← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت، فقد جمع إبراهيم ﵇ في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه، وعمّت بركاته. ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ فاستجاب الله دعاءه وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب لهم من الأمصار، كما قال تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ حيث توجد فيه الفواكه الربيعية، والصيفية، والخريفية في يوم واحد، وهو مشاهد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي: لعلهم يشكرون هذه النعم التي أنعمت بها عليهم. وقيل: معناه: لعلهم يوحدونك، ويعظمونك، وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات، وإقامة الطاعات. هذا؛ والفعل «شكر» يتعدى بنفسه وبحرف الجر تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له: وقد قرئ: (أفئدة) و «(آفدة)» و «(أفئيدة)». بعد هذا جاء في البخاري عن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر؛ وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس، ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ..﴾. إلخ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء؛ عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى-أو قال: يتلبّط-فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا؟ ففعلت ذلك سبع مرات». قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «فلذلك سعى الناس بينهما». «فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمّعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه-أو قال: بجناحه-حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه، وتقول بيدها: هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف». قال النبي ﷺ : «يرحم الله أمّ إسماعيل، لو تركت زمزم-أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينا معينا». قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الله: لا تخافوا الضيعة، فإن

стр. 2907

هاهنا بيت الله ببنيه هذا الغلام، وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك؛ حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء، فأرسلوا جريّا، أو جريّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم، قال النبي ﷺ ، فألف ذلك أمّ إسماعيل، وهي تحب الأنس، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم، وأعجبهم حيث شب، فلما أدرك الحلم؛ زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم-﵇-بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغيّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇ كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك؛ فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل، أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السّلام، ويقول: غيّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك؛ الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم، والماء!. قال النبي ﷺ : «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكّة، إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السّلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل ﵇ يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة

стр. 2908

على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. انتهى. التجريد الصريح. موقوفا في أوله، ومرفوعا أربع مرات في وسطه وآخره، وقد رفعته في أوله أيضا كما رفعه المرحوم عبد الوهاب النجار. تنبيه: وإني أرجئ الكلام على إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل-على نبينا، وعليهما، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-إلى سورة (الصافات) الآية رقم [١٠١] وما بعدها. هذا؛ وأضيف أن سبب إلقاء هاجر ورضيعها إسماعيل في مكة على نحو ما عرفت إنما هو غيرة سارة منها ومن ولدها؛ لأنها كانت جارية لها، فوهبتها لإبراهيم، فتزوجها، ولم يكن لسارة ولد قط، فأمر الله إبراهيم ﵇ أن يأخذهما إلى ذلك المكان القفر وأن يتركهما، فركب البراق هو وهاجر والطفل، فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ابنه وأمه، وركب منصرفا من يومه، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى، وكان مطيته البراق كلما أراد أن يزور إسماعيل ﵉، وما تقدم يفيد: أن إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان يحسن اللغة العربية ويجيدها، وإلا فكيف كان يمكن أن يتفاهم مع زوجتي ابنه، الأخرى تلو الأولى، ولم يكن بينهما ترجمان يترجم لهما ما يتفاهمان به. وأيضا فكيف يمكن أن يتفاهم مع إسماعيل وأمه هاجر حينما ذهب إليهما، وقص رؤياه على إسماعيل، التي رأى أنه يذبحه، بل فكيف يمكن أن يتعاون مع إسماعيل، وإقامته عنده المدة الطويلة حينما بنيا الكعبة المعظمة، وهذا كله قد وقع، لا ريب فيه، ولا شك. تنبيه: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده بأرض مضيعة اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل الخليل إبراهيم، كما تقوله غلاة الصوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله، كما رأيت. هذا؛ وإن أحد الفسقة تزوج امرأة ثانية، وهجر الأولى مع أولادها في دار مستقلة، فلما نوقش في ذلك، قال: أنا أسكنها في دار مع أولادها، وأعطيتها أرضا تعمل فيها، وتعيش منها، وإبراهيم الخليل ألقى هاجر، وابنه في أرض قاحلة، لا أنيس فيها، ولا ماء، ولا نبات، فهو يقول ذلك متفكها، ومضحكا الناس، فويل لهم كيف يفترون على الله الكذب؟! وويل لهم مما يصنعون؟! الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أَسْكَنْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وقد رأيت أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وبعضهم يعتبرها صلة ويخرج على قول الأخفش بزيادتها في

стр. 2909

الإيجاب. وقيل: إن المفعول محذوف، التقدير: إني أسكنت ذرية من ذريتي، وضعفه ظاهر، فيكون ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ مفعولا به، مجرورا لفظا منصوبا محلا، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، ﴿بِوادٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿غَيْرِ:﴾ صفة (واد). وقيل: بدل منه، و ﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و ﴿ذِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وجمعه: «أولي» من غير لفظه كما قد رأيت في الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد)، و ﴿ذِي:﴾ مضاف، و ﴿زَرْعٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل السابق، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿بَيْتِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُحَرَّمِ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَسْكَنْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وقال أبو البقاء في ﴿عِنْدَ﴾ يجوز أن يكون صفة ل: (واد)، وأن يكون بدلا منه. ﴿رَبَّنا:﴾ توكيد لسابقه. ﴿لِيُقِيمُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: اللام للأمر، فيكون مجزوما، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَسْكَنْتُ﴾ وعلى الجزم تكون الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاجْعَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اجعل): فعل دعاء، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿أَفْئِدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة، التقدير: أفئدة كائنة من أفئدة الناس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿تَهْوِي:﴾ يقرأ بفتح الواو، وكسرها، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، أو على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿أَفْئِدَةً﴾ كما قرئ بالبناء للمجهول. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: (اجعل...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، بإيحائك وأمرك؛ فاجعل... إلخ، وجملة: (ارزقهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ مفيدة للتعليل، وينبغي أن تدرك معي: أن الآية الكريمة بكاملها من مقول إبراهيم ﵇. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ أي: تعلم سرنا كما تعلم علننا؛ أي: جهرنا. والمعنى: إنك تعلم أحوالنا، وما يصلحنا، وما يفسدنا، وأنت أرحم بنا منا، فلا حاجة بنا إلى الدعاء والطلب، إنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعا لعظمتك، وتذللا لعزتك، وافتقارا إلى ما عندك. وقيل: معناه: تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه، حيث أسكنتهما بواد

стр. 2910

غير ذي زرع، وما نعلن من البكاء، وتكرير النداء للمبالغة في التضرع، والالتجاء إلى الله تعالى. ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلخ: قيل: هذا من قول إبراهيم ﵇. وقيل: إنما هو من قول الله تعالى لمّا قال إبراهيم ما تقدم، قال الله تعالى: ﴿وَما يَخْفى..﴾. إلخ وعليه الأكثرون، فهو تصديق لما قاله إبراهيم أولا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى انظر مثله في الآية السابقة، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره «أنت». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تعلم الذي، أو شيئا نخفيه في قلوبنا، وما نعلن: مثل ما قبله في الإعراب، وجملة: ﴿تَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال على اعتبار الكلام من مقول إبراهيم، وواو الاستئناف على اعتباره من مقول الله تعالى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَخْفى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ:﴾ فاعل يخفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة شيء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. والآية الكريمة بكاملها من مقول إبراهيم، على الاعتبار الأول: في الشرح، واعتبار الجملة ﴿(ما يَخْفى...)﴾ إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿تَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم، ففيه، وضع الظاهر موضع المضمر، وعلى الاعتبار الثاني: في الشرح تكون الجملة ﴿(ما يَخْفى...)﴾ إلخ مستأنفة. تأمل، وتدبر. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: هذا الكلام قاله إبراهيم في وقت آخر، لا عقيب ما تقدم من الدعاء؛ لأن الظاهر أنه ﵇ دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها، وهي ترضعه، ووضعها عند البيت، وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت، قال ابن عباس-﵄: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة، وقد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة، وإظهارا لما فيها من المعجزة. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أي: لمجيب الدعاء، من قولك: سمع الملك كلامي: إذا اعتدّ به، و (سميع) من صيغ المبالغة. هذا؛ وولد لإسماعيل اثنا عشر ولدا، ولإسحاق اثنان. هذا و (الحمد) في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا، فالأول: كمن يحسن إليك، والثاني: كمن يجيد صلاته، وهو

стр. 2911

في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان، التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل] أفادتكم النّعماء منّي ثلاثة... يدي ولساني والضّمير المحجّبا ومما هو جدير بالذكر: أن معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح: فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه، فيما خلق لأجله، وانظر الآية رقم [٧] تجد ما يسرك. هذا وقد حثنا الرسول ﷺ على حمد الله باللسان، ورغبنا فيه، وذكر لنا أحاديث ترغبنا فيه، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني القوية، وخذ نبذة من ذلك، فعن عبد الله بن عمر ﵄-أن رسول الله ﷺ حدّثهم: «أنّ عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السّماء، فقالا: يا ربّنا، إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ إنّه قد قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد وابن ماجة. وعن أبي أيوب-﵁-قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ : الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه. فقال رسول الله ﷺ : «من صاحب الكلمة؟». فسكت الرجل، ورأى أنّه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ : «من هو؟ فإنّه لم يقل إلاّ صوابا». فقال الرّجل: أنا قلتها يا رسول الله! أرجو بها الخير. فقال: «والّذي نفسي بيده! لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك، أيّهم يرفعها إلى الله تعالى». رواه الطبراني، والبيهقي. الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، وجملة: ﴿وَهَبَ لِي﴾ صلة الموصول، والعائد رجوع الفاعل إليه. ﴿عَلَى الْكِبَرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال مما بعدهما. ﴿إِسْماعِيلَ:﴾ مفعول به. و (إسحاق): معطوف عليه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَسَمِيعُ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، و (سميع): مضاف، و ﴿الدُّعاءِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وقيل: من إضافته لفاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تعالى على المجاز. هذا؛ والآية الكريمة كلها من مقول إبراهيم ﵇.

стр. 2912

﴿رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أي: ممن يقيم الصلاة بأركانها، ويحافظ عليها في أوقاتها، وانظر الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعل من ذريتي من يقيم الصلاة، وإنما أدخل لفظة (من) التي هي للتبعيض؛ لأنه علم بإعلام الله له أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون الصلاة، وهذا واقع وملموس ومشاهد، وانظر شرح (ذرية) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). ﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ:﴾ وقد تقبل الله دعاء إبراهيم بفضله وكرمه. وقيل: المعنى: وتقبل عبادتي، وطاعتي. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع، والالتجاء إلى الله تعالى. هذا؛ و ﴿مُقِيمَ﴾ أصله: (مؤقوم) حذفت منه الهمزة على نحو ما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد)، فصار (مقوم) ثم نقلت كسرة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار (مقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: «مقيم». الإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية رقم [٣٥] لشرحه وإعرابه، ﴿اِجْعَلْنِي:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿مُقِيمَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الصَّلاةِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ معطوفان على ياء المتكلم، وانظر الشرح، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿رَبَّنا:﴾ تقدم مثله. (تقبل دعاء): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿دُعاءِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وتقدم مثله في الآية رقم [٣٢] من سورة (الرعد)، والآية بكاملها من مقول إبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ:﴾ قيل: استغفر إبراهيم لوالديه قبل أن يثبت عنده أنهما عدوّان لله، وهذا أفادته آية التوبة رقم [١١٥]. هذا وقال القشيري: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة؛ لأن الله ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أمه، قال القرطبي: وعلى هذا قراءة سعيد بن جبير: «(ربّ اغفر لي ولوالدي)» يعني: أباه. وقيل: استغفر لهما طمعا في إيمانهما. وقيل: استغفر لهما بشرط أن يسلما. وقيل: أراد آدم وحواء، وقد روي: أن العبد إذا قال: اللهم اغفر لي ولوالدي، وكان أبواه قد ماتا كافرين انصرفت المغفرة إلى آدم، وحواء؛ لأنهما والدا الخلق أجمع. هذا؛ وقرئ: «(ولأبويّ)» وفي (والديّ وأبويّ) تغليب الأب على الأم، وفيه إشعار بتفضيل الذكر على الأنثى.

стр. 2913

وقيل: أراد ولديه إسماعيل، وإسحاق، وقد قرئ «(ولولدي)» وهذه القراءة وقراءة الإفراد، وقراءة: «(ولدي)» جمع ولد كلها قراءات شاذة. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: اغفر للمؤمنين كلهم، والله لا يرد دعاء خليله، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ أي: يثبت، فهو مستعار من القيام على الرّجل، كقولهم: قامت الحرب على ساقها. وقيل: المراد: يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب؛ لكونه مفهوما للسامع. تنبيه: قال الخازن: فإن قلت: طلب المغفرة من الله إنما يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة له. قلت: المقصود منه الالتجاء إلى الله ، وقطع الطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، والاعتراف بالعبودية لله تعالى، والاتكال على رحمته. انتهى. أقول: وفيه أمران آخران: أولهما: إظهار التذلل، والافتقار له تعالى، والتواضع، وثانيهما تعليم الناس وحثهم على طلب المغفرة من الله مهما بلغوا من الصلاح والتقوى، ولا تنس: أن نوحا ﵇ قد دعا بمثل هذا الدعاء، انظر الآية الأخيرة من السورة المسماة باسمه، وعلّم ربنا حبيبه وصفيه محمدا ﷺ أن يدعوه بأدعية شبيهة لما دعا إبراهيم ونوح، عليهم جميعا ألف تحية، وألف صلاة، انظر خواتيم سورة (البقرة)، والنصف الثاني: من سورة (الفاتحة)، وغير ذلك كثير، وقال ﷺ : «توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إليه في اليوم والليلة سبعين مرة». ولعل الرسول ﷺ حينما كان يحض أصحابه على الاستغفار، ويخبرهم: أنه يستغفر في اليوم سبعين مرة، لم يقصد نفع نفسه، أو التخلص من ذنوب نسبت إليه، فهو المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ولكنه قصد أن يعلم أتباعه كيف يفيئون بعد غفلة، ويستقيمون بعد زلة، ويرجعون بعد هفوة، ولا عجب فهو بالمؤمنين رءوف رحيم. الإعراب: ﴿رَبَّنَا:﴾ تقدم مثله. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل: «أنت». ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. (لوالدي): معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. (للمؤمنين) معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر... إلخ. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل السابق، أو هو متعلق بمحذوف حال التقدير: حال كون الغفران في ذلك اليوم العصيب، والأول: أقوى، وجملة: ﴿يَقُومُ الْحِسابُ﴾ في محل جر بإضافة يوم إليها، والآية الكريمة من مقول إبراهيم ﵊. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً..﴾. إلخ: هذا خطاب للرسول ﷺ ، والمراد تثبيته على ما هو عليه، وأنه تعالى مطلع على أحوالهم وأفعالهم، لا تخفى عليه خافية، وفيه وعيد لهم بأنه

стр. 2914

معاقبهم على قليله، وكثيره لا محالة، أو لكل من توهم غفلته جهلا بصفاته، واغترارا بإمهاله. وقيل: إنه تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم. ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يؤخر عقاب الظالمين والانتقام منهم. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ أي: لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، قاله الفراء: يقال: شخص الرجل بصره، وشخص البصر نفسه؛ أي: سما، وطمح من هول ما يرى. قال ابن عباس: تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة، فلا يرمضون. قال الخازن: الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور. وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، والتيقظ، وهذا في حق الله محال، فلا بد من تأويل الآية، فالمقصود منها: أنه ينتقم من الظالم للمظلوم، ففيه وعيد، وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه، بل ينتقم منه، ولا يتركه مغفلا. انتهى. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا)، ونون التوكيد حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿غافِلاً:﴾ مفعول به ثان، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ متعلقان ب: ﴿غافِلاً،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن الذي، أو عن شيء يعمله الظالمون، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: من عمل الظالمين. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله، وقرئ بالنون، فيكون الفاعل تقديره: «نحن» والهاء مفعول به. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ في محل جر صفة يوم، والرابط: الضمير المجرور محلا بفي، والجملتان ﴿(لا تَحْسَبَنَّ...)﴾ و ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ..﴾. إلخ مستأنفتان لا محل لهما من الإعراب، وفي الثانية معنى التعليل للنهي. ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ مسرعين، ومنه قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ وقال الشاعر: [الوافر] بدجلة دارهم ولقد أراهم... بدجلة مهطعين إلى السّماع فعلى هذا المعنى: أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا باهتا، فبيّن الله في هذه الآية، وفي آية (القمر): أن أحوال أهل الموقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة، فأخبر : أنهم مع شخوص الأبصار يكونون

стр. 2915

مهطعين نحو الداعي. وقيل: المهطع: الخاضع الذليل الساكت. انتهى خازن. والمراد ب: (الداعي) الذي ذكرته إسرافيل ﵇ قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ فيقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقال مجاهد، والضحاك: أي: مديمي النظر، قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعا، يعني: الإسراع مع إدامة النظر. ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ أي: رافعي رءوسهم ينظرون في ذلّ، وإقناع الرأس: رفعه، قاله ابن عباس، ومجاهد-﵄-وهذا بخلاف المعتاد لأن من يتوقع البلاء فإنه يطرق ببصره إلى الأرض. وقال المهدوي: ويقال: أقنع: إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأسه ذلة وخضوعا، والآية محتملة الوجهين. انتهى قرطبي. وعليه فهو من الأضداد. قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف، فهي شاخصة لا ترتد إليهم، قد شغلهم ما بهم. انتهى. خازن. أقول: وهنا يجدر بالذكر قول الرسول ﷺ الذي رواه الشيخان عن عائشة-﵂: «يحشر الناس حفاة عراة غرلا». قالت عائشة: فقلت: الرجال والنّساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذلك-وفي رواية-: من أن ينظر بعضهم إلى بعض». ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي: قلوبهم خاوية خربة متخوفة ليس فيها خير، ولا عقل، ولا فهم لفرط الحيرة والدهشة، ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء؛ أي: لا رأي فيه، ولا قوة، ومنه قول حسان ﵁: [الوافر] ألا أبلغ أبا سفيان عنّي... فأنت مجوّف نخب هواء وقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً﴾ أي: من كل شيء إلا من همّ موسى، هذا، والهوى يقصر ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ وقوله جل ذكره: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهواء بمعنى: العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وهان على أسماء أن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق وإليك هذين البيتين، فإنهما من النكت الحسان: [الكامل] جمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران فقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني

стр. 2916

وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه أهواء، وجمع الممدود: أهوية. هذا وقد رأيت تفسير ﴿طَرْفُهُمْ﴾ بالأبصار؛ أي: العيون، وقد يراد بالطّرف الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم فأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم ويقال: ما طبق طرفه-أي: جفنه-على الآخر. هذا؛ والطّرف بالمعنى السابق لا يثنى، ولا يجمع، كما ستجده إن شاء الله في سورة (الصافات)، وص، والشورى، وسورة (الرحمن)، وهو هنا بفتح الطاء، وسكون الراء، وهو بفتحهما: حرف الشيء، ومنتهاه، وجمعه: أطراف، كما رأيت في الآية رقم [١١٤] من سورة (هود) ﵇، وهو بكسر الطاء، وسكون الراء: الكريم من الخيل، وقد يراد به أيضا: الكريم الطرفين؛ أي: الأب والأم، ويجمع على أطراف أيضا. هذا؛ وانظر الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف). الإعراب: ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ حال من المضاف إليه المحذوف؛ إذ التقدير: تشخص فيه أبصارهم. وقيل: التقدير: أصحاب الأبصار والأول: أولى. ﴿مُقْنِعِي:﴾ حال ثانية منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿رُؤُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْتَدُّ:﴾ مضارع. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿طَرْفُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُقْنِعِي﴾ فهي حال متداخلة، وجوز اعتبارها بدلا منه، كما جوز اعتبارها مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿(أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ)﴾ مستأنفة، وأجيز اعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والعامل ﴿يَرْتَدُّ﴾ والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأفرد هواء مع أنه خبر عن جمع؛ لأنه بمعنى: فارغة كما رأيت، فأفرد كما يجوز إفراد فارغة؛ لأن تاء التأنيث تدل على تأنيث الجمع الذي في أفئدتهم، ومثله؛ أحوال صعبة، وأحوال فاسدة، ونحو ذلك. ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ أي: خوف يا محمد أهل مكة يوم القيامة، وما فيه من أهوال وشدائد، ومتاعب ومصاعب، أو يوم الموت، فإنه أول أيام عذابهم، وأول منازل

стр. 2917

الآخرة. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أنفسهم بالشرك، أو بالمعاصي والسيئات، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أي: يقولون عند مشاهدة العذاب أخر عنا العذاب، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى حدّ من الزمان قريب، أو أخر آجالنا إلى زمن قريب بمقدار ما نؤمن بك، ونجيب دعوتك، ونتبع رسلك، فهو كقوله تعالى في سورة (المنافقون): ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى في سورة (فاطر): ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠٩] من سورة (المؤمنون)؛ لترى ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ..﴾. إلخ: أي: حلفتم أنكم باقون مخلدون في الدنيا لا تخرجون منها بالموت. قال البيضاوي: ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا، ودل عليه حالهم، حيث بنوا شديدا، وأملوا بعيدا. وقيل: أقسموا: أنهم لا ينتقلون إلى دار أخرى، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة إلى حالة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ الآية [٣٨] من سورة (النحل)، انظر شرحها هناك. الإعراب: ﴿وَأَنْذِرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنذر): أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ:﴾ مضارع مرفوع، ومفعوله وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها، وجملة: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (أنذر...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿(لا تَحْسَبَنَّ...)﴾ إلخ لا محل لها مثلها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخِّرْنا:﴾ فعل دعاء، والفاعل تقديره «أنت»، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة أجل. ﴿نُجِبْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره «نحن»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء، ﴿دَعْوَتَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿(نَتَّبِعِ الرُّسُلَ)﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿أَقْسَمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿زَوالٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على

стр. 2918

آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ حجازية، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله: أقسمتم، ولو جاء بلفظ المقسمين، لقيل: ما لنا من زوال، والكلام كله ﴿أَوَلَمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: فيقال لهم من قبل الله، أو من قبل الملائكة، والقول ومقوله كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ بالكفر والمعاصي كعاد، وثمود، فهلا اعتبرتهم فيما حل بهم من المقت والوبال. ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أي: وقد عرفتم، كيف كانت عقوبتهم. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ أي: بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر، واستحقاق العذاب، والأمثال التي ضربها الله في القرآن للناس ليتدبروها، ويعتبروا بها، فيجب على كل من شاهد أحوال الماضين من الأمم الخالية، وعلم ما جرى لهم أن يعتبر بهم، ويعمل في خلاص نفسه من العقاب والهلاك، فاعتبروا يا أولي الألباب، يا أولي الأبصار. هذا و (سكن) فالأصل فيه أن يعدى ب: «في» كقرّ، وغني، وأقام، وقد يستعمل بمعنى: التبوّؤ، فيجري مجراه، كقولك: سكنت الدار، ومثله: دخل ونزل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤] وانظر شرح: ﴿مَثَلاً﴾ في الآية رقم [٢٤] وانظر شرح: ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، وتبيّن الشيء وبان وأبان، واستبان كله بمعنى: واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا، كما في قولك: استبنت الأمر، وتبينته، وأبنته بمعنى: عرفت حقيقته. تأمل، وتدبر. الإعراب: (سكنتم): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَقْسَمْتُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها. ﴿فِي مَساكِنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مَساكِنِ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. (تبين): ماض، وفاعله محذوف، التقدير: تبين حالهم، وخبرهم، وهلاكهم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده. وقيل: في محل نصب مفعول مطلق عامله ما بعده. وقيل: في محل نصب حال، والأول: أقوى. ﴿فَعَلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مفسرة للفاعل المحذوف. هذا؛ وأجاز بعض الكوفيين اعتبار الجملة الفعلية فاعلا للفعل (تبيّن)، وانظر ما

стр. 2919

ذكرته في الآية رقم [٣٥] من سورة (يوسف) ﵇، وجملة: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَقْسَمْتُمْ..﴾. إلخ، وأيضا جملة: ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ معطوفة عليها. ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ:﴾ لقد اختلف في الضمير إلى من يعود، فقيل: يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم. وقيل: إن المراد بالضمير كفار قريش الذين مكروا برسول الله ﷺ في ليلة الهجرة. انظر الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنفال). ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: إن مكرهم مسجل عند الله، ومعلوم لديه، فهو يجازيهم عليه يوم القيامة، بالإضافة لما جازاهم به في الدنيا. ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ..﴾. إلخ: أي: ما كان مكرهم مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى، فالجبال مثل لأمر النبي ﷺ . وقيل: إن المعنى: وما كان مكرهم في تقديرهم لتزول منه الجبال عن أمكنتها، وتؤثر في إبطال الإسلام. وهذا على اعتبار (إن) نافية، واللام لام الجحود. وقرئ «(لَتزولُ منه الجبال)» بفتح اللام الأولى، وضم الثانية؛ أي: على الإثبات، فيكون المعنى: كان مكرهم مكرا عظيما تزول منه الجبال عن مكانها، ولكن الله حفظ محمدا ﷺ ودينه من مكرهم، والجبال لا تزول، ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون، ولقد ذكر الخازن، والقرطبي قصة هي أقرب إلى الخيال من الحقيقة. هذا وقرئ: «(وإن كاد مكرهم)»، والمكر: تدبير الأمر في خفية، وهو أيضا احتيال، وخداع. هذا وفي الآية استعارة تمثيلية: فقد شبه الله مكرهم في شدته، وتفاقمه-لا سيما حينما انتهى أمرهم في ليلة الهجرة إلى المؤامرة الدنيئة المعروفة-بمحاولة إزالة الجبال من أماكنها، وشبه شريعته الغراء، وما أنزله على نبيه ﷺ من تعاليم سامية، وحجج بينة بالجبال في رسوخها، وتمكنها من نفوس المؤمنين بها المتعلقين بأهدابها، وهي من أرقى الاستعارات، وتزداد روعتها بأن صدور المكر المعد لإزالة الجبال صادر عن قوم لا حول لهم، ولا قوة، حيث شبه قلوبهم في خفتها، وعدم تعلقها بالهواء. هذا؛ وقد ذكر الثعلبي في قصص الأنبياء: أن الآية تقص علينا خبرا من أخبار النمرود وصرحه الذي بناه، وهو شيء تفرد به، ولم يذكره غيره. الإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَكْرَهُمْ:﴾ مفعول مطلق، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿ظَلَمُوا﴾ والرابط: الواو، والضمير، أو هي في محل نصب حال من الساكنين، المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ..﴾.

стр. 2920

إلخ ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد). هذا؛ والجملة الفعلية مستأنفة على أن المراد بالضمير كفار قريش: ﴿وَعِنْدَ:﴾ الواو: واو الحال. (عند): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، و (عند) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَكْرَهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة على الاعتبار الأول: في الجملة الأولى، دون الاعتبار الثاني. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف: (إن): نافية بمعنى: «ما». ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿مَكْرَهُمْ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة... إلخ، والميم علامة جمع الذكور، ﴿لِتَزُولَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام الجحود. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجِبالُ:﴾ فاعل، و «أن» المضمرة والفعل (تزول) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ التقدير: وإن كان مكرهم مسددا لإزالة الجبال. هذا؛ وعلى القراءة الثانية ف (إن) مخففة من الثقيلة مهملة، واللام المفتوحة هي الفارقة بين النفي والإثبات، و (تزول) مرفوع، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو اِنتِقامٍ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي: فلا تظنن يا محمد: أنّ الله مخلف ما وعد به رسله من النصر، وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين، فإنه ناصر رسله، وأولياءه، ومهلك أعداءه، فهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا..﴾. إلخ وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وأصله: «مخلف رسله، وعده» فقدم المفعول الثاني إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا. لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ وإذا لم يخلف وعده أحدا، فكيف يخلف رسله؟! وإضافة: ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى «الوعد» اتساع، وقد ساغ ذلك؛ لأن كل واحد منهما مفعول، وهو قريب من قولهم: يا سارق اللّيلة أهل الدّار. والأصل: يا سارق أهل الدار الليلة. ﴿عَزِيزٌ:﴾ قوي، لا يغلبه شيء، لا يماكر، قادر، لا يدافع. ﴿ذُو انتِقامٍ:﴾ صاحب انتقام، والانتقام: المبالغة في العقوبة، والأخذ الشديد بالثأر. الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي عطف تفريعي على: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ﴾. (لا): ناهية. ﴿تَحْسَبَنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مُخْلِفَ:﴾ مفعول به ثان، وانظر الشرح، و ﴿مُخْلِفَ﴾ مضاف، و ﴿وَعْدِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الثاني: الذي قدم على الأول، وهو ﴿رُسُلَهُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة

стр. 2921

الفعلية: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿اِنتِقامٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للنهي لا محل لها. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ:﴾ اختلف في هذا التبديل على قولين: أحدهما: أنه تبدل صفة الأرض، والسماء، لا ذاتهما، فأما تبديل الأرض؛ فبتغيير صفتها، وهيئتها مع بقاء ذاتها، وهو أن تدكدك جبالها، وتسوى وهادها، وأوديتها، وتذهب أشجارها، وجميع ما عليها من عمارة وغيرها، لا يبقى على وجهها شيء إلا ذهب، وتمد مدّ الأديم. وأما تبديل السماء؛ فهو أن تنتثر كواكبها، وتطمس شمسها وقمرها، وكونها تارة كالدهان، وتارة كالمهل. ويدل له ما روي عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ، ليس بها علم لأحد». رواه الشيخان. والقول الثاني: هو تبديل ذوات الأرض والسماء. ثم اختلف في هذا التبديل، فقال ابن مسعود-﵁: تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يسفك بها دم، ولم يعمل عليها خطيئة. وقال علي كرم الله وجهه: تبدل الأرض أرضا من فضة، والسماء من ذهب. وقال أبي بن كعب-﵁: تصير الأرض نيرانا، والسماء جنانا. وقال أبو هريرة وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. ويدل لهذا ما روي عن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبّار بيده، كما يتكفّأ أحدكم خبزته في السّفر، نزلا لأهل الجنة». أخرجاه في الصحيحين. انتهى. خازن بتصرف كبير. وخذ هذا الحديث عن عائشة-﵂-قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط». أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجة. ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ:﴾ انظر الآية رقم [٢١] ﴿الْواحِدِ الْقَهّارِ:﴾ انظر الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد)، والمحال عليها في سورة (يوسف) ﵇، وانظر شرح السموات والأرض في الآية رقم [٣] من سورة (يونس) ﵇، وانظر شرح: ﴿غَيْرَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد)، وانظر التعبير بالماضي في الآية [٢١]. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ،﴾ أو هو متعلق بالمصدر انتقام، أو هو معمول لمقدر باذكر ﴿تُبَدَّلُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول.

стр. 2922

﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿الْأَرْضُ﴾ مضاف إليه. (السموات): معطوف على الأرض، وجملة: ﴿تُبَدَّلُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. (برزوا): ماض والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها وأجاز أبو البقاء الاستئناف، والحالية على تقدير «قد» قبلها، وكلاهما ضعيف. ﴿الْواحِدِ:﴾ صفة لفظ الجلالة، ﴿الْقَهّارِ:﴾ صفة ثانية، أو هما بدلان من لفظ الجلالة على اعتبارهما من الأسماء الحسنى، وهو المعتمد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَتَرَى:﴾ انظر إعلال ﴿نَرى﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) ﵇. ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ الكافرين، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ انظر شرحه في الآية رقم [٦٦] من سورة (هود). ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ،﴾ أو قرنوا مع الشياطين، لقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: قرناءهم من الشياطين، أو قرنوا مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة، والملكات الباطلة، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..﴾. إلخ، أو المعنى: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، ومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ مشدودين في الأصفاد، وهي الأغلال والقيود، واحدها: صفد، وصفد، ويقال: صفدته صفدا؛ أي: قيدته، والاسم الصّفد، فإذا أردت التكثير قلت: صفّدته تصفيدا، وأصفدته إصفادا: أعطيته. وقيل: صفدته، وأصفدته جاريان في القيد والإعطاء جميعا، فالصّفد: العطاء؛ لأنه يقيّد ويعبد، قال أبو الطيب: [الطويل] وقيّدت نفسي في ذراك محبّة... ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وإذ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، تضاف إذ إليها في الأصل، فإن الأصل يوم إذ ينزل بهم العذاب الأليم، والعقاب الشديد، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت (إذ) لالتقاء الساكنين كما كسرت في (صه) و (مه) عند تنوينهما. ﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ حال من المجرمين منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي الْأَصْفادِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾. وقيل: بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. وقيل: بمحذوف صفة له، وكلاهما ضعيفان، وجملة: ﴿(تَرَى...)﴾ إلخ معطوفة على جملة: ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ، فهي في محل جر مثلها.

стр. 2923

﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿سَرابِيلُهُمْ:﴾ قمصانهم، جمع سربال، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٨١] من سورة (النحل)، والفعل: تسربلت، وسربلت غيري، قال كعب بن زهير: [البسيط] شمّ العرانين أبطال لبوسهم... من نسج داود في الهيجا سرابيل ﴿مِنْ قَطِرانٍ:﴾ هو سائل دهني يتخذ من بعض الأشجار كالصنوبر والأرز، فيطبخ، وتدهن به الإبل الجربى، فيحرق الجرب لشدته وحدته، وهو أسود منتن، تشتعل النار فيه بسرعة، يطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص؛ ليجتمع عليهم لذع القطران، ووحشة لونه، ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم، على أن التفاوت بين قطران الدنيا، وقطران الآخرة كالتفاوت بين ناريهما. فعن أبي مالك الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «النّائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب». رواه مسلم وغيره. هذا؛ وفي ﴿قَطِرانٍ﴾ قراءات: فتح القاف، وكسر الطاء، وهذه القراءة سبعية، وثانية: بفتح القاف، وسكون الطاء، وثالثة: بكسر القاف، وسكون الطاء، ورابعة: «(قطر آن)» على كلمتين منونتين، فالقطر: النحاس المذاب، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول الاسكندر: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ و «آن»: شديد الحرارة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أي: تعلوها وتجللها وتغطيها، وخصت الوجوه بالذكر مع أن النار تحيط بهم من جميع الجهات؛ لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق، ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله، كما تطلع النار على أفئدتهم؛ لأنها فارغة من المعرفة، مملوءة بالجهالات، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ،﴾ والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿سَرابِيلُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَطِرانٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُقَرَّنِينَ،﴾ أو من المجرمين، وجوز استئنافها. (تغشى): مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿وُجُوهَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)﴾ الشرح: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ..﴾. إلخ أي: يفعل الله بالمجرمين ذلك العذاب المذكور ليجزي كل

стр. 2924

نفس مجرمة الذي كسبته في دنياها، أو كل نفس من مجرمة، أو مطيعة؛ لأنه إذا بيّن أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم، علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم. ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المحذوف على الاعتبار الأول: في التفسير، أو متعلقان بالفعل (برزوا) على الاعتبار الثاني: في التفسير ويكون ما بينهما اعتراضا. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به أول، و ﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و ﴿نَفْسٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا كسبته. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: كسبها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ الأصل: سريع حسابه. والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي تعليل لما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أي: هذا القرآن فيه تبليغ للناس وموعظة. وقد ذكر سبحانه لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب: أولها: الإنذار؛ أي: التخويف بالقرآن، ومواعظه، وزواجره، وثانيها: الاستدلال بآيات القرآن على وحدانية الله تعالى، وثالثها: الاتعاظ بما في هذا القرآن من المواعظ، والنصائح، وما يتعظ إلا أصحاب العقول السليمة، والأفهام الصحيحة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا ف: ﴿بَلاغٌ﴾ اسم مصدر، لا مصدر، انظر (سلام) و «عذاب» في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَلاغٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَلاغٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِيُنْذَرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (لينذروا): مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وقرئ بالبناء للمعلوم، فتكون الواو فاعله، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على

стр. 2925

محذوف، التقدير: لينصحوا، والجار والمجرور الحاصلان من هذا متعلقان بمحذوف، التقدير: أنزل هذا القرآن للنصح والإنذار وللاستدلال... إلخ. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (ليعلموا): إعرابه مثل إعراب سابقه، وبعد التأويل والعطف، انظره آنفا. ﴿أَنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في تأويل مصدر سدت مسد مفعول (يعلموا). ﴿وَلِيَذَّكَّرَ:﴾ مثل سابقه تأويلا وعطفا. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و ﴿أُولُوا:﴾ مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ:﴾ مضاف إليه. تأمل، وتدبر. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (إبراهيم) ﵊-تفسيرا، وإعرابا. بعون الله وتوفيقه. **

стр. 2926

سورة الحجر وهي مكية بالإجماع، وآياتها تسع وتسعون، وكلماتها ستمائة وأربع وخمسون، وحروفها ألفان وسبعمائة وستون. انتهى. خازن. تنبيه: انظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وأزكى سلام، وانظر شرح: ﴿الر﴾ وإعرابها في أول سورة (يونس) ﵇. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ:﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة من الآيات، والمراد بالكتاب والقرآن المبين: الكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ ، وتنكير القرآن للتفخيم، والتعظيم؛ أي: الجامع للكمال، والغرابة في البيان، وإنما ذكر القرآن بوصفين، وإن كان الموصوف واحدا لما فيه من زيادة التفخيم والتعظيم، و ﴿مُبِينٍ:﴾ مبين للحلال والحرام، والنافع والضار... إلخ. هذا؛ وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة، وهي للبعد، والسورة الكريمة، بل القرآن الكريم كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (النمل) ففيها فضل بيان. هذا و «كتاب» في اللغة الضم والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماعهم، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبا، و ﴿آياتُ﴾ جمع آية، وهي تطلق على معان كثيرة الدلالة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وتطلق على المعجزة، مثل انشقاق القمر ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وانظر شرح «القرآن» في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇.

стр. 2927

و ﴿مُبِينٍ:﴾ اسم فاعل من «أبان» الرباعي، أصله: مبين، بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ولا تنس: أن اسم الفاعل من بان الثلاثي بائن، أصله باين، وإعلاله مثل إعلال (قائم) في الآية رقم [١٢] من سورة (يونس) ﵇. الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَقُرْآنٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها، أو هي في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل، ونحو ذلك. ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ الشرح: ﴿رُبَما يَوَدُّ:﴾ قرئ بتشديد الدال وتخفيفها، و (ربّ) للتقليل، ورجح ابن هشام أنها هنا للتكثير؛ لأن الآية مسوقة للتخويف، وقد زيدت (ما) معها لتهيئها للدخول على الجملة الفعلية، ويغلب أن يكون الفعل بعدها ماضيا لفظا ومعنى، لكن لما كان المرتقب في إخبار الله تعالى كالماضي في تحققه أجري مجراه في هذه الآية. وقال ابن هشام في مغنيه: وفي «رب» ست عشرة لغة، ضم الراء وفتحها، وكلاهما مع التشديد والتخفيف، والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث ساكنة، أو محركة، ومع التجرد منها، فهذه اثنتا عشرة، والضم والفتح مع إسكان الباء، وضم الحرفين مع التشديد، ومع التخفيف. انتهى. أقول: لم تذكر «رب» في غير هذه الآية من القرآن الكريم، ويكثر ذكرها في الشعر العربي، والكلام العربي، وهي حرف جر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء، فمحل مجرورها في نحو «ربّ رجل صالح عندي» رفع على الابتدائية، وفي نحو «رب رجل صالح لقيت» على المفعولية، وفي نحو «ربّ رجل صالح لقيته» رفع، أو نصب، كما في قولك: «هذا لقيته» وكثيرا ما تحذف في الشعر، وتحل الواو محلها، وتسمى حينئذ واو رب، ولا يجمع بينها وبين الواو، ويجب تصديرها في أول الكلام، وتنكير مجرورها، ونعته إن كان ظاهرا، وإفراده، وتذكيره، وتمييزه بما يطابق المعنى؛ إن كان ضميرا، وانظر بحثها وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب. ﴿يَوَدُّ:﴾ يتمنى، ويحب، والماضي: ود، والود: الحب، وهو بتثليث الواو، والودود: الكثير الحب. ﴿لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ:﴾ لقد اختلف في تمني إسلامهم متى يكون، فقيل: حين معاينة نصر المسلمين عليهم. وقيل: عند نزول الموت بهم. وقيل: عند القيامة. وقيل: عند إخراج المسلمين المجرمين من نار الجحيم، وهو المشهور، فعن أبي موسى الأشعري-﵁-

стр. 2928

عن النبي ﷺ قال: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فيغفرها الله لهم بفضل رحمته، فيأمر الله بكلّ من كان من أهل القبلة في النار، فيخرجون منها، فحينئذ يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين». ذكره البغوي بغير سند. انتهى. خازن. وفي القرطبي قريب من معناه، وهو من رواية جابر بن عبد الله، ﵄. الإعراب: ﴿رُبَما:﴾ كافة ومكفوفة، وقال الأخفش: (رب) حرف جر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء، و (ما): نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر لفظا ب: (رب)، وهي في محل رفع مبتدأ. ﴿يَوَدُّ:﴾ مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة مستأنفة على اعتبار (رب) مكفوفة، وفي محل جرّ صفة (ما)، على اعتبارها موصوفة، والرابط محذوف، التقدير: يوده الذين كفروا، وعليه فخبر المبتدأ (ما) محذوف تقديره موجود، وعليه فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُسْلِمِينَ:﴾ خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و ﴿لَوْ﴾ المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به؛ أي: يود الذين كفروا كونهم مسلمين على اعتبار (ما) كافة لرب، وعلى اعتبارها نكرة موصوفة فالمصدر المؤول بدل منها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿لَوْ﴾ امتناعية، فيكون جوابها محذوفا، تقديره: لسروا بذلك، أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول يود محذوف على هذا التقدير؛ أي: ربما يود الذين كفروا النجاة، وعليه ف: ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، والأول: أقوى بلا ريب. ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ الشرح: ﴿ذَرْهُمْ:﴾ اتركهم. ﴿يَأْكُلُوا﴾ أي: كما تأكل الأنعام. ﴿وَيَتَمَتَّعُوا:﴾ بدنياهم، وما فيها من نعيم، ولذات، وشهوات. ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ:﴾ يشغلهم عن الإيمان بالله، وعن طاعته وعبادته الأمل في هذه الدنيا. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا وردوا القيامة، وذاقوا، وبال ما صنعوا، ففيه تهديد، ووعيد لمن أخذ حظه من الدنيا ولذاتها، ولم يأخذ بحظه من طاعة الله ، قال بعض أهل العلم: ﴿ذَرْهُمْ﴾ تهديد، و ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد فكيف يهنأ العيش بين تهديدين، وهذه الآية منسوخة بآية القتال، فإن المخاطب بذلك النبي ﷺ والمعنيّ بالتهديدين كفار قريش. ﴿ذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، والمستعمل من هذه المادة المضارع والأمر بكثرة في القرآن الكريم، وفي الكلام العربي، ومثله: «دع» ومضارعه: يدع، فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى:

стр. 2929

الترك، وقد سمع الماضي منهما سماعا نادرا فقالوا: وذر، وودع بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى: أنهم لم يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرا طويلا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا. قال قطة العدوي: قال بعض المتقدمين: زعم النحاة: أن العرب أماتت ماضي «ودع» ومصدره، واسم مفعوله، واسم فاعله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بتخفيف الدال، بمعنى: ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة، وقال الرسول ﷺ : «شرّ الناس من ودعه الناس اتقاء شرّه». وقال ﵊: «دعوا الحبشة ما ودعوكم». ورواه الجمل: «ذروا الحبشة ما وذرتكم». وقال أبو العتاهية الصوفي: [المنسرح] أثروا فلم يدخلوا قبورهم... شيئا من الثروة الّتي جمعوا وكان ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الّذي ودعوا وقال آخر: [الطويل] وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراف المثقّفة السّمر وقال أنس بن رؤيم: [الرمل] ليت شعري عن خليلي ما الّذي... غاله في الحبّ حتّى ودعه فها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة وحديثا، وكذا في شعر العرب، وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ : «لينتهينّ قوم عن ودعهم الجمعات، وفي رواية: (الجماعات) أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم وغيره، وورد اسم المفعول، واسم الفاعل من «ودع» في قول خفاف بن ندبة: [الطويل] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى، وهو مودوع وواعد مصدق فكيف يقال: إن العرب أماتته؟! فالصواب القول بقلة الاستعمال، لا بالإماتة. انتهى. بتصرف كبير. هذا؛ وما قيل في «ودع» ومضارع «يدع»، وأمره «دع» يقال في: وذر، ومضارعه: «يذر»، وأمره: «ذر»، كما يقال في «وعم» ومضارعه «يعم»، وأمره «عم»، وانظر الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا فتح القريب تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿الْأَمَلُ:﴾ من أمّل يؤمّل، تأميلا: إذا رجى الأمر، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله بخلاف الطمع، فإنه لا يكون إلا فيما يرجى حصوله، وقد يكون «الأمل» بمعنى: الطمع، وأما الرجاء؛ فهو بين الأمل والطمع، والآمال في الدنيا رحمة من الله تعالى، حتى عمر بها الدنيا،

стр. 2930

وتم صلاحها، قال النبي ﷺ : «الأمل رحمة من الله تعالى لأمّتي، ولولا ذلك ما غرس غارس شجرة، ولا أرضعت أمّ ولدا» قال الشاعر: [البسيط] وللنّفوس، وإن كانت على وجل... من المنيّة آمال تقوّيها فالمرء يبسطها والدهر يقبضها... والنفس تنشرها والموت يطويها وقال القرطبي: وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتد علاجه، ولم يفارقه داء، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء، ويئس من برئه الحكماء والعلماء، وحقيقة الأمل الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحب لها، والإعراض عن الآخرة، وقال الحسن: ما أطال عبد الأمل، إلا أساء العمل، وصدق-﵁، فالأمل يكسل عن العمل، ويورث التراخي، والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى، وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان، ولا يطلب صاحبه ببرهان. انتهى. الإعراب: ﴿ذَرْهُمْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿يَأْكُلُوا:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿وَيَتَمَتَّعُوا:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿وَيُلْهِهِمُ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم أيضا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والهاء مفعول به. ﴿الْأَمَلُ:﴾ فاعله، والجمل كلها لا محل لها، فالأولى، مستأنفة، والثانية لوقوعها جوابا للطلب، وما بعدها بسبب العطف عليها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: الفاء الفصيحة، وعليه فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا منهم فسوف يعلمون، وفيه ركاكة لا تخفى، لذا فالمعتمد ما ذكرته أولا في الفاء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ الشرح: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية، والمراد: هلاك الاستئصال، كما فعل الله بقرى قوم لوط ونحوها. ﴿إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: أجل مضروب، ووقت معين، لا يتقدم العذاب، ولا يتأخر عنه. هذا؛ والقرية في الأصل: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، وكثيرا ما أطلق عليها اسم القرية، كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها: قروي وقريي.

стр. 2931

الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَلَها:﴾ الواو: واو الحال. (لها): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كِتابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية: ﴿وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ في محل نصب حال من ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وهي نكرة، وكان الواجب أن تكون صفة لها، على القاعدة: «الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال». والمعارض في ذلك الواو، فإنها لا تعترض بين الصفة والموصوف، خلافا للزمخشري، وأبي البقاء، وإنما توسطت الواو في رأي: الزمخشري؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والذي أجازه الزمخشري هنا، وأجازه أبو البقاء في آية البقرة رقم [٢١٤] هو رأي: ابن خيران، وسائر النحويين يخالفونه، وانظر (الشعراء) الآية رقم [٢٠٨]. أقول: والشاهد على هذه المسألة في «مغني اللبيب» قول قيس بن ذريح، وهو الشاهد رقم [٧٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد «مغني اللبيب» انظره وما بعده تجد ما يسرك ويثلج صدرك. [الطويل] مضى زمن والناس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ الشرح: المعنى: إن الأجل المضروب لهم، وهو وقت الموت، أو نزول العذاب لا يتقدم، ولا يتأخر، ونظير هذه الآية في الأعراف رقم [٣٤] مع الفارق بينهما دخول الهاء في ﴿أَجَلَها﴾ هنا لإرادة الأمة، والواو في ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ لإرادة الرجال، وانظر أمة في الآية رقم [٨] من سورة (هود) ﵇. هذا؛ وقد روعي لفظ أمة بقوله: ﴿أَجَلَها﴾ فأفرد، وأنث، وروعي معناها بقوله: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فجمع وذكر. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَسْبِقُ:﴾ مضارع. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أُمَّةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿أَجَلَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿ما تَسْبِقُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ الشرح أي: قال كفار قريش للرسول ﷺ : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن، وذلك على سبيل التهكم، والاستهزاء بدليل قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ونظيره قول فرعون: ﴿إِنَّ﴾

стр. 2932

رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. وإنما نسبوه إلى الجنون؛ لأنه ﷺ كان يظهر عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي، فظنوا أن ذلك جنون. وقيل: إن الرجل إذا سمع كلاما مستغربا من غيره، فربما نسبه إلى الجنون الذي هو زوال العقل، أو فساده. هذا؛ وقرئ ﴿(نُزِّل)،﴾ بالبناء للمجهول مع التشديد، وبالمعلوم مع التخفيف. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من لفظ (أيها) وانظر إعراب ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ في الآية رقم [٨٨] من سورة (يوسف) ﵇؛ إن أردت الزيادة. ﴿نُزِّلَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الذِّكْرُ:﴾ نائب فاعل ﴿نُزِّلَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المجرور ب: (على) ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَمَجْنُونٌ:﴾ خبر (إن)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧)﴾ الشرح: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ﴾ أي: هلا تنزل علينا الملائكة ليصدقوك فيما تقول، ويعضدوك في دعوتك، فهو كقولهم في سورة (الفرقان) رقم [٧]: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً،﴾ أو تنزل علينا الملائكة للانتقام، والعقاب على تكذيبنا لك، كما أنزلت على الأمم الذين كذبوا رسلهم. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي: في قولك: إنك نبي مرسل، وإن هذا القرآن من عند الله تعالى فائتنا بالملائكة، وانظر شرح (الملائكة) في الآية رقم [٢٥] من سورة (الرعد). تنبيه: ﴿لَوْ ما:﴾ هنا حرف تحضيض، لا يليها إلا الفعل ظاهرا، أو مضمرا، والامتناعية لا يليها إلا الأسماء لفظا، أو تقديرا عند البصريين، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] لولا ولو ما يلزمان الابتدا... إذا امتناعا بوجود عقدا واختلف في: ﴿لَوْ ما﴾ هل هي بسيطة أم مركبة، فقال الزمخشري: «لو» ركبت مع «لا» تارة، وتارة مع «ما» لمعنيين، وزعم المالقي: أن «لو ما» لا تأتي إلا للتحضيض، ويرده قول الشاعر: [الكامل] لو ما الإصاخة للوشاة لكان لي... من بعد سخطك في رضاك رجاء وقال ابن مقبل: [البسيط]

стр. 2933

لو ما الحياء ولو ما الدّين عبتكما... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري الإعراب: ﴿لَوْ ما:﴾ حرف تحضيض. ﴿تَأْتِينا:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» و (نا): مفعول به. ﴿بِالْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتَ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الصّادِقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب «لو ما» محذوف لدلالة ما قبله عليه، انظر تقديره في الشرح، والكلام في الآية كله من مقول الكافرين. ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨)﴾ الشرح: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: ما ننزل الملائكة إلا بالحكمة، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونها، وتشهد لكم بصدق النبي ﷺ ؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار، ولا حكمة أيضا في معاجلتكم بالعقوبة، فإن منكم، ومن ذراريكم من سبقت له كلمتنا بالإيمان. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. ﴿وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ أي: لو أنزلت عليهم الملائكة بالعذاب؛ لم يمهلوا، ولم يؤخروا ساعة. هذا؛ وقرئ الفعل: (ننزّل) بنون المضارعة الدالة على العظمة ونصب الملائكة، وقرئ: «(تنزّل)» بضم التاء، وفتح النون والزاي المشددة مبنيا للمفعول، ورفع (الملائكة)، وقرئ: «(ما تنزّل)» بفتح التاء والنون والزاي المشددة، ورفع الملائكة، كما قرئ: «(تنزل)» بفتح التاء وسكون النون وكسر الزاي، ورفع (الملائكة)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ:﴾ انظر اختلاف القراءات في الشرح. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: إلا تنزيلا ملتبسا بالحق. وهو قول الزمخشري، وأجاز السمين تعليقهما بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: ملتبسين بالحق. (ما): نافية: كانوا ماض ناقص مبني على الضم والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء لا عمل له، ومعناه: حينئذ. أفاده القرطبي، وهو يفيد: أنه ظرف زمان متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، وعليه فتقدير الكلام كما يلي: وما كانوا منظرين حين تنزل الملائكة بعذابهم، وهو جيد المعنى. افهم هذا، واحفظه فإنه جيد. ﴿مُنْظَرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء إلخ، وجملة: ﴿وَما كانُوا..﴾. إلخ جواب لشرط مقدر بلو، انظر الشرح، ولو المقدرة ومدخولها كلام معطوف على الجملة الفعلية قبله لا محل له مثلها؛ لأنها مستأنفة.

стр. 2934

﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)﴾ الشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ أي: القرآن أنزلناه عليك يا محمد، وهو جواب لقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ فأخبر الله: أنه هو الذي أنزله على قلب محمد ﷺ . ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أي: حافظون للذكر من الزيادة فيه، والنقص منه، والتغيير، والتبديل، والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ بحمد الله تعالى من هذه الأشياء كلها، لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه، أو ينقص منه حرفا واحدا، وهذا مختص بالقرآن العظيم، بخلاف سائر الكتب المنزلة، فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتزييف، والزيادة والنقصان، ولما تولى الله حفظ هذا الكتاب بقي مصونا إلى الأبد، محروسا من الزيادة والنقصان. انتهى خازن. وإنما سماه الله ذكرا؛ لأن فيه مواعظ، وتنبيها للغافلين. أقول: دخل سائر الكتب المنزلة التغيير، والتبديل، والتحريف بسبب إسناد حفظها للأحبار، والرهبان، كما قال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المائدة) ولو وكل الله تعالى حفظ هذا الكتاب لعلماء المسلمين، لغيروا فيه، وبدلوا، فقد وجد ويوجد في كل عصر، ومكان علماء فاسقون، ضالون يزيفون الحقائق، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا، ولا يستبعد منهم أن يدعموا ضلالهم بآيات من القرآن الكريم كذبا، وزورا، وبهتانا، وفجورا، ولكن احتجاجهم ببعض الآيات باطل، لا يخفى على من عنده معرفة ببعض أحكام هذا الدين، وفهم لكتاب الله العزيز. هذا؛ وقد قيل: إن الضمير في: ﴿لَهُ﴾ يعود إلى النبي ﷺ ؛ أي: وإنا لمحمّد لحافظون ممّن أراده بسوء، فهو كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ والقول الأول: أصح وأشهر، وهو قول الأكثرين؛ لأنه أشبه بظاهر التنزيل وردّ الكناية إلى أقرب مذكور أولى، وهو الذكر. تنبيه: روى القرطبي في تفسيره ما يلي: قال يحيى بن أكثم: كان للمأمون مجلس نظر (أي: مناظرة ومناقشة في جميع فنون العلم)، فدخل في جملة الناس رجل يهودي، حسن الثوب، حسن الوجه، طيب الرائحة، قال: فتكلم، فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوض المجلس، دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم، قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع (أي: من الإكرام) ووعده، فقال: ديني ودين آبائي، وانصرف، قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال: فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام، فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون، وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى! قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها، ونقصت، وأدخلتها «الكنيسة»، فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت

стр. 2935

فيها ونقصت، وأدخلتها «البيعة» فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها دار الورّاقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان، رموا بها، فلم يشتروها، فعلمت: أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي! قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الخبر، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله . قال: قلت: في أي موضع؟ قال في قول الله ﵎ في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ﴾ فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال : ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ فحفظه الله علينا، فلم يضع. انتهى. بحروفه. هذا والبيعة لليهود، والكنيسة للنصارى، فلك الحمد يا رب العالمين على حفظك كتابنا! الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، وقد حذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، أو هو تأكيد لاسم (إنّ) على المحل، ولا يجوز أن يكون فصلا؛ لأن ما بعدها ليس معرفة، ولا ما قاربها، بل هو مما يقوم مقام النكرة: إذ هو جملة، والجمل تكون نعتا للنكرات، فحكمها حكم النكرات وجوز الجرجاني اعتباره فصلا. ﴿نَزَّلْنَا الذِّكْرَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، أو الجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) على الاعتبارين الأخيرين في الضمير، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿لَحافِظُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا من: (نا) الفاعل، أو من المفعول: ﴿الذِّكْرَ﴾ جيد، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ قال الخازن: لما تجرأ كفار مكة على رسول الله ﷺ ، وخاطبوه بالسفاهة، وهو قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أخبره الله : أن عادة الكفار في قديم الزمان مع أنبيائهم كذلك؛ أي: فلك يا محمد أسوة في الصبر على أذى قومك بجميع الأنبياء، ففيه تسلية للنبي ﷺ . هذا؛ و ﴿شِيَعِ﴾ جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان، وفي «القاموس المحيط»: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا بن أبي طالب، وأهل بيته، حتى صار اسما لهم خاصة،

стр. 2936

والجمع أشياع، وشيع كعنب. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع: أول، انظر شرحه في الآية رقم [٢٤] من سورة (النحل)؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم... إلخ، أو: وأقسم والله، اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب-يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء.. إلخ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي شِيَعِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة للمفعول المحذوف، التقدير: ولقد أرسلنا من قبلك رسلا كائنين من شيع، و ﴿شِيَعِ:﴾ مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، وجملة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..﴾. إلخ جواب القسم الذي رأيت تقديره لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١)﴾ الشرح: في هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ، والمعنى: كما فعل بك كفار قريش من الاستهزاء، والوصف بالجنون، وغير ذلك فعل كفار الأمم السابقة برسلهم، وانظر شرح الرسول في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد). ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ ماضيه أتى، وهو يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل: ومتعديا. إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني: الآية الكريمة، ومثلها كثير. هذا و «الاستهزاء بالشيء»: السخرية منه، والاستخفاف به، وهو مذموم، وصاحبه مطرود من رحمة الله تعالى، وانظر ما تفيده سورة (الحجرات)، إن كنت من أهل القرآن، بالإضافة إلى الأحاديث النبوية الشريفة التي تشدّد النكير على المستهزءين بالناس. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ فاعل

стр. 2937

مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ وهذه الجملة في محل نصب حال من الضمير المنصوب والرابط: الضمير فقط، أو هي في محل جر صفة ﴿رَسُولٍ﴾ على اللفظ، أو على المحل، وجملة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا من ﴿الْأَوَّلِينَ،﴾ ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ..﴾. إلخ: السّلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح في المطعون. هذا؛ وسلك، وأسلك بمعنى واحد، ومعنى الآية: كما أدخلنا الكفر والتكذيب، والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه، وندخله في قلوب المجرمين من أهل مكة، وفيه ردّ على القدرية والمعتزلة، وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند، وانظر الآية رقم [١٣] من سورة (إبراهيم) ﵇ للتعبير عن الكافرين بالمجرمين ونحوه، وانظر المضل، والهادي في الآية رقم [٣٤] من سورة (هود) ﵇. الإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نسلكه في قلوب المجرمين سلكا كائنا مثل سلكه في قلوب الأمم السابقة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَسْلُكُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿قُلُوبِ:﴾ مضاف، و ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ . وقيل: بالقرآن. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ:﴾ فيه وعيد، وتهديد لكفار مكة، يخوفهم الله أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية المكذبة للرسل من العقاب، والهلاك. هذا؛ وقد قيل: إن الضمير في ﴿نَسْلُكُهُ﴾ وفي هذه الآية يعودان إلى ﴿الذِّكْرَ﴾ وهو شيء واحد، والمعنى: مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذّبا غير مؤمن به. وهذا الاحتجاج ضعيف؛ إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه، ولا يتعين أن تكون

стр. 2938

الجملة حالا من الضمير؛ لجواز أن تكون حالا من المجرمين، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول، بل يقويه. انتهى بيضاوي. هذا؛ والسنة: هي الطريقة، والشريعة، وهي تكون حسنة إن كانت في الخير، وتكون سيئة إن كانت في الشر، قال النبي ﷺ : «من سنّ خيرا فاستنّ به كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». وانظر الآية رقم [٢٥] من سورة (النّحل). وجمع سنة: سنن، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ..﴾. إلخ أي: وقائع سنها الله في الأمم التي كذبت رسلها. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾. وقيل: حال من الضمير المنصوب، انظر الشرح، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، التي هي حرف لا محل له. ﴿سُنَّةُ:﴾ فاعله، و ﴿سُنَّةُ﴾ مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿وَقَدْ خَلَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا ضعيف. ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾ الشرح: معنى الآية: لو فتحنا على هؤلاء المكذبين؛ الذين طلبوا نزول الملائكة عليهم بابا من السماء، فظلوا يصعدون إليها، ويرون عجائبها طول نهارهم مستوضحين لما يرون في ملكوت السموات، وما فيها؛ لما آمنوا لعنادهم، وكفرهم، ولقالوا: إنا سحرنا. وقيل: المراد عروج الملائكة، فيكون المعنى: لو كشف عن أبصار هؤلاء الكفار، فرأوا بابا من السماء مفتوحا، والملائكة تصعد فيه؛ لما آمنوا. هذا؛ و (ظلوا) أصله: ظللوا، فأسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة، وهذا يطرد في كل مضعّف، فإذا اتصل بضمير متحرك؛ وجب الفك، مثل قولك: ظللت، وظللنا.. إلخ، وتقول: ظللت أفعل ذلك وظللت أفعله، وظلت أفعله، وظلت أفعله: إذا كنت تفعله نهارا، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ بقراءات ثلاث، وقد يراد به عدم التوقيت في النهار، ويستفاد منه الاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾. الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿باباً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿باباً،﴾ وجملة: ﴿فَتَحْنا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها

стр. 2939

جملة شرط غير ظرفي. (ظلوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَعْرُجُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (ظلوا) وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا:﴾ قال ابن عباس-﵄: سدّت أبصارنا مأخوذ من: سكر النهر إذا حبس، ومنع من الجري. وقيل: هو من: سكر الشراب، والمعنى: إن أبصارهم حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع للسكران من تغيير العقل، وفساد النظر. وقيل: سكرت: غشيت، وسكنت عن النظر، وأصله من السكور، يقال: سكرت عينه: إذا تحيرت، وسكنت عن النظر. ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ أي: سحرنا محمد، وعمل فينا سحره. وقرئ: (سكرت) بالتخفيف، والتشديد، وقرئ: «(سَكرت)». وحاصل معنى الآية: أن الكفار لما طلبوا من رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم الملائكة، فيروهم عيانا، ويشهدوا بصدقه؛ أخبر الله : أنه لو حصل لهم هذا، وشاهدوه عيانا؛ لما آمنوا، وقالوا: سحرنا لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة. انتهى. خازن. الإعراب: ﴿لَقالُوا﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿سُكِّرَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَبْصَرْنا:﴾ نائب فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة، ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مَسْحُورُونَ:﴾ صفة قوم مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَقالُوا..﴾. إلخ جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً:﴾ اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد، والتجربة مع بساطة السماء، وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، والعرب تعدّ المعرفة لمواقع النجوم، وأبوابها من أجلّ العلوم، ويستدلون بها على الطرقات، والأوقات، والخصب والجدب، وقالوا: الفلك اثنا عشر برجا، كل برج ميلان ونصف، وأصل البروج: الظهور، ومنه: تبرج المرأة بإظهار زينتها، وهذه البروج تنزلها الشمس في مسيرها، وهذه البروج

стр. 2940

مقسومة على ثمانية وعشرين منزلا، لكل برج منزلان وثلث منزل، وقد تقدم في الآية رقم [٥] من سورة (يونس) ﵇ ذكر منازل القمر، وهذه البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة، لكل برج منها ثلاثون درجة، تقطعها الشمس في كل سنة مرة، وبها تتم دورة الفلك، ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوما وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (الفرقان). ﴿وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ أي: المعتبرين المستدلين بها على قدرة خالقها وصانعها، وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوره، كما قال تعالى في سورة (الملك): ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ..﴾. إلخ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً:﴾ انظر إعراب مثل هذا في الآية رقم [١٠] ففيه الكفاية. ﴿وَزَيَّنّاها:﴾ فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿جَعَلْنا﴾ إذا كان بمعنى: خلقنا فالجار والمجرور ﴿فِي السَّماءِ﴾ متعلقان به، وإذا كان بمعنى: صيرنا؛ فيكون ﴿بُرُوجاً﴾ مفعوله الأول، والجار والمجرور في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَحَفِظْناها﴾ أي: السماء. ﴿شَيْطانٍ رَجِيمٍ:﴾ انظر شرح الاستعاذة في أول سورة (يوسف) ﵇، ففيها الكفاية. قال ابن عباس-﵄: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة، فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى ﵇؛ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد أن يسترق السّمع، إلا رمي بشهاب، فلما منعوا من تلك المقاعد؛ ذكروا ذلك لإبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم ينظرون، فوجدوا رسول الله ﷺ يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله حدث. انتهى. خازن. الإعراب: ﴿وَحَفِظْناها:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(حَفِظْناها:)﴾ ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، التي هي ضمير متصل في محل رفع فاعل، و (ها): مفعول به، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وقل مثله في إعراب كل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: حفظت، وحفظن. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَجِيمٍ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿وَحَفِظْناها..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 2941

﴿إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أي: من الشياطين، واستراق السمع: اختلاسه سرا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطّان السموات فيما بينهم من المناسبة في الجواهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب، وحركاتها. انتهى بيضاوي. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ فتبعه، ولحقه. ﴿شِهابٌ مُبِينٌ:﴾ ظاهر للمبصرين، والشهاب: شعلة نار ساطعة، سمي الكوكب شهابا لأجل ما فيه من البريق. قال ابن عباس-﵄-في قوله: ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ يريد الخطفة اليسيرة، وذلك: أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء يسترقون السمع من الملائكة، فيرمون بالكواكب، فلا تخطئ أبدا، فمنهم من تقتله، ومنهم من تحرق وجهه، أو جنبه، أو يده، أو حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله، فيصير غولا، يضل الناس في البوادي. عن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء؛ ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنّه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم؛ قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا: للّذي قال الحقّ، وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض-ووصف سفيان بكفّه، فحرفها، وبدّد بين أصابعه-فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته؛ حتّى يلقيها على لسان السّاحر، أو الكاهن، فربّما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال له: أليس قد قال لنا يوم كذا، وكذا؟ فيصدّق بتلك الكلمة التي سمعت من السّماء». أخرجه البخاري. تنبيه: لقد اختلف هل كانت الشياطين ترمى بالشهب قبل مبعث رسول الله ﷺ على قولين: أحدهما: أنه لم يكن ذلك موجودا قبل مبعثه ﵊، والثاني: أنه كان موجودا، ولكن لما بعث شدد وغلظ عليهم، وزيد في حفظ السماء وحراستها، صونا لأخبار الغيوب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من ﴿كُلِّ شَيْطانٍ،﴾ فهو منقطع. وقيل: متصل، وأجاز أبو البقاء اعتبار ﴿مَنِ:﴾ في محل جر بدل من ﴿كُلِّ،﴾ وبه قال البيضاوي، كما أجاز أبو البقاء وجها ثالثا، وهو اعتباره مبتدأ، والمعتمد الأول: من الثلاثة. ﴿اِسْتَرَقَ:﴾ ماض وفاعله يعود إلى (من) ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أتبعه): ماض، والهاء مفعول به. ﴿شِهابٌ:﴾ فاعله. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

стр. 2942

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (الرعد) ففيها الكفاية. ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها﴾ أي: في الأرض، أو في الجبال. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أي: ما يوزن من الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، والقزدير؛ حتى الزرنيخ والكحل، فيكون (أنبتنا) بمعنى: خلقنا. وقيل: أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن. وقيل: معنى موزون متناسب في الحسن، والهيئة، والشكل، تقول العرب: فلان موزون الحركات: إذا كانت حركاته متناسبة حسنة، وكلام موزون: إذا كان متناسبا حسنا بعيدا من الخطأ والسخف أوله وزن في أبواب النعمة والمنفعة، ومعنى: (ألقينا) جعلنا، ووضعنا، وانظر شرح: ﴿شَيْءٍ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (هود) ﵇. الإعراب: ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو أحسن من الرفع؛ لأنه معطوف على ﴿بُرُوجاً،﴾ وقد عمل فيه الفعل قبله، فيكون العطف عطف جملة فعلية على ما قبلها. ﴿مَدَدْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للجملة المحذوفة، لا محل لها، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وما بعدها معطوف عليها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة، فيكون ﴿كُلِّ﴾ مفعولا به مجرورا لفظا منصوبا محلا. وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف التقدير: نباتا من كل شيء، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَوْزُونٍ﴾ صفة شيء. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ:﴾ تعيشون بها من المطاعم والملابس، وقرئ شاذا: «(معائش)» بالهمز كصحائف، وهو ليس مثله؛ لأن المد في صحيفة زائد، وفي معيشة أصلي؛ لأن أصلها معيشة كمكرمة، أو معيشة كمنزلة، أو معيشة كمتربة، فالياء أصلية على كل حال. هذا؛ والمعيش والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به، وفي القاموس: العيش: الحياة، والعيش: الطعام، وما يعاش به. ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ أي: من العيال، والخدم، والحيوانات، وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنا كاذبا، فإن الله يرزق الجميع، كما قال : ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها..﴾. إلخ الآية رقم [٦] من سورة (هود) ﵇، والمعنى: أنتم تنتفعون بهذه الأشياء، وخلقت لمنافعكم، ولستم برازقين لها، وإنما الرازق للجميع هو الله، وهذا في غاية الامتنان.

стр. 2943

الإعراب: (جعلنا): فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿مَعايِشَ﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» وهذا أولى من التعليق بالفعل. ﴿مَعايِشَ:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول: ﴿لَكُمْ،﴾ أو هو على العكس، والجملة الفعلية: ﴿(جَعَلْنا...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون وفيه خمسة، أوجه: أحدها، وهو قول الزجاج: أنه منصوب بفعل مقدر، تقديره: وأغنينا من لستم له برازقين كالعبيد، والدواب، والوحوش. الثاني: أنه منصوب عطفا على ﴿مَعايِشَ؛﴾ أي: وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين من الدواب المنتفع بها. الثالث: أنه منصوب عطفا على محل ﴿لَكُمْ﴾. الرابع: أنه مجرور عطفا على الكاف المجرورة باللام، وجاز ذلك من غير إعادة الجار على رأي: الكوفيين وبعض البصريين. الخامس: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف؛ أي: ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿لَسْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والميم علامة جميع الذكور. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِرازِقِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (رازقين): خبر (ليس) مجرور لفظا منصوب محلا، وجملة: ﴿لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وفاعل (رازقين) مستتر فيه. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ أي: وإن من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه؛ يعني: المطر المنزل من السماء؛ لأن به نبات كل شيء، ومعنى: ﴿عِنْدَنا﴾ أنه في حكمه جلت قدرته، وتصرفه، وأمره، وتدبيره. ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي: بقدر الكفاية. وقيل: إن لكل أرض حدا، ومقدارا من المطر، يقال: لا تنزل قطرة مطر من السماء، إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث شاء الله تعالى. وقيل: إن المطر ينزل من السماء كل عام بمقدار واحد، لا يزيد، ولا ينقص، ولكن الله تعالى يمطر أقواما، ويحرم آخرين. هذا؛ والخزائن جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء للحفظ، يقال: خزن الشيء إذا أحرزه، ووضعه في مكان أمين. هذا؛ والإنزال بمعنى: الإنشاء والإيجاد، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن) حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر

стр. 2944

المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُهُ:﴾ فاعل بالظرف لاعتماده على النفي، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز اعتبار الظرف متعلقا بمحذوف خبر مقدم و ﴿خَزائِنُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنْ مِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. وقيل: عاطفة، والأول: أقوى لتخالف الجملتين بالاسمية والفعلية. (ما): نافية. ﴿نُنَزِّلُهُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به؛ ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة (قدر)، والجملة الفعلية: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وساغ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنه كجزئه لملابسته له، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ أي: حوامل؛ لأنها تحمل الماء، والتراب، والسحاب، والخير، والنفع، وهي جمع: لاقح، وقال الأزهري: وجعل الريح لاقحا؛ لأنها تحمل السحاب؛ أي: تنقله، وتصرفه، ثم تمريه، فتستدره؛ أي: تنزله، قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأعراف)، فقد شبه سبحانه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، أو الرياح ملقحات للسحاب والشجر والنبات وعليه فهي جمع ملقح؛ لأنه من ألقح يلقح، فهو ملقح، فجمعه ملاقح، فحذفت الميم تخفيفا لظهور المعنى، ومثله الطوائح، والأصل المطاوح، وقال الفراء: اللواقح جمع: لاقح على النسب كلابن وتامر؛ أي: ذات لقاح، وفي الكلام استعارة لا تخفى. ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أي: جعلنا الماء النازل من السحاب لسقياكم، ولسقي مواشيكم وأرضكم. ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أي: لستم بخازنين للمطر، وإنما هو مخزون عند الله، فهو الذي ينزله إذا شاء، ويمسكه إذا شاء، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ الآية [١٨] من سورة (المؤمنون). هذا و «السماء» يذكر، ويؤنث، و «السماء» كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، و «السماء» المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك: [الوافر] إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا

стр. 2945

أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في: «رعيناه» بمعنى: النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. الإعراب: (أرسلنا): فعل وفاعل. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به. ﴿لَواقِحَ:﴾ مفعول به ثان. وقيل: هو حال مقدرة من ﴿الرِّياحَ،﴾ وجملة: ﴿وَأَرْسَلْنَا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنا فِي السَّماءِ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من (ماء)، كان صفة له... إلخ. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿فَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿فَأَسْقَيْناكُمُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعولاه، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم تحسينا للفظ، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِخازِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (خازنين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي:﴾ ما نريد إحياءه بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها. ﴿وَنُمِيتُ:﴾ بإزالة الحياة من تلك الأجسام، وهو يعم الحيوان، والنبات. ﴿وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ أي: الأرض ومن عليها، ولا يبقى شيء سوانا، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ فملك كل شيء لله تعالى، ولكن ملك عباده وكالة، فإذا ماتوا؛ عاد الملك لمالكه الحقيقي، وتكرير الضمير للدلالة على الحصر. هذا وقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): وقوله تعالى: ﴿أَخَّرْنا،﴾ ﴿جَعَلْنَا،﴾ ﴿إِنّا،﴾ ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا شركاء، ولا نظراء، والله خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.
следующие страницы →