوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ،﴾ ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ،﴾ والسادس كقوله تعالى: ﴿يا نُوحُ،﴾ ﴿يا إِبْراهِيمُ،﴾ والسّابع كقوله تعالى:
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾.
فائدة: وفي السمين ما نصّه: وإذا ورد «لعلّ» في كلام الله تعالى، فللناس فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن «لعلّ» على بابها من الترجي، والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين، أي: لعلكم تتقون على رجائكم، وطمعكم. وكذلك قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ أي: اذهبا على رجائكما. والثاني: أنّها للتقليل؛ أي: اعبدوا ربكم لكي تتقوا، وبه قال قطرب، والطّبريّ، وغيرهما. والثالث: أنّها للتعرّض للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرّضين لأن تتقوا. انتهى.
جمل. وقريب منه في القرطبيّ.
هذا ولا تنس ما ذكرته من القول: والترجّي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ذكرت هذا فيما صدر لنا كثيرا، وهذا أشمل، وأخصر، والله ولي التوفيق. والترجّي في هذه الآية، ونحوها إطماع من ربّ كريم، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه، وأصل ﴿تَتَّقُونَ:﴾ توتقيون، فأبدل من الواو تاء، ثم أدغمت التاء في التاء، وسكنت الياء بعد حذف ضمّتها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار: «تَتَّقُونَ»، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.
الإعراب: (﴿يا﴾): حرف نداء ينوب مناب: أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (يا) و «ها»: حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة، لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله: نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أنّ الاسم الواقع بعد أي، واسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع، أعني: (أيّ) منصوب محلاّ، وكذا التابع، أعني: ﴿النّاسُ﴾ فهو
стр. 71
منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبّان؛ لأنه قال: والمتّجه وفاقا لبعضهم أن ضمة التابع إتباع لا إعراب، ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأنّ العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول، نحو يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إنّ رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب «أيّ» أي مع قرنها بحرف التنبيه، وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع، والإعراب الشائع الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ.
﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الفارقة بين واو العلّة، وواو الضمير، هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والمشهور بين الناس، والأصل أن يقال في مثل ذلك: فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمة لمناسبة واو الجماعة، وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى الألف الاثنين، مثل: اعبدا، قد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المخاطبة مثل: اعبدي، وقد حرّك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة.
﴿رَبَّكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة أو بدل من ﴿رَبَّكُمُ،﴾ أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف؛ التقدير: أمدح الذي، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، وهذان الوجهان على القطع. والإتباع هنا أقوى، بخلافه في الآية رقم [٣]، وفي الآية التالية.
﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الكاف، التقدير: وخلق الذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، أي: الذين وجدوا من قبلكم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم في كل ما تقدم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: لعلكم تتقون الكفر، أو المعاصي، أو تتقون الله. وهو الأولى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية محتملة للتعليل، والحالية؛ أي: لتتقوا الله، وتخافوا عقابه، أو حال كونكم متقين الله، أو متعرضين للتقوى، وفي المغني لابن هشام: هي
стр. 72
مفيدة للتّحقيق؛ أي أنتم أحقّ بتقوى الله من جميع المخلوقات، أقول: والتعليل أقوى لعطف مثلها على التعليل في الآيتين رقم [١٥٠] و [١٨٤]:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ ﴿جَعَلَ﴾ من الأفعال العامة، يجيء على ثلاثة أوجه: يأتي بمعنى: أخذ، طفق، فيكون من أفعال الشّروع، فلا يتعدى، كقول الشاعر: [الطويل]
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة... لضغمهماها يقرع العظم نابها
وأيضا قول رجل من بني بحتر بن عتود، وهو الشاهد رقم [٤٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
وقد جعلت قلوص بني سهيل... من الأكوار مرتعها قريب
ويأتي بمعنى: أوجد، وخلق، فيتعدّى لواحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ ويأتي بمعنى: صير، كما في الآية، فيتعدّى لمفعولين، ويأتي بمعنى: سمّى، فيتعدّى لمفعولين أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ أي: سمّوهم إناثا، وقال القرطبي: وقد تأتي زائدة، كما في قول الآخر: [البسيط]
وقد جعلت أرى الاثنين أربعة... والواحد اثنين لمّا هدّني الكبر
وعند التأمّل يتبيّن لك: أنّ المعنى: «قد صرت أرى... إلخ».
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿كُنْتُمْ:﴾ أصله كونتم، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف فصار (كنتم) بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار (كنتم)، وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار «كونت» ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبله، صار «كونت» فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما فصار «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي.
مسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قال وقام وغيرهما. ﴿رَيْبٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿عَبْدِنا:﴾
المراد به: سيد الرسل محمد ﷺ ، فكنى عنه بالعبودية، وهي مقام عظيم، والإضافة للتشريف،
стр. 73
«وتنويه بذكره، وتنبيه على أنه مختص به، منقاد لحكمه تعالى»، ولم يذكر ﵊ باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا؛ ذكر باسم محمد في سورة آل عمران، وسورة الأحزاب، وسورة محمد، وسورة الفتح، وذكر باسم أحمد في سورة الصف، وذكر باسم طه في سورة طه، وذكر باسم ياسين في سورة (يس)، وانظر «نا» في الآية [٥٢]. ﴿فَأْتُوا:﴾ فعل أمر ماضيه أتى يأتي، وهذا الفعل يستعمل لازما إن كان بمعنى حضر وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى وصل وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾. وأصل الأمر «اأتيوا» بهمزتين، الأولى للوصل، وهي مكسورة، فإذا انفتح ما قبلها قلبت ألفا كما في هذه الآية، فإذا بدأت بها قلبت الثانية ياء، فتقول: ايتيوا، ثم حذفت لام الفعل على نحو ما رأيت في «لَقُوا» في الآية رقم [١٤]. ﴿بِسُورَةٍ:﴾ هي الطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة، لأن السور كالمراتب والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة. قال النابعة: [الطويل]
ألم تر أن الله أعطاك سورة... ترى كل ملك دونها يتذبذب
والحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة، منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا، ومنها أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى؛ كان أنشط له وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله، ومن ثم جزأ القراء القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا، ومنها أن الحافظ إذا حفظ سورة؛ اعتقد:
أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه حديث أنس-﵁: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا» أي عظم، ولذا أنزل الله تعالى التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه على أنبيائه مسورة مترجمة السور، وبوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى.
نسفي بتصرف. ﴿مِثْلِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧]. ﴿شُهَداءَكُمْ:﴾ جمع شهيد، وهو بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر والمعين. ﴿دُونِ:﴾ من الدنو، وهو القرب، ومثله أدنى وانظر الآية [١٦] ومنه: تدوين الكتب لأنه إدناء، أي تقريب البعض من البعض، ثم استعير للترب، فيقال: زيد دون عمرو، أي في الشرف والسيادة، ثم اتسع فيهما فاستعملا في كل تجاوز حد، إلى حد، هذا ويأتي دون بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل]
تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
تنبيه: قال تعالى في هذه الآية: ﴿مِمّا نَزَّلْنا﴾ وقال في كثير من الآيات: ﴿أَنْزَلْنا؛﴾ لأن الأول يفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات
стр. 74
الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريبهم، كما حكى ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي رَيْبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر كان. ﴿مِمّا:﴾ أصله «من ما» جار ومجرور متعلقان بريب لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل أن تكون موصولة، ونكرة وموصوفة. ﴿نَزَّلْنا:﴾
فعل وفاعل، وانظر ﴿آمَنّا﴾ في الآية [١٤]، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط، محذوف، التقدير: نزلناه، وجملة ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. على عبدنا: متعلقان بالفعل قبلهما، و «نا» في محل جر بالإضافة.
﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ائتوا): إعرابه مثل إعراب ﴿اُعْبُدُوا﴾ في الآية رقم [٢١]، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها معطوف على قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً﴾ في الآية السابقة. وقيل: مستأنف. ﴿بِسُورَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿مِنْ مِثْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة سورة، وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. والواو: حرف عطف. (﴿اُدْعُوا﴾): إعرابه مثل إعراب ﴿اُعْبُدُوا،﴾ ﴿شُهَداءَكُمْ:﴾ مفعول به. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل ادعوا، أو ب ﴿شُهَداءَكُمْ،﴾ لأنه جمع شاهد كما رأيت، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من: ﴿شُهَداءَكُمْ،﴾ التقدير: منفردين عن الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إعراب هذا مثل إعراب سابقه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب الشرط الأول عليه، وهو قوله: ﴿فَأْتُوا،﴾ والشرط، ومدخوله بمنزلة التوكيد للشرط الأول، ومدخوله.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا:﴾ أي: فإن لم تأتوا بسورة لعجزكم، ثم أكد هذا العجز بالجملة المعترضة بين فعل الشرط وجوابه، وصدّر سبحانه الجملة الشرطية ب (إن) التي للشك، والحال يقتضي (إذا) التي للجزم والتحقق، لأنه سبحانه لم يكن شاكّا في عجزهم، ولذلك نفى إتيانهم بالجملة المعترضة تهكما بهم، أو خطابا معهم على حسب ظنهم أنهم يقدرون. (اتقوا): انظر التقوى في الآية رقم [٢]، وأصله «اتقيوا» فعل به ما فعل ب: ﴿فَأْتُوا﴾ حيث حذفت الضمة على
стр. 75
الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة. ﴿النّارَ:﴾ انظر الآية رقم [١٧]. ﴿وَقُودُهَا:﴾ بفتح الواو، أي ما توقد به النار، وأما بضمها فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح والضم يجري في الآلة والمصدر، وكذا يقال في الوضوء والسحور والطهور ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، وقرئ بفتح الواو وضمها أيضا. ﴿النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿وَالْحِجارَةُ:﴾ المراد به الأصنام التي عبدوها في الدنيا، وأمّلوا نفعها وشفاعتها، قال تعالى مخاطبا الكافرين في الدنيا: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ وعن ابن عباس ﵄:
أنها حجارة الكبريت، فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن. والحجارة جمع حجر، كجمالة جمع جمل، وهو قليل غير منقاس. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ هيئت، وفيه دليل على أن النار مخلوقة، موجودة، وكذا الجنة. (الكافرين): انظر الآية رقم [٦].
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وهي في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لأنها ابتدائية... إلخ. الواو: واو الاعتراض. ﴿وَلَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب بلن... إلخ. والجملة الفعلية معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَاتَّقُوا:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، وانظر ﴿اُعْبُدُوا﴾ في الآية رقم [٢١]. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة النار. ﴿وَقُودُهَا:﴾ مبتدأ، وها: في محل جر بالإضافة. ﴿النّاسُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿فَاتَّقُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وانظر الآية السابقة. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى النار، والتاء للتأنيث. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة ﴿أُعِدَّتْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من النار، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» وقيل: مستأنفة، والأول أقوى.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَبَشِّرِ:﴾ أمر من البشارة، وهي الإخبار بما يسر المخبر به، وقد تستعمل بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿آمَنُوا:﴾ صدقوا، وانظر الإيمان في الآية رقم [٣]. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ الأعمال الصالحات على
следующие страницы →