← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

قريش، والخطاب في الآية السابقة لجميع المخاطبين من بني آدم، والانتقال من الخطاب إلى الغيبة يسمى التفاتا، انظر الآية رقم [٤٣] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ: «(بالنّجم)» بضم النون المشددة مع ضم الجيم وتسكينها للتخفيف، والله أعلم بمراده. وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَعَلاماتٍ:﴾ معطوف على ﴿رَواسِيَ﴾ وقال أبو البقاء: مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ووضع فيها علامات، منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، الواو: حرف استئناف. (بالنجم): متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم للقافية، لا للاختصاص. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ الشرح: في هذا الاستفهام إنكار شديد بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وتناهي حكمته، والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته في الآيات السابقة؛ لأن يساويه، ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك، بل على إيجاد شيء ما، وكان حق الكلام: «أفمن لا يخلق كمن يخلق» لكنه عكس التشبيه تنبيها على أنهم بالإشراك بالله جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها. والمراد ب: ﴿(كَمَنْ لا يَخْلُقُ):﴾ كلّ ما عبد من دون الله تعالى، مغلبا فيه أولو العلم على غير العاقلين، أو المراد بذلك الأصنام، وإجراؤها مجرى العقلاء؛ لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم ويعقل، أو عومل معاملة العقلاء للمشاكلة بينها، وبين من يخلق، أو للمبالغة في الإنكار، فكأنه قيل: إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أهل العلم، فكيف بمن لا عنده علم البتة، ولا يعقل قطعا. وانظر الآية رقم [٤٩] الآتية. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يعني: هذا القدر من الإنكار ظاهر غير خاف على أحد، فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر، والنظر، بل مجرد التذكر فيه كفاية لمن يعلم، ويعقل، ويعتبر، ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ هذا وقد حذف من الفعل إحدى التاءين، فإنّ الأصل: «تتذكرون» وهذا الحذف كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي، ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو عكس ما في الآية السابقة. تأمل. بعد هذا فالهمزة في الكلمتين ﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿أَفَلا﴾ للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تقدم على الواو، وثم تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وقوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء

стр. 3012

الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً،﴾ ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات، أو قتل... إلخ؟، ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. الإعراب: ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة (من)، لا محل لها. ﴿كَمَنْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مثل سابقه، والجملة صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة على قول الزمخشري، ومن قال بقوله، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة المقدرة المعطوفة عليها، ومعطوفة على ما قبلها على قول سيبويه وموافقيه. ﴿أَفَلا﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الفاء: مثل سابقتها. (لا): نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وقل في الجملة الفعلية مثل الجملة الاسمية، والكلام على الاعتبارين في الفاء مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا..﴾. إلخ: انظر شرح هذه النعم في الآية رقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) ﵊. ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ:﴾ حيث يتجاوز عن تقصيركم في القيام بشكر هذه النعم، كما يجب عليكم، و (غفور) صيغة مبالغة. ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: بكم حيث منحكم هذه النعم، ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير في الطاعة، وبسبب اجتراحكم المعاصي، ولم يعاجلكم بالتوبة على جحودها، وكفرانها. فائدة: «النّعمة» بكسر النون: واحدة النّعم، و «النّعمة» بفتح النون: التّنعّم، والترفه، ولذا قيل: كم ذي نعمة لا نعمة له؛ أي: كم ذي مال لا تنعم له. الإعراب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا..﴾. إلخ: انظر الإعراب وافيا كافيا في الآية رقم [٣٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ خبرها، واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا، لا محل لها.

стр. 3013

﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿تُسِرُّونَ:﴾ تخفون. ﴿تُعْلِنُونَ:﴾ تجهرون، والعلن، والإعلان، والعلانية: الجهر، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) ﵊، قال الشاعر: [البسيط] لا تظلموا مسورا فإنّه لكمو... من الّذين وفوا بالسّرّ والعلن والمعنى: إن الله عليم بجميع أعمال العباد؛ ما يعملونه في السر، والخفاء، وما يفعلونه في الجهر، والعلانية. ففيه وعيد، وتهديد، فقد وصف الله نفسه بالعلم، فهو جدير باستحقاق العبادة، والتضرع، واللجوء إليه، بخلاف المعبودات الباطلة من حجر، ونحوه، فإنها لا تعلم شيئا، بل، ولا تبصر، ولا تعقل فكيف تستحق العبادة؟ هذا؛ والفعل يعلم من المعرفة لا من العلم اليقيني، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلم الذي، أو شيئا تسرونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم سركم. وإعراب: ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ لا يخفى عليك، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ الشرح: المعنى: إن الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى عاجزة لا تقدر أن تخلق شيئا في هذا الكون صغيرا كان، أو كبيرا، عظيما كان، أو حقيرا، بل إنها هي مخلوقة، وما كان بهذه المثابة، فكيف يكون إلها، وكيف يستحق العبادة. هذا؛ وعلى قراءة الأفعال بالياء يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وعلى قراءة: «(تدعون)» فلا التفات، وإنما جمعت المعبودات الباطلة جمع مذكر سالما مع أنها من الجمادات؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَدْعُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان

стр. 3014

بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: والذين يدعونهم. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَخْلُقُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ أي: الأصنام، لا أرواح فيها، ولا تسمع، ولا تبصر؛ أي: هي جمادات، فكيف تعبدونها، وأنتم أفضل منها بالحياة. ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾ ولا يعلمون وقت بعثهم، والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، مقدرا للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف، وانظر جمع ما لا يعقل في الآية السابقة، وقد قيل استدلالا بهذه الآية: إن الله يبعث الأصنام يوم القيامة، ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم، وهي في الدنيا جماد، لا تعلم متى تبعث. قال ابن عباس-﵄: تبعث الأصنام، وتركب فيها الأرواح، ومعها شياطينها، فيتبرءون من عبدتها، ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار. وقيل: المعنى: ما يدري الكفار الذين عبدوا الأصنام متى يبعثون. بعد هذا ف: ﴿أَمُوتُ﴾ جمع: ميت، وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) ﵇، وانظر شرح: ﴿غَيْرُ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد)، و ﴿يَشْعُرُونَ﴾ من الشعور، وهو إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. الإعراب: ﴿أَمُوتُ:﴾ خبر ثان للمبتدإ على التفسير الأول، وخبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم أموات على التفسير الثاني. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿أَمُوتُ،﴾ و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿أَحْياءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وهو معلق للفعل قبله عن العمل، والجملة الفعلية: ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ:﴾ في محل نصب مفعول به للفعل قبله، وجملة: ﴿وَما يَشْعُرُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ﴿أَمُوتُ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿أَمُوتُ،﴾ وهو الأقوى.

стр. 3015

﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ:﴾ لما بيّن الله استحالة الإشراك به سبحانه بيّن أن الذي يستحق العبادة هو إله واحد، وهذه الأصنام متعددة، فكيف تستحق العبادة؟!. ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ أي: لا تقبل الوعظ، ولا ينجع فيها النصح. ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: متكبرون عن اتباع الحق؛ لأن الحق إذا تبين كان تركه تكبرا، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، كما في الآية رقم [١٧] وأعني بالغيبة في الآية السابقة، ثم في هذه الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة. وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. الإعراب: ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿واحِدٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُنْكِرَةٌ:﴾ خبره؛ والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين)، والجملة الاسمية هذه مستأنفة ومفرعة عما قبلها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ:﴾ انظر الإعراب يتضح لك معناها. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ:﴾ انظر الآية رقم [١٩] ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ أي: يبغضهم، ويمقتهم، ويصرفهم عن التفكر في آياته، والتدبر في صنعه، كما ذكر الله ذلك في آية (الأعراف) رقم [١٤٦] وهو صفة تستوجب الذم، وتستلزم اللوم، وتسلب الفضائل، وتكسب الرذائل، وحسب المتكبر من هذه صفاته البغض والمقت عند الله، وعند الناس. فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده-﵃-قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرّجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن

стр. 3016

في جهنّم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال». أخرجه النسائي، والترمذي. وعن عبد الله بن مسعود-﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر... إلخ». رواه مسلم، والترمذي بطوله. وأفحش أنواع الكبر وأقبحها الكبر على الله، كتكبر فرعون، وادعائه الربوبية، واستنكافه أن يكون عبدا لله. ويليه في القبح، والشناعة التكبر على الرسل، وعدم الانقياد لهم، ومخالفة ما جاءوا به كبرا وعنادا، وجهلا، كالذي حصل من كفار قريش مع رسول الله ﷺ . ويلي هذين النوعين في السوء والمقت التكبر على عباد الله، وازدراؤهم، والترفع عليهم، والأنفة من مساواتهم. الإعراب: ﴿لا جَرَمَ﴾ في إعراب هذا اللفظ أربعة أقوال: أحدها: وهو مذهب سيبويه والخليل: أنها مركبة من (لا) النافية، و (جرم) وبنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر، وصار معناهما معنى فعل، وهو (حقّ) فعلى هذا فالمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في محل رفع فاعل، فقوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أي: حقّ وثبت كون النار لهم، أو استقرارها لهم. هذا ما نقله السمين عن سيبويه، والخليل، ونقل مكي عنهما: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى: «حقّ» في موضع رفع بالابتداء، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في محل رفع خبر، فاختلف النقل عن سيبويه والخليل، رحم الله الجميع برحمته الواسعة، ورحمنا معهم. الثاني: أنّ ﴿لا جَرَمَ﴾ بمنزلة «لا رجل» في كون ﴿لا﴾ نافية للجنس، و ﴿جَرَمَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في محل رفع بالابتداء، وما بعدهما خبر ﴿لا﴾ النافية، وصار معناها: لا محالة في أنهم في علم الله سرهم وعلانيتهم، وهذا الوجه عزاه مكي إلى الخليل أيضا، ونقله ابن هشام في المغني عن الفراء أيضا. الوجه الثالث: أن ﴿لا﴾ نافية لكلام متقدم، رد الله به استكبارهم، بمعنى: لا ينفعهم استكبارهم، ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي ﴿جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ، و ﴿جَرَمَ﴾ على هذا فعل ماض معناه: حقّ، وثبت، وفاعله مستتر، يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها في موضع المفعول به؛ لأن جرم يتعدى إذا أوّل بكسب كما قيل، وهو لازم إذا كان بمعنى: حق، وثبت و ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها في موضع الفاعل، والمعنى عليه أقوى، وعلى هذا الوجه فالوقف على ﴿لا﴾ ثم يبتدأ ب: ﴿جَرَمَ﴾ بخلاف ما تقدم. انتهى. جمل، وهذا القول عزاه مكي للزجاج، ونقله ابن هشام في المغني عن قطرب. الوجه الرابع: أن معنى ﴿لا جَرَمَ﴾ لا حدّ، ولا منع، ولا صدّ، ويكون ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى: القطع، تقول: جرمت كذا؛ أي: قطعته، فيكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني معها على الفتح، كما

стр. 3017

تقدم، وخبرها ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها على حذف حرف الجر؛ أي: لا منع من علم الله، فيعود فيه الخلاف المشهور. انتهى. جمل. وهذا القول عزاه مكي للكسائي. وقال ابن هشام في المغني: وقال قوم: ﴿لا﴾ زائدة، و ﴿جَرَمَ﴾ وما بعدها فعل، وفاعل، كما قال قطرب، وردّه الفراء بأن ﴿لا﴾ لا تزاد في أول الكلام. انتهى. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [١٩] وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر. انظر الإعراب المتقدم لترى محل هذا المصدر. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ مضارع، وفاعله يعود إلى (الله). ﴿الْمُسْتَكْبِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم كفار مكة؛ الذين اقتسموا طرق مكة، ومداخلها، كما رأيت في الآية رقم [٩٠] من سورة (الحجر)، أو هم المستهزءون، كما رأيت في الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر) أيضا. ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي: على محمد ﷺ . ﴿قالُوا أَساطِيرُ..﴾. إلخ: أي: المنزل عليه أحاديث الأولين، وأخبارهم، وأكاذيبهم، وقصصهم، والأساطير: جمع أسطورة، وإسطارة بكسر الهمزة، فالأول: مثل أحدوثة، وأضحوكة وأعجوبة، وجمعها: أحاديث، وأضاحيك، وأعاجيب. وقيل: واحدها: سطر-بفتح الطاء-وأسطار: جمع، و ﴿أَساطِيرُ﴾ جمع الجمع. هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل فلس، وأفلس، وفلوس. هذا؛ وقد قيل في معنى ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ إنها الترهات، وهي عند العرب غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلهم: أخذنا في الترهات، بمعنى: عدلنا عن الطريق الواضح، إلى الطريق المشكل، الذي لا يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف، ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة، التي لا أصل لها. هذا وقد قيل: إن القائل: المنزل أساطير... إلخ. هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (الأنفال) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر الآية رقم [٣٠] الآتية، ففيها بحث، ومقارنة بين الجوابين. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع: أول، وفيه مسائل: الأولى: الصحيح أن أصله: «أوأل» بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل. وقيل: أصله

стр. 3018

«ووّل» بوزن فوعل، قلبت الواو الأولى: همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع. الثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب. وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول: دون الثاني. الثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى: الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل، من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا، أوّل من هذين، ولقيته عاما أول. والثاني: أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أوّلا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر. قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّلة، وآخرة بالتنوين. انتهى. جمع الجوامع. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وإذا قيل قول. وقيل: الجار والمجرور ﴿لَهُمْ:﴾ في محل رفع نائب فاعل. وقيل: جملة: ﴿ماذا أَنْزَلَ..﴾. إلخ: في محل رفع نائب فاعل، وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه، انظر الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والكلام عليه. ﴿ماذا:﴾ فيه اعتبارات. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي أنزله ربكم؟ هذا؛ ويجوز اعتبار (ماذا) اسم استفهام مركبا، وفي إعرابه وجهان: اعتباره مفعولا مقدما للفعل بعده، واعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، والرابط محذوف وهو مفعول الفعل المحذوف، وسواء أكانت الجملة اسمية أم فعلية على حسب الاعتبارات التي رأيتها، فهي في محل نصب مقول القول على الوجهين الأولين المعتبرين في نائب الفاعل، وهي في محل رفع نائب فاعل قيل على الاعتبار الأخير فيه، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله.

стр. 3019

﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: المنزل أساطير، وهذا على اعتبار ﴿ماذا﴾ مبتدأ بالإفراد، أو بالتركيب، وأما على اعتباره مفعولا مقدما، فيكون ﴿أَساطِيرُ﴾ مفعولا به لفعل محذوف موافقة، بين السؤال والجواب، كما في آية أخرى: ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً﴾ أي: أنزل خيرا، وقد قال أبو البقاء: ويقرأ: «(أساطير)» بالنصب، ولم أجده لغيره، وعلى الاعتبارين فالجملة في محل نصب مقول القول، و ﴿أَساطِيرُ:﴾ مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب إذا لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿لِيَحْمِلُوا..﴾. إلخ: أي: قالوا ما ذكر في الآية السابقة إضلالا للناس فحملوا، أوزارهم، وذنوبهم كاملة، وإنما قال سبحانه ﴿كامِلَةً؛﴾ لأن البلاء الذي أصابهم في الدنيا وأعمال البر التي عملوها، لا تكفر عنهم شيئا من آثامهم وسيئاتهم بخلاف المؤمنين، فإن البلاء يطهرهم من الأوزار، والسيئات، وكذلك فعلهم الخير يمحوها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وقال الرسول ﷺ : «وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها». ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ أي: ويحملون من ذنوب وسيئات الذين كانوا سببا في إضلالهم، وهو كقوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ رقم [١٣]. ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ:﴾ بئس ما يحملونه، ففيه تهديد، ووعيد. فعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». أخرجه مسلم، انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الحجر). ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي: بئس الوزر الذي يحملونه من دنياهم لآخرتهم. هذا؛ و: «يزر» ماضيه وزر، والمصدر وزر بكسر الواو، وفتحها، وهو بمعنى: الإثم، والجمع، أوزار. هذا؛ والوزر بفتح الواو، والزاي الملجأ والمستغاث، قال تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾. هذا-وقد قال تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ الآية رقم [٣١] وحمل الذنوب بالمعنيين «الأوزار، والأثقال». قيل به: إن الكافر إذا خرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا! فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه،

стр. 3020

ويتخطّى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى، وأقول: إن الفاسق، والفاجر المسلم ليس من ذلك ببعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. و ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وكثر التعبير عنه بألفاظ كثيرة، مثل: القارعة، والحاقة، والطامة، والصاخة، ونحو ذلك، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة. هذا؛ وقوله سبحانه: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: على جهل منهم، وهذا يفيد: أن جهلهم لا يكون عذرا لهم، وهو يعني: أنه يجب على كل عاقل أن يبحث على الحقيقة؛ حتى يصل إليها؛ حتى لا يكون من الهالكين، وانظر شرح: ﴿بِغَيْرِ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد). الإعراب: ﴿لِيَحْمِلُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل: هي اللام العاقبة. وقيل: هي لام الأمر، والكلام للتهديد والوعيد، وعلامة النصب، أو الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى الجزم فالجملة مستأنفة، وعلى النصب ف: «أن» المضمرة، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿قالُوا﴾. ﴿أَوْزارَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كامِلَةً:﴾ حال من: ﴿أَوْزارَهُمْ﴾ مؤكدة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمِنْ أَوْزارِ:﴾ معطوفان على محل ﴿أَوْزارَهُمْ،﴾ و ﴿وَمِنْ﴾ للتبعيض. وقيل: من زائدة، فيكون ﴿أَوْزارِ﴾ مجرورا لفظا، منصوبا محلا، و ﴿أَوْزارِ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿يُضِلُّونَهُمْ:﴾ مضارع، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و (غير) مضاف، و ﴿عِلْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿ساءَ:﴾ فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَزِرُونَ:﴾ في محل نصب صفة ما، والتقدير: «ساء» الشيء شيئا مزرى، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو حملهم. هذا؛ وأجاز أبو البقاء في غير هذا الموضع اعتبار الفعل (ساء) متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ألا ساءهم الذي، أو شيء يزرونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم وزرهم، والجملة الفعلية: ﴿أَلا ساءَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 3021

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل كفار قريش، والمراد: نمرود بن كنعان الجبار، وكان أكبر ملوك الأرض في زمن إبراهيم على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وكان من مكره: أنه بنى صرحا عظيما ببابل في العراق؛ ليصعد إلى السماء، ويقاتل أهلها في زعمه. قال ابن عباس-﵄: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع، فهبت ريح شديدة، فقصفته، وألقت رأسه في البحر، وخر عليهم الباقي، فأهلكهم، وهم تحته. ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ أي: أراد الله وقصد تخريب بنيانهم من قواعده، وأساسه. ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: سقط عليهم السقف، فأهلكهم وأبادهم. ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ أي: الهلاك. ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ:﴾ لا يحتسبون، ولا يتوقعون، وذلك: أنهم لما اعتمدوا على قوة بنيانهم وشدته، كان ذلك البنيان سبب هلاكهم. هذا ويقرأ: ﴿السَّقْفُ﴾ بضم السين المشددة مع ضم القاف وسكونها للتخفيف. هذا وقيل: ما في الآية الكريمة تمثيل لإفساد ما أبرمه الكفار من هدم بناء دين الله، حيث شبه حالهم بحال قوم بنوا بنيانا، ودعموه، فانهدم ذلك البناء، وسقط السقف عليهم، ونحوه: من حفر لأخيه جبا؛ وقع فيه منكبا. وهذا ما اختاره القاضي كالكشاف، فيكون عاما في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر، والمكر بالمحقين. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. أقول: نص الآية يؤيد التفسير الأول، ويستعار للثاني استعارة على طريقة التشبيه، والتمثيل، والمشهور: أنّ النمرود مات بسبب بعوضة دخلت في أنفه؛ حتى وصلت إلى دماغه. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَكَرَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين كانوا، أو خلقوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿قَدْ مَكَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والحالية ضعيفة. ﴿فَأَتَى اللهُ:﴾ ماض وفاعله. ﴿بُنْيانَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقَواعِدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿فَأَتَى اللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّقْفُ،﴾ وجملة: ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ﴾ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر، وجملة: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.

стр. 3022

﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي: يذلهم، ويهينهم بالعذاب، والمراد بهم: الذين مكروا، وحل بهم ما رأيت من العذاب في الدنيا. وفيه إشعار بأن العذاب يحصل للمجرمين في الدنيا، والآخرة. ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أي: يقول الله يوم القيامة-على سبيل التقريع، والتأنيب-: أين شركائي في الألوهية على زعمكم؟! ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أي: كنتم تعادون، وتخالفون المؤمنين، وتخاصمونهم في شأنهم، فأحضروهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من العذاب، والهوان. هذا؛ ويقرأ: «(تشاقون)» بكسر النون، فتكون للوقاية، وقد حذفت النون علامة الرفع وحذفت أيضا ياء المتكلم، وقد دلت كسرة النون عليها، وانظر الآية رقم [٨٨] من سورة (هود) ﵇. ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:﴾ قال ابن عباس-﵄-أي: الملائكة. وقيل: الأنبياء. وقيل: المؤمنون الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان، وعبادة الله تعالى فيخالفونهم، ويتكبرون عليهم. ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾ أي: الذل، والهوان. ﴿وَالسُّوءَ﴾ أي: العذاب. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي: الذين كفروا بالله وآياته، وإنما يقول المؤمنون هذا يوم القيامة لأن الكفار كانوا يستهزءون بهم في الدنيا، وينكرون عليهم أحوالهم، فإذا كان يوم القيامة ظهر أهل الحق، وأكرموا بأنواع الكرامات، وأهين أهل الباطل، وعذبوا بأنواع العذاب، فعند ذلك يقول المؤمنون هذا القول شماتة بالكافرين. والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُخْزِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكائِيَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة، أو بدل من ﴿شُرَكائِيَ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُشَاقُّونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، وانظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿فِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قالَ﴾

стр. 3023

﴿الَّذِينَ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أُوتُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْخِزْيَ:﴾ اسمها. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿الْخِزْيَ؛﴾ لأنه مصدر. ﴿وَالسُّوءَ:﴾ معطوف على ﴿الْخِزْيَ﴾. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تقبض الملائكة أرواحهم، وهو ملك الموت، وأعوانه. ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، والمعاصي، فعرّضوها بذلك للعذاب الأبدي في جهنم. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: إنهم استسلموا، وانقادوا لأمر الله الذي نزل بهم. ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: من كفر ومعصية. وهذا بحسب اعتقادهم، وزعمهم. ﴿بَلى﴾ أي: فتقول لهم الملائكة: بلى كنتم تعملون السوء. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بالذي كنتم تعملونه، ويفهم من هذه الآية: أنه لا يخرج من الدنيا كافر، ومنافق؛ حتى ينقاد، ويستسلم، ويخضع، ويذل، وحينئذ فلا تنفعهم توبة، ولا إيمان، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ وانظر الآية [٨٧]. هذا ويقرأ الفعل: ﴿تَتَوَفّاهُمُ﴾ بالتاء، والياء. انظر الآية رقم [٣٢] الآتية، وانظر شرح: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ في الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد)، وشرح: ﴿النَّفْسَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (يوسف) ﵇، والظلم في الآية رقم [٢٣] من سورة (يونس) ﵇. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب ك: «نعم»، و «جير» و «أجل» و «إي» إلا أن بلى جواب لنفي متقدم؛ أي: إبطال، ونقض، وإبطال له، سواء دخله الاستفهام أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قال القائل: ما قام زيد؟، فتقول: بلى؛ أي: قد قام، وقوله: أليس زيد قائما؟، فتقول: بلى أي: هو قائم، قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄-لو قالوا: نعم؛ لكفروا. تنبيه: قال الله تعالى في آية: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. وقال هنا: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ والجمع بين هذه الآيات: أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم، تولى ملك الموت قبضها بنفسه. انتهى خازن في غير هذه الآية. ولنا كلام طويل في الآية رقم [١١] من سورة (السجدة) كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.

стр. 3024

الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه وجوه: أحدها: الاتباع لما قبله على البدلية، أو على النعت، ثانيها: النصب على الذم بفعل محذوف، ثالثها: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، التقدير: يقولون: ما كنا... إلخ، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين... إلخ، وهو مبني على الفتح في محل جر على الأول، أو في محل نصب على الثاني، أو في محل رفع على الثالث. ﴿تَتَوَفّاهُمُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد الضمير المنصوب. ﴿ظالِمِي:﴾ حال من الضمير المنصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَلْقَوُا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألقوا): ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿السَّلَمَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿نَعْمَلُ:﴾ مضارع: وفاعله مستتر، تقديره: «نحن». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُوءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: ما كنا... إلخ، وهذه الجملة في محل رفع خبر ﴿الَّذِينَ﴾ على اعتباره مبتدأ، وفي محل نصب حال من واو الجماعة على الاعتبارات الأخرى في الموصول. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول قول محذوف؛ إذ هو من مقول الملائكة، أو من مقول الله . ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين: مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عليم بالذي، أو بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: عليم بعملكم. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول للقول المحذوف. ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿فَادْخُلُوا..﴾. إلخ: أي: فيقال للكافرين المعاندين عند الموت: ادخلوا جهنم، كل صنف بابه المعد له. انظر الآية رقم [٤٤] من سورة (الحجر) تجد ما يسرك. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ مقيمين لا تبرحون منها أبدا، وانظر شرح: (بئس) في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وانظر «الكبر» في الآية رقم [٢٣] والمراد: تكبروا عن الإيمان، وعن عبادة الله تعالى، وقد بيّن الله ذلك

стр. 3025

في سورة (الصافات) بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هذا و «المثوى» في الأصل المنزل الذي تكون فيه الإقامة، والفرق بينه، وبين المأوى، فهو مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو موقتا. الإعراب: ﴿فَادْخُلُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ادخلوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿أَبْوابَ:﴾ مفعول به، وانظر الآية رقم [١٤] و [٢٣] من سورة (إبراهيم) ﵊، و ﴿أَبْوابَ﴾ مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: (ادخلوا...) إلخ في محل نصب مقول القول المحذوف. انظر الشرح، وجملة: (فيقال... ادخلوا...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَبِئْسَ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف. ﴿فَلَبِئْسَ﴾ (بئس): ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿مَثْوَى:﴾ فاعل بئس، وهو مضاف، و ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور. إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي جهنم، وجملة: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى..﴾. إلخ جواب قسم محذوف، التقدير: أقسم بالله لبئس... إلخ، والقسم وجوابه كلام مفرّع عمّا قبله، ومستأنف لا محل له، وعلى اعتبارها ابتدائية لا محل لها أيضا. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا..﴾. إلخ: وذلك: أنّ أحياء العرب البعيدين عن مكة كانوا يبعثون إلى مكة أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ ؛ فإذا جاء الوافد سأل الذين كانوا يقعدون على طرق مكة من الكفار، فيقولون: هو ساحر، كاهن، شاعر، مجنون، كذاب. وانظر الآية رقم [٢٤] وإذا لم تلقه خير لك، فيقول الوافد: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة، فألقاه، فيدخل مكة، فيرى أصحاب رسول الله ﷺ ، فيسألهم عنه، فيخبرونه بصدقه، وأمانته، وأنه نبيّ مبعوث من الله . ومعنى: ﴿اِتَّقَوْا:﴾ ابتعدوا عن الشرك، والكذب، وقول الزور. وانظر إعلاله وشرحه في الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇. هذا ورفع ﴿أَساطِيرُ﴾ في قول المشركين، ونصب ﴿خَيْراً﴾ في قول المؤمنين، ليحصل الفرق بين الجوابين، وذلك: أنهم لما سألوا الكفار عن المنزل على النبي ﷺ عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس هو من الإنزال في شيء؛ لأنهم لم يعتقدوا كونه

стр. 3026

منزلا، ولما سألوا المؤمنين عن المنزل عليه ﷺ ؛ لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيّنا مكشوفا، موافقا للإنزال. انتهى. خازن بتصرف. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أي: للذين أتوا بالأعمال الصالحة الحسنة ثوابها حسنة مضاعفة، من الواحد إلى العشرة، إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، من رزق، وفتح، ونصر، وعزّ، وكرامة، وغير ذلك ممّا أنعم الله به على عباده في الدنيا، وما أعدّه الله لهم في الآخرة خير ممّا يحصل لهم في الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾. ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ:﴾ وهي الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والخير العميم. بعد هذا انظر شرح: ﴿وَلَدارُ﴾ في الآية رقم [٢٤] من سورة (الرعد)، وشرح: ﴿وَلَنِعْمَ﴾ فيها أيضا، والمراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة والخلود فيها، أو دخول النار والخلود فيها، وانظر شرح: ﴿خَيْرٌ﴾ في الآية رقم [٣٩] من سورة (يوسف) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٢٤] هذا وقد قرأ زيد بن علي برفع «(خير)» والكلام مستأنف، وعطفه على الآية المذكورة فالمعنى لا يأباه. تأمل. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَحْسَنُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي:﴾ حرف جر. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب: ﴿فِي،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل لها، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من حسنة، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا.. إلخ. ﴿الدُّنْيا:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها وأجيز اعتبارها بدلا من ﴿خَيْراً،﴾ أو تفسيرا له، وذلك: أنّ الخير هو الوحي الذي أنزل الله تعالى فيه: من أحسن في الدنيا بالطاعة؛ فله حسنة في الدنيا، وحسنة في الآخرة. ﴿وَلَدارُ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (دار): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، ﴿وَلَنِعْمَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور، متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. نعم: ماض جامد لإنشاء المدح. (دار): فاعل نعم، وهو مضاف، و ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور.. إلخ، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، والكلام مثل سابقه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: هي الجنة. هذا وإن

стр. 3027

اعتبرت اللام في الجملتين لام الابتداء؛ فالمعنى لا يأباه، وتكون الأولى مستأنفة، لا محل لها، والثانية معطوفة عليها. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها:﴾ انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الرعد)، وشرح الأنهار في الآية رقم [٣] منها، وشرح: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ في الآية رقم [٣٥] منها أيضا. ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ أي: للمتقين في جنات عدن ما يشتهون من مستلذات، وهذا لا يكون إلا في الجنة؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ لا يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريد في الدنيا. ﴿كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: مثل هذا الجزاء العظيم يجزيه الله المتقين، الذين خافوا الله في الدنيا، ووقفوا عند حدوده. بعد هذا: انظر شاء في الآية رقم [٢] هذا والجزاء، والمجازاة: المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول: قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ ومن الثاني: قوله تعالى لإبليس وأتباعه: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً﴾ فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل. هذا؛ والفعل «جزي يجزي» ينصب مفعولين. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به، لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها الحلال. الإعراب: ﴿جَنّاتُ:﴾ فيه وجوه: الأول: خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هي جنات. الثاني: مبتدأ خبره الجملة بعده، أو الخبر محذوف، التقدير: لهم جنات. هذا؛ وأجيز اعتباره المخصوص بالمدح، فحينئذ تجري فيه الاعتبارات الثلاث من كونه مبتدأ خبره الجملة الفعلية المتقدمة، أو مبتدأ خبره محذوف، أو خبر لمبتدإ محذوف. والثاني: أضعفها، والثالث: أقواها، ويكون الكلام متصلا بما قبله، وعلى الاعتبارات: الأول: يكون الكلام مستأنفا منقطعا عما قبله، و ﴿جَنّاتُ﴾ مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿يَدْخُلُونَها:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله و (ها): مفعوله على التوسع في الكلام بإجراء اللازم مجرى المتعدي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيها، ما عدا وجها واحدا تكون الجملة الفعلية خبرها، انظره فيما تقدم. هذا وقرئ في سورة (فاطر) رقم [٣٣] بنصب جنات على الاشتغال على إضمار فعل يفسره المذكور. ﴿تَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر

стр. 3028

بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أو في محل رفع خبر ثان لها، أو في محل نصب حال من الضمير المنصوب، فتكون حالا متداخلة في وجه، وغير متداخلة في وجه آخر. تأمل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيء يشاءونه فيها، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بسابقتها من اعتبارات. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يجزي الله المتقين جزاء مثل ذلك الجزاء، وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، كما قيل: الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر، وهذا يعني اعتبارها اسما، والإعراب الأول: أعرف، وأشهر. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَجْزِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مفعول به منصوب.. إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تقبض الملائكة أرواحهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] تجد ما يسرك. هذا؛ ويقرأ الفعل هنا، وهناك بالتاء، والياء، واختار الثاني: أبو عبيد لما روي عن ابن مسعود-﵁: أنه قال: إن قريشا زعموا: أن الملائكة إناث. فذكّروهم أنتم. ﴿طَيِّبِينَ:﴾ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر، والمعاصي؛ لأنه في مقابلة: ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. انتهى. كشاف. وقال الخازن: وقيل: إن قوله: ﴿طَيِّبِينَ﴾ كلمة جامعة لكل معنى حسن، فيدخل فيه: أنهم أتوا بكل ما أمروا به من فعل الخيرات، والطاعات، واجتنبوا كل ما نهوا عنه من المكروهات والمحرّمات، مع الأخلاق الحسنة، والخصال الحميدة، والمباعدة من الأخلاق المذمومة، والخصال المكروهة القبيحة. انتهى. والأول: أولى، وأجمع مع الاختصار. ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ:﴾ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك، فقال: السّلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السّلام، وبشّره بالجنة، وانظر الآية رقم [٥٠ و ٥١] من سورة (الأنفال)، وما فيها من الأهوال مع المحال عليها برقم [٩٣] من سورة (الأنعام). ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:﴾ تقول لهم هذا الملائكة الكرام، وهذا يحتمل أن يكون عند الموت، بشارة بالجنة، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة بعد الحساب، والجزاء.

стр. 3029

تنبيه: نصّ الآية يفيد: أن دخول الجنة بسبب الأعمال الصالحة، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا... إلخ». أخرجه البخاري عن أبي هريرة-﵁، وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) الآية رقم [٤٣]: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ ومثلها في الزخرف رقم [٧٢]. والجمع بين هذه الآيات والحديث الشريف بأن محمل آية الأعراف وآية الزخرف على أن منازل الجنة إنما تنال بالأعمال؛ لأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن محمل الحديث على أصل دخول الجنة، فإن قيل: آية النحل التي الكلام فيها صريحة في أن دخول الجنة؛ أيضا بالأعمال، وأجيب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث الشريف، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد أصل الدخول، أو المراد: ادخلوها، بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخولها حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، لا إله إلا هو له الملك، وله الحمد. انتهى. حاشية الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة. وانظر ما ذكرته في آية الأعراف فإنه جيد أيضا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. الإعراب: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٨] ففيها الكفاية؛ إذ الإعراب لا يتغير. ﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع مرفوع.. إلخ، والواو فاعله. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ، وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى: الدعاء. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام، بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: «دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام». ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٢٨] فهو مثله بلا فارق، وجملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الملائكة، أو في محل رفع خبر ﴿الَّذِينَ﴾ على اعتباره مبتدأ، ويكون الرابط محذوفا، التقدير: يقولون لهم... إلخ. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّكَ﴾ أي: ما ينتظر أهل مكة إلا أن... إلخ، وهم ما كانوا منتظرين الملائكة التي تنزل لقبض أرواحهم، وما كانوا منتظرين العذاب والهلاك

стр. 3030

الذي يأمر به الله تعالى، ولكن لما كان ذلك يلحقهم لحوق المنتظر؛ شبهوا بالمنتظرين، وقرئ الفعل: ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾ بالتاء والياء، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: فعلت الأمم السابقة مثل فعل قريش: من كفر، ومعاندة للرسل، ومخالفة أوامر الواحد القهار، فأهلكهم الله. ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ أي: بالهلاك، والدمار. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ:﴾ حيث ارتكبوا الجرائم التي سببت هلاكهم، ودمارهم. الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، و «أن» المصدرية والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْتِيَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿أَمْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة بمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: شأنهم كشأن الذين من قبلهم. والأول: أعرف، وأشهر. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، وتقدير الكلام: فعل الذين كانوا من قبلهم فعلا مشابها فعل كفار قريش، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿ظَلَمَهُمُ:﴾ ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الاسم الموصول، والرابط: الواو، والضمير. الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومتعلقه ومتعلق سابقه محذوف، انظر الشرح، وجملة: «يظلمون أنفسهم» في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿وَلكِنْ كانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)﴾ الشرح: المعنى فأصاب الأمم السابقة عقاب ما فعلوا من كفر، ومعاص، ونزل بهم جزاء استهزائهم ما نزل من أنواع العقاب، والانتقام، والعذاب المهين ما قص الله في قرآنه. هذا؛

стр. 3031

و (حاق) لا يستعمل إلا في الشر، فلا يقال: حاقت به النعمة، بل حاقت به النقمة. قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وفي هذه الآية تهديد، وتحذير للمشركين من أهل مكة أن يفعلوا بنبيهم كما فعل من كان من قبلهم بأنبيائهم، فينزل بهم مثل ما نزل بهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَصابَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف. (أصابهم): ماض، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعله، وسيئات مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: سيئات الذي، أو شيء عملوه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية؛ تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات عملهم، والجملة: ﴿فَأَصابَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. وقال الجمل نقلا عن السمين: معطوفة على جملة: ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض. (حاق): ماض. ﴿فَأَصابَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. ﴿ما:﴾ موصولة، أو موصوفة، مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وجملة: «يستهزءون به» في محل نصب خبر كان، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: حاق بهم استهزاؤهم، والجملة الفعلية على جميع الاعتبارات معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ الشرح: قال الزمخشري في كشافه في تفسير الآية: هذا من جملة ما عدّد الله من أصناف كفرهم، وعنادهم من شركهم بالله، وإنكار وحدانيته، بعد قيام الحجج، وإنكار البعث، واستعجال العذاب استهزاء منهم به، وتكذيبهم الرسول، وشقاقهم، واستكبارهم عن قبول الحق، يعني: أنهم أشركوا بالله، وحرّموا ما أحلّ الله من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغير ذلك، ثم نسبوا فعلهم إلى الله. وقالوا: لو شاء الله؛ لم نفعل، وهذا مذهب المجبرة بعينه. انتهى. بتصرف. هذا وقول المشركين المذكور احتجاج بأن ما يفعلونه ليس باطلا، ولا مستقبحا، ولو كان كذلك؛ لما شاء الله صدوره عنهم، ولشاء خلافه ملجئا إليه، لا اعتذار؛ لأنهم لم يعتقدوا قبح

стр. 3032

أعمالهم، وقولهم المذكور إنكار للنبوة أيضا، فمعناه: لو شاء الله منهم الإيمان؛ لحصل؛ جاءهم رسول، أم لم يجئ، ولو شاء منهم الكفر؛ لحصل جاءهم رسول، أم لم يجئ، وإذا كان كذلك؛ فالكل من الله، فلا فائدة في بعثة الرسل إلى الأمم. ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: فعلت الأمم السابقة مثل فعل قريش، من كفر، وإنكار للرسل، ومخالفة لأوامر الله الواحد القهار. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ..﴾. إلخ أي: ما على الرسل إلا التبليغ، وليس إليهم هداية أحد، أو إضلاله، ولكن سنة الله في خلقه أن يبعث فيهم رسلا، قطعا للعذر، ومنعا للاحتجاج. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قال في سورة (الأنعام) الآية رقم [١٤٨] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا..﴾. إلخ حيث أخبر عما يقولونه في المستقبل قبل وقوعه، انظر شرح الآية هناك؛ تجد ما يسرك. هذا و ﴿شَيْءٍ﴾ في اللغة عبارة عن كل شيء موجود، إما حسا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت: شيئا، وجمع الشيء: أشياء غير منصرف، واختلف في علته اختلافا كبيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إن وزنه: شيئاء، وزان: حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: آدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿أَشْرَكُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجملة: ﴿شاءَ اللهُ﴾ مع المفعول المحذوف لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَبَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من (نا). ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿ما عَبَدْنا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مؤكد ل: (نا). ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿آباؤُنا:﴾ معطوف على (نا)، و (نا) في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿حَرَّمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مثل ما قبلهما بلا فارق، وجملة: ﴿وَلا حَرَّمْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٣٣] ﴿فَهَلْ﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، معناه النفي. ﴿عَلَى الرُّسُلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافا بيانيا لا محلّ لها.

стр. 3033

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ أي: كما بعثنا فيكم محمدا ﷺ رسولا. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ أي: تأمرهم الرسل بعبادة الله، واجتناب عبادة الأصنام، والأوثان. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ:﴾ وفقه للإيمان. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي: ومن الأمم من وجبت عليه الضلالة بالقضاء السابق في الأزل حتى مات على الكفر والضلال، وفي هذه الآية أبين دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى؛ لأنه المتصرف في عباده، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لا اعتراض لأحد عليه بما حكم به في سابق علمه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (الرعد) تجد ما يسرك. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ يا معشر قريش. ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فسيروا في الأرض معتبرين متفكرين؛ لتعرفوا مآل من كذب الرسل، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك، ولتعرفوا: أن الهلاك نازل بكم إن أصررتم على الكفر، والتكذيب كما نزل بهم. بعد هذا ف: «أمّة» بمعنى: جماعة، تكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ﴾ وانظر الآية رقم [١٢٠] الآتية و «الأمة» الطريقة، والملة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ و «الأمة»: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ العبادة هي غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. وعن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أنا والإنس والجنّ في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري». ﴿الطّاغُوتَ:﴾ هو الأصنام، أو الشيطان، أو الكاهن، أو كل من دعا إلى الضلال، وصدّ عن عبادة الله تعالى، مثل: كعب بن الأشرف اليهودي المنوّه به في الآية رقم [٦٠] من سورة (النساء) وهو يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وقد يجمع على: طواغيت، واشتقاقه من: طغى، يطغى، أو من: طغا، يطغو، وقد طلب الله في غير ما آية الكفر بالطاغوت، وهو: عدم الرضا به.

стр. 3034

بعد هذا فإني ألفت النظر إلى أنه تعالى قال هنا: ﴿فَانْظُرُوا﴾ بعد الأمر بالسير في الأرض وقال سبحانه في الآية رقم [١١] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير. فكأنه قيل: سيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. ومعنى السير هناك: إباحة السير في الأرض للتجارة، وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب (ثم)، التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب والمباح. انتهى. من النسفي بتصرف كبير. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف. ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف: واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر)، افهم هذا واحفظه فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: ورب الضحى ورب السماء... إلخ. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَعَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من رسولا، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿بَعَثْنا..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. وقيل: مصدرية. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (امضوا) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الحجر). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ تفسيرية لا محل لها؛ لأن ﴿بَعَثْنا﴾ فيه معنى القول دون حروفه، وعلى اعتبار ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بعبادة الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿بَعَثْنا،﴾ وإعراب ﴿وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ واضح، والكلام على حذف مضاف؛ إذ التقدير: اجتنبوا عبادة الطاغوت. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ الفاء: حرف استئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿هَدَى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: هداه الله، هذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه

стр. 3035

الجملة، وأرى أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مَنْ﴾ هي الخبر لأنّ ﴿مَنْ﴾ الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعضهم الذي هداه الله، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (أكثرهم) على ﴿فَمِنْهُمْ﴾ ومقابلته به يؤيد أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام، وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظة: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا ممّا يدل على أنّ مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ و «ليوث» جمع: ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد بسوء. قمشت: جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء، ولا يخفى عليك إعراب ما بعدها. ﴿فَسِيرُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن أردتم الاهتداء، والاستدلال على الطريقة المثلى؛ فسيروا... إلخ. (سيروا): أمر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَانْظُرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا): أمر، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ تقدم عليها وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبله، والمعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿كانَ﴾ تامة، فاعلها ﴿عاقِبَةُ،﴾ فتكون ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل فيها ﴿كانَ،﴾ ولم تؤنث ﴿كانَ؛﴾ لأن عاقبة مؤنث مجازي. ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ:﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ ، والمعنى: إن تحرص يا محمد على هداية هؤلاء، وإيمانهم، فالهداية بيد الله لا بيدك، فإن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء إضلاله. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي: مانعين يمنعونهم من العذاب. هذا؛ ويقرأ: ﴿لا يَهْدِي﴾ بالبناء للفاعل، ومعناه واضح، ويقرأ بالبناء للمفعول على معنى: من أضله الله لم يهده هاد، على حدّ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ،﴾ وقرئ: ﴿يُضِلُّ﴾ بضم الياء من الرباعي،

стр. 3036

وبفتحها من الثلاثي. هذا؛ والحرص مذموم إذا كان على الدنيا، فإنه بمعنى: الطمع الشديد والبخل الشديد، وأما الحرص على الإيمان، والطاعات؛ فهو مقام عظيم عند الله تعالى، والحرص: المحافظة الشديدة على الشيء، والخوف عليه أن يضيع، أو يتلف. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَحْرِصْ:﴾ مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى هُداهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿تَحْرِصْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: لا تقدر على ذلك، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَإِنَّ﴾ الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُضِلُّ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يضله، وجملة: ﴿لا يَهْدِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿وَما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه واو مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، وإن اعتبرت (ما) حجازية فالإعراب لا خفاء فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ:﴾ حلفوا به، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الرعد) وأما «قسم» الثلاثي، فإنه بمعنى: جزأ، وفرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر وصل. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ غاية اجتهادهم فيها، وذلك: أنهم كانوا يقسمون بآلهتهم، وآبائهم، فإذا كان الأمر عظيما؛ أقسموا بالله، و (الجهد) بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾. هذا و ﴿أَيْمانِهِمْ﴾ جمع يمين، والأصل فيه الحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، وإن كان المشركون يحلفون بآلهتهم، والجاهلون من المسلمين يحلفون في هذه الأيام

стр. 3037

بغير ذلك، واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على أيمان-بفتح الهمزة-كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، أما الإيمان-بكسر الهمزة-فهو: التصديق بالله، ورسله، وكتبه، وبوجود الملائكة، واليوم الآخر، وما فيه، والقضاء، والقدر خيره، وشره من الله تعالى. هذا؛ والإيمان الصحيح: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان، وانظر زيادة الإيمان ونقصه في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال). ﴿لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ:﴾ وهذا الإنكار للبعث تكرر ذكره في القرآن عن المشركين. ﴿بَلى:﴾ هذا ردّ على المشركين المنكرين للبعث، والحساب، والجزاء؛ أي: بلى ليبعثنهم، ﴿وَعْداً عَلَيْهِ﴾ أي: وعد الله بالبعث وعدا صادقا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٣] من سورة (الرعد). ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من واجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصر نظرهم على المألوف، فيتوهّمون امتناعه. تنبيه: ذكر في سبب نزول الآية: أن رجلا من المسلمين، كان له على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان مما تكلم به المسلم: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: إنك لتزعم: أنك تبعث بعد الموت، وأقسم بالله: أنه لا يبعث الله من يموت، فنزلت الآية الكريمة، قاله أبو العالية. الإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقسموا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله (أقسموا)، وهو من معناه، وجوز اعتباره حالا من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، و ﴿جَهْدَ:﴾ مضاف، و ﴿أَيْمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ..﴾. إلخ معطوفة على قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَبْعَثُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَمُوتُ﴾ صلة ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط رجوع الفاعل إليها، وجملة: ﴿لا يَبْعَثُ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب. ﴿وَعْداً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان ب ﴿وَعْداً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، وهما مصدران مؤكدان للجملة المقدرة بعد ﴿بَلى،﴾ كما رأيت في الشرح. هذا؛ وقرئ برفعهما على اعتبار (وعد) خبرا لمبتدإ محذوف، و (حقّ) صفة له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: واو الحال، ولا وجه له. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسم (لكنّ)، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والكلام ﴿بَلى..﴾. إلخ في محل نصب مقول لقول محذوف؛ إذ التقدير: فقال الله تعالى: بلى... إلخ. تأمل، وتدبر.

стр. 3038

﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿لِيُبَيِّنَ..﴾. إلخ: أي: يبعث الله الناس يوم القيامة؛ ليبين لهم الذي يختلفون فيه من أمر البعث، والحساب، والجزاء، ويظهر لهم الحق؛ الذي لا خلف فيه حينئذ. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله ورسوله، وأقسموا أن لا بعث بعد الموت. ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ:﴾ فيما يدعونه، ويفترونه، وفيه إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقضي له من حيث الحكمة، وهي التمييز بين الحق، والباطل، والمحق والمبطل بالثواب والعقاب. هذا؛ والفعل ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد)، وانظر شرح الكفر في الآية رقم [٣٧] من سورة (يوسف) ﵇. الإعراب: ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر يعود إلى (الله)، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل المقدر بعد ﴿بَلى﴾. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ صلة الموصول، والعائد الضمير المجرور ب: (في). (ليعلم): مثل ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ في إعرابه، وتقديره، وتأويله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة له. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. والألف للتفريق. ﴿كاذِبِينَ:﴾ خبر كان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا كاذِبِينَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعول (يعلم)؛ لأنه من المعرفة، كما رأيت. ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ الشرح: أعلم الله في هذه الآية الخلق سهولة البعث عليه؛ إذ المعنى: إذا أردنا أن نبعث من يموت؛ فلا تعب علينا، ولا نصب في إحيائهم، وبعثهم، ولا في غير ذلك ممّا نحدثه. وفي الآية دليل قاطع على أن الله تعالى مريد لجميع الحوادث، كلها: خيرها، وشرها، نفعها، وضرها، والدليل على ذلك: أن من يرى في سلطانه ما يكرهه، ولا يريده فلأحد شيئين: إما لكونه جاهلا لا يدري، وإما لكونه مغلوبا لا يطيق، ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه، وقد قام الدليل على أنه سبحانه خالق لأفعال العباد، ويستحيل أن يكون فاعلا لشيء؛ وهو غير مريد له؛ لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا، وإرادتنا، فلو لم يكن الحق سبحانه مريدا لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد، وهذا قول الطبيعيين، وقد أجمع الموحدون على خلافه، وفساده. انتهى. قرطبي بتصرف.

стр. 3039

وفي الآية الكريمة تمثيل لسرعة الإيجاد عند تعلق الإرادة الإلهية، وليس هناك أمر حقيقة، ولا كاف، ولا نون، وإلا لو كان هناك أمر لاعترض بأن يقال: إن كان الخطاب للشيء حال عدمه، فلا يعقل؛ لأن خطاب المعدوم لا يعقل، وإن كان بعد وجوده ففيه تحصيل الحاصل، وإنما المراد من التمثيل تصوير سرعة الحدوث، والإيجاد بما لا يتجاوز أمده النطق بلفظه: «كن» وما أسهلها!. بعد هذا خذ ما يلي، عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يقول الله ﵎: يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذّبني وما ينبغي له أن يكذّبني، أما شتمه إيّاي، فيقول: إنّ لي ولدا، وأمّا تكذيبه إيّاي، فقوله: ليس يعيدني كما بدأني». وفي رواية: «كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأمّا شتمه إياي، فقوله: اتّخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». رواه البخاري. هذا والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول: مع الفعل، والثاني: قبله، وكلا المعنيين غير متصوّر اتصاف الباري تعالى به؛ ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح. وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿قَوْلُنا:﴾ مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بالقول. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿قَوْلُنا﴾ أيضا. ﴿أَرَدْناهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وهو نفس المبتدأ، وساغ ذلك لاختلاف متعلقهما على حد قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ وقال أبو النجم: [الرجز] أنا أبو النّجم وشعري شعري... لله درّي ما يجنّ صدري ﴿كُنْ:﴾ أمر تام؛ لأنه بمعنى: احدث، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): مضارع تام مرفوع، وفاعله يعود إلى شيء، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة تفصح عنه الفاء، وينسحب عليه الكلام؛ أي: فنقول ذلك، فيكون، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،﴾ وإما جواب لشرط محذوف؛ أي: فإذا قلنا ذلك؛ فهو يكون. انتهى. جمل. وهذا يفيد: أن الفاء الفصيحة. وقال غيره: الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو يكون،

стр. 3040

والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ الفعل «(يكون)» بالنصب عطفا على ﴿نَقُولَ،﴾ وليست الفاء للسببية؛ لأن لفظ ﴿كُنْ﴾ أمر، ومعناه الخبر عن قدرة الله تعالى؛ إذ ليس ثمّ مأمور بأن يفعل شيئا. أفاده مكي بن أبي طالب القيسي. ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا:﴾ هم رسول الله ﷺ ، وأصحابه المهاجرون، ظلمهم كفار قريش، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وأكثرهم هاجر إلى المدينة هجرة واحدة. أو المراد: المستضعفون، المحبوسون، المعذبون في مكة بعد هجرة الرسول ﷺ ، وهم: بلال، وعمار، وصهيب، وخباب، وعابس، وأبو جندل بن سهيل-﵃ أجمعين-ومعنى ﴿فِي اللهِ﴾ لله، ولوجهه ف: ﴿فِي﴾ بمعنى: اللام، وهو مستعمل لغة. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ المراد بالحسنة: نزولهم المدينة، أو هي: العزة، والكرامة، والنصر على الأعداء، أو هي: ما أغدقه الله عليهم من خيرات الدنيا. روي: أن عمر بن الخطاب-﵁-كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء، يقول له: (خذ هذا بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا، وما ادّخر لك في الآخرة أفضل). ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأفضل، وأشرف مما أعطاهم في الدنيا. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان الكفار يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما هم فيه من نعيم الدنيا؛ لرغبوا فيه، وآمنوا بالله ورسوله. وقيل: الضمير راجع إلى المهاجرين، ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم في الآخرة؛ لزادوا في الجد، والاجتهاد، والصبر على ما أصابهم من أذى المشركين. بعد هذا؛ فالهجرة: ترك الأوطان، والأهل، والقرابة في الله، كما حصل للمسلمين الأولين، كما رأيت. هذا؛ وقد أطلق الله اسم الهجرة على الجهاد في سبيل الله تعالى في الآية رقم [٨٩] من سورة (النساء)، وهناك هجرة أخرى، وهي «هجرة» جميع المعاصي والابتعاد عنها، قال الرسول ﷺ : «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». هذا و «المبوّأ» المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلا؛ أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، وانظر الآية رقم [٨٧] من سورة (يونس) ﵇. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وأجاز أبو البقاء أن يكون في موضع نصب بفعل محذوف يفسره المذكور، وهو ضعيف؛ لأن الاشتغال لا وجه له هنا، وجملة: ﴿هاجَرُوا فِي اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا: وتعليقهما بمحذوف حال من واو الجماعة لا بأس

стр. 3041

به. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿ظُلِمُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وما والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد ظلمهم. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نبوئنهم): مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من حسنة، كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» ﴿حَسَنَةً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:﴾ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثل الآية الكريمة الآية رقم [٧] من سورة (العنكبوت)، ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الشاهد [٧٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... وإذا أتاك فلات حين مناص انظر هذا الشاهد وما ذكرته تبعا له، وما نقلته عن ابن هشام أيضا. ﴿وَلَأَجْرُ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء: وقيل: الواو، واو الحال. (أجر): مبتدأ: وهو مضاف، و (الآخرة) مضاف إليه. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وعلى اعتبار الواو، واو الحال فهي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، وهذا لا يصح إلا إذا كانت واو الجماعة عائدة عليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف. انظر الاعتبارين في الشرح، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها تذييل للكلام السابق، فهو كلام مستأنف لا محل له. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا:﴾ على الشدائد كأذى الكفرة، ومفارقة الأهل، والوطن، وعلى الجهاد، وبذل الأنفس، والأموال في سبيل الله، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد). ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ:﴾ يفوضون أمورهم إليه وحده. قال بعضهم: ذكر الله الصبر والتوكل في هذه الآية، وهما مبدأ السلوك إلى الله تعالى ومنتهاه، أما الصبر، فهو: قهر النفس، وحبسها على أعمال البر، وسائر الطاعات، واحتمال الأذى من الخلق، والصبر عن الشهوات المباحات، والمحرّمات، والصبر على المصائب، وأما

стр. 3042

التوكل؛ فهو: الانقطاع عن الخلق بالكلية، والتوجه إلى الحق تعالى بالكلية. فالأول: مبدأ السلوك إلى الله تعالى، والثاني: هو آخر الطريق، ومنتهاه، والتوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر، لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من سابقه. وقيل: هو بدل من الضمير المنصوب. وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف. وقيل: منصوب بفعل محذوف، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: «يتوكلون على ربهم» معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والظاهر والله أعلم: أن المعنى على المضي، والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة؛ حتى كأن السامع يشاهدها. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَما أَرْسَلْنا:﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ هذا رد لقول قريش حيث أنكروا نبوة محمد ﷺ . وقالوا: الله أعظم وأجل من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث ملكا إلينا، وانظر الآية رقم [١٠٩] من سورة (يوسف) ﵇، ففيها كبير فائدة، والمعنى هنا، وهناك أن سنة الله جارية من أول مبدأ الخلق أنه لم يبعث إلا رسولا من البشر، فهذه عادة مستمرة، وسنة جارية قديمة. ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أي: أهل الكتاب، وهم علماء اليهود، والنصارى، وإنما أمرهم الله بسؤال أهل الكتاب؛ لأن كفار مكة كانوا أميين، ويعتقدون: أنّ أهل الكتاب أهل علم، وقد أرسل الله إليهم رسلا منهم، مثل: موسى، وعيسى، وغيرهما من الرسل، وكانوا بشرا مثلهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك. وفي الآية الكريمة دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة، ولا ملكا، ولا جنّيّا للدعوة العامة، وفي آية (يوسف) زيادة ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وينبغي أن تعلم: أن الآية الكريمة إنما أمرت كفار قريش الأميين أن يسألوا أهل العلم من اليهود، والنصارى عما هم جاهلون به، فالأحرى بالجاهلين من المسلمين أن يسألوا علماء المسلمين عن أمور دينهم، وعمّا هم جاهلون به من أمر الدنيا والآخرة، فخصوص السبب لا يمنع التعميم في كل زمان ومكان، ولولا ذلك لما كنا مكلفين بالجهاد وغير ذلك مما هو من واجبات الدين.

стр. 3043

بعد هذا فالفعل: ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى: لا تعرفون، انظر الآية رقم [٤٢] من سورة (الرعد). هذا؛ وأصل ﴿كُنْتُمْ:﴾ «كوتنم»، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون فحذفت الألف، فصار: «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار ﴿كُنْتُمْ،﴾ وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار: (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة، ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما، فصار «كنت» وهكذا قل في إعلال كل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل قال، وقام، ونحوها، وانظر (نا) في الآية [٢٣] من سورة (الحجر). الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، وانظر إعراب (حفظنا) في الآية رقم [١٧] من سورة (الحجر). ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: بمحذوف حال، والكاف في محل جر بالإضافة، ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿رِجالاً:﴾ مفعول به. ﴿نُوحِي:﴾ مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». هذا؛ ويقرأ: «(يوحى)» فهو مبني للمجهول مرفوع أيضا، وعلامة الرفع في الأول: مقدرة على الياء، وفي الثاني: مقدرة على الألف. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿نُوحِي،﴾ ومتعلقان بنائب فاعل على قراءة «(يوحى)» والجملة الفعلية على الاعتبارين صفة رجالا، وجملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، والأول: أقوى. ﴿فَسْئَلُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١] (اسألوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، والذكر مضاف إليه، وجملة: ﴿فَسْئَلُوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: (وإذا كنتم جاهلين فاسألوا...) إلخ وهذا الكلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿إِلاّ:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والجملة الشرطية تذييل للكلام السابق، ومؤكدة له لا محل لها. ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ أي: بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، والمراد بها: المعجزات التي أيد الله بها رسله، و (الزبر): الكتب، جمع: زبور، وهو الكتاب المقصور على

стр. 3044

الحكم، والمواعظ، من: زبرت الشيء: إذا حبسته. وقيل: (الزبور): المواعظ، والزواجر، من: وعظته إذا زجرته، وانظر أوجه الإعراب يتضح لك المعنى. ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد ب: ﴿الذِّكْرَ﴾ القرآن، وإنما سماه الله ذكرا؛ لأن فيه مواعظ، وتنبيها للغافلين، وانظر الآية رقم [٩] من سورة (الحجر) ففيها ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: ما أجمل إليك من أحكام القرآن، وبيان الكتاب يطلب من السنة، والمبيّن لذلك المجمل هو الرسول ﷺ ؛ أي: ما فيه من الأحكام، والوعد بقوله، وفعله. وكذلك مبين لما أجمله الله في كتابه من أحكام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وخاب الذين يقولون: لا نأخذ إلا بما في القرآن، وكيف يفهمون القرآن، ويعملون بتعاليمه، ويقومون بالتكاليف الإلهية إذا لم يأخذوا بالأحاديث النبوية، وخاب الذين يأخذون برواية بعض الصحابة، ويرفضون رواية الكثيرين منهم، فمثلهم كمثل من يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعضه. وانظر: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (إبراهيم) ﵇، وانظر الآية [٨٩] الآتية. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيما أنزل إليهم فيعملون به، وانظر مثل هذا الترجي في الآية [٢] من سورة (الرعد) وانظر «التفكر» في الآية رقم [٣] منها أيضا، وانظر شرح: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ أو بمحذوف صفة ﴿رِجالاً﴾ أي: رجالا ملتبسين بالبينات، أو بالفعل ﴿نُوحِي،﴾ أو ب: ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقولك: إن كنت عملت لك فأعطني حقي، أو بفعل محذوف يقع جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: بم أرسلوا؟ قيل: أرسلوا بالبينات. انتهى. جمل بتصرف كبير. وعلى الاعتبارات الثلاثة الأول: فالجملة: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها والتعليق بفعل محذوف هو قول ابن هشام في المغني، وأضيف: أنه أجيز أيضا تعليقهما بمحذوف حال من الضمير في: ﴿إِلَيْهِمْ﴾. ﴿وَالزُّبُرِ:﴾ معطوف على ما قبله. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به. ﴿لِتُبَيِّنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت» و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: أنزلنا. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: رجوع نائب الفاعل إليها، وجملة: ﴿وَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَما أَرْسَلْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَلَعَلَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لعلهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبر لعل، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿لِتُبَيِّنَ،﴾ فهي مفيدة للتعليل أيضا.

стр. 3045

﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: المكرات السيئات، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا برسول الله ﷺ ، وراموا صدّ أصحابه عن الإيمان بالإضافة لما فعلوا بهم من إيذاء، وسخرية. هذا؛ والمكر: تدبير الأمر في خفية، وهو أيضا: احتيال، وخداع. ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ:﴾ كما خسف بقارون. وخسف المكان: ذهب في الأرض، وبابه: جلس، وخسف الله به الأرض من باب: ضرب؛ أي: غاب فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ وخسوف القمر: ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة، والمهانة، والحقارة، قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن: عير الحيّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من جهة لا تخطر ببالهم، ولم يحتسبوها، كما فعل الله بقوم لوط وغيرهم، وقد أهلك القرشيون في غزوة بدر، ولم تكن في حسابهم، وانظر: ﴿يَشْعُرُونَ﴾ في الآية رقم [٢١]، ولا تنس: أن الكلام في: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ مثله في: ﴿أَفَمَنْ،﴾ ﴿أَفَلا﴾ في الآية [١٧]. الإعراب: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أمن): ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿مَكَرُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ صفة لمفعول مطلق؛ أي: مكروا المكرات السيئات، أو هو مفعول به على تضمين مكروا عملوا، أو فعلوا، وعلى هذين الوجهين، فالمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ﴾ في محل نصب مفعول ب: (أمن)، أو هو منصوب ب: (أمن)؛ أي: أمنوا العقوبات السيئات، وعلى الأول: فالمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ﴾ بدل من السيئات. ﴿بِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْتِيَهُمُ:﴾ معطوف على ﴿يَخْسِفَ﴾ منصوب مثله، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل. ﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، وجملة: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها، وجملة: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئات.

стр. 3046

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: يهلكهم في أسفارهم، أو في ليلهم، أو نهارهم، وفي جميع أحوالهم. ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ:﴾ الله، ولا يفوتونه، ولا يهربون من عقابه وانتقامه. الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ معطوف على ﴿يَخْسِفَ﴾ منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فيكون ﴿يَأْخُذَهُمْ﴾ مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية مفرّعة عما قبلها، واعتبار الفاء فصيحة، والجملة الاسمية جوابا لشرط مقدر جيد لا بأس به، ويكون التقدير: وإذا كان ذلك ممكنا، وليس متعذرا فما هم بمعجزين الله. تأمل، وتدبر. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على مخافة بأن يهلك قوما غيرهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب، وهم متخوفون. وقال الضحاك: المعنى: يأخذ طائفة، ويدع طائفة، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال ابن عباس، ومجاهد-﵄: أي: على تنقص من أموالهم، ومواشيهم، وزروعهم، بل: وأنفسهم؛ حتى أهلكهم كلهم، هذا؛ وتخوّنه الدّهر، وتخوّفه بالفاء والنون بمعنى، يقال: تخوّنني فلان حقي إذا تنقصه، قال لبيد: [الوافر] عذافرة تقمّص بالرّدافى... تخوّنها نزولي وارتحالي أي: تنقص لحمها، وشحمها كثرة الأسفار، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الرعد). وقال الليث بن سعد: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ:﴾ على عجل. وقيل غير ذلك. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ انظر الآية رقم [٧]، ولا تنس: أن في الكلام التفاتا من الغيبة إلى الخطاب. انظر الآية رقم [٢٢] ومعنى رأفته هنا: عدم المعاجلة بالعقاب، بل يمهل، ولكنه لا يهمل. الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَأْخُذَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلى تَخَوُّفٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أو من الفاعل المستتر. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ خبر

стр. 3047

(إنّ)، واللام هي المزحلقة. ﴿رَحِيمٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ:﴾ المراد: أهل مكة، ويقرأ الفعل بالتاء على الخطاب لجميع الناس، والفعل بصري، والمعنى: أو لم ينظروا بعين البصيرة إلى صنع الله، فيعتبروا، وتظهر لهم قدرة الله، فيخافوا منه، ويعبدوه، والمراد ب: ﴿شَيْءٍ:﴾ ماله جسم قائم، له ظل، من شجرة، أو جبل، ونحو ذلك. ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ أي: يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال، فيتقلص، ثم يعود في آخر النهار إلى حالة أخرى، فدورانه وميلانه من موضع إلى موضع سجوده، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء؛ لأنه يفيء من المغرب إلى المشرق؛ أي: يرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلق الظل، سواء أكان قبل الزوال، أو بعده، وهو ما توحيه الآية. وقيل: ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيء. وقيل: بل يختصّ الظلّ بما قبل الزوال، والفيء بعده، فالفيء لا يكون إلا في العشي، وهو ما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون في الغداة، وهو ما لم تنله الشمس، وفي «القاموس»: الظل: الفيء، والجمع: ظلال، وأظلال، وظلول، وظلّ الليل: سواده. ﴿وَهُمْ داخِرُونَ:﴾ خاضعون، صاغرون؛ إذ الدخور: الصغار، والذل. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (الرعد) هذا وقد قرئ: «(تتفيأ)» بالتاء، و (الشمائل) جمع: شمال على غير قياس؛ إذ القياس: أشمل، كذراع، وأذرع. تنبيه: في إفراد ﴿الْيَمِينِ﴾ وجمع الشمال أجوبة: أحدها أن الابتداء يقع من اليمين، وهو شيء واحد، فلذلك وحد اليمين، ثم ينتقص شيئا فشيئا، وحالا بعد حال، فهو بمعنى: الجمع، فصدق على كل حال لفظة «الشمال» فتعدد بعدد الحالات. الثاني: قال الزمخشري: واليمين بمعنى: الأيمان، يعني: أنه مفرد قائم مقام الجمع، وحينئذ فهما في المعنى جمعان، كقوله تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار. الثالث: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها؛ لأن قوله تعالى: ﴿ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. تنبيه: والجمع في قوله: ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّ من جملة ما خلق الله فيه من يعقل، فيكون في الكلام تغليب؛ أي: تغليب العقلاء على غيرهم، وهذا على اعتبار ﴿تَدَّخِرُونَ﴾

стр. 3048

عائدا إلى ﴿ما خَلَقَ اللهُ﴾. والثاني: لما وصف الله الظلال بالطاعة، والانقياد لأمره، وذلك صفة من يعقل؛ عبّر عنها بلفظ من يعقل، وجاز جمعها بالواو، والنون، وهو جمع العقلاء، وهذا على اعتباره عائدا إلى ﴿ظِلالُهُ﴾ تأمل. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف حسب ما رأيت في الآية رقم [١٧] (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: إلى الذي، أو شيء خلقه الله. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿يَتَفَيَّؤُا:﴾ مضارع. ﴿ظِلالُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ظِلالُهُ﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿عَنِ﴾ اسما بمعنى: جانب، فيكون ظرف مكان متعلقا بالفعل قبله، ويكون مضافا و ﴿الْيَمِينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالشَّمائِلِ:﴾ معطوف على ﴿الْيَمِينِ﴾. ﴿سُجَّداً:﴾ حال من ﴿ظِلالُهُ﴾. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بسجدا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿سُجَّداً،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي معطوفة على ﴿سُجَّداً،﴾ فتكون حالا ثانية. ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ﴾ ... ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾ قال العلماء: السجود على نوعين: سجود طاعة، وعبادة، كسجود المسلم لله . وسجود انقياد، وخضوع، كسجود الظلال، والجمادات، وسائر الحيوانات، ولفظ «الدابة» اسم لكل حيوان يدب على وجه الأرض، من إنسان، وحيوان، ووحش، وهوام، وغير ذلك؛ فلذا يطلق لفظ دابة على الذكر، والأنثى ممّا ذكر. وفي العرف يطلق لفظ الدابة على ذوات الأربع من الحيوان. وانظر الآية رقم [٥٦] من سورة (هود) ﵇. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ خصوا بالذكر كما خص جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة للتشريف، والتعظيم. ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ عن عبادة ربهم، وهذا ردّ على كفار قريش حيث زعموا: أن الملائكة بنات الله. وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [٢٥] من سورة (الرعد). وانظر «الكبر» في الآية رقم [٢٣] وانظر شرح ﴿السَّماواتِ﴾ و ﴿الْأَرْضِ﴾ في الآية رقم [٣].

стр. 3049

تنبيه: الأصل أن تكون «من» للعاقل، و «ما» لغير العاقل، وقد يعكس هذا فتستعمل «من» لغير العاقل كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل «ما» للعاقل كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل كما في الآية الكريمة في حكم واحد، وقوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فإن كل ما في السموات والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو: السجود والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت سبحا من بعد: (انظر إلى ما أرى) و «من» و «ما» تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى والجمع، والمذكر، والمؤنث، وانظر الآية [٦٧] من سورة (الإسراء). تنبيه: ملخص ما تقدم: أنّ «من» تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل: ١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام؛ التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء. ٢ - أن يندمج غير العاقل مع العاقل في حكم واحد كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الآية رقم [١٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٨] من سورة (الحج). ٣ - أن يقترن غير العاقل بالعاقل في عموم مفصل، كما في آية النور المذكورة آنفا؛ إذ الدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض، وقد فصلها على ثلاثة أنواع. وتستعمل «ما» للعاقل في ثلاث مسائل أيضا: ١ - إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، وهو كثير كالآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (طه): ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾. ٢ - إذا نزل العاقل منزلة غير العاقل، كقوله تعالى في سورة (النساء): ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير. ٣ - تستعمل «ما» في المبهم أمره كقولك، وقد رأيت شبحا من بعيد «انظر إلى ما أرى». الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بالفعل بعدهما، والتقديم يفيد الاختصاص. ﴿يَسْجُدُ:﴾ مضارع. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ مثل ما قبله. ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾

стр. 3050

متعلقان بمحذوف حال من (ما) و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: (ما). ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على ما، عطف خاص على عام. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (الملائكة)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: الملائكة يخافون الله تعالى. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يخافون أن ينزل عليه عذابا من فوقهم، أو يخافونه، وهو فوقهم بالقهر، والاستعلاء، فهم تحت التسخير، والتذليل بما علاهم من الاقتدار، والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه، ولا ينفك عنه، وهذا يعني أن لا فوقية معلومة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ،﴾ ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ:﴾ وفي سورة (التحريم): ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فهم مطبوعون على الطاعة، والامتثال لأوامر الله تعالى، ولا عصيان أبدا، وفي الآية الكريمة دليل على أن الملائكة مكلفون، مدارون بين الخوف، والرجاء. عن أبي ذر الغفاري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ وملك واضع جبهته ساجدا لله... إلخ». أخرجه الترمذي، وقال: عن أبي ذر موقوفا. وفي القاموس: أطّ الرّحل، ونحوه، يئطّ أطيطا: صوّت، والإبل أنّت تعبا، أو حنينا، والأطّاط: الصّيّاح. تنبيه: يسن السجود عند تلاوة الآيات الثلاث من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ للقارئ، والمستمع، فهي من الآيات الأربع عشرة التي يسن السجود لتلاوتها، واستماعها، في الصلاة، وخارجها، والدليل على ذلك سجود النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن عمر-﵄ «أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتّى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة». متفق عليه، وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسجود، فأبيت، فلي النّار». رواه مسلم. والله أعلم، وأجل، وأكرم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿يَخافُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَبَّهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء فيهما في
следующие страницы →