← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

بمحذوف حال من (نا) والعامل الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. ﴿وَقَدْ﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿هَدانا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ و (نا): مفعول به أول. ﴿سُبُلَنا:﴾ مفعول به ثان، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿(قَدْ هَدانا...)﴾ إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة، والجملة الاسمية: ﴿(ما لَنا...)﴾ إلخ مستأنفة، وهي من مقول الرسل. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالله، اللام: واقعة في جواب القسم، (نصبرن): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه من مقول الرسل أيضا. وانظر سورة (الرعد) [٣٢] ﴿عَلَى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ مصدرية، ﴿آذَيْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و (نا): مفعول به، وما والفاعل في تأويل مصدر في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، انظر الشرح. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: على الذي آذيتمونا به، وانظر إعراب مثل: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في الآية السابقة. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ..﴾. إلخ: حلف كفار الأمم السابقة على أحد أمرين مهدّدين لرسلهم: إما إخراجهم من بلدهم وأرضهم، أو عودهم إلى دينهم وطريقتهم، وهو يوهم بظاهره: أن الرسل كانوا على دين أقوامهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها، وهذا محال في حق الرسل عليهم الصلاة والسّلام؛ لأنهم من أول نشأتهم نشئوا على التوحيد، وهو بمعنى: الصيرورة هنا؛ إذ المعنى: لتصيرن في ملتنا، وهذا التعبير مستعمل في كلام العرب، وفيه تأويل آخر، وهو أن الرسل قبل الرسالة لم يظهروا خلاف أممهم، فلما أرسلوا إليهم أظهروا مخالفتهم، ودعوهم إلى الله، فقالوا لهم: لتعودن في ملتنا ظنا منهم: أنهم كانوا على ملتهم، ثم خالفوهم، وقد تقدم مثل هذا في الآية رقم [٨٧] من سورة (الأعراف). ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ:﴾ فأخبرهم ربهم بعد هذه المخاطبات، والمحاورات. ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين. هذا وأصل ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ لتعودننّ فحذفت نون الرفع لتوالي النونات، فصار: لتعودون فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على الدال دليلا عليها.

стр. 2872

تنبيه: كثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم وكيف نكّل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب، والتعبير عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين... إلخ ليكون لطفا للمؤمنين في ترك الجرائم من ظلم، واعتداء، وفسوق، وإسراف، وغير ذلك من الأعمال التي يبغضها الله ورسوله. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. ﴿لِرُسُلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿(قالَ)﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نخرجنكم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿(قالَ الَّذِينَ...)﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ أَرْضِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، أو اسمه، والنون حرف لا محل لها، والجملة الفعلية المعطوفة على ما قبلها. ﴿فِي مِلَّتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف خبره. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَوْحى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أوحى): ماض. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان به. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وإعراب ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ مثل إعراب ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ،﴾ والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، أو في محل نصب مفعول به ل: (أوحى) إجراء له مجرى ﴿(قالَ)،﴾ وجملة: (أوحى...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ:﴾ الخطاب للرسل، والمراد بالأرض: أرض الكفرة، وديارهم، وقد حقق الله ذلك للرسل؛ حيث أهلك أقوامهم، وأورثهم أرضهم، كما قال تعالى:

стр. 2873

﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ هذا وقرئ: «(ليهلكن)» «(وليسكننكم)» بالياء اعتبارا لأوحى. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الموحى به، وهو إهلاك الظالمين، وإسكان المؤمنين مع المرسلين. ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ أي: موقفي، وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد للحساب يوم القيامة. أو المعنى: خاف قيامي عليه، ومراقبتي له، وحفظي لأعماله. والمقام: مصدر كالقيام، يقال: قام قياما، ومقاما، والمقام أيضا: مكان الإقامة، وبالضم فعل الإقامة. وأصله: (مقوم) بفتح الميم، أو ضمها، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل؛ وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار، بعد هذا انظر «الخوف» في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد)، وانظر «الوعد والوعيد» في الآية رقم [٣١] منها. الإعراب: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ:﴾ انظر إعراب ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ﴾ في الآية السابقة، والكاف مفعول به أول. ﴿الْأَرْضَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام)، ويجب أن نلاحظ هنا أن الفعل متعد بالهمزة إلى الثاني، فعومل معاملة المفعول الواحد؛ إذا كان الفعل ثلاثيا، أي غير متعد بالهمزة. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ على ما فيها من اعتبارات. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر، وجملة: ﴿خافَ مَقامِي﴾ صلة من، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿(خافَ...)﴾ إلخ معطوفة عليها. ﴿وَعِيدِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومثله قل في: ﴿مَقامِي﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي: واستنصروا، أي: أذن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم، قاله ابن عباس-﵄-في رواية عنه، وبه قال مجاهد، وقتادة.

стр. 2874

وفي رواية أخرى عن ابن أبي عباس، وبه قال ابن زيد وغيره: استفتحت الأمم بالدعاء، كما قالت قريش: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال)، وقيل: إن الرسل والأمم استفتحوا، فالرسول كان يقول: «إنهم كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحا» كما في الآية رقم [٨٩] من سورة (الأعراف)، والأمم كانت تقول: إن كان هؤلاء صادقين؛ فعذبنا، نظيره قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: خسر، وهلك، والخيبة: قطع الأمل من الشيء المرغوب فيه، والمطلوب تحصيله. ﴿جَبّارٍ:﴾ المتكبر الذي لا يرى لأحد حقا عليه، بل يرى نفسه فوق كل الناس. ﴿عَنِيدٍ:﴾ المعاند للحق، المجانب له، والعنيد والعنود والعاند: المعاند للحق، والمخالف له، وفعله يأتي من الباب الأول والثاني، والرابع، والخامس، والمصدر عندا، وعنودا، وعندا وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، أي أخذ في ناحيته معرضا، قال الشاعر: [الرجز] إذا نزلت فاجعلوني وسطا... إنّي كبير لا أطيق العندا والعنيد والجبار لفظان مترادفان بمعنى: واحد، وإن اللفظ مختلف. تنبيه: ذكرت في كتابي فتح القريب المجيب الشاهد [٧٤] أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك، كان خليفة، وكان خليعا فاسقا، متهتكا مولعا بالرذائل والمفاسد، جبارا عنيدا، لاهيا عن تدبير أمور الرعية، وأحوال الخلافة، وقد فتح المصحف مستفتحا، فوافق ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ..﴾. إلخ فمزقه بيديه، وأنشد: [الوافر] أتوعد كلّ جبّار عنيد... فها أنا ذاك جبّار عنيد إذا ما جئت ربّك يوم حشر... فقل يا ربّ مزّقني الوليد فلم يلبث أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور بلده، ومزقه الله شرّ ممزّق ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾. الإعراب: (استفتحوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، وقرئ بصيغة الأمر، عطفا على جملة: ﴿لَنُهْلِكَنَّ..﴾. إلخ فيكون موجها إلى الرسل خاصة، وإذنا لهم بالدعاء على أقوامهم. (خاب): ماض. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿جَبّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: كل شخص جبار، ﴿عَنِيدٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هو بدل من جبار على الترادف، وجملة: ﴿(خابَ...)﴾ إلخ معطوفة على جملة محذوفة، أي فنصر الرسل وسعدوا، وربحوا، وخاب... إلخ.

стр. 2875

﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ الشرح: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي: من أمام الجبار العنيد، وانظر الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿جَهَنَّمُ﴾ أي: فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها في الآخرة، وقيل: المعنى من وراء حياة الجبار العنيد جهنم. ﴿وَيُسْقى﴾ أي: الجبار العنيد. ﴿مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ أي: مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع: أسد؛ أي: مثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه، وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم، وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة، والزواني، وانظر الآية التالية. الإعراب: ﴿مِنْ وَرائِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ فاعل بالجار والمجرور لاعتمادهما على الموصوف، وفي الحقيقة نائب فاعل لفعل مقدر؛ أي: يوجد من ورائه جهنم. هذا؛ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة للموصوف المحذوف، أو حال منه على نحو ما تقدم. ﴿وَيُسْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (يسقى): مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى الشخص الجبار، وهو المفعول الأول. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿صَدِيدٍ:﴾ عطف بيان، أو بدل من ﴿ماءٍ،﴾ وقيل: هو نعت ل: ﴿ماءٍ،﴾ كما تقول: هذا خاتم حديد، والبصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات، وأجازه الكوفيون، وتبعهم الفارسي، وهو بصري. وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ معطوفة على الصفة قبلها، فهو عطف جملة فعلية على مثلها على الإعراب الأول في: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ وعطف جملة فعلية على اسمية على الإعراب الثاني، وقيل: الجملة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: يلقى فيها، ويسقى، فيكون المحل للمقدرة، وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ تابعة لها. ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ الشرح: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتحسى الجبار العنيد الماء الصديد، ويشربه لا بمرة واحدة، بل يبتلعه جرعة بعد جرعة لمرارته، وكراهته، وحرارته، ونتنه، فعن أبي أمامة-﵁-عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: «يقرّب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه، قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره».

стр. 2876

يقول الله: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ» خرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. انتهى. قرطبي. ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ:﴾ ولا يقارب أن يبتلعه، فكيف تكون الإساغة، فهو كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقرب من رؤيتها، فكيف يراها؟! وساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سلسا سهلا، وقيل: ﴿يَكادُ﴾ صلة؛ أي: يسيغه بعد إبطاء. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ أي: يأتيه أسباب الموت من كل جهة، عن يمينه وشماله، ومن فوقه، وتحته، ومن قدامه، وخلفه. وقيل: إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب، لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة: إما حية تنهشه، أو عقرب تلدغه، أو نار تسفعه، أو قيد برجليه، أو غل في عنقه، أو سلسلة يقرن بها، أو تابوت يكون فيه، أو زقوم، أو حميم، أو غير ذلك من أنواع العذاب. ﴿وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي: لا يموت، فيستريح، وقال ابن جريح: تعلق روحه في حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فتنفعه الحياة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ وقال الشاعر: [الطويل] ألا من لنفس لا تموت فينقضي... شقاها، ولا تحيا حياة لها طعم ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: شديد متواصل الآلام من غير فتور. بعد هذا؛ فالموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب: قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح، أما الميت والميتة بفتح الميم وسكون الياء فيهما، فهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدد فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ،﴾ وجمعه موتى، قال الإمام علي-كرم الله وجهه-: [البسيط] ففز بعلم، ولا تجهل به أبدا... فالنّاس موتى، وأهل العلم أحياء هذا وقد قال بعض الأدباء في الفرق بين المشدد والمخفف: [الطويل] أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل فمن كان ذا روح، فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان كما في قول ابن الرعلاء الغساني: [الخفيف] ليس من مات فاستراح بميت... إنّما الميت ميّت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء

стр. 2877

أقول: ومن هذا ما في الآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران)، وما في الآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة والروح، كما هو واضح فيهما. هذا؛ ولا تنس: أن أصل ميت المشدد (ميوت)؛ لأنه من: مات يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء والواو: وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيّد، وهيّن، وصيّب، ونحو ذلك، وانظر شرح (كاد) في الآية رقم [١١٧] من سورة (التوبة) أو الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء)، والله ولي التوفيق. الإعراب: ﴿يَتَجَرَّعُهُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى «الجبار العنيد» والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿ماءٍ،﴾ أو هي في محل نصب حال من نائب فاعل ﴿(يُسْقى)،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَكادُ:﴾ مضارع ناقص، واسمه يعود إلى الجبار، وجملة: ﴿يُسِيغُهُ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. (يأتيه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿الْمَوْتُ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْمَوْتُ،﴾ و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿مَكانٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿(يَأْتِيهِ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسمها. ﴿بِمَيِّتٍ﴾ الباء: حرف جر صلة. (ميت): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فالباء تكون زائدة في خبر المبتدأ، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، ﴿وَمِنْ وَرائِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَلِيظٌ:﴾ صفة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ الشرح: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: صفة الذين كفروا بربهم التي هي مثل في الغرابة، ووقوع المثل بمعنى: الصفة موجود في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ وأنكر أبو علي الفارسي وقوع المثل بمعنى: الصفة، وقال: معناه الشبه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه، ومتصرفاته، كقولك: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك،

стр. 2878

وقال الفراء: المثل مقحم للتوكيد. ﴿كَرَمادٍ:﴾ هو ما يسقط من الحطب والفحم بعد إحراقه بالنار. ﴿اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: فنسفته، وطيرته، ولم تبق منه شيئا. ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ:﴾ وصف اليوم بالعصوف، والعصوف من صفة الريح؛ لأن الريح تكون فيه، كقولك: يوم بارد، ويوم حار، وليلة ماطرة؛ لأن الحر والبرد والمطر توجد فيهما وهذا يسمى بالمجاز العقلي، وقيل: معناه في يوم عاصف الريح؛ لأنه قد تقدم ذكرها. ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ:﴾ المعنى: أنهم لا يجدون ثوابا في الآخرة للأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا، وأملوا نفعا من ورائها. ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: ذلك هو الخسران الكبير؛ أي: لأن أعمالهم ضلت، وهلكت، فلا يرجى عودها، وإنما جعله الله كبيرا بعيدا لعدم استدراكه بالموت وضياعه، وانظر الآية رقم [٣] هذا ومثل هذه الآية في بيان ضياع أعمال الكافر قوله تعالى في سورة (النور) رقم [٣٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً..﴾. إلخ وقوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾. تنبيه: في الآية الكريمة التشبيه التمثيلي بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ وهو ما انتزع من متعدد، فالمشبه مركب من الذين كفروا، وأعمالهم الصالحة التي يقومون بها في حياتهم، والمشبه به مركب من الرماد، واشتداد الريح، واليوم العاصف، وجه الشبه أن الريح العاصف تطير الرماد، وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لا تنفعهم فتيلا. تنبيه: في الآية الكريمة مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي لم ينتفعوا بها، ووجه المشابهة بين هذا المثل، وبين هذه الأعمال هو أن الريح العاصف تطير الرماد، وتفرق أجزاءه حيث لا يبقى منه شيء، وكذلك أعمال الكفار تبطل وتذهب بسبب كفرهم حتى لا يبقى منها شيء. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٥٥] وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (هود) ﵇ تجد فيهما الدواء الشافي لقلبك، والغذاء الكافي لروحك. الإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، اختلف في خبره، فقال سيبويه: محذوف، التقدير: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وقال الخليل: خبره جملة: ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ أي: صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم... إلخ كقولك: قولي: يقوم زيد. وانظر الشرح. وقال الفراء: المثل مقحم للتأكيد، والمعنى: الذين كفروا بربهم أعمالهم... إلخ. والعرب تفعل ذلك كثيرا بالمثل، وانظر الآية رقم [٣٥] من سورة (الرعد)، و ﴿مَثَلُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كَرَمادٍ:﴾ متعلقان بمحذوف

стр. 2879

خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الخبر، وتكون مضافة و (رماد) مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، وهذان الاعتباران إنما هما على رأي: سيبويه، وهي في محل رفع خبر المبتدأ على رأي: الخليل والفراء، مع اختلاف تقديرهما، وقيل: ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿مَثَلُ،﴾ و ﴿كَرَمادٍ﴾ الخبر. ﴿اِشْتَدَّتْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان به. ﴿الرِّيحُ:﴾ فاعله. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عاصِفٍ:﴾ صفة يوم، وانظر الشرح، وقرئ بإضافة يوم إلى عاصف بدون تنوين، وجملة: ﴿اِشْتَدَّتْ..﴾. إلخ في محل جر صفة رماد. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِمّا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من شيء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي كسبوه، أو من شيء كسبوه، وعلى اعتبار (ما): مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بمن، التقدير: من كسبهم، واعتبارها موصوفة ضعيف معنى. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الضَّلالُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿الضَّلالُ﴾ خبر ذلك، ﴿الْبَعِيدُ:﴾ صفة الضلال، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، والمراد به أمته، وقيل: لكل واحد على التلوين. انتهى. بيضاوي. والرؤية هنا قلبية؛ لأن المعنى: ألم تنظر بعين البصيرة إلى خلق السموات والأرض. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ بالحكمة البالغة، والوجه الذي يحق أن يخلق عليه، وقرئ: «(خالق)». ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ يعدمكم، ويهلككم أيها الناس. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ:﴾ أفضل وأطوع منكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ والمعنى: إن الذي قدر على خلق السموات والأرض قادر على إفناء قوم وإماتتهم، وإيجاد خلق سواهم؛ لأن القادر لا يصعب عليه شيء. ﴿وَما ذلِكَ﴾ أي: الاستبدال المذكور. ﴿عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي:

стр. 2880

بمتعذر، أو متعسر، فإن الله قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن كان هذا شأنه كان جديرا بأن يؤمن به ويعبد، رجاء لثوابه، وخوفا من عقابه، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ و ٨٩]. الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿تَرَ:﴾ مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل خلق، أو هما متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: خلقا ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿تَرَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿أَنَّ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (يأت): مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِخَلْقٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة خلق، هذا؛ ويجوز في العربية نصب (يأت) ورفعه، وهذا على القاعدة: «إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على جواب الشرط يجوز رفعه ونصبه وجزمه». قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا، أو الواو بتثليث قمن ولم أجد من قرأ بنصب الفعل، أو جزمه، وقد قرئ بالرفع والنصب والجزم في الآية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة). ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِعَزِيزٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (عزيز): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) مهملة فالباء زائدة في خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، أو في محل نصب حال، ولا وجه له البتة.

стр. 2881

﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً﴾ أي: برز الكفار من قبورهم يوم القيامة للحساب والجزاء، والبروز: الظهور، ومعنى ﴿لِلّهِ﴾ أي: لأجل أمر الله إياهم بالبروز، وهذا يكون بعد النفخة الثانية، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾. فقال الضعفاء: أي: الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن الإيمان في الدنيا، وهم القادة، والرؤساء. ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً﴾ أي: تابعين لكم في تكذيب الرسل، وتبع يجوز أن يكون مصدرا، على حذف مضاف؛ أي: ذوي تبع، ويجوز أن يكون جمع تابع، مثل راصد، ورصد، وباقر، وبقر، وخادم، وخدم. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا:﴾ دافعون عنا، يقال: أغنى عنه: إذا دفع عنه الأذى. وأغناه: إذا، أوصل إليه النفع. ﴿مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ أي: الذي سيحل بنا بسبب كفرنا، وضلالنا. قالوا: أي: القادة والسادة مجيبين للضعفاء. ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ﴾ أي: للإيمان واتباع الرسل. ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ أي: ولكن ضللنا سواء السبيل، فأضللناكم، وقيل: المعنى: لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ أي: مستو علينا الصبر والجزع، والجزع أبلغ من الحزن؛ لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده، ويقطعه، والجزع عدم الصبر، أما الحزن فقد يكون معه الصبر؛ لذا كان الحزن مباحا، والجزع محرما مذموما. ﴿ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: من مهرب وملجأ، ولا منجى مما نحن فيه. هذا؛ ويجوز أن يكون مصدرا كالمغيب، والمشيب، وأن يكون اسم مكان كالمبيت والمصيف. هذا؛ وانظر شرح: ﴿سَواءٌ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الرعد). تنبيه: قال محمد بن كعب القرظي-﵁: بلغني: أن أهل النار يستغيثون بالخزنة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ فردت عليهم الخزنة: ﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى﴾ فردت الخزنة: ﴿فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: في ضياع، فلما يئسوا مما عند الخزنة ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ سألوا الموت، فلا يجيبهم ثمانين سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ فلما يئسوا مما عنده، قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنصبر كما صبر أهل الطاعة لعل ذلك ينفعنا، فصبروا، وطال صبرهم، فلم ينفعهم، وجزعوا، فلم ينفعهم، فعند ذلك قالوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا..﴾. إلخ. انتهى. خازن.

стр. 2882

تنبيه: الأفعال: (برزوا)، (قال)، (قالوا). في هذه الآية، والأفعال: (قال)، (قضي) في الآية التالية، والفعل: (أدخل) في الآية التالية لها أيضا كلها بلفظ الماضي، وهي تنص على شيء يقع في المستقبل، بلا ريب، والتعبير بالأفعال الماضية بدل الأفعال المستقبلة، إنما هو لتحقق وقوع ما يذكر، وهذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، مثل قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ والمراد بأمر الله الحشر، والنشر... إلخ، وهذا الاستعمال، إنما هو فن من فنون البلاغة، ألا فليتنبه العالمون. الإعراب: ﴿وَبَرَزُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (برزوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة، فيها معنى التأكيد. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال الضعفاء): ماض وفاعله. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿(قالَ...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها للتخفيف، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما على اعتباره مصدرا، أو اسم فاعل، وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه، كان نعتا له إلخ ﴿تَبَعاً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُغْنُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَنّا:﴾ متعلقان ب: ﴿مُغْنُونَ﴾. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان به أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما على مثال ما سبق، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به لاسم الفاعل ﴿مُغْنُونَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأجاز أبو البقاء أن يكون شيء واقعا موقع المصدر؛ أي: غناء، فيكون ﴿مِنْ عَذابِ﴾ متعلقين ب: ﴿مُغْنُونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الضعفاء. تأمل. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿هَدانَا:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و (نا): مفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: للإيمان. ﴿اللهِ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية: ﴿هَدانَا اللهُ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَهَدَيْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعول به أول، والثاني محذوف، التقدير: لهديناكم إليه، واللام واقعة في جواب ﴿لَوْ،﴾ والجملة الفعلية جواب

стр. 2883

﴿لَوْ﴾ لا محل لها. و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. وجملة: (قالوا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَواءٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان ب: ﴿سَواءٌ﴾. ﴿أَجَزِعْنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتسوية. (جزعنا): فعل وفاعل، وهمزة التسوية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿صَبَرْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية هذه مؤولة بمصدر، ومعطوف على سابقه، وتقدير الكلام: جزعنا، وصبرنا سواء. هذا؛ وجوز اعتبار سواء مبتدأ، والمصدر المؤول خبرا عنه، والأول أقوى لأن سواء نكرة، كما ترى، ولا مسوغ لوقوعه مبتدأ، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَحِيصٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ حجازية تعمل عمل «ليس» والإعراب لا يتغير كثيرا، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ:﴾ يعني لما فرغ منه، وانتهى الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيجتمع أهل النار على إبليس اللعين، ويأخذون في لومه، وتقريعه، وتوبيخه، فيقوم فيهم خطيبا، ويقول لهم: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ يعني: البعث، والجنة، والنار، وثواب المطيع، وعقاب العاصي، فصدقكم وعده. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ:﴾ أن لا بعث، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب، ولا عقاب، ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي: فقد جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه. ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ:﴾ تسلط، وقهر، فألجئكم إلى الكفر، والمعاصي. أو المعنى: لم آتكم بحجة على ما وعدتكم به، وزينته لكم في الدنيا، وانظر التوسع في شرح: ﴿سُلْطانٍ﴾ في الآية رقم [٩٩] من سورة (النحل). ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ أي: إلا دعائي إياكم إلى الكفر، والمعاصي بتسويلي، وتزييني، وهو ليس من باب القهر والجبر. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أي: أسرعتم إلى إجابتي. ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ أي: على وسوستي؛ لأنكم عرفتم عداوتي لكم، ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ حيث سارعتم إلى طاعتي، وخالفتم، أوامر ربكم، وكان الواجب أن لا تلفتوا إلي، ولا تسمعوا قولي، فلما رجحتم قولي، ووسوستي على

стр. 2884

الدلائل الظاهرة، كان اللوم بكم أولى بإجابتي ومتابعتي من غير حجة ولا برهان. ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي: بمغيثكم من العذاب، ومنقذكم منه. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ:﴾ بمغيثي ومنقذي، والصارخ، والمستصرخ: هو الذي يطلب النصرة والمعاونة، والمصرخ: هو المغيث، قال سلامة بن جندل: [البسيط] كنّا إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصّراخ له قرع الظّنابيب الظنابيب جمع ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من قدم، وقال أمية بن أبي الصلت: [الطويل] ولا تجزعوا إنّي لكم غير مصرخ... وليس لكم عندي غناء ولا نصر ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كفرت بجعلكم إياي شريكا لله في عبادته، وتبرأت من ذلك، والمعنى: تنصل إبليس ممن تبعوه في الدنيا. ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ يحتمل أن يكون من تتمة كلام الشيطان، أو ابتداء كلام من الله تعالى، وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين، وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم، ويتدبروا عواقبهم. روى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر-﵁-عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة: «فيقول عيسى: هل أدلكم على النبيّ الأميّ؟ فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم فيثور من مجلسي أطيب ريح شمّها أحد حتّى آتي ربّي، فيشفّعني، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظهر قدمي، ثمّ يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس الذي أضلّنا، فيأتونه، فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فإنك أنت أضللتنا، فيقوم، فيثور من مجلسه أنتن ريح شمّها أحد، ثمّ تعظم جهنّم، ويقول عند ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ..﴾. إلخ». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (مريم) ﵍، فإنه جيد. تنبيه: ﴿بِمُصْرِخِيَّ:﴾ أصله بمصرخين لي، فحذفت اللام الجارة، ثم حذفت النون للإضافة على قاعدة جمع المذكر السالم، ثم أدغمت ياء الجمع بياء المتكلم؛ لأن الأولى ساكنة، والثانية متحركة، ثم حركت الياء الثانية بالفتحة طلبا للخفة، وتخلصا من توالي ثلاث كسرات، وقرئ بكسر الياء على أصل التخلص من التقاء الساكنين، أو إتباعا لكسرة الخاء. وجاء في حديث بدء الوحي «أو مخرجيّ هم؟». ولكن هنا أصله: أو مخرجون لي هم. فقلبت الواو ياء، ثم حصل الإدغام بعد حذف اللام الجارة، وحذف النون. تأمل. ولمكي كلام طويل في ذلك لا طائل تحته. تنبيه: لعلك تدرك معي أن بين الآية الكريمة والحديث الشريف تعارضا، بل إن هذا التعارض موجود في الحديث ذاته، فقول الشيطان المذكور إنما هو بعد إدخال أهل الجنة الجنة، وإدخال أهل النار النار، والفراغ من الحكم بين العباد، والحديث الشريف نص في الشفاعة العظمى بدليل قول عيسى ﵊: هل أدلكم على النبي، وإني إزاء هذا التعارض

стр. 2885

أقف مكتوف الأيدي، لا أحير جوابا، فمن كان عنده جواب فليتفضل بإرساله إلينا مشكورا، والله الموفق والمعين، وبه أستعين. الإعراب: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ:﴾ ماض وفاعله. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (قال). ﴿قُضِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْأَمْرُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿وَعَدَكُمْ:﴾ ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و ﴿الْحَقِّ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف للصفة، وانظر تقدير الجملة المحذوفة في الشرح، وهي: (فصدقكم). وقول القرطبي: هو إضافة الشيء إلى نفسه، كقولهم: مسجد الجامع لا وجه له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿(قالَ...)﴾ إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿(وَعَدْتُكُمْ):﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على خبر (إن)، وكذلك جملة: (أخلفتكم) معطوفة عليها أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لِي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بسلطان، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له... إلخ، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ اسم كان مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد-: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء منقطع. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ حرف مصدري ونصب يؤول مع الفعل بعده بمصدر في محل نصب على الاستثناء، التقدير: إلا دعائي إياكم. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (استجبتم): فعل وفاعل. ﴿لِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَلُومُونِي:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا منكم فلا... إلخ. (لوموا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مصرخكم): خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق، وهي معطوفة عليها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿كَفَرْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل

стр. 2886

قبلهما. ﴿أَشْرَكْتُمُونِ:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما)، على اعتبارها موصولة، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: كفرت بالذي أشركتمونيه، وهو الله تعالى بطاعتكم إياي، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: كفرت بإشراككم إياي. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل (أشركتم) على اعتبار (ما) مصدرية، ومتعلقان بالفعل ﴿كَفَرْتُ﴾ على اعتبار (ما) موصولة، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿كَفَرْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مع الكلام قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسمها منصوب وعلامة نصبه... إلخ. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿الشَّيْطانُ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر ﴿الشَّيْطانُ،﴾ فيكون ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا، بمتعلقهما. هذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول على اعتبارها من مقول الشيطان، ومستأنفة على اعتبارها من مقول الله تعالى. تأمل، وتدبر. ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: لما شرح الله حال الكفار الأشقياء بما تقدم من الآيات الكثيرة شرح أحوال السعداء، وما أعد لهم في الآخرة من الثواب العظيم، والأجر الجزيل؛ إذ اقتضت حكمة الله ورحمته أن لا يذكر التكذيب من الكافرين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان، إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ:﴾ بأمره، وفضله، وإنعامه، وهذا يدل على أنهم لا يدخلون الجنة بعملهم إلا بعد إذنه تعالى وتكرمه عليهم، وقد تقدم معنا كثير من ذلك، وانظر الاحتراس في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿وَأُدْخِلَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (أدخل): ماض مبني للمجهول، وقرئ «(وأدخل)» بضم اللام على أنه مضارع مرفوع فيكون فاعله مستترا تقديره: «أنا». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، أو في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿جَنّاتٍ:﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض

стр. 2887

النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام. بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام». ويجب أن تلاحظ هنا أن الفعل متعد بالهمزة إلى الثاني، فعومل معاملة المفعول الواحد إذا كان الفعل ثلاثيا؛ أي: غير متعد بالهمزة، وعلامة نصب ﴿جَنّاتٍ﴾ الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الموصول منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال ثانية من واو الجماعة؛ أي: مأذونا لهم، و (إذن): مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وأجيز تعليق ﴿بِإِذْنِ﴾ بالفعل (أدخل)، كما أجيز تعليقهما ب ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَحِيَّتُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله حسب ما تراه في الشرح. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر (تحية). ﴿سَلامٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها حالا من ﴿الَّذِينَ،﴾ وهي حال مقدرة، أو حال من المضمر في ﴿خالِدِينَ،﴾ فلا تكون حالا مقدرة، وأجيز أن تكون في موضع نصب صفة جنات. انتهى. مكي. وينبغي أن تعلم أن الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً،﴾ وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ،﴾ وحال محكية: وهي الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا. هذا وقد قال أيضا: ونصب ﴿جَنّاتٍ﴾ على حذف الجر، وهو نادر لا يقاس عليه، تقول: دخلت الدار، وأدخلت زيدا الدار، تريد: في الدار، والدليل على أن دخلت لا يتعدى أن نقيضه لا يتعدى، وهو خرجت، وكل فعل لا يتعدى نقيضه لا يتعدى هو. انتهى، مكي، ولكن ما ذكرته أولا هو المشهور عن سيبويه وغيره، فليتأمل. هذا وقد أجاز أبو البقاء عطف جملة: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ..﴾. إلخ بالبناء للمجهول على جملة: (برزوا)، أو على جملة: ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ..﴾. إلخ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، والمراد به أمته، وقيل: لكل واحد على التلوين. والرؤية هنا قلبية؛ لأن المعنى: ألم تنظر أيها الإنسان بعين البصيرة إلى ضرب هذا المثل؟!

стр. 2888

ومعنى ضرب مثلا: وضعه، ووصفه، وبينه. هذا؛ والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة ليتبين أحدهما من الآخر، ويصوره، وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر. هذا؛ ومثل بفتح الميم والثاء يأتي بمعنى: الصفة، كما رأيت في الآية رقم [١٨] وأيضا الآية رقم [٣٥] من سورة (الرعد). هذا؛ وهو بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله مثيل بمعنى: شبه وشبيه، فهو اسم متوغل في الإبهام، لا يتعرف بإضافته إلى الضمير، ولا إلى غيره من المعارف؛ ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وتستعمل على ثلاثة، أوجه: الأول بمعنى: التشبيه كما رأيت، كقوله تعالى: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ،﴾ والثاني بمعنى: نفس الشيء وذاته كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم؛ حيث قال: المعنى ليس كذاته شيء، والثالث زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: بما آمنتم به. هذا والمثل بفتح الميم والثاء هو: القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن ألفاظ الأمثال لا تغير، تذكيرا وتأنيثا، إفرادا وتثنية وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم يطلبه بعد فواته. هذا؛ ويجمع مثل بكل معانيه على أمثال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾. ﴿كَلِمَةً:﴾ فيها ثلاث لغات؛ الأولى: كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم كنبق، والثانية: كلمة على وزن سدرة، والثالثة: كلمة على وزن تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى كلم كسدر، والثانية كلم كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ وشهد، وهي-أي: الكلمة-في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل] ألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل... وكلّ نعيم-لا محالة-زائل المراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة، والمراد بها كلام كثير، وهو شائع ومستعمل عربية في القديم والحديث، وانظر شرح الكلام في الآية رقم [٥٤] من سورة

стр. 2889

(يوسف) ﵇، بعد هذا فالمراد بالكلمة كلمة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهي كلمة الإيمان، والمراد بالشجرة شجرة النخل، وبه قال ابن عباس، وابن مسعود، وأنس، ومجاهد وعكرمة، والضحاك-﵃ أجمعين-. عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: «أخبروني عن شجرة شبه الرجل؟». أو قال: «كالرجل المسلم لا يتحاتّ ورقها، تؤتي أكلها كلّ حين؟». قال ابن عمر: فوقع في نفسي: أنها النخلة، ورأيت أبا بكر، وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلّم، فلما لم يقولوا شيئا، قال رسول الله ﷺ : «هي النخلة». قال: فلمّا قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد وقع في نفسي أنها النخلة! فقال: ما منعك أن تتكلم؟! قلت: فلم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلّم، أو أقول شيئا. فقال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من كذا وكذا-. متفق عليه. انتهى. خازن. وعن أنس-﵁-عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ مثل الإيمان كمثل شجرة ثابتة، الإيمان عروقها، والصّلاة أصلها، والزّكاة فروعها، والصّيام أغصانها، والتّأذّي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكفّ عن محارم الله ثمرتها». انتهى. قرطبي. وعنه ﷺ : «مثل المؤمن كالنخلة، إن صاحبته نفعك، وإن جالسته نفعك، وإن شاورته نفعك، كالنخلة كلّ شيء منها ينتفع به، وقال: كلوا من عمّتكم». يعني النخلة. ويروى عنه ﷺ أنه قال: «أكرموا عمّاتكم النخل فإنّهنّ المطعمات في المحل». ﴿أَصْلُها ثابِتٌ﴾ أي: جذورها متشعبة في الأرض وثابتة وقوية، وكذلك الإيمان في قلب المؤمن ثابت وراسخ. ﴿وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ أي: فروعها باسقة ومرتفعة إلى أعلى، وكذلك الإيمان، كما ستعرفه في الآية التالية. الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من ﴿مَثَلاً﴾ تقدم عليه، وعلى العامل. التقدير: ألم تر ضرب الله مثلا حال كونه مسئولا عن حاله من غرابته وإحكامه وغير ذلك. والاستفهام معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً:﴾ ماض وفاعله ومفعوله. ﴿كَلِمَةً:﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾. ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة ﴿كَلِمَةً:﴾ ﴿كَشَجَرَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿كَلِمَةً،﴾ وهذا على اعتبار ﴿ضَرَبَ﴾ متعديا لمفعول واحد، وقد رأيت شرحه ومعناه، فإن كان بمعنى: صير، فهو متعد لاثنين: ﴿كَلِمَةً﴾ المفعول الأول و ﴿مَثَلاً﴾ المفعول الثاني تقدم على الأول، بمعنى: جعلها مثلا، وعلى هذا ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي كشجرة طيبة، كما قاله ابن عطية، وأجازه الزمخشري، ولكنه بدأ بالأول. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. والجملة: ﴿كَيْفَ..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل قبلها، وجملة: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 2890

﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة شجرة. ﴿أَصْلُها:﴾ مبتدأ، وها: في محل جر بالإضافة. ﴿ثابِتٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (شجرة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، (فرعها): مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿تُؤْتِي..﴾. إلخ: تعطي النخلة ثمرها كل وقت بأمر ربها. هذا؛ والحين في اللغة: الوقت، يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقداره هنا، فقال مجاهد وعكرمة: الحين هنا سنة كاملة؛ لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة واحدة. وقال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن: ستة أشهر، يعني من وقت طلعها إلى حين انصرامها. وروي ذلك عن ابن عباس أيضا. وقال علي بن أبي طالب: ثمانية أشهر، يعني أن مدة حملها باطنا وظاهرا ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر، من حين ظهور حملها إلى إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران، يعني من وقت أن يؤكل منها إلى صرامها. وقال الربيع بن أنس: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ يعني غدوة وعشية؛ لأن ثمر النخل يؤكل أبدا، ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع، والبلح والبسر، والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب، فأكلها دائم في كل وقت. وهذا القول هو الجدير بالاعتبار، انتهى. خازن، وكذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها. قال الجلال: كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء، ويناله بركته وثوابه كل وقت. انتهى. والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة؛ لأن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. وفحوى الآيتين: أن فيهما التشبيه التمثيلي، وهو المنتزع من متعدد، وهو ما رأيت شرحه. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ:﴾ لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير، وتصوير للمعاني، وتقريب لها من الحس. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ لعلهم يتعظون، فيعتبرون. هذا وفي قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ مجاز عقلي؛ لأن النخلة لا تؤتي الأكل، وإنما يأتي به الله تعالى. الإعراب: ﴿تُؤْتِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى الشجرة. ﴿أُكُلَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿كُلَّ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿تُؤْتِي،﴾ و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿حِينٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (إذن) مضاف، و ﴿رَبِّها﴾

стр. 2891

مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، و (ها): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تُؤْتِي..﴾. إلخ في محل جر صفة ثانية ل: (شجرة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، والاستئناف ممكن. تأمل. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ:﴾ مضارع وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لضرب الأمثال، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد). تأمل، وتدبر. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ:﴾ المراد به كلمة الشرك. ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ:﴾ المراد بها شجرة الحنظل، قاله أنس بن مالك، ومجاهد، وفي رواية عن ابن عباس-﵄: أنها الثوم. ﴿اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ:﴾ اقتلعت من أصلها. ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ:﴾ يعني ما لهذه الشجرة من ثبات في الأرض؛ لأنها ليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا فرع صاعد في السماء، كذلك الكافر لا خير فيه، ولا يصعد له قول طيب، ولا عمل صالح، ولا لاعتقاده أصل ثابت، فهذا وجه تمثيل الكافر بهذه الشجرة الخبيثة، وهذا هو التشبيه التمثيلي الذي رأيت مثله في الآية السابقة. فعن أنس بن مالك-﵁-قال: أتي رسول الله ﷺ بقناع عليه رطب، فقال: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ قال: هي النّخلة. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ قال: هي الحنظلة». أخرجه الترمذي مرفوعا، وموقوفا، وقال: الموقوف أصح. الإعراب: ﴿وَمَثَلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (مثل): مبتدأ، ومثل مضاف، و ﴿كَلِمَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَبِيثَةٍ:﴾ صفة كلمة. ﴿كَشَجَرَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿خَبِيثَةٍ:﴾ صفة (شجرة). ﴿اُجْتُثَّتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى شجرة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (شجرة)، أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿مِنْ فَوْقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿فَوْقِ﴾ مضاف، و ﴿الْأَرْضِ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرارٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ حجازية، والإعراب واضح عليه، والجملة الاسمية على الاعتبارين تصلح لأن تكون صفة ثانية ل: (شجرة)، وأن تكون حالا من نائب الفاعل، والجملة الاسمية: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 2892

﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ أي: الذي ثبت بالحجة عندهم، وتمكن من قلوبهم. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم كزكريا، ويحيى، وجرجيس، وشمعون، والذين فتنهم أصحاب الأخدود، وكالسحرة الذين صلبهم فرعون، ويلحق بهم من أوذوا، أو فتنوا من المسلمين، وعذبوا في الله كعمار بن ياسر، وأبيه، وبلال، وصهيب وغيرهم. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في القبر حين يسألهم الملكان عن ربهم، ودينهم، ونبيهم، فيجيبون بالصواب. ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ أي: الكفار، فلا يهتدون للجواب بالصواب، بل يقولون: لا ندري. ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ:﴾ يعني من التوفيق، والخذلان، والهداية، والإضلال، والتثبيت، وعدمه، لا اعتراض عليه في جميع أفعاله، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد)، وانظر ما ذكرته من التعبير عن الكافرين بالظالمين ونحوه في الآية رقم [١٣]. تنبيه: كثير من المفسرين يقولون: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ سؤال القبر، والمراد بقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يوم القيامة عند البعث والحساب، وأرى أن التفسير الأول أولى الأمور؛ الأول: أن معنى الحياة لا يكون لمن دفن تحت الأرض وفارق الدنيا. الثاني: أن كل من خرجت روحه من جسده قد انتقل من دار إلى دار، ومن حال إلى حال، والدار الثانية غير الأولى، والحال الثانية غير الأولى، وهو واضح بداهة. الثالث: قد ورد أن كل من مات فقد قامت قيامته، وانقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غير ذلك. الرابع: لم يثبت أن ابن آدم يسأل بعد البعث والحشر من ربك ومن نبيك... إلخ، والذي ثبت أنه يسأل في القبر بعد الدفن، والأحاديث الشريفة كثيرة في هذا المعنى، وهي كلها مشفوعة بالآية الكريمة التي الكلام فيها أكتفي بما يلي: عن أنس بن مالك-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ العبد إذا وضع في قبره، وتولّى عنه أصحابه، وإنّه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا عنه، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد؟ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبيّ ﷺ : فيراهما جميعا، وأمّا الكافر، أو المنافق، فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلاّ الثّقلين». رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم.

стр. 2893

قال القرطبي: وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي ﷺ لما وصف مساءلة منكر ونكير، وما يكون من جواب الميت قال عمر-﵁: يا رسول الله! أيكون معي عقلي؟ قال: «نعم». قال: كفيت إذا، فأنزل الله هذه الآية. الإعراب: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان بالفعل يثبت. ﴿الثّابِتِ:﴾ صفة القول. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُثَبِّتُ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وبعضهم يعتبره مضافا إليه، والأول أولى. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿يُثَبِّتُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ..﴾. إلخ معطوفة أيضا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو شيئا يشاؤه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يفعل مشيئته. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [١٩] و [٢٤] ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً﴾ أي: جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر بأن وضعوه مكانها، فإنهم لما كفروها؛ سلبت منهم، فصاروا تاركين لها، محصلين الكفر مكانها، كأهل مكة، خلقهم الله تعالى، وأسكنهم حرمه، وجعلهم قوام بيته، ووسع عليهم أبواب رزقه، وشرفهم بمحمد ﷺ ، فكفروا ذلك، فقحطوا سبع سنين، وأسروا، وقتلوا يوم بدر، وصيروا أذلاء، فصاروا مسلوبي النعمة، موصوفين بالكفر. وقال علي، وعمر-﵄: نزلت في الأفجرين من قريش: بني مخزوم، وبني أمية، فأما بنو أمية؛ فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم؛ فأهلكوا يوم بدر. وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه حين لطم الفزاري، فجعل عمر له القصاص بمثلها، فلم يرض، وأنف، فارتد متنصرا، ولحق بالروم في جماعة من قومه، ولما حضرته الوفاة ندم، فقال: [الطويل] تنصّرت الأشراف من عار لطمة... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنّفني منها لجاج ونخوة... وبعت لها العين الصّحيحة بالعور فيا ليتني أرعى المخاض ببلدة... ولم أنكر القول الذي قاله عمر

стр. 2894

أقول: يبعد أن تكون الآية نزلت في هؤلاء؛ لأن ما فعله جبلة وأصحابه كان في خلافة الفاروق-﵁-وإن كان حكمها ومعناها ينطبقان عليهم، وعلى من حذا حذوهم إلى يوم القيامة. ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ:﴾ أنزلوهم. ﴿دارَ الْبَوارِ:﴾ دار الهلاك، وهي جهنم. والبوار: الهلاك، وفي المصباح: بار الشيء يبور بورا بالضم: هلك، وبار الشيء بوارا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك؛ صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا الوجه، وأرض بور: لم تزرع، وبور جمع: بائر، قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه، وفي الأساس: فلان له نوره، وعليك بوره. أي: هلاكه، ونزلت بوار على الكفار؛ أي: هلاك. ومن المجازات: بارت البياعات: كسدت، وسوق بائرة، وبارت الأيم: إذا لم يرغب فيها، وكان الرسول ﷺ يتعوذ من بوار الأيم، وبارت الأرض: إذا لم تزرع، وأرض بوار، وأرضون بور. الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهذا يفيد أن الرؤية بصرية لا قلبية، ﴿بَدَّلُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به أول، و ﴿نِعْمَتَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿كُفْراً:﴾ مفعول به ثان وقيل العكس؛ أي: ﴿كُفْراً﴾ هو المفعول الأول، و ﴿نِعْمَتَ﴾ هو المفعول الثاني، والمعنى لا يؤيده، وجملة: ﴿بَدَّلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿(أَحَلُّوا...)﴾ إلخ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح و ﴿دارَ﴾ مضاف، و ﴿الْبَوارِ﴾ مضاف إليه. ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿جَهَنَّمَ:﴾ واد من أودية النار، أو المراد بها النار جميعها. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ يحترقون فيها، ويقاسون حرها، وشدائدها، وفي المصباح صلي بالنّار، وصليها صليا من باب تعب: وجد حرها. ﴿وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي: المستقر، والمقر، وانظر شرح: ﴿وَبِئْسَ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿جَهَنَّمَ:﴾ بدل، أو عطف بيان، أو تفسير ل: ﴿دارَ الْبَوارِ،﴾ أو هو منصوب بفعل محذوف، التقدير: يصلون جهنم، فعلى الأول لا يجوز الوقف على ﴿دارَ الْبَوارِ،﴾ وعلى الثاني يجوز الوقف، بل ويحسن. هذا؛ ولو رفع ﴿جَهَنَّمَ﴾ رافع بإضمار على معنى: هي جهنم، أو باعتباره مبتدأ، والجملة بعده خبره لجاز، ولكني لم أجد من قرأ به. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَهَنَّمَ،﴾ أو من ﴿قَوْمَهُمْ﴾

стр. 2895

وهي مفسرة لا محل لها على اعتبار جهنم منصوبا بفعل محذوف. (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿الْقَرارُ:﴾ فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة هي، وجملة: ﴿وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: حالية، ولا وجه له البتة؛ لأنها إنشائية. ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً﴾ أي: اخترع، وابتدع الكفار، والمشركون أمثالا، وأشباها من الحجارة ونحوها يعبدونها من دون الله، وليس لله ندّ، ولا شبيه، ولا مثيل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! وأنداد جمع: ند، وهو المقاوم، والمضاهي، سواء أكان مثلا، أو ضدا، أو خلافا. وقيل: هو الضد. وقيل: هو الكفء، والمثل. ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: ليضلوا الناس عن طريق الهدى ودين الحق، وسبيل الله: هو دينه، وشرعه الذي أوحاه إلى محمد ﷺ ، وانظر شرح: ﴿سَبِيلِي﴾ في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇. هذا؛ وقرئ الفعل بفتح الياء، فيكون المعنى ليضلوا هم، فتكون اللام لام العاقبة؛ أي: لتكون عاقبتهم إلى الضلال. ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل عاقل من شأنه أن يخاطب الكفار، والمجرمين بما يلي: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أي: بدنياكم قليلا، أو بعبادتكم الأوثان، أو اتباع الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع فيها، وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به. ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ أي: مردكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. بعد هذا فالنار: أصلها النّور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين من أبناء المسلمين، والفعل نار ينور، يستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. هذا وانظر دركات النار في الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر). الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(جَعَلُوا:)﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَنْداداً﴾. ﴿أَنْداداً:﴾ مفعول به. ﴿لِيُضِلُّوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو العاقبة وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة وجملة: ﴿(جَعَلُوا...)﴾ إلخ معطوفة على جملة: ﴿(أَحَلُّوا...)﴾ إلخ، أو هي مستأنفة،

стр. 2896

لا محل لها على الاعتبارين. ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره «أنت». ﴿تَمَتَّعُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة. الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿مَصِيرَكُمْ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر موجه لسيد الأنام ﷺ ، ويعم كل عاقل من شأنه أن يعظ وينصح الناس. ﴿لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ خصهم بالذكر، وشرفهم بالإضافة تنويها بشأنهم، وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية. ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ انظر شرح هذه الكلمات في الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ أي: ولا خلة، وهي المودة والصداقة. ﴿لِعِبادِيَ:﴾ يقرأ بفتح ياء المتكلم وسكونها، قراءتان سبعيتان، ويجريان في خمس مواضع من القرآن الكريم. هذا؛ وقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وقوله تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر): ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ والمراد ب: ﴿يَوْمٌ﴾ يوم القيامة. هذا والخلال: المخالة والمصادقة، والخلة: الصداقة، وما ذكرته يعني: أن الخلال مفرد، وفي القرطبي: أنه جمع خلة مثل قلة وقلال، والخليل: الصديق الذي صفت مودته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك، كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضبي: [الوافر] أخوك أخوك من يدنو وترجو... مودّته، وإن دعي استجابا إذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا وهو معدوم في هذا الزمن الذي فسد أهله، وصاروا خلّا، ودودا، كما قال القائل: [الوافر] سألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا النّاس من خلّ ودود فقلت أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا كان ذلك في الجدود

стр. 2897

احفظ البيتين، ولا تنس: ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال القائل: [الكامل] قد قيل: إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي وقال الآخر: [الوافر] سألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا: ما إلى هذا سبيل تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل ومما هو جدير بالذكر: أن كل صداقة لا تكون على أساس من التقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس في الآية رقم [٢٢] من هذه السورة وفي سورة (ق). قال الخازن: فإن قلت: كيف نفى الخلة في هذه الآية، وفي الآية رقم [٢٥٤] من سورة (البقرة)، وأثبتها في الآية رقم [٦٧] من سورة (الزخرف)، وهي ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ..﴾. إلخ قلت: الآية الدالة على نفي الخلة (أي: نفي نفعها) محمولة على نفي الخلة الحاصلة بسبب ميل الطبيعة ورعونة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها (أي: ثبوت نفعها) محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط، ونفاها عن غيرهم. وقيل: إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة، ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله، وفي بعضها يتعاطف الأخلاء، بعضهم على بعض إذا كانت المخالة لله وفي محبته. انتهى. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره «أنت». ﴿لِعِبادِيَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة عبادي، أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يُقِيمُوا:﴾ قال أبو البقاء: فيه ثلاثة، أوجه: أحدها: هو جواب قل، وتقدير الكلام: إن تقل لهم يقيموا، قاله الأخفش، ورده قوم، قالوا: لأن قول الرسول لهم، لا يوجب أن يقيموا، وهذا عندي لا يبطل قوله؛ لأنه لم يرد بالعباد الكفار، بل المؤمنين، وإذا قال الرسول لهم: أقيموا الصلاة أقاموها، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والقول الثاني حكي عن المبرد، وهو أن التقدير: قل لهم: أقيموا يقيموا، فيقيموا المصرح به جواب أقيموا المحذوف، حكاه جماعة، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أن جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير على ما ذكر في هذا الوجه

стр. 2898

إن يقيموا يقيموا، والوجه الثاني: أن الأمر المقدر للمواجهة، و ﴿يُقِيمُوا﴾ على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا، والقول الثالث: أنه مجزوم بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة قل على الأمر، وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها مكي باختصار، وذكرها ابن هشام في مغنيه بإطناب. انظر الشواهد من [٤٠٨] إلى [٤١٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا ويشبه هذه الآية في تركيبها وإعرابها الآية رقم [٣٠] من سورة (النور)، والفعل ﴿يُقِيمُوا﴾ مجزوم على الوجوه المذكورة، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي في محل نصب مقول القول على حسب الوجوه المعتبرة فيها. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. (ينفقوا): معطوف على ما قبله مجزوم مثله، وعلامة جزمهما حذف النون؛ لأنهما من الأفعال الخمسة، والواو فاعلهما، والألف للتفريق ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ انظر الإعراب مفصلا في الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد). ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل ينفقوا، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿لا:﴾ نافية حجازية تعمل عمل ليس، أو هي مهملة لا عمل لها، وهو الأقوى؛ لأنها تكررت. ﴿بَيْعٌ:﴾ اسم ﴿لا،﴾ أو هو مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ أو بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿خِلالٌ:﴾ معطوف على بيع. هذا؛ وقد قرئ في الآية رقم [٢٥٣] من سورة (البقرة) برفع ﴿بَيْعٌ،﴾ وبنائه على الفتح، انظر الآية وأوجه الإعراب فيها، ولم أعثر هنا على قراءة بغير الرفع. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أي: من السحاب، سمي السحاب سماء لارتفاعه، مشتق من السمو، وهو الارتفاع. وقيل: إن المطر ينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض. ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بذلك الماء. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ الثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجرة، وقد يقع على الزرع أيضا بدليل قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ:﴾ ذلك السفن الجارية في أعماق البحار لمنافع الناس، حيث تسير من بلد إلى آخر، فهي من تمام نعمة الله على عباده. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ أي: ذللها لكم لتنتفعوا منها في الشرب منها، وسقي الزروع، والثمرات، ولما

стр. 2899

كان ماء البحر المالح لا ينتفع به في سقي الزروع والثمار ولا في الشراب؛ ذكر الله نعمته على عباده في تسخير الأنهار العذبة لأجل هذه الحاجة. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. (أنزل): ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: (أنزل...) إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَأَخْرَجَ..﴾. إلخ معطوفة عليها أيضا. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقان بالفعل (أخرج)، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من ﴿رِزْقاً،﴾ كما علق ﴿مِنَ السَّماءِ،﴾ والأول: أقوى. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول لأجله على اعتبار ﴿مِنَ﴾ للتبعيض وتعليقها بالفعل، ومفعول به على اعتبار ﴿مِنَ﴾ للبيان وتعليقها بمحذوف حال كما رأيت، وأجيز اعتبار ﴿رِزْقاً﴾ مفعولا مطلقا لأن (أخرج) بمعنى: رزق. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿رِزْقاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، واللام في الموضعين للملك، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿لِتَجْرِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الْفُلْكَ﴾ و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (سخر). ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان به أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ:﴾ يجريان في فلكهما؛ أي: محلهما ومقرهما، وهو السماء الرابعة للشمس، وسماء الدنيا للقمر. هذا؛ والدأب: العادة المستمرة على حالة واحدة، ودأب في السير: داوم عليه، والمعنى: أن الله تعالى سخر الشمس والقمر يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى آخر الدهر. وقيل: يدأبان في سيرهما وتأثيرهما في إزاحة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان؛ لأن الشمس سلطان النهار، وبها تعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله ، وإنعامه على عباده. انتهى. خازن بتصرف. وانظر الآية رقم [٥] من سورة (يونس) ﵇.

стр. 2900

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ:﴾ لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء النهار. ﴿وَالنَّهارَ﴾ أي: لتبتغوا فيه من فضله معاشكم بالسعي له، قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. هذا؛ وإن الليل والنهار يتعاقبان في الضياء والظلمة، والزيادة والنقصان، وذلك من إنعام الله على عباده، وفيه عبرة لأولي الألباب، كما قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ وانظر شرحهما في الآية رقم [٦٧] من سورة (يونس) ﵇، وانظر دأبا في الآية رقم [٤٧] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): ماض، والفاعل يعود إلى الموصول. ﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به. (القمر): معطوف على ما قبله. ﴿دائِبَيْنِ:﴾ حال من ﴿الشَّمْسَ﴾ و ﴿وَالْقَمَرَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وغلب القمر؛ لأنه مذكر، والجملة الفعلية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والجملة الثانية معطوفة عليها أيضا. ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ:﴾ لما ذكر الله النعم العظام التي أنعم الله بها على عباده، وسخرها لهم وذكر ذلك في الآيتين السابقتين، بيّن في هذه: أنه سبحانه لم يقتصر على تلك النعم بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر، و ﴿مِنْ﴾ الجارة معناها التبعيض، وأجيز في: ﴿ما﴾ الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وأيضا النفي، وعليه فالمعنى يكون: وآتاكم من كل ما سألتموه، ومن كل ما لم تسألوه، فحذف الثاني، فلم نسأله سبحانه شمسا ولا قمرا، ولا كثيرا من نعمه التي ابتدأنا بها. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة؛ أي: أتاكم كل ما سألتموه. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ أي: نعم الله لا تحصوها؛ ولا تطيقوا عدها لكثرتها، كالسمع، والبصر، وتقويم الصور، إلى غير ذلك من المال، والولد، والعافية، وأضر هذه النعم لوجود كل مخلوق وحياته الماء، والهواء، وهما أرخص كل الأشياء. وأجل هذه النعم نعمة الإيمان لمن هداه الله، ووفقه له، وعمل بمقتضاه، وينبغي أن تعلم: أنّ الإنسان مهما عمل من الصالحات، وعبد الله تعالى لا يوفي حق أصغر هذه النعم، فعن أنس بن مالك-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح؛ وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النّعم من الله عليه، فيقول الله لأصغر نعمة، أحسبه قال: -في ديوان النّعم: خذي ثمنك من عمله الصّالح فتستوعب عمله الصالح، ثمّ تنحّى، وتقول: وعزّتك ما استوفيت! وتبقى الذنوب والنّعم، وقد ذهب العمل الصّالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيّئاتك-أحسبه قال: -

стр. 2901

ووهبت لك نعمي». رواه البزار. هذا وحديث الذي عبد الله خمسمائة سنة برأس جبل، وقال الله له: «أدخل الجنة برحمتي، فقال: بل بعملي مشهور مسطور في كتاب الترغيب والترهيب. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: جنس الإنسان، وهو يفيد الاستغراق. قال ابن عباس-﵄-أراد أبا جهل، والتعميم أولى. ﴿لَظَلُومٌ:﴾ شديد الظلم لغيره، بل ولنفسه حيث يعرضها لغضب الله وسخطه، والحرمان من رحمة الله وجوده وغفرانه. ﴿كَفّارٌ:﴾ شديد الكفران لنعم الله؛ أي: يجحدها، ولا يقوم بشكرها الواجب عليه. وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع. الإعراب: ﴿وَآتاكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتاكم): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الذي، والكاف مفعول به أول. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان به على أنهما مفعوله الثاني، وقد رأيت: أن معنى ﴿مِنْ﴾ التبعيض. وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة وعليه ف ﴿كُلِّ﴾ هي المفعول الثاني: مجرورة لفظا منصوبة محلا. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية ضعيفة معنى. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة ﴿كُلِّ﴾ إليها. ﴿سَأَلْتُمُوهُ:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ وتسهيله فتولدت واو الإشباع؛ التي هي حرف لا محل لها، والهاء مفعول به أول، والثاني: محذوف، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ نافية، تكون الجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿كُلِّ﴾ إليها، التقدير: وآتاكم من كل شيء غير سائليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، ولا تنس: أنه قد قرئ بتنوين ﴿كُلِّ،﴾ فتكون ﴿ما﴾ هي المفعول الثاني. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿تَعُدُّوا:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون.. إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿نِعْمَتَ؛﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُحْصُوها:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسمها. ﴿لَظَلُومٌ﴾ اللام: هي المزحلقة. (ظلوم): خبر أول. ﴿كَفّارٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ أي: مكة المكرمة كما ستعرفه، وقد أجاب الله دعاءه، وحقق رجاءه، فجعله حرما آمنا، لا يسفك فيه دم إنسان، ولا يظلم فيه أحد،

стр. 2902

ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه، وجعل أهله في أمان، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ أي: أبعدني، وبنيّ من عبادة الأصنام. هذا؛ وقرئ: «(وأجنبني)» بقطع الهمزة، والمعنى واحد، وهما على لغة نجد، وأما أهل الحجاز، فيقولون: جنبني شره. هذا؛ والأصنام: جمع صنم، وهو التمثال الذي يتخذ من خشب، أو حجارة، أو حديد، أو ذهب، أو فضة على صورة إنسان، أو غيره، وهو الوثن، وانظر النصب في الآية رقم [٤] من سورة (المائدة)، والأنصاب في الآية رقم [٩٣] منها أيضا. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده، وجميع ذريته، وهو الصحيح، كيف لا وقد عبد الكثير من ذريته الأصنام مثل قريش، وعبد اليهود العجل، وضلوا ضلالا بعيدا. هذا؛ وقد قال القرطبي: وأراد بقوله: ﴿وَبَنِيَّ﴾ بنيه من صلبه، وكانوا ثمانية، فما عبد أحد منهم صنما، ولم يذكر أسماءهم هو، ولا غيره من المفسرين، ورأيت في قصص الأنبياء للنجار ما يلي: عاد إبراهيم فأخذ زوجته اسمها قطورة، فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق، وشوحا. انتهى. نقلا من سفر التكوين. ولعلك تدرك معي: أن مديان هو مدين الذي يكثر ذكره في القرآن الكريم، وانظر الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇. هذا وإبراهيم معناه في العبرانية: أب رحيم، وهو ابن تارح، أو تارخ، بن ناحور، بن سروج، بن رعو، بن فالج، بن عابر بن شالح، بن أرفكشاذ، بن سام، بن نوح ﵊، وانظر ما ذكرته في: ﴿آزَرَ﴾ في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام) تجد ما يسرك. وقصة إبراهيم ﵊ تتخلص في أنه كان فتى من أهل فدان آرام بالعراق، وكان قومه أهل، أوثان، وكان أبوه نجارا، ينحت الأصنام، ويبيعها ممن يعبدها، وأن إبراهيم كان قد أنار الله بصيرته، وهداه إلى الرشد، فعلم أن الأصنام لا تسمع، ولا تبصر، ولا تسمع نداء، ولا تجيب دعاء، ولا تضر، ولا تنفع، ولذا عمد إلى تحطيمها في غيبة من يعبدها ليبين لهم عجزها، ولكنهم لم يرجعوا إلى رشدهم، بل أرادوا حرقه بالنار، فنجاه الله من كيدهم، وجعلهم الأخسرين، وكان الملك النمرود قد ادعى الألوهية، فحاجه إبراهيم ﵇ وأفحمه، كما رأيت في الآية رقم [٢٥٧] من سورة (البقرة)، ولما أيس من إسلام أبيه وقومه تركهم، وذهب إلى أور الكلدانيين من أرض الجزيرة قرب نهر الفرات، ثم إلى حران، ثم رحل بعد ذلك إلى فلسطين، ومعه زوجه سارة، وابن أخيه لوط، ومع لوط زوجه، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ثم رحل إلى مصر بسبب جدب وقع في فلسطين، ثم عاد إلى فلسطين، وكان ملك مصر قد أهدى إبراهيم أموالا وماشية وجواري وعبيدا، منها هاجر التي تزوجها، وأنجبت منه إسماعيل،

стр. 2903

على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وقد توفي في فلسطين، ودفن في بلدة الخليل، وقبره موجود فيها، وله مشهد عظيم. تنبيه: حكى القرآن الكريم عن إبراهيم الخليل ﵇ في الآية رقم [١٢٦] من سورة (البقرة): أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً﴾ وحكى عنه قوله هنا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ والفرق بينهما أنه سأل في الأول: أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، وسأل في الثاني: أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا. انتهى. خازن بتصرف. هذا والرب يطلق، ويراد به السيد والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ، وأيضا قوله: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً..﴾. إلخ كما يقال: ربّ الدار، وربّ الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولي شئونها، كما يراد به المربي والمصلح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو ضعيف صغير، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين، ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، والرب المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل] هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد فمعناه تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم والإجلال والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام في نداء الرب لذلك المعنى. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، فهو مبني على السكون في محل نصب، وهو الأقوى، وجملة: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه حرف النداء

стр. 2904

منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء الساكنة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: يا ربّي، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا ربّا، ومنهم من يقول: يا ربّ بضم الباء، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الباء دليلا عليها، فيقول: يا ربّ. ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه. ﴿هَذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْبَلَدَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿آمِناً:﴾ مفعول به ثان، (اجنبني): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. (بنيّ): معطوف على ياء المتكلم، فهو منصوب أيضا، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم المدغمة ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وأجيز اعتباره مفعولا معه، وليس بشيء، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ نَعْبُدَ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عن عبادة، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو مفعول به ثان على التوسع. ﴿الْأَصْنامَ:﴾ مفعول به، والجمل في الآية كلها في محل نصب مقول القول، والكلام مستأنف لا محل له. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ:﴾ وهذا مجاز؛ لأن الأصنام جمادات، وحجارة، لا تعقل شيئا حتى تضل من عبدها، إلا أنه لما حصل الإضلال بسبب عبادتها؛ أضيف إليها، كما تقول: فتنتهم الدنيا بزينتها، وغرتهم بزخرفها، وإنما فتنوا، واغتروا بسببها؛ لأن المضل والهادي في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وينسب الإضلال للعبد كسبا، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الرعد). ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي: فمن تبعني على ديني واعتقادي، فإنه من المتدينين بديني المتمسكين بحبلي، كما قال الشاعر: [الوافر] إذا حاولت في أسد فجورا... فإنّي لست منك، ولست منّي ﴿وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ قال السدي: ومن عصاني ثم تاب، فإنك غفور رحيم، وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك؛ فإنك غفور رحيم؛ إن شئت أن تغفر له؛ غفرت إذا

стр. 2905

كان مسلما، قال البيضاوي: وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعد فرق بينه وبين غيره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر ما قاله الرسول ﷺ في حق أبي بكر-﵁-في سورة (الأنفال) الآية [٦٧]. الإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنَّهُنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أَضْلَلْنَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿كَثِيراً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿أَضْلَلْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن). ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَبِعَنِي:﴾ ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿مِنِّي:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إن)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، والإعراب ظاهر إن شاء الله تعالى، والآية بكاملها من مقول إبراهيم ﵊. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: بعض ذريتي، وهو إسماعيل ﵇. ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ:﴾ يعني وادي مكة؛ فإنها حجرية لا تنبت. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ:﴾ الذي حرمت التعرض له بأذى، والتهاون بشأنه، أو لم يزل ممنعا تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان فلم يستو عليه، ولذلك سمي: عتيقا. ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: أسكنتهم بذلك الوادي ليعبدوك بإقامة الصلاة وغيرها من العبادة، وأفرد الصلاة بالذكر تنويها بشأنها، وتعظيما لقدرها، ومكانتها، ولذا طلب من الله تعالى أن يوفقهم لإقامتها. ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أي: فاجعل أفئدة من أفئدة الناس، ولو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند، واليهود والنصارى، ولكن قال: من الناس، فهم المسلمون، قاله ابن عباس، ومجاهد. ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: تحن، وتشتاق إليهم، ولزيارة البيت، ففيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم الله حج البيت، ودعاء لسكان مكة من ذرية إبراهيم بأنهم

стр. 2906

ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت، فقد جمع إبراهيم ﵇ في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه، وعمّت بركاته. ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ فاستجاب الله دعاءه وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب لهم من الأمصار، كما قال تعالى: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ حيث توجد فيه الفواكه الربيعية، والصيفية، والخريفية في يوم واحد، وهو مشاهد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي: لعلهم يشكرون هذه النعم التي أنعمت بها عليهم. وقيل: معناه: لعلهم يوحدونك، ويعظمونك، وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات، وإقامة الطاعات. هذا؛ والفعل «شكر» يتعدى بنفسه وبحرف الجر تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له: وقد قرئ: (أفئدة) و «(آفدة)» و «(أفئيدة)». بعد هذا جاء في البخاري عن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر؛ وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس، ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ..﴾. إلخ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء؛ عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى-أو قال: يتلبّط-فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا؟ ففعلت ذلك سبع مرات». قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «فلذلك سعى الناس بينهما». «فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمّعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه-أو قال: بجناحه-حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه، وتقول بيدها: هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف». قال النبي ﷺ : «يرحم الله أمّ إسماعيل، لو تركت زمزم-أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينا معينا». قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الله: لا تخافوا الضيعة، فإن

стр. 2907

هاهنا بيت الله ببنيه هذا الغلام، وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك؛ حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء، فأرسلوا جريّا، أو جريّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم، قال النبي ﷺ ، فألف ذلك أمّ إسماعيل، وهي تحب الأنس، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم، وأعجبهم حيث شب، فلما أدرك الحلم؛ زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم-﵇-بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغيّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇ كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك؛ فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل، أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السّلام، ويقول: غيّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك؛ الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم، والماء!. قال النبي ﷺ : «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكّة، إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السّلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل ﵇ يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة

стр. 2908

على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. انتهى. التجريد الصريح. موقوفا في أوله، ومرفوعا أربع مرات في وسطه وآخره، وقد رفعته في أوله أيضا كما رفعه المرحوم عبد الوهاب النجار. تنبيه: وإني أرجئ الكلام على إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل-على نبينا، وعليهما، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-إلى سورة (الصافات) الآية رقم [١٠١] وما بعدها. هذا؛ وأضيف أن سبب إلقاء هاجر ورضيعها إسماعيل في مكة على نحو ما عرفت إنما هو غيرة سارة منها ومن ولدها؛ لأنها كانت جارية لها، فوهبتها لإبراهيم، فتزوجها، ولم يكن لسارة ولد قط، فأمر الله إبراهيم ﵇ أن يأخذهما إلى ذلك المكان القفر وأن يتركهما، فركب البراق هو وهاجر والطفل، فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ابنه وأمه، وركب منصرفا من يومه، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى، وكان مطيته البراق كلما أراد أن يزور إسماعيل ﵉، وما تقدم يفيد: أن إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان يحسن اللغة العربية ويجيدها، وإلا فكيف كان يمكن أن يتفاهم مع زوجتي ابنه، الأخرى تلو الأولى، ولم يكن بينهما ترجمان يترجم لهما ما يتفاهمان به. وأيضا فكيف يمكن أن يتفاهم مع إسماعيل وأمه هاجر حينما ذهب إليهما، وقص رؤياه على إسماعيل، التي رأى أنه يذبحه، بل فكيف يمكن أن يتعاون مع إسماعيل، وإقامته عنده المدة الطويلة حينما بنيا الكعبة المعظمة، وهذا كله قد وقع، لا ريب فيه، ولا شك. تنبيه: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده بأرض مضيعة اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل الخليل إبراهيم، كما تقوله غلاة الصوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله، كما رأيت. هذا؛ وإن أحد الفسقة تزوج امرأة ثانية، وهجر الأولى مع أولادها في دار مستقلة، فلما نوقش في ذلك، قال: أنا أسكنها في دار مع أولادها، وأعطيتها أرضا تعمل فيها، وتعيش منها، وإبراهيم الخليل ألقى هاجر، وابنه في أرض قاحلة، لا أنيس فيها، ولا ماء، ولا نبات، فهو يقول ذلك متفكها، ومضحكا الناس، فويل لهم كيف يفترون على الله الكذب؟! وويل لهم مما يصنعون؟! الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿أَسْكَنْتُ:﴾ فعل وفاعل. ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وقد رأيت أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وبعضهم يعتبرها صلة ويخرج على قول الأخفش بزيادتها في

стр. 2909

الإيجاب. وقيل: إن المفعول محذوف، التقدير: إني أسكنت ذرية من ذريتي، وضعفه ظاهر، فيكون ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ مفعولا به، مجرورا لفظا منصوبا محلا، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، ﴿بِوادٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿غَيْرِ:﴾ صفة (واد). وقيل: بدل منه، و ﴿غَيْرِ﴾ مضاف، و ﴿ذِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وجمعه: «أولي» من غير لفظه كما قد رأيت في الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد)، و ﴿ذِي:﴾ مضاف، و ﴿زَرْعٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل السابق، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿بَيْتِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُحَرَّمِ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَسْكَنْتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وقال أبو البقاء في ﴿عِنْدَ﴾ يجوز أن يكون صفة ل: (واد)، وأن يكون بدلا منه. ﴿رَبَّنا:﴾ توكيد لسابقه. ﴿لِيُقِيمُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: اللام للأمر، فيكون مجزوما، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَسْكَنْتُ﴾ وعلى الجزم تكون الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاجْعَلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اجعل): فعل دعاء، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿أَفْئِدَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة، التقدير: أفئدة كائنة من أفئدة الناس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿تَهْوِي:﴾ يقرأ بفتح الواو، وكسرها، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، أو على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿أَفْئِدَةً﴾ كما قرئ بالبناء للمجهول. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: (اجعل...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، بإيحائك وأمرك؛ فاجعل... إلخ، وجملة: (ارزقهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ مفيدة للتعليل، وينبغي أن تدرك معي: أن الآية الكريمة بكاملها من مقول إبراهيم ﵇. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ أي: تعلم سرنا كما تعلم علننا؛ أي: جهرنا. والمعنى: إنك تعلم أحوالنا، وما يصلحنا، وما يفسدنا، وأنت أرحم بنا منا، فلا حاجة بنا إلى الدعاء والطلب، إنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعا لعظمتك، وتذللا لعزتك، وافتقارا إلى ما عندك. وقيل: معناه: تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه، حيث أسكنتهما بواد

стр. 2910

غير ذي زرع، وما نعلن من البكاء، وتكرير النداء للمبالغة في التضرع، والالتجاء إلى الله تعالى. ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ..﴾. إلخ: قيل: هذا من قول إبراهيم ﵇. وقيل: إنما هو من قول الله تعالى لمّا قال إبراهيم ما تقدم، قال الله تعالى: ﴿وَما يَخْفى..﴾. إلخ وعليه الأكثرون، فهو تصديق لما قاله إبراهيم أولا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى انظر مثله في الآية السابقة، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿تَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره «أنت». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تعلم الذي، أو شيئا نخفيه في قلوبنا، وما نعلن: مثل ما قبله في الإعراب، وجملة: ﴿تَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال على اعتبار الكلام من مقول إبراهيم، وواو الاستئناف على اعتباره من مقول الله تعالى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَخْفى:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿شَيْءٍ:﴾ فاعل يخفى مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة شيء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. والآية الكريمة بكاملها من مقول إبراهيم، على الاعتبار الأول: في الشرح، واعتبار الجملة ﴿(ما يَخْفى...)﴾ إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿تَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم، ففيه، وضع الظاهر موضع المضمر، وعلى الاعتبار الثاني: في الشرح تكون الجملة ﴿(ما يَخْفى...)﴾ إلخ مستأنفة. تأمل، وتدبر. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي..﴾. إلخ: هذا الكلام قاله إبراهيم في وقت آخر، لا عقيب ما تقدم من الدعاء؛ لأن الظاهر أنه ﵇ دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها، وهي ترضعه، ووضعها عند البيت، وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت، قال ابن عباس-﵄: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة، وقد قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة، وإظهارا لما فيها من المعجزة. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أي: لمجيب الدعاء، من قولك: سمع الملك كلامي: إذا اعتدّ به، و (سميع) من صيغ المبالغة. هذا؛ وولد لإسماعيل اثنا عشر ولدا، ولإسحاق اثنان. هذا و (الحمد) في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا، فالأول: كمن يحسن إليك، والثاني: كمن يجيد صلاته، وهو
следующие страницы →