Полный текст (7 463 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
﴿مُشْرِقِينَ:﴾ وقت شروق الشمس؛ أي: طلوعها. وقيل: وقت شروق الفجر، فيكون أول العذاب عند الصبح، وامتد إلى شروق الشمس، فكان تمام الهلاك عند ذلك، و «أشرقت» الشمس و «شرقت» مثل: أضاءت، وضاءت، فهما لغتان بمعنى واحد، وانظر شرح الآية التالية بكاملها في الآية رقم [٨٢] من سورة (هود) ﵇. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي: فيما وقع لقوم لوط من العذاب علامات، أو عبر، وعظات. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ:﴾ للمتفكرين المتفرسين. وقيل:
للناظرين. قال طريف بن تميم العنبري: [الكامل]
أو كلّما وردت عكاظ قبيلة... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم
وقال قتادة: للمعتبرين. وقال أبو عبيدة: للمتبصرين، كقول زهير: [الطويل]
وفيهنّ ملهى للصّديق ومنظر... أنيق لعين النّاظر المتوسّم
ويعضد القول الأول: ما روي عن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله». ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ،﴾ أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وهذا؛ وقد ذكر القرطبي من فراسة بعض الصحابة، والتابعين الشيء الكثير. ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: وإن قرى قوم لوط على طريق قومك يا محمد في ذهابهم إلى الشام، وإيابهم منها، فهم يشاهدون ذلك، ويرون أثر العقاب الذي نزل بها، وانظر شرح (سبيل) في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇.
الإعراب: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أخذتهم): ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الصَّيْحَةُ:﴾ فاعل. ﴿مُشْرِقِينَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (جعلنا): فعل، وفاعل وهو بمعنى: صيرنا. ﴿عالِيَها:﴾ مفعول به أول.
﴿سافِلَها:﴾ مفعول به ثان، و (ها): في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على القرى، ولم يتقدم لها ذكر، ولكنها مفهومة من المقام، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٢] من سورة (هود) ﵇، وجملة: ﴿فَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حِجارَةً﴾.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم إن مؤخر منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، أو هما متعلقان بها؛ لأنها بمعنى: علامات، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ فِي..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنَّها:﴾ الواو: واو الحال.
стр. 2977
(إنها): حرف مشبه بالفعل. و (ها): اسمها. ﴿لَبِسَبِيلٍ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (بسبيل):
متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُقِيمٍ:﴾ صفة (سبيل). والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّها..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وعليه فالجملة: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ معترضة بين الحال وصاحبها، وهذا أقوى من عطف الجملة الاسمية على الجملة المستأنفة قبلها. تأمل، وتدبر.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: الذي ذكر من عذاب قوم لوط. ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعبرة ودلالة للمصدقين المقرّين بما أنزل على محمد ﷺ . وصدقوا جميع الأنبياء والرسل، وعرفوا:
أن ذلك إنما كان لانتقام الله من الجهال لأجل مخالفتهم أوامر الله تعالى، وأما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم، وحصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية، وجمع «الآيات» أولا، باعتبار تعدد ما قصّ الله من حديث لوط، وضيف إبراهيم، وتعرض قوم لوط لهم، وما كان من هلاكهم، وقلب المدائن على من فيها، وإمطار الحجارة على من غاب عنها، ووحدها ثانيا باعتبار وحدة قرية قوم لوط المشار إليها بقوله: ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ فلا يرد كيف جمع «الآية» أولا، ووحدها ثانيا، والقصّة واحدة. انتهى. جمل، نقلا عن كرخي.
﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ:﴾ انظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٣] وما بعدها من سورة (هود) ﵇، ففيه الغذاء الكافي، والدواء الشافي، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع، وهو شهيد.
﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ أي: أهلكناهم انتقاما منهم لسوء أعمالهم، والانتقام: المبالغة في العقوبة، والأخذ الشديد بالثأر. ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن مدينة قوم لوط، ومدينة أصحاب الأيكة بطريق واضح مستبين لمن مرّ بهما. وقيل: إن الضمير يعود إلى مدين والأيكة اللتين أرسل إليهما شعيب ﵇؛ لأنه بعث إليهما كما رأيت في الآيات المشار إليها من سورة (هود). هذا؛ وسمي الطريق إماما؛ لأنه يؤتم ويتبع، والمسافر يأتم به حتى يصل إلى مقصده، ففي ذلك استعارة تصريحية؛ لأن الطريق سبيل الوصول والمسافر فيه يتبعه حتى النهاية فاستعمل المشبه به بدلا من المشبه، وانظر قصة أصحاب الأيكة مفصلة في سورة (الشعراء)، فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إعراب هذه الآية مثل إعراب الآية رقم [٧٥] والجملة الاسمية فيها معنى التأكيد لتلك الجملة. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف لعطف قصة على قصة. (إن): حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، مهمل لا عمل له.
﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿أَصْحابُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْأَيْكَةِ:﴾ مضاف إليه.
стр. 2978
﴿لَظالِمِينَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات. (ظالمين): خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَانْتَقَمْنا:﴾
الفاء: حرف استئناف. (انتقمنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجمع الضمير باعتبار الأفراد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على محذوف، التقدير:
أي: أمعنوا في الضلال، والفساد، فانتقمنا... إلخ. ﴿وَإِنَّهُما:﴾ الواو: واو الحال. (إنهما):
حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لَبِإِمامٍ:﴾ اللام:
هي المزحلقة. (بإمام): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة، والجملة الاسمية:
﴿وَإِنَّهُما..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور ب: (من)، والرابط: الواو، والضمير، وقد ثني الضمير باعتبار القومين، أو البلدتين، والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ:﴾ المراد بأصحاب الحجر: قبيلة ثمود الذين كذبوا نبيهم صالحا ﵇، وإنما ذكره بلفظ الجمع للتعظيم، أو لأن من كذب واحدا من الرسل؛ فكأنما كذب الجميع، و ﴿الْحِجْرِ﴾ اسم واد كانت تسكنه قبيلة ثمود، وهو معروف بين المدينة والشام، عند وادي القرى، وآثاره موجودة باقية، يمر عليها ركب الشام إلى الحجاز، وركب الحجاز إلى الشام. ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا﴾ أي: أريناهم المعجزات الباهرة، وهي الناقة وولدها، وخروجها من الصخرة، وعظم جثتها، وقرب ولادها، وغزارة لبنها. ﴿فَكانُوا عَنْها:﴾
عن الآيات المذكورة. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ تاركين لها غير مكترثين فيها. ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ..﴾. إلخ: أي:
يحفرون بيوتهم في سفوح الجبال، خوفا من الأعداء، أو من الخراب، أو خوفا من العذاب، وذلك لشدة جهلهم وغفلتهم: أن الجبال تحميهم منه، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أي: صيحة جبريل التي فيها العذاب، والهلاك وقت الصبح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٤] من سورة (هود) ﵇. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ:﴾ فما نفعهم، ولا دفع عنهم العذاب ما كانوا يبنون من البيوت الوثيقة، وما كانوا يجمعون من الأموال، وما يستكثرون من العدد، والعدد.
هذا؛ وإن قصة صالح-﵇-مع قومه قد مرت معنا في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) ﵇ بأوسع منها في هذه السورة، وانظر شرح (آيات) في الآية رقم [١]. هذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: «حجر الإنسان» بفتح الحاء وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه،
стр. 2979
ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته وحفظه، وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك، و «الحجر» بكسر الحاء يطلق على الفرس الأنثى، وعلى العقل، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ويطلق على حجر إسماعيل، وعلى حجر ثمود، وعلى الكذب، وعلى الحرام، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ وقد نظمها بعضهم بقوله: [البسيط]
ركبت حجرا، وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر
لله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا، ولو أعطيت ملء الحجر
تنبيه: عن أبي هريرة-﵁-قال: لمّا مرّ رسول الله ﷺ بالحجر، قال:
«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلاّ أن تكونوا باكين، ثمّ قنّع رأسه، وأسرع السّير حتّى جاوز الوادي». متفق عليه، وعن ابن عمر-﵄: أن رسول الله ﷺ ، لما نزل بالحجر في غزوة تبوك، أمرهم ألاّ يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: عجنّا، واستقينا، فأمرهم أن يهريقوا الماء، وأن يطرحوا ذلك العجين» رواه البخاري.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق بقرب الماضي من الحال.
﴿كَذَّبَ:﴾ ماض. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْحِجْرِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب.. إلخ، وجملة: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ..﴾. إلخ جواب القسم الذي رأيت تقديره لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (آتيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و (نا): في محل جر بالإضافة. (كانوا): ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿(كانُوا...)﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿يَنْحِتُونَ:﴾
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مِنَ الْجِبالِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿بُيُوتاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة المشهورة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بُيُوتاً:﴾ مفعول به. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب وعلامة نصبه الياء.. إلخ، وجملة: ﴿يَنْحِتُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب الآية رقم [٧٣] بلا فارق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية وجوز اعتبارها استفهامية، وليس بشيء يعتد به. ﴿أَغْنى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
стр. 2980
﴿فَما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل ﴿أَغْنى،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿فَما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فما أغنى عنهم الذي، أو شيء كانوا يكسبونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: فما أغنى عنهم كسبهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ أي: من أفلاك، وكواكب، وما على الأرض من دواب، وجبال، وأنهار، وغير ذلك. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: لإظهار الحق، والمجازاة، وهو أن يثاب المؤمن المصدق، ويعاقب الجاحد الكافر المكذب. ﴿وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي:
القيامة لا بد واقعة ليجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي:
أعرض عنهم يا محمد، واعف عنهم عفوا حسنا، واحتمل ما تلقى من أذى قومك. وهذا الصفح، والإعراض منسوخ بآية القتال. وقيل: فيه بعد؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ أن يظهر الخلق الحسن، وأن يعاملهم بالعفو، والصفح الخالي من الجزع، والخوف. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ:﴾ الذي خلقك، وخلقهم، وبيده أمرك، وأمرهم، و ﴿الْخَلاّقُ﴾ صيغة مبالغة للتكثير، وقرئ: «(الخالق)». ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بحالك، وحالهم، فكل إليه أمرك، وأمرهم؛ ليحكم بينكم يوم القيامة.
هذا وقد أعاد الضمير إلى ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ مثنّى، والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، ومنه قول الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط]
سعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح النّاس أوبادا، ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
فقد ثنى جمالا، الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد المال الكثير، وأوبادا هلكى جمع وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق؛ حتى لم يبق لنا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد مال لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان؛ أي: قطيعان من الجمال فيختل أمر الغزوات.
стр. 2981
هذا والساعة: القيامة سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت ساعة؛ لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، وانظر علامات الساعة في الآية رقم [١٨٧] من سورة (الأعراف)، ولا تنس: أن ساعة كل إنسان وقيامته وقت مقدّمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ : «من مات؛ فقد قامت قيامته».
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، (ما): نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماواتِ..﴾. إلخ أي: إلا ملتبسا بالحق والحكمة، والجملة الفعلية: ﴿وَما خَلَقْنَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
(إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿لَآتِيَةٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿لَآتِيَةٌ:﴾ اللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاصْفَحِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٨]. (اصفح): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّفْحَ:﴾ مفعول مطلق.
﴿الْجَمِيلَ:﴾ صفته، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فاصفح... إلخ، والكلام لا محل له، سواء عطفته، أو استأنفته. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل. ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ،﴾ ويجوز اعتبار ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ خبران له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾.
هذا؛ ولا يجوز اعتبار الضمير تأكيدا؛ لأن الاسم الظاهر لا يؤكد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾
الشرح: لقد اختلف في السبع المثاني على أقوال كثيرة:
أحدها: أنها هي الفاتحة، قاله عمر، وعلي، وأبو هريرة، والرّبيع بن أنس، وأبو العالية والحسن، وغيرهم-﵃ أجمعين-. وحجّتهم ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الحمد لله أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسّبع المثاني». أخرجه أبو داود، والترمذي. وسميت الفاتحة سبعا؛ لأنها سبع آيات بإجماع أهل العلم، وسميت بالمثاني؛ لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة. وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، فنصفها
стр. 2982
الأول: ثناء على الله، ونصفها الثاني: دعاء. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة ﵁-عن النبي ﷺ ، قال، يقول الله ﵎: «قسمت الصلاة بيني، وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل» وقيل: غير ذلك.
القول الثاني: أنها السبع الطوال؛ أي: السور من البقرة... إلى التوبة، وهذا قول ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير-﵃ أجمعين-. ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ثوبان-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله أعطاني السّبع الطوال مكان التّوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزّبور المثاني، وفضّلني ربّي بالمفصّل». أخرجه البغوي بإسناد الثعلبي. وقال ابن عباس: سميت السبع الطوال مثاني؛ لأن العبر، والأحكام، والحدود، والأمثال تثبت فيها. ورد هذا القول بأنّ السور الطوال كلها مدنية، وسورة (الحجر) مكية.
القول الثالث: أن السبع المثاني هي القرآن كله. قاله طاوس والضحاك، ورواية عن ابن عباس، وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ وسمي القرآن كله مثاني؛ لأن الأخبار، والقصص، والأمثال ثنيت فيه.
القول الرابع: أن المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر، والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعديد النعم، وأنباء الأمم الماضية، قاله زياد بن أبي مريم، والصحيح الأول: من هذه الأقوال، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وإنما سمي القرآن:
عظيما؛ لأنه كلام الله، ووحيه، أنزله على خير خلقه محمد ﷺ ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٠]. ﴿آتَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول.
﴿سَبْعاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنَ الْمَثانِي:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿سَبْعاً﴾. ﴿وَالْقُرْآنَ:﴾ معطوف على ما قبله من عطف الكل على البعض، أو هو من عطف المرادف. وقيل: الواو صلة، و (القرآن) بدل من ﴿سَبْعاً،﴾ انظر الشرح والتفسير. ﴿الْعَظِيمَ:﴾ صفة القرآن، والجملة الفعلية:
﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ..﴾. إلخ جواب القسم المقدّر لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. تأمل، وتدبر.
﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ:﴾ المعنى: يا محمد! لا تنظر إلى ما أعطيناه الكفار من متع الحياة الدنيا، ولذائذها، وشهواتها، فإن ذلك لا بقاء له، ولا دوام.
стр. 2983
هذا؛ وأضاف سبحانه إلى ما ذكر في الآية رقم [١٣١] من سورة (طه) قوله: ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. والمعنى: أن الذي يعطاه أصناف الكفار من حطام الدنيا، إنما هو كالزهرة تتفتح في أول النهار، ثم تذبل في آخره، فقد نهي النبي ﷺ عن الرّغبة في الدنيا، ومزاحمة أهلها عليها؛ ولذا كان لا ينظر إلى شيء من متعها، ولا يلتفت إليه، ولا يستحسنه.
﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا. وقيل: المعنى: لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا، فلك في الآخرة أفضل منه. ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ألن جانبك لمن آمن بك، وتواضع لهم. وفي هذه الجملة استعارة مكنية، وهي ما حذف فيها المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، فقد استعير الطائر للذل، ثم حذفه، ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الجناح، وإثبات الجناح للذل يسمونه: استعارة تخييلية، وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا، وقد قال ابن الجوزي: سبب نزول هذه الآية وسابقتها أنّ سبع قوافل وافت من بصرى، وأذرعات ليهود قريظة، والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البزّ، والطيب، والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها، وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله الآيتين الكريمتين، فيكون الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: أمته، وضعّف هذا القول؛ لأن السورة مكية بكاملها، وروي عن أبي بكر-﵁: أنه قال: من أوتي القرآن، فرأى: أن أحدا، أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي؛ فقد صغّر عظيما، وعظّم صغيرا.
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». رواه مسلم. قال عوف بن عبد الله بن عتبة: كنت أصحب الأغنياء، فما كان أحد أكثر همّا مني، كنت أرى دابة خيرا من دابتي، وثوبا خيرا من ثوبي، فلمّا سمعت هذا الحديث، صحبت الفقراء، فاسترحت. انتهى.
خازن.
الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَمُدَّنَّ:﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون حرف لا محل له.
﴿عَيْنَيْكَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿مَتَّعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، ﴿أَزْواجاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَزْواجاً﴾ هذا وهناك وجه ثان، وهو اعتبار ﴿أَزْواجاً﴾ حالا من الضمير
стр. 2984
في: ﴿بِهِ﴾ فيكون فيه مراعاة لفظ ﴿ما﴾ مرة، ومعناها أخرى، فلذلك جمع، وعليه ف: ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا تَمُدَّنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَحْزَنْ:﴾ مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وما بعدها معطوفة عليها أيضا.
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾
الشرح أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة المجرمين: إني نذير لكم من عذاب شديد، يقع بكم عاجلا، أو آجلا، كما أنزله الله بالمقتسمين الذين اختلفوا في شأن القرآن الكريم. وقالوا ما قالوا فيه من افتراءات، وأكاذيب، ولقد اختلف في ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ على أقوال سبعة:
الأول: قال مقاتل، والفراء: هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا طرق مكة، ومداخلها، يقولون لمن أراد الدخول فيها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا: ساحر، وربما قالوا: شاعر، وربما قالوا: كاهن، وسموا بالمقتسمين؛ لأنهم اقتسموا هذه الطرق، فأماتهم الله شرّ ميتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبي ﷺ ، قال: صدق أولئك.
الثاني: قال قتادة: هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله، فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير.
الثالث: قال ابن عباس-﵄-هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه.
وكذلك قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسموا بالمقتسمين؛ لأنهم كانوا مستهزءين، فيقول بعضهم: هذه السورة لي، وهذه السورة لك، وهو القول الرابع.
الخامس: قال قتادة: قسموا كتابهم، ففرقوه وبددوه وحرفوه.
السادس: قال زيد بن أسلم: المراد: قوم صالح، تقاسموا على قتله؛ أي: تحالفوا، فسموا مقتسمين كما قال تعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾.
السابع: قال الأخفش: هم قوم اقتسموا أيمانهم، وتحالفوا عليها. وقيل: إنهم العاص بن وائل، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، ومنبه بن الحجاج. ذكره الماوردي. انتهى. قرطبي بتصرف.
هذا ومعنى ﴿عِضِينَ﴾ أجزاء مفرقة، وتفسيره ما رأيته في القول الثاني، وما بعده، ومثله في المعنى: ﴿عِزِينَ﴾ أي: فرقا شتّى، وهو جمع: عضة، من قولهم: عضيت الشيء: إذا فرقته،
стр. 2985
وجعلته أجزاء، وعزين: جمع عزة، أصلهما: عضوة، وعزوة، فحذفت الواو منهما. وقيل:
أصل «عضة»: عضهة، فنقصت الهاء منه لأن العضه والعضين في لغة قريش: السّحر، وهم يقولون للساحر: عاضه، وللساحرة، عاضهة، وفي الحديث: لعن رسول الله ﷺ العاضهة، والمستعضهة، وفسر بالسّاحرة، والمستسحرة. وقيل: أصل «عضة»: عضو، من قولهم: عضيته تعضية: إذا فرقته، قال رؤبة: وليس دين الله بالمعضّى. يعني: بالمفرق، وعلى ما تقدم حذفت الواو، وعوض منها الهاء، فقيل: عضه، ونظير عضة في النقصان شفة، والأصل شفهة، كما قالوا: سنة، والأصل سنهة، فنقصوا الهاء الأصلية، وأثبتوا هاء العلامة، وهي للتأنيث كما قيل:
أصل: سنة وشفة سنو وشفو، فالتاء عوض عن واو محذوفة. هذا؛ والعضه: الكذب، والبهتان، وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العضاه، وهي شجر الوادي، ويخرج كالشوك. قلت: قال الشاعر: [الطويل]
إذا مات منهم سيّد سرق ابنه... ومن عضة ما ينبتنّ شكيرها
وهذا هو الشاهد رقم [٦٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
الإعراب: ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل لا محل له، أو هو تأكيد لاسم (إنّ) على المحل؛ لأن محله في الأصل مبتدأ، وعليهما ف: ﴿النَّذِيرُ﴾ خبر (إنّ)، و ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، و ﴿النَّذِيرُ﴾ خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر.
(ما): مصدرية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر... إلخ. هذا؛ و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: آتيناك سبعا من المثاني، إيتاء كائنا مثل إنزالنا على المقتسمين؛ لأن ﴿آتَيْناكَ﴾ بمعنى: أنزلنا عليك.
وقيل: التقدير: متعناهم تمتيعا كما... إلخ، والمعنى: نعمنا بعضهم كما عذبنا بعضهم. وقيل:
التقدير: إنذارا مثل ما أنزلنا، فيكون وصفا لمصدر. وقيل: هو وصف لمفعول، التقدير: أنذركم عذابا مثل العذاب المنزل على المقتسمين. انتهى. أبو البقاء بتصرف. ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه وجوه:
الأول: الإتباع لما قبله على البدلية، أو على النعت. الثاني: منصوب على الذم بفعل محذوف.
الثالث: هو مرفوع على اعتباره مبتدأ خبره محذوف، التقدير: معذبون، أو يعذبون، ونحو ذلك، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿جَعَلُوا:﴾ ماض وفاعله وهو بمعنى: صيروا فلذا نصب مفعولين، والألف للتفريق. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عِضِينَ:﴾
стр. 2986
مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿جَعَلُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾
الشرح: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ:﴾ أقسم الله بنفسه: أنه يسأل هؤلاء المقتسمين الذين مرّ ذكرهم. ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الكفر، والمعاصي، والمنكرات. هذا؛ وقيل: يسألون عن قول لا إله الا الله، دليله ما رواه أنس بن مالك-﵁، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ..﴾. إلخ قال: عن قول: لا إله إلا الله. قال أبو عبد الله: معناه: عندنا:
عن صدق لا إله إلا الله، ووفائها، والتصديق بها، والعمل بمقتضاها، كما قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: ليس الإيمان بالتّحلّي، ولا الدّين بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «من قال لا إله إلاّ الله مخلصا دخل الجنّة». قيل:
يا رسول الله! وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم الله». رواه زيد بن أرقم-﵁. وانظر ما ذكرته من الاحتراس في الآية رقم [٣١] من سورة (الرعد).
قال القرطبي: والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع، ومحاسبتهم، كافرهم، ومؤمنهم.
وفي سؤال الكافر ومحاسبته خلاف بين العلماء، والذي يظهر سؤاله؛ لقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ،﴾ فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ وقال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ؟﴾. قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فيه. وقال ابن عباس-﵄-لا يسألهم سؤال استخبار، واستعلام، ولكن يسألهم سؤال تقريع، وتوبيخ، فيقول لهم:
لم عصيتم القرآن؟ وما حجتكم فيه؟. انتهى. بتصرف كبير. قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ..﴾. إلخ: أي: اجهر بالدعوة إلى الله، وإلى عبادته، وكان النبي ﷺ يدعو إلى الله مستخفيا في دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ حتى نزلت الآية الكريمة، فصعد على الصفا، ونادى: يا معشر قريش! فهرعوا إليه، فقال لهم: «لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟». قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا، فقال لهم: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اكفف عنهم، ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار
стр. 2987
دينك، وتبليغ رسالتك، ولا تكترث باستهزائهم، ولا تخف أحدا غيري، فإني أنا كافيك، وحافظك ممّن عاداك، وهو ما تفيده الآية التالية.
ويروى: أن النبي ﷺ قال لهم حين اجتمعوا إليه: «إنّ الرّائد لا يكذب أهله، وإنّي لو كذبت الناس جميعا؛ ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا؛ ما غررتكم، والله الّذي لا إله إلاّ هو إنّي لرسول الله، إليكم خاصّة، وإلى الناس كافّة! والله لتموتنّ كما تنامون ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسّوء سوءا! وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا». والرائد: هو الذي يرسله أهله ليبحث لهم عن مرعى، وماء لمواشيهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١٤] من سورة (الشعراء) إن أردت الزيادة.
هذا وفي قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ استعارة مكنية، فالمستعار منه: الزجاجة، والمستعار: الصدع، وهو الشق، والمستعار له هو إرشاد المكلفين من بني آدم، وهو من استعارة المحسوس للمعقول، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض، والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار، والاستبشار كما يظهر ذلك على ظاهر الزجاجة المصدوعة.
ويروى: أن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية؛ سجد، فقيل له: لم سجدت؟ فقال:
سجدت لبلاغة هذا الكلام.
الإعراب: ﴿فَوَ رَبِّكَ:﴾ الفاء حرف استئناف. الواو: حرف قسم وجر. (ربك): مقسم به مجرور، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَنَسْئَلَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نسألنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المنصوب منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما):
تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
عن الذي، أو عن شيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبار (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: عن عملهم. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). ﴿فَاصْدَعْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٨] (اصدع): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقل فيهما ما قلته في: ﴿عَمّا﴾. ﴿تُؤْمَرُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل
стр. 2988
مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تؤمر به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فاصدع بالأمر، وهذه الجملة لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَأَعْرِضْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنِ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾
الشرح: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ:﴾ بقمعهم، وإهلاكهم. قيل: كانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، فقد كانوا يبالغون في إيذاء النبي ﷺ ، والاستهزاء به، فقال جبريل ﵇-لرسول الله ﷺ : أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد، فمرّ بنبال، فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظما لأخذه، فأصاب عرقا في عقبه، فقطعه، فمات، وأومأ إلى أخمص العاص، فدخلت فيه شوكة، فانتفخت رجله، حتى صارت كالرّحى، ومات، وأشار إلى أنف عدي بن قيس، فامتخط قيحا، فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح برأسه الشجرة، ويضرب وجهه بالشّوك حتى مات، وإلى عيني الأسود بن المطلب، فعمي. انتهى بيضاوي بتصرف، وانظر (نا) في الآية رقم [٢٣] وانظر (كفى) في الآية رقم [٤٣] من سورة (الرعد). ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ:﴾ وهو ما اخترعوه، وابتدعوه من حجر وخشب وغيرهما. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا نزل بهم العذاب، ففيه وعيد وتهديد. هذا؛ والاستهزاء حرام قطعا كما بينته مرارا.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، وحذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كَفَيْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، والكاف مفعوله الأول، ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ:﴾ مفعوله الثاني:
منصوب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [٩١] ﴿يَجْعَلُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف خبر ثان، و ﴿مَعَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به. ﴿آخَرَ:﴾ صفة، وجملة:
﴿يَجْعَلُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف):
حرف استقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف للاختصار، أو للتعميم، وجملة: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع
стр. 2989
خبر ﴿الَّذِينَ﴾ على أحد الوجوه المعتبرة فيه، واقترنت الجملة بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧)﴾
الشرح: المعنى: نعلم: أنك يحصل لك ضيق في صدرك بسبب ما يقولون من تكذيب، واستهزاء، وقول فاحش، والطبيعة البشرية تأبى ذلك، فيحصل عند سماع ذلك ضيق، فعند ذلك أمره بالتسبيح، والعبادة فيما يلي.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] ﴿نَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن».
﴿أَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿يَضِيقُ:﴾ مضارع. ﴿صَدْرُكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر: ﴿عَمّا﴾ في الآية رقم [٩٣] فهما مثلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء يقولونه، وعلى اعتبار (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بقولهم، وجملة: ﴿يَضِيقُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل ﴿نَعْلَمُ﴾ وجملة: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: فصل بأمر ربك. وقال البيضاوي: فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بالتسبيح، والتحميد؛ يكفك، ويكشف الغمّ عنك. انتهى. ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أي: من المصلين، ولا خفاء: أن غاية القرب في الصلاة حال السجود، كما قال النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد، فأخلصوا الدّعاء». وكان عليه ألف صلاة، وأزكى سلام إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة. وقال بعض العلماء: إذا نزل بالعبد مكروه، ففزع إلى الصلاة، فكأنه يقول: يا رب إنما يجب عليّ عبادتك، سواء أعطيتني ما أحب، أو كفيتني ما أكره، فأنا عبدك، وبين يديك، فافعل بي ما تشاء! هذا؛ ويظن بعض الناس: أن هنا آية سجدة، يسن السجود عند تلاوتها، وليس كذلك.
الإعراب: ﴿فَسَبِّحْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٦٨] (سبح): أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: ملتبسا بحمد، و (حمد): مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿فَسَبِّحْ..﴾. إلخ لا محل
стр. 2990
لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. (كن): فعل أمر ناقص، واسمه مستتر فيه تقديره: «أنت»، ﴿مِنَ السّاجِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (كن)، وجملة: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها.
﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾
الشرح: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ:﴾ دم على عبادته في جميع الأوقات، وجميع الأحوال، وانظر شرح «العبادة» في الآية رقم [٦٢] من سورة (هود) ﵇، وشرح: ﴿رَبَّكُمْ﴾ في الآية رقم [٣] منها. ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه كلّ حيّ مخلوق، وكان عمر بن عبد العزيز-﵁-يقول: ما رأيت يقينا أشبه بالشّكّ من يقين النّاس بالموت: ثمّ لا يستعدّون له. هذا وروى البغوي بسنده عن جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني: أنه سمعه يقول: إن النبي ﷺ قال: «ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال، وأكون من التّاجرين، ولكن، أوحى إليّ أن سبّح بحمد ربّك، وكن من السّاجدين، واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (اعبد): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿رَبَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر. ﴿يَأْتِيَكَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والكاف مفعول به.
﴿الْيَقِينُ:﴾ فاعله: و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على الهادي، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
انتهت سورة (الحجر) بعونه تعالى تفسيرا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين
**
стр. 2991
سورة النّحل
وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده، وهي مكية غير قوله تعالى:
﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ؛ فإنها نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بالحمزة، وقتلى أحد-﵃ أجمعين-وغير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا..﴾.
إلخ الآية رقم [١١٠]، وغير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا..﴾. إلخ. وقيل:
هذه مكية نزلت بشأن هجرة الحبشة. وقيل: غير ذلك، وآياتها مائة وثمان وعشرون، وكلماتها ألفان وثمانمائة وأربعون، وحروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف.
تنبيه: انظر شرح الاستعاذة والبسملة وإعرابهما في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وأزكى سلام. روي عن إبراهيم بن حيان أنه حينما احتضر قيل له: أوص، فقال: إنما الوصية من المال، ولا مال لي، ولكني، أوصيكم بخواتم سورة (النحل).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١)﴾
الشرح: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ أي: عقابه لمن أقام على الشك، وتكذيب رسوله ﷺ . ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي: فلا تستعجلوا عقابه، وكان الكفار يستعجلون العقاب استهزاء وسخرية، حتى قال النضر بن الحارث: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). وقيل المراد بأمر الله: يوم القيامة. قال ابن عباس-﵄: لما نزل قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال الكفار: إن الرجل يزعم: أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا، وانتظروا، فلم يروا شيئا، فقالوا: ما نرى شيئا، فنزل قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ فأشفقوا، وانتظروا قرب الساعة، فلم يروا شيئا، فقالوا: ما نرى شيئا، فنزل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ فوثب رسول الله ﷺ ، والمسلمون، وخافوا، فنزل ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فقال النبي ﷺ : «بعثت أنا والسّاعة كهاتين». وأشار بإصبعيه: السبابة والتي تليها. أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد. ﴿وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزه الله تعالى، وتعاظم بالأوصاف الحميدة،
стр. 2992
والأفعال المجيدة عما يصفه المشركون به، أو تنزه، وتبرأ من أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بالمشركين من عذاب، وعقاب. هذا؛ و (تعالى) يأتي منه مضارع، ولا يأتي منه أمر، فهو ناقص التصرف.
بعد هذا ف: «أتى» يستعمل لازما؛ إذا كان بمعنى: حضر، وأقبل، وقرب، كما في هذه الآية، ويستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وعبر سبحانه بالماضي عن المستقبل لتحقّق وقوعه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم) ﵊، وفي الآية الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢] ويقرأ: «تشركون» بالتاء، فلا يكون في الآية التفات.
تنبيه: لقد نهى الله النبي ﷺ وأصحابه عن استعجال الشيء قبل أوانه، أو هو نهي للكفار، عن استعجال طلب العقاب، والعذاب، بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٣٣] من سورة (آل عمران) وقال ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ، الآية رقم [٢١] من سورة (الحديد) كما وصف أنبياءه بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»؛ لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة منه، كما أن هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداة الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ؛ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضيف؛ إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذي. وجاء في الشعر العربي الحث على العجلة، قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط]
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
واختصره سلم الخاسر، فقال: [مخلع البسيط]
من راقب النّاس مات همّا... وفاز باللّذّة الجسور
ونسب للأعشى، ولغيره ما يلي: [البسيط]
وربّما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي، وكان الحزم لو عجلوا
وقال آخر: [البسيط]
وربّما ضرّ بعض النّاس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا
هذا و ﴿سُبْحانَهُ﴾ اسم مصدر. وقيل: مصدر مثل «غفران»، وليس بشيء؛ لأن الفعل «سبح» بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله،
стр. 2993
مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى: التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع]
قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر
وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ذو النون ﵇: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين: الألف، والنون. ومعناه: التنزيه والبراءة لله من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، ولا يصلح لغيره، وقد روى طلحة الخير بن عبيد الله أحد العشرة-﵁: أنه قال للنبي ﷺ : ما معنى سبحان الله؟ فقال:
«تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله مكان قولك: تنزيها لله.
الإعراب: ﴿أَتى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿أَمْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها.
﴿فَلا﴾ الفاء: حرف عطف على قول من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، قال ابن هشام: هي للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (لا): ناهية جازمة.
﴿تَسْتَعْجِلُوهُ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك لا بد واقعا؛ فلا تستعجلوه.
﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافة المصدر لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الفعلية الحاصلة منه، ومن فعله المحذوف مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَتَعالى:﴾
ماض، وفاعله يعود إلى الله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿عَمّا:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو ب: «سبحان»، أو بفعله المحذوف على التنازع، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: «عن»، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط، محذوف؛ إذ التقدير:
عن الذي، أو عن شيء يشركونه مع الله، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: «عن»، التقدير: تعالى الله عن شركهم. تأمل، وتدبر.
стр. 2994
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾
الشرح: ﴿يُنَزِّلُ:﴾ بضم الياء وتشديد الزاي، وقرئ بتخفيفها، وقرئ بتاء المضارعة مفتوحة، وتخفيف الزاي ورفع الملائكة، وقرئ «(تنزل)» والأصل تتنزل، فحذفت إحدى التاءين، وقرئ «(تنزّل)» بالبناء للمجهول، وقرئ «(ننزل)» ﴿بِالرُّوحِ﴾ أي: بالوحي والنبوة، أو بالقرآن، فإنه يحيي القلوب الميتة بالجهل، أو إنه يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، ونظير الأول: قوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي: الوحي، والنبوة؛ أي: يخص من يشاء بالنبوة، وعلى الاعتبارين في الكلام استعارة تصريحية بجامع: أنّ الروح بها إحياء البدن، والوحي والنبوة والقرآن به إحياء القلوب من الجهالات. وقيل: أي بالرحمة. وقال أبو عبيدة:
الروح هنا: جبريل ﵇، والباء بمعنى: «مع»؛ أي: مع الروح. ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: بأمره، ف: ﴿مِنْ﴾ بمعنى: الباء، وهو كثير في كتاب الله تعالى، كما تأتي الباء بمعنى: «من»، ويسمى مثل هذا ب: «التقارض»، والتعاوض. ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي: على من يختاره الله للنبوة والرسالة. ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أي: أعلموا من: نذرته بكذا إذا أعلمته. ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ أي: فخافون، وفي الآية التفات ظاهر واضح، وانظر الآية رقم [٤٣] من سورة (الرعد).
بعد هذا انظر شرح: ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد). و ﴿يَشاءُ﴾ ماضيه شاء، فلم يرد له أمر، ولا ل: «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل «شاء» شيء على فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول «أراد» حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخريمي: [الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك. (اتقون): أمر من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال، أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة).
الإعراب: ﴿يُنَزِّلُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾
مفعول به، وانظر، أوجه القراءات في الشرح. ﴿بِالرُّوحِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الملائكة. ﴿مِنْ أَمْرِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الروح)، والهاء
стр. 2995
في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلى مَنْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُنَزِّلُ،﴾ و ﴿مِنْ﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ وجملة: ﴿يَشاءُ﴾ صلة ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: على الذي، أو على شخص يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿أَنْ:﴾ مفسرة، وأجيز اعتبارها مصدرية، كما أجيز اعتبارها مخففة من الثقيلة. ﴿أَنْذِرُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، لا محل له.
﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، وثانيها: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها مع ما بعدها في محل رفع بالابتداء، وثالثها: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَنْذِرُوا..﴾. إلخ مفسرة ل: (الروح) على اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول ما بعدها بمصدر في محل جر بدلا من (الروح)، أو في محل نصب بنزع الخافض، وعلى اعتبارها مخففة من الثقيلة، فاسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، وتؤول مع اسمها وخبرها بمصدر محله مثل التقدير الأول. ﴿فَاتَّقُونِ:﴾ الفاء: الفصيحة. (اتقون): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. والنون للوقاية. وياء المتكلم المحذوفة مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا فاتقون، وانظر الآية السابقة، وجملة: ﴿يُنَزِّلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها على جميع أوجه القراءات، ما عدا القراءة (ينزل) فإنه يجوز اعتبارها حالا أيضا من لفظ الجلالة، والرابط: رجوع الفاعل إليها كما رأيت. تأمل، وتدبر.
﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿خَلَقَ:﴾ أنشأ وأوجد، والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير: والجعل فيه معنى التضمين؛ ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق؛ لأن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات والأرض بالخلق، وخصهما جلت قدرته بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون
стр. 2996
الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض. وأيضا؛ لأنها بمنزلة الذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر. ﴿تَعالى:﴾ تنزه، وتعاظم، ومضارعه:
يتعالى، وليس له أمر، فهو ناقص التصرف، وأما «تعالوا» فهو بمعنى: أقبلوا.
الإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ،﴾ وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية.
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾
الشرح: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ:﴾ أوجده، وأنشأه. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ هي ماء الرجل، والمرأة الحاصل منهما عند الجماع، وجمعها: نطف، ونطاف، مثل: برمة، وبرم وبرام، والنطفة: أيضا الماء الصافي، قل، أو كثر. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ:﴾ مخاصم بالباطل، ومجادل بالزور، والبهتان.
﴿مُبِينٌ﴾ أي: بين الخصومة، حيث ينكر البعث، والحساب، والجزاء يوم القيامة. هذا؛ وقد قيل: إن الآية نزلت في أبيّ بن خلف، وكان ينكر البعث، فجاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم، فقال له: تزعم أن الله يحيي هذا العظم بعد ما رمّ؟! فنزلت فيه هذه الآية، ونزل فيه أيضا الآية رقم [٧٧] و [٧٨] من سورة (يس)، والصحيح أن الآية هنا عامة في كل ما يقع من الخصومة في الدنيا، ويوم القيامة، وآيتي (يس) هي الخاصة بذلك الكافر المعاند. هذا؛ وانظر شرح:
﴿مُبِينٌ﴾ وإعلاله في الآية رقم [١] من سورة (الحجر).
أما ﴿الْإِنْسانَ﴾ فإنه يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة: «شخص» قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة، الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في ﴿الْإِنْسانَ﴾ إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة العصر. هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة وسط السواد.
الإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾ غير مستبعد، وجملة: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني، والفارسي، وجماعة: هي زائدة للتأكيد؛ لأن إذا الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت
стр. 2997
في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جنّي. وقال مبرمان، وابن جني: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها، واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع ثم موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. همع الهوامع؛ أي: فهي للسببية المحضة، وبه قال ابن هشام في المغني.
(إذا): كلمة دالة على المفاجأة، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها: الحال، لا الاستقبال، نحو: «خرجت فإذا الأسد بالباب» وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجّحه: «خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب» لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج والزمخشري، وزعم الأخير أنّ عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت؛ فإذا زيد جالس»، أو المقدر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر فعاملها: مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر معها في القرآن إلا مصرحا به. انتهى مغني بتصرف. ﴿هُوَ خَصِيمٌ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿خَصِيمٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها، وهي معطوفة على ما قبلها، على اعتبار (إذا) حرفا، وانظر آية (الأعراف) رقم [١٠٧].
تنبيه: قال أبو البقاء: إن قيل: الفاء تدل على التعقيب، وكونه خصيما؛ لا يكون عقيب خلقه من نطفة. فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه أشار إلى ما يؤول حاله إليه، فأجري المنتظر مجرى الواقع، وهو من باب التعبير بآخر الأمر عن أوله، كقوله تعالى حكاية عن قول الساقي:
﴿أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ الآية رقم [٣٦] من سورة (يوسف) ﵇، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً﴾ أي: سبب الرزق، وهو المطر، والثاني: إنه إشارة إلى سرعة نسيانهم مبدأ خلقهم،. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥)﴾
الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله : أنه خلق السموات والأرض، ثم أتبعه بخلق الإنسان: ذكر بعده ما ينتفع به في سائر ضروراته، ولمّا كان أعظم ضرورات الإنسان إلى الأكل، واللباس؛ اللذين يقوم بهما بدن الإنسان؛ بدأ بذكر الحيوان المنتفع به في ذلك، وهو الأنعام، فقال: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها﴾ وهي الإبل، والبقر، والغنم. انتهى.
ثم قال: ولمّا كانت منافع هذه الأنعام منها ضرورية، ومنها غير ضرورية، بدأ الله بذكر المنافع الضرورية، فقال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ وهو ما يستدفئ به من اللباس، والأكسية، ونحوها المتخذة من الأصواف، والأوبار، والأشعار الحاصلة من النّعم. وفي المختار: الدفء: نتاج
стр. 2998
الإبل، وألبانها، وما ينتفع به منها، قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ وفي الحديث «لنا من دفئهم ما سلّموا بالميثاق». وهو أيضا: السخونة، اسم من دفئ الرجل من باب سلم، وطرب، وهو أيضا ما يدفئ، ورجل دفئ (بالقصر) ودفئان (بالمد) وامرأة دفأى ويوم دفيء بالمد، وبابه ظرف، وليلة دفيئة أيضا، وكذا الثوب والبيت، فظهر: أنّ للدفء ثلاثة معان ١ - ما يتحصل من الإبل من نتاج، ولبن، ومنافع ٢ - السخونة، وهي ضد البرودة ٣ - ما يتدفأ به من الثياب.
﴿وَمَنافِعُ﴾ أي: ما ينتفع به من نسلها، ودرها، وركوبها، والحمل عليها. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها، وشحومها، وألبانها.
تنبيه: واحد (الأنعام): نعم، وهو يطلق على الإبل خاصة، فيكون الجمع من باب تغليب الإبل على البقر، والغنم. والأنعام تؤنث كما في هذه الآية، والتي بعدها، وتذكر كما في الآية رقم [٦٦] الآتية، انظر شرحها هناك.
الإعراب: ﴿وَالْأَنْعامَ:﴾ معطوف على ﴿الْإِنْسانَ،﴾ أو هو منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره ما بعده. ﴿خَلَقَها:﴾ ماض: والفاعل يعود إلى (الله). و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (الأنعام) على الوجه الأول فيها، ولا محل لها؛ لأنها مفسرة على الوجه الثاني: في (الأنعام) وتكون الجملة المقدرة معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، فتكون الجملة الاسمية:
﴿فِيها دِفْءٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز تعليق ﴿لَكُمْ﴾ بمحذوف خبر مقدم، و ﴿دِفْءٌ﴾ مبتدأ مؤخر، فيكون ﴿فِيها﴾ متعلقين بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف المقدر، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿دِفْءٌ﴾ غير مسلّم عند من لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ.
(منافع): معطوف على ما قبله. ﴿وَمِنْها:﴾ الواو: حرف عطف. (منها): متعلقان بما بعدهما.
﴿تَأْكُلُونَ:﴾ مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الخطاب للعرب خاصة، وإن كان يشمل جميع بني آدم؛ لأن العرب، ولا سيما في الجاهلية كانوا يعتمدون في معاشهم على الحيوانات، ولذا كانوا ينتجعون فيها مساقط الغيث، ويجوبون فيها الصحارى؛ طلبا للماء، والمرعى. ﴿فِيها جَمالٌ:﴾ زينة. ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي: تردونها من مراعيها إلى مراحها في العشي. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ:﴾ تخرجونها في الصباح، إلى المراعي، فإن أفنية البيوت تتزين بها في الوقتين، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها، وتقديم الإراحة؛ لأن الجمال فيها أظهر؛ لأنها تقبل ملأى البطون، حافلة الضروع، ثم
стр. 2999
تأوي إلى الحظائر، فيزداد فرح أهلها بها، بخلاف تسريحها إلى المرعى، فإنها تخرج جائعة البطون، ضامرة الضروع، ثم تأخذ في التفرق، والانتشار إلى الرعي في البرية، فيظهر من هذا:
أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح، فاستحقت التقديم. هذا؛ وقرئ: «(حينا)» بالتنوين، وانظر شرح «الحين» في الآية رقم [٢٥] من سورة (إبراهيم) ﵇.
تنبيه: الجمال يكون في الصورة، وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق الباطنة، ويكون في الأفعال، فأما جمال الخلقة، فهو أمر يدركه البصر، ويلقيه إلى القلب متلائما، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك، ولا نسبته لأحد من البشر، وأما جمال الأخلاق، فكونها على الصفات المحمودة من العلم، والحكمة، والعدل، والعفة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير لكل أحد، وأما جمال الأفعال؛ فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق، وقاضية لجلب المنافع فيهم، وصرف الشر عنهم، وجمال الأنعام، والدواب من جمال الخلقة، وهو مرئي بالأبصار، موافق للبصائر، ومن جمالها: كثرتها، وقول الناس إذا رأوها: هذه نعم فلان. انتهى. قرطبي. نقلا عن السدي.
الإعراب: ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ والجملة الاسمية الحاصلة معطوفة على هذه أيضا. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة ﴿جَمالٌ﴾. ﴿تُرِيحُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها، وعلى قراءة ﴿حِينَ﴾ بالتنوين فالجملة الفعلية صفة له، وما بعدها معطوف عليها، وإعرابه واضح، لا خفاء فيه، ومفعول الفعلين محذوف للاختصار.
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ:﴾ (الأثقال) جمع: ثقل، وهو متاع المسافر، وما يحتاج إليه من آلات السفر. والأثقال: الأوزار، والسيئات؛ لأنها تثقل الإنسان، وتورث له المشقة، والعذاب الأليم في نار الجحيم، قال تعالى في حق الكافرين الداعين المؤمنين إلى الكفر:
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾. ﴿إِلى بَلَدٍ﴾ أي: غير بلدكم، وحمله على العموم أولى؛ وإن قال ابن عباس-﵄: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى الشام.
﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ:﴾ واصلين إلى ذلك البلد الذي تقصدونه. ﴿إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ أي:
بالمشقة، والجهد، والعناء، والتعب. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ﴾ أي: بكم؛ حيث فتح لكم باب التوبة، والاعتذار، وكلفكم بالعبادات، والجهاد، فعرضكم لثواب الغزاة، والشهداء، وسخّر لكم الحيوانات؛ لتستعملوها في قضاء حوائجكم، ونقل أثقالكم من بلد إلى بلد. هذا؛ والرأفة:
стр. 3000
أشد الرّحمة، و (رءوف) صيغة مبالغة، فالله أرأف بعباده من الوالدة بولدها، ومن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته: أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن رأفته أشياء كثيرة يعسر حصرها، وعدّها، وهي معلومة عند ذوي الألباب. ﴿رَحِيمٌ:﴾ صيغة مبالغة، وانظر شرح البسملة في أول سورة (يوسف) ﵇، وانظر شرح: ﴿الْأَنْفُسِ﴾ في الآية رقم [٥٣] منها أيضا.
هذا ويقرأ ﴿بِشِقِّ﴾ بكسر الشين وفتحها، وهما لغتان، مثل رق، ورق، وجص، وجص، ورطل ورطل، وقد رأيت شرحه، ويأتي بمعنى: النصف، يقال: أخذت شق الشاة وشقة الشاة، والشق أيضا: الناحية من الجبل، وهو أيضا الأخ الشقيق، يقال: هو أخي، وشق نفسي، وشق:
اسم كاهن من كهان العرب، والشق أيضا: الجانب. هذا؛ وقال الليث: «البلد» كل موضع من الأرض، عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة منه: بلد، والجمع: بلاد، زاد غيره: والمفازة تسمى: بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن، قال الأعشى: [البسيط]
وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ بالليل في حافاتها زجل
وقال جران العود: [الرجز]
وبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس
تنبيه: لقد امتن الله على عباده بالأنعام عموما، وخص الإبل هنا بالذكر في حمل الأثقال على سائر الأنعام، فإن الغنم للسرح، والذبح، والبقر للحرث، والإبل للحمل، ولا سيما في الصحارى، والقفار. هذا؛ وكان الجمل يسمى سفينة الصحراء، ولكن في هذه الأيام لم يبق للإبل وزن في حمل الأثقال، وإنما صار ذلك للحديد، والنار، وكذلك الحرث لم يعد من عمل البقر، فقد قام الحديد، والنار مقامه في ذلك أيضا.
الإعراب: ﴿وَتَحْمِلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (تحمل): مضارع، والفاعل مستتر تقديره:
«هي» يعود إلى الإبل المفهومة من (الأنعام). ﴿أَثْقالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى بَلَدٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾
مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿بالِغِيهِ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ في محل جر صفة ﴿بَلَدٍ،﴾ وجملة: ﴿وَتَحْمِلُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:
﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿بِشِقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في بالغيه؛ أي: شاقا على
стр. 3001
الأنفس. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿وَالْخَيْلَ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع على: خيول، والخيل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إذا كانت لغير الآدميين. مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل، وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها؛ أي: فإنها تمشي مشية المختال؛ أي: المتكبر.
﴿وَالْبِغالَ:﴾ جمع: بغل، ومؤنثه: بغلة، وهو حيوان معروف، مركب من الفرس والحمار، ولذلك كان له صلابة الحمار، وعظم الخيل، وهو لا نسل له، أبوه الحمار، وأمّه الفرس، وإن كان بالعكس فهو «النّغل» بالنون، وهو دون البغل في الجثة والعظم.
روى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن عليّ بن أبي طالب-﵁-أن البغال كانت تتناسل، فدعا عليها إبراهيم ﵊؛ لأنها كانت تسرع في نقل الحطب لنار المنجنيق، فقطع الله نسلها، والبغل شرس الطباع؛ لأنه وجد به الأعراق المتضادة، والأخلاق المتباينة، والعناصر المتباعدة، وكل عضو منه متوسط بين الفرس، والحمار. ﴿وَالْحَمِيرَ:﴾
جمع: حمار، وهو معروف، يكون وحشيا، ويكون أهليا، وأنثاه أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على: حمير: وحمر، وحمور، وحمرات، وكلّها للكثرة، ويجمع جمع قلة على أحمرة، قال الراعي النميري، أو القتّال الكلابي: [البسيط]
هنّ الحرائر لا ربّات أحمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور
وحمير ورد في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وحمر ورد في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ والحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرّة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض، وقد أطال الدميري الكلام فيه.
﴿لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ أي: خلق الخيل، والبغال، والحمير للركوب، والزينة مع المنافع الأخرى المستفادة منها، كحمل الأثقال، والتناسل. ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ ذكر المفسرون من ذلك أنواع الحشرات، والهوام الموجودة في أسافل الأرض، والبر، والبحر، ممّا لم يره البشر،
стр. 3002
ولم يسمعوا به. وقيل: ممّا أعده الله في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها، ممّا لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب بشر.
أقول: وخلق الله ممّا كانوا لا يعلمون السيارات، والطائرات، وغير ذلك مما نراه في هذه الأيام، وهو معدّ للركوب، وللزينة، بل لقد قضى ذلك على الاستفادة من جميع تلك الحيوانات في الحرث، والحمل، والركوب، كما هو مشاهد لكل إنسان، وخلق الله ذلك بتعليمه الإنسان صنع السيارات... إلخ، والجمال، والزينة المستفادان من الحيوانات؛ وإن كانا من متع الدنيا؛ فقد أذن الله لعباده فيهما، فقد قال النبي ﷺ : «الإبل عزّ لأهلها، والغنم بركة، والخيل في نواصيها الخير». خرجه البرقاني، وابن ماجة في السنن.
قال الخازن-رحمه الله تعالى: احتج بهذه الآية من يرى تحريم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس-﵄-وتلا هذه الآية. وقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم، ومالك، وأبو حنيفة، ﵏! واستدلوا أيضا بأن منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، فلمّا لم يذكره الله تعالى؛ علمنا تحريم أكله، فلو كان أكل لحوم الخيل جائزا؛ لكان هذا المعنى أولى بالذكر؛ لأن الله خصّ الأنعام بالأكل حيث قال: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ وخصّ هذه بالركوب، فقال: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ فعلمنا: أنها مخلوقة للركوب، لا للأكل.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى إباحة أكل لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الإمام الشافعي-وأحمد، وإسحاق-﵃ أجمعين-: واحتجوا على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق-﵄-أنها قالت: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا، فأكلناه. وفي رواية قالت: ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا، ونحن بالمدينة، فأكلناه. أخرجه البخاري، ومسلم.
وعن جابر بن عبد الله-﵄-أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل. متفق عليه، وفي رواية قال: أكلنا زمن خيبر لحوم الخيل، وحمر الوحش، ونهى النبي ﷺ عن الحمار الأهلي. هذه رواية البخاري، ومسلم، وفي رواية أبي داود قال:
(ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير، وكنا قد أصابتنا مخمصة، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال، والحمير، ولم ينهنا عن الخيل. وأجاب من أباح لحوم الخيل عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة، لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك، وإنما خصّ هاتان المنفعتان بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود. قالوا: ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل، مع قوله في (الأنعام): ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ﴾ ولم يلزم من هذا التحريم حمل الأثقال على الخيل.
وقال البغوي: ليس المراد من الآية بيان التحليل، والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته، وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم
стр. 3003
الخيل أن السنة مبينة للكتاب، ولما كان نص الآية يقتضي: أن الخيل، والبغال، والحمير مخلوقة للركوب، والزينة، وكان الأكل مسكوتا عنه؛ دار الأمر فيه على الإباحة، والتحريم، فوردت السنة بإباحة لحوم الخيل، وتحريم لحوم البغال، والحمير، فأخذنا بها جمعا بين النّصين. والله أعلم. انتهى بحروفه.
الإعراب: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الأنعام) أي: وخلق الخيل... إلخ، ﴿لِتَرْكَبُوها:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (خلق) في الآية رقم [٥] وقيل: في موضع نصب مفعول لأجله، ولا وجه له؛ لأنه لم يسمع مثله. (زينة):
مفعول به لفعل محذوف؛ أي: وجعلها زينة، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: ولتتزينوا بها زينة، ويجوز أن يكون مفعولا لأجله؛ أي: للزينة، ويقرأ بغير واو، وفيه الوجوه المذكورة، وفيه: وجهان آخران: أحدهما: أن يكون مصدرا في موضع الحال من الضمير في (تركبوا)، والثاني: أن يكون حالا من الهاء؛ أي: لتركبوها تزينا بها. انتهى. عكبري بتصرف. (يخلق):
مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ويخلق الذي، أو شيئا لا تعلمونه، وجملة: ﴿وَيَخْلُقُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الوجهين.
﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ:﴾ القصد: استقامة الطريق، يقال: طريق قصد، وقاصد:
إذا أدّاك إلى مطلوبك، وفي الكلام حذف؛ إذ الأصل: وعلى الله بيان قصد السبيل، وهو بيان طريق الهدى من الضلالة؛ أي: بواسطة الرسل، والبراهين، وانظر شرح ﴿السَّبِيلِ﴾ في الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ أي: ومن السبل سبيل معوج، وخارج عن الاستقامة، فالمستقيم من السبل هو دين الإسلام، والجائر منها دين اليهودية، والنصرانية، وسائر ملل الكفر، قال تعالى في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام): ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ انظر شرحها هناك، وخذ قول امرئ القيس: [الكامل]
ومن الطّريقة جائر وهدى... قصد السّبيل ومنه ذو دخل
стр. 3004
هذا وقرئ: «(ومنكم جائر)» على الخطاب. ﴿وَلَوْ شاءَ﴾ أي: هدايتكم إلى الطريق المستقيم.
﴿لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: ولكنه لم يشأ هدايتكم، وانظر الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَعَلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(عَلَى اللهِ):﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿قَصْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ -و ﴿جائِرٌ﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي:
ومنها سبيل-جائر معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والمفعول محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَهَداكُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (هداكم): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد للضمير المنصوب منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة: ﴿لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي: الله هو الذي ينزل من السحاب، أو من جانب السماء ماء، وهو من أعظم النعم على العباد، وانظر إعلال ﴿السَّماءِ﴾ وشرحه في الآية رقم [٢٢] من سورة (الحجر). ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ﴾ أي: تشربونه، وهذا الماء لا يشرب منه مباشرة في الأكثر بل بعد تخزينه في الأرض، ثم يتفجر منه العيون والآبار، لقوله تعالى:
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ أي: ينبت بسببه الشجر، والمراد به هنا الكلأ الذي ترعاه الماشية. وقيل: المراد به ما ترعاه الماشية من أوراق الشجر؛ لأن الإبل ترعى كل الشجر. وقيل: كل ما ينبت من الأرض يقال له: شجر، قال الشاعر: [الرجز]
نعلفها اللّحم إذا عزّ الشّجر... والخيل في إطعامها اللّحم ضرر
﴿فِيهِ تُسِيمُونَ:﴾ ترعون مواشيكم، يقال: أسمت الماشية: إذا خليتها ترعى، وسامت؛ إذا رعت حيث شاءت، فالفعل ﴿تُسِيمُونَ﴾ من الرباعي، و «سائمة» اسم مفعول، قال السيوطي: لم يأت اسم المفعول من أفعل على فاعل، إلا في حرف واحد، وهو قول العرب: أسمت الماشية من المرعي، فهي سائمة، ولم يقولوا: مسامة.
стр. 3005
هذا والسّوم الرّعي بلا ثمن، وهو شرط لوجوب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم، كما هو معروف في الفقه الإسلامي.
بعد هذا، فأصل «ماء»: موه بفتح الميم والواو، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار: «ماه» فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي؛ قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه، ومياه، وتصغيره: مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها، في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور وثيرة، ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع، به حياة كل نام. وقيل في حده: جوهر سيّال به قوام الأرواح. بعد هذا خذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل]
شربن بماء البحر، ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج
فهو يصف السحاب على اعتقاد العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن، من أن السحاب؛ أي: الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء الله العلي القدير، وأما عند أهل السنّة، فيقولون: إن أصله من الجنّة، يأتي به المولى المتعالي من السحاب من خروق فيها كخروق الغربال.
وأقول: إن ما ينزل من السماء من مطر، بعضه من ماء البحار المالحة الأرضية، وبعضه من خزائن القدرة، على أن الأول: لا ينبت، وإنما الإنبات والخصب في الثاني، وعلامة الأول:
أنه ينزل غزيرا، كأنما ينصب من أفواه قرب، وأما ما يقوله الدّهريون الملحدون: إن الطبيعة تمطر، فهو كفر صراح؛ أي: خالص.
الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها، صار حالا» ﴿السَّماءِ:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف صفة ﴿السَّماءِ،﴾ وقول ثالث، متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف على اعتبار ﴿لَكُمْ﴾ متعلقين به، وأجيز تعليقهما ب: ﴿شَرابٌ﴾ بعدهما، وقول ثالث: متعلقان بمحذوف خبر مقدم على الوجهين الأولين في: ﴿لَكُمْ﴾. ﴿شَرابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، وأما الجملة الاسمية: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ﴾ فهي في محل نصب صفة ﴿السَّماءِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ:﴾ معطوفة على ما قبلها على الوجهين
стр. 3006
المعتبرين فيها. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تُسِيمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف؛ أي: أنعامكم، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿شَجَرٌ﴾.
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله في الآيات السابقة المنافع في الحيوان تفصيلا، وإجمالا؛ ذكر في هذه الآية المنافع في النباتات تفصيلا، وإجمالا، فبدأ بذكر الزرع، وهو الحب الذي يقتات به كالحنطة، والشعير، وما أشبههما؛ لأن به قوام بدن الإنسان، وثنى بذكر الزيتون؛ لما فيه من الأدم، والدهن، والبركة، وثلّث بذكر النخيل؛ لأن ثمرتها غذاء، وفاكهة، وختم بذكر الأعناب؛ لأنها شبه النخلة في المنفعة من التفكه، والتغذية، ثم ذكر سائر الثمار لينبه بذلك على عظيم قدرته، وجزيل نعمته على عباده. انتهى. خازن. وقد ذكر الله مثل ذلك في الآية رقم [١٤١] من سورة (الأنعام)، وبيّن تفضيل بعضها على بعض في الأكل مع كونها تشرب بماء واحد في الآية رقم [٤] من سورة (الرعد)، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته بشأن النخلة في الآية رقم [٢٤ - ٢٥] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ ختم الله هذه الآية بالتفكر؛ لأن النظر في ذلك، يعني: إنبات النبات بالماء يحتاج إلى مزيد تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى: أنّ الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض، ومرّ عليها مقدار من الزمن مع رطوبة الأرض، فإنها تنتفخ، وينشق أعلاها، فيصعد منها شجرة إلى الهواء، وأسفلها تغوص منه عروق في الأرض، ثم ينمو الأعلى ويقوى، وتخرج منه الأوراق، والأزهار، والأكمام، والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطباع والطعوم والألوان والروائح، والأشكال والمنافع، ومن تفكر في ذلك؛ علم: أن من هذه أفعاله، وآثاره، لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال، فضلا عن أن يشاركه أخس الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية، واستحقاق العبادة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وختم الآية الثانية بالعقل؛ لأن العلويات أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. وختم الثالثة بالتذكر؛ ليرى الناس: أن اختلاف المخلوقات في الطبائع، والهيئات، والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم. انتهى. جمل من هنا وهناك. ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ،﴾ وآية (البقرة) رقم [١٦٤] فيها لفت النظر إلى جميع ما صنع الله في الأرض، والسماء، وانظر شرح التفكر في الآية رقم [٣] من سورة (الرعد).
الإعراب: ﴿يُنْبِتُ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ وقرئ «(ننبت)» فيكون الفاعل مستترا تقديره: «نحن»، ويكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد). ﴿لَكُمْ بِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الزَّرْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه.
стр. 3007
﴿وَمِنْ كُلِّ:﴾ معطوفان على محل ﴿الزَّرْعَ،﴾ و (من) للتبعيض؛ أي: وبعض الثمرات؛ لأن كلها لا تكون إلا في الجنة، وجملة: ﴿يُنْبِتُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي:﴾ حرف جر، ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: «في»، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، واللام لام الابتداء. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آية). ﴿يَتَفَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة قوم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ:﴾ انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم) ﵇، ﴿مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ:﴾ مذللات لمصالح العباد ومنافعهم بأمر الله وقضائه وحكمته الأبدية. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: انظر ما ذكرته في الآية السابقة، وانظر: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (يوسف) ﵇.
الإعراب: ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): ماض وفاعله يعود إلى (الله).
﴿لَكُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه حيث قرئ بنصب كل الأسماء، و ﴿مُسَخَّراتٌ:﴾ حال مؤكدة منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ ويقرأ برفع «(الشمس)» وما بعده على الابتداء و ﴿مُسَخَّراتٌ:﴾ خبر عن الثلاثة، كما قرئ بنصب ﴿(الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)﴾ بعطفهما على ما قبلهما، ورفع ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ على المبتدأ والخبر، وعلى قراءة الرفع فالجملة الاسمية بنوعيها في محل نصب حال من فاعل: (سخر) المستتر، والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وقرئ برفع ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ وحده على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي مسخرات، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة:
﴿يُنْبِتُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ انظر الآية السابقة، ففيها الكفاية.
﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: وسخر لكم ما خلق الله في الأرض من دواب، وأشجار، وأنهار، وبحار، وجبال... إلخ، ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ﴾ أي: في الخلقة، والهيئة،
стр. 3008
والكيفية، واختلاف ألوان المخلوقات مع كثرتها؛ حتى لا يشبه بعضها بعضا من كل الوجوه. فيه دليل قاطع على كمال قدرة الله، ولذلك ختم الله الآية بطلب التذكر، والاعتبار، لعلهم يعتبرون.
بعد هذا انظر شرح: ﴿لَآيَةً﴾ في سورة (الحجر) رقم [١] أما (قوم) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر]
وما أدري-وسوف إخال أدري-... أقوم آل حصن، أم نساء؟
وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إنّ كل لفظ (قوم) في القرآن الكريم، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون معطوفة على الليل... إلخ، فهي في محل نصب أيضا. ﴿ذَرَأَ﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الله). وقال أبو البقاء: (ما) منصوبة بفعل محذوف، تقديره: وخلق، أو وأنبت. ﴿لَكُمْ فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُخْتَلِفاً:﴾ حال من (ما). ﴿أَلْوانُهُ:﴾ فاعل فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿ذَرَأَ..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وخلق الذي، أو شيئا ذرأه... إلخ، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١١] ففيها الإعراب واضح، إن شاء الله تعالى.
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله الدلائل، الدالة على قدرته، ووحدانيته من خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان من نطفة، وخلق سائر الحيوان، والنبات، وتسخير الشمس، والقمر، والنجوم، وغير ذلك، وذكر إنعامه في ذلك على عباده؛ ذكر بعد ذلك إنعامه على عباده بتسخير البحر لهم، ومعنى تسخيره لهم: تذليله بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به، إما بالركوب على ظهره، أو بالغوص فيه، أو الصيد منه، وبدأ بذكر الأكل؛ لأنه أعظم المقصود؛ لأن به قوام البدن، وفي ذكر الطّري مزيد فائدة دالة على كمال قدرة الله تعالى، وذلك أن السمك لو كان كله مالحا لما كان فيه فائدة للإنسان، ووصفه بالطري؛ لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع من يصيده إلى أكله.
стр. 3009
وثنى بالصيد من البحر، وإخراج الحلية منه، كاللؤلؤ، والمرجان، ونحوهما، وأسند لبس الحلية للرجال، وهي من زينة النساء؛ لأنهن من جملة الرجال، ولأنهن يتزين بها من أجلهم، وثلث بنعمة جريان السفن في البحار لما في ذلك من الفوائد العظيمة، والأرباح الجسيمة التي يجنيها ابن آدم من ذلك، وبيّن ذلك بقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الأرباح بالتجارة، ثم عقب ذلك بطلب الشكر على إسداء هذه النعم لبني آدم.
هذا و (الحلية) بكسر الحاء، والجمع «حلى» بالقصر، وتضم الحاء وتكسر، وحلية السيف:
زينته، قال ابن فارس: ولا تجمع، وتحلت المرأة لبست الحلي، أو اتخذته، وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي، أو اتخذته لها لتلبسه.
بعد هذا انظر إعلال ﴿نَرى﴾ في الآية رقم [٢٧] من سورة (هود) ﵇، وشرح:
﴿الْفُلْكَ﴾ في الآية رقم [٣٧] منها، ﴿مَواخِرَ فِيهِ:﴾ جواري في البحر، تشقه بحيزومها، من:
المخر، وهو شق الماء، يقال: مخرت السفينة، تمخر، وتمخر مخرا، ومخورا: إذا جرت تشق الماء مع صوت، ومخر الأرض: شقها للزراعة، ومخرها بالماء: إذا حبس الماء فيها حتى تصير أريضة؛ أي: خليقة بجودة نبات الزرع. انتهى. قرطبي. وانظر «الشكر» في الآية رقم [٧] و [٣٧] من سورة (إبراهيم) ﵇، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد).
الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف، (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿سَخَّرَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى الذي، وهو العائد، ومتعلقه محذوف، تقديره: لكم. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿سَخَّرَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٠] لا محل لها مثلها. ﴿لِتَأْكُلُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿سَخَّرَ﴾. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَحْماً:﴾ مفعول به.
﴿طَرِيًّا:﴾ صفته. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا:﴾ معطوف على (تأكلوا) منصوب مثله. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حِلْيَةً:﴾ مفعول به. ﴿تَلْبَسُونَها:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿حِلْيَةً﴾. ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: واو الاعتراض، (ترى):
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت».
﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به. ﴿مَواخِرَ:﴾ حال من ﴿الْفُلْكَ؛﴾ لأن الفعل بصري. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بمواخر، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿وَلِتَبْتَغُوا:﴾ معطوف على ﴿لِتَأْكُلُوا،﴾ وإعرابه مثله، وعليه جملة: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾
стр. 3010
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: (تأكلوا، وتستخرجوا) فهي من جملة التعليل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿وَأَلْقى:﴾ وخلق، وجعل. ﴿رَواسِيَ:﴾ جبالا ثابتة. ﴿تَمِيدَ:﴾ تتحرك، وتضطرب، والميدان: الاضطراب يمينا وشمالا، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل:
تبختر، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَسُبُلاً:﴾ طرقا، وانظر الآية رقم [١٠٨] من سورة (يوسف) ﵇، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى حيث تقصدون، فلا تضلون، ولا تتحيرون، أو لعلكم تهتدون إلى معرفة الله ، فتعرفون:
أنه القادر المقتدر، والمنعم المتفضل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا وقال ابن عباس-﵄-في تفسير ﴿رَواسِيَ:﴾ هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلا، منها: قاف، وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وطور سينين، وطور سينا. أخرجه ابن جرير، كما في «المبهمات» للسيوطي. انتهى. جمل من سورة (لقمان).
الإعراب: ﴿وَأَلْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (ألقى): ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سَخَّرَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف؛ أي: جبالا رواسي، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في محل جر بإضافته لمصدر محذوف يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين، مجرور بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تميد بكم. ﴿وَأَنْهاراً وَسُبُلاً﴾ معطوفان على ﴿رَواسِيَ،﴾ وإعراب: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في الآية السابقة، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَعَلاماتٍ﴾ أي: وجعل في الأرض علامات يهتدي بها المسافرون من جبل، وسهل، وريح. ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يهتدون إلى مقاصدهم في الليل بالنجوم، والاهتداء بالنجوم في الليل يكون بالجدي، والفرقدين، وبنات نعش، والثريا، وسهيل لكثير من الناس، وهناك نجوم لا يهتدي بها إلا من كان عندهم علم بمطالعها، ومسارها. قيل: المعني بذلك كفار
стр. 3011
قريش، والخطاب في الآية السابقة لجميع المخاطبين من بني آدم، والانتقال من الخطاب إلى الغيبة يسمى التفاتا، انظر الآية رقم [٤٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ: «(بالنّجم)» بضم النون المشددة مع ضم الجيم وتسكينها للتخفيف، والله أعلم بمراده. وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَعَلاماتٍ:﴾ معطوف على ﴿رَواسِيَ﴾ وقال أبو البقاء: مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ووضع فيها علامات، منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، الواو: حرف استئناف. (بالنجم): متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم للقافية، لا للاختصاص. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة:
﴿يَهْتَدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾
الشرح: في هذا الاستفهام إنكار شديد بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وتناهي حكمته، والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته في الآيات السابقة؛ لأن يساويه، ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك، بل على إيجاد شيء ما، وكان حق الكلام: «أفمن لا يخلق كمن يخلق» لكنه عكس التشبيه تنبيها على أنهم بالإشراك بالله جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها.
والمراد ب: ﴿(كَمَنْ لا يَخْلُقُ):﴾ كلّ ما عبد من دون الله تعالى، مغلبا فيه أولو العلم على غير العاقلين، أو المراد بذلك الأصنام، وإجراؤها مجرى العقلاء؛ لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم ويعقل، أو عومل معاملة العقلاء للمشاكلة بينها، وبين من يخلق، أو للمبالغة في الإنكار، فكأنه قيل: إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أهل العلم، فكيف بمن لا عنده علم البتة، ولا يعقل قطعا. وانظر الآية رقم [٤٩] الآتية.
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يعني: هذا القدر من الإنكار ظاهر غير خاف على أحد، فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر، والنظر، بل مجرد التذكر فيه كفاية لمن يعلم، ويعقل، ويعتبر، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ هذا وقد حذف من الفعل إحدى التاءين، فإنّ الأصل: «تتذكرون» وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي، ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو عكس ما في الآية السابقة. تأمل.
بعد هذا فالهمزة في الكلمتين ﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿أَفَلا﴾ للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو، وثم تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقوله:
﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء
стр. 3012
الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ؟، ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف.
الإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف عطف. (من):
اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة (من)، لا محل لها. ﴿كَمَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مثل سابقه، والجملة صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة على قول الزمخشري، ومن قال بقوله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها، ومعطوفة على ما قبلها على قول سيبويه وموافقيه. ﴿أَفَلا﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: مثل سابقتها. (لا):
نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وقل في الجملة الفعلية مثل الجملة الاسمية، والكلام على الاعتبارين في الفاء مستأنف لا محل له.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا..﴾. إلخ: انظر شرح هذه النعم في الآية رقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) ﵊. ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ:﴾ حيث يتجاوز عن تقصيركم في القيام بشكر هذه النعم، كما يجب عليكم، و (غفور) صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: بكم حيث منحكم هذه النعم، ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير في الطاعة، وبسبب اجتراحكم المعاصي، ولم يعاجلكم بالتوبة على جحودها، وكفرانها.
فائدة: «النّعمة» بكسر النون: واحدة النّعم، و «النّعمة» بفتح النون: التّنعّم، والترفه، ولذا قيل: كم ذي نعمة لا نعمة له؛ أي: كم ذي مال لا تنعم له.
الإعراب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا..﴾. إلخ: انظر الإعراب وافيا كافيا في الآية رقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾
اسمها. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ خبرها، واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا، لا محل لها.
стр. 3013
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿تُسِرُّونَ:﴾ تخفون. ﴿تُعْلِنُونَ:﴾ تجهرون، والعلن، والإعلان، والعلانية:
الجهر، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) ﵊، قال الشاعر: [البسيط]
لا تظلموا مسورا فإنّه لكمو... من الّذين وفوا بالسّرّ والعلن
والمعنى: إن الله عليم بجميع أعمال العباد؛ ما يعملونه في السر، والخفاء، وما يفعلونه في الجهر، والعلانية. ففيه وعيد، وتهديد، فقد وصف الله نفسه بالعلم، فهو جدير باستحقاق العبادة، والتضرع، واللجوء إليه، بخلاف المعبودات الباطلة من حجر، ونحوه، فإنها لا تعلم شيئا، بل، ولا تبصر، ولا تعقل فكيف تستحق العبادة؟ هذا؛ والفعل يعلم من المعرفة لا من العلم اليقيني، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد).
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تسرونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم سركم. وإعراب: ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ لا يخفى عليك، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾
الشرح: المعنى: إن الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى عاجزة لا تقدر أن تخلق شيئا في هذا الكون صغيرا كان، أو كبيرا، عظيما كان، أو حقيرا، بل إنها هي مخلوقة، وما كان بهذه المثابة، فكيف يكون إلها، وكيف يستحق العبادة. هذا؛ وعلى قراءة الأفعال بالياء يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وعلى قراءة: «(تدعون)» فلا التفات، وإنما جمعت المعبودات الباطلة جمع مذكر سالما مع أنها من الجمادات؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان
стр. 3014
بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: والذين يدعونهم. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾
مضارع، وفاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير.
﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ أي: الأصنام، لا أرواح فيها، ولا تسمع، ولا تبصر؛ أي:
هي جمادات، فكيف تعبدونها، وأنتم أفضل منها بالحياة. ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾
ولا يعلمون وقت بعثهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، مقدرا للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف، وانظر جمع ما لا يعقل في الآية السابقة، وقد قيل استدلالا بهذه الآية: إن الله يبعث الأصنام يوم القيامة، ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم، وهي في الدنيا جماد، لا تعلم متى تبعث.
قال ابن عباس-﵄: تبعث الأصنام، وتركب فيها الأرواح، ومعها شياطينها، فيتبرءون من عبدتها، ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار. وقيل: المعنى: ما يدري الكفار الذين عبدوا الأصنام متى يبعثون.
بعد هذا ف: ﴿أَمُوتُ﴾ جمع: ميت، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) ﵇، وانظر شرح: ﴿غَيْرُ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد)، و ﴿يَشْعُرُونَ﴾ من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته.
الإعراب: ﴿أَمُوتُ:﴾ خبر ثان للمبتدإ على التفسير الأول، وخبر لمبتدإ محذوف، التقدير:
هم أموات على التفسير الثاني. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿أَمُوتُ،﴾ و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿أَحْياءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله.
﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وهو معلق للفعل قبله عن العمل، والجملة الفعلية: ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾ في محل نصب مفعول به للفعل قبله، وجملة: ﴿وَما يَشْعُرُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ﴿أَمُوتُ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿أَمُوتُ،﴾ وهو الأقوى.
стр. 3015
﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ:﴾ لما بيّن الله استحالة الإشراك به سبحانه بيّن أن الذي يستحق العبادة هو إله واحد، وهذه الأصنام متعددة، فكيف تستحق العبادة؟!.
﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ أي: لا تقبل الوعظ، ولا ينجع فيها النصح.
﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: متكبرون عن اتباع الحق؛ لأن الحق إذا تبين كان تركه تكبرا، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، كما في الآية رقم [١٧] وأعني بالغيبة في الآية السابقة، ثم في هذه الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة.
وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.
الإعراب: ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبر المبتدأ.
﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾
مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُنْكِرَةٌ:﴾ خبره؛ والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين)، والجملة الاسمية هذه مستأنفة ومفرعة عما قبلها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ:﴾ انظر الإعراب يتضح لك معناها. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ أي: يبغضهم، ويمقتهم، ويصرفهم عن التفكر في آياته، والتدبر في صنعه، كما ذكر الله ذلك في آية (الأعراف) رقم [١٤٦] وهو صفة تستوجب الذم، وتستلزم اللوم، وتسلب الفضائل، وتكسب الرذائل، وحسب المتكبر من هذه صفاته البغض والمقت عند الله، وعند الناس.
فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده-﵃-قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرّجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن
следующие страницы →