← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنّها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده العلامة الصبّان؛ لأنه قال: والمتّجه وفاقا لبعضهم أن ضمة التابع إتباع لا إعراب، ولا بناء، وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأنّ العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيّا للمجهول، نحو يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع، وقيل: إنّ رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلّى بال، ولكن لمّا لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب «أيّ» أي مع قرنها بحرف التنبيه، وردّه بعضهم بأنّ المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع، والإعراب الشائع الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الفارقة بين واو العلّة، وواو الضمير، هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والمشهور بين الناس، والأصل أن يقال في مثل ذلك: فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمة لمناسبة واو الجماعة، وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى الألف الاثنين، مثل: اعبدا، قد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المخاطبة مثل: اعبدي، وقد حرّك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. ﴿رَبَّكُمُ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة أو بدل من ﴿رَبَّكُمُ،﴾ أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف؛ التقدير: أمدح الذي، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، وهذان الوجهان على القطع. والإتباع هنا أقوى، بخلافه في الآية رقم [٣]، وفي الآية التالية. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على الكاف، التقدير: وخلق الذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، أي: الذين وجدوا من قبلكم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، والميم في كل ما تقدم حرف دال على جماعة الذكور. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: لعلكم تتقون الكفر، أو المعاصي، أو تتقون الله. وهو الأولى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية محتملة للتعليل، والحالية؛ أي: لتتقوا الله، وتخافوا عقابه، أو حال كونكم متقين الله، أو متعرضين للتقوى، وفي المغني لابن هشام: هي

стр. 72

مفيدة للتّحقيق؛ أي أنتم أحقّ بتقوى الله من جميع المخلوقات، أقول: والتعليل أقوى لعطف مثلها على التعليل في الآيتين رقم [١٥٠] و [١٨٤]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ ﴿جَعَلَ﴾ من الأفعال العامة، يجيء على ثلاثة أوجه: يأتي بمعنى: أخذ، طفق، فيكون من أفعال الشّروع، فلا يتعدى، كقول الشاعر: [الطويل] وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة... لضغمهماها يقرع العظم نابها وأيضا قول رجل من بني بحتر بن عتود، وهو الشاهد رقم [٤٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] وقد جعلت قلوص بني سهيل... من الأكوار مرتعها قريب ويأتي بمعنى: أوجد، وخلق، فيتعدّى لواحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ ويأتي بمعنى: صير، كما في الآية، فيتعدّى لمفعولين، ويأتي بمعنى: سمّى، فيتعدّى لمفعولين أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ أي: سمّوهم إناثا، وقال القرطبي: وقد تأتي زائدة، كما في قول الآخر: [البسيط] وقد جعلت أرى الاثنين أربعة... والواحد اثنين لمّا هدّني الكبر وعند التأمّل يتبيّن لك: أنّ المعنى: «قد صرت أرى... إلخ». ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿كُنْتُمْ:﴾ أصله كونتم، فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف فصار (كنتم) بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار (كنتم)، وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار «كونت» ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبله، صار «كونت» فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائهما فصار «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي. مسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قال وقام وغيرهما. ﴿رَيْبٍ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿عَبْدِنا:﴾ المراد به: سيد الرسل محمد ﷺ ، فكنى عنه بالعبودية، وهي مقام عظيم، والإضافة للتشريف،

стр. 73

«وتنويه بذكره، وتنبيه على أنه مختص به، منقاد لحكمه تعالى»، ولم يذكر ﵊ باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا؛ ذكر باسم محمد في سورة آل عمران، وسورة الأحزاب، وسورة محمد، وسورة الفتح، وذكر باسم أحمد في سورة الصف، وذكر باسم طه في سورة طه، وذكر باسم ياسين في سورة (يس)، وانظر «نا» في الآية [٥٢]. ﴿فَأْتُوا:﴾ فعل أمر ماضيه أتى يأتي، وهذا الفعل يستعمل لازما إن كان بمعنى حضر وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى وصل وبلغ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾. وأصل الأمر «اأتيوا» بهمزتين، الأولى للوصل، وهي مكسورة، فإذا انفتح ما قبلها قلبت ألفا كما في هذه الآية، فإذا بدأت بها قلبت الثانية ياء، فتقول: ايتيوا، ثم حذفت لام الفعل على نحو ما رأيت في «لَقُوا» في الآية رقم [١٤]. ﴿بِسُورَةٍ:﴾ هي الطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة، لأن السور كالمراتب والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة. قال النابعة: [الطويل] ألم تر أن الله أعطاك سورة... ترى كل ملك دونها يتذبذب والحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة، منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا، ومنها أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى؛ كان أنشط له وأبعث على القراءة منه لو استمر على القرآن بطوله، ومن ثم جزأ القراء القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا، ومنها أن الحافظ إذا حفظ سورة؛ اعتقد: أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه، ومنه حديث أنس-﵁: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا» أي عظم، ولذا أنزل الله تعالى التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه على أنبيائه مسورة مترجمة السور، وبوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. انتهى. نسفي بتصرف. ﴿مِثْلِهِ:﴾ انظر الآية رقم [١٧]. ﴿شُهَداءَكُمْ:﴾ جمع شهيد، وهو بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر والمعين. ﴿دُونِ:﴾ من الدنو، وهو القرب، ومثله أدنى وانظر الآية [١٦] ومنه: تدوين الكتب لأنه إدناء، أي تقريب البعض من البعض، ثم استعير للترب، فيقال: زيد دون عمرو، أي في الشرف والسيادة، ثم اتسع فيهما فاستعملا في كل تجاوز حد، إلى حد، هذا ويأتي دون بمعنى قدام، قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق تنبيه: قال تعالى في هذه الآية: ﴿مِمّا نَزَّلْنا﴾ وقال في كثير من الآيات: ﴿أَنْزَلْنا؛﴾ لأن الأول يفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات

стр. 74

الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريبهم، كما حكى ذلك عنهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿فِي رَيْبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر كان. ﴿مِمّا:﴾ أصله «من ما» جار ومجرور متعلقان بريب لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل أن تكون موصولة، ونكرة وموصوفة. ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، وانظر ﴿آمَنّا﴾ في الآية [١٤]، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط، محذوف، التقدير: نزلناه، وجملة ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. على عبدنا: متعلقان بالفعل قبلهما، و «نا» في محل جر بالإضافة. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ائتوا): إعرابه مثل إعراب ﴿اُعْبُدُوا﴾ في الآية رقم [٢١]، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها معطوف على قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً﴾ في الآية السابقة. وقيل: مستأنف. ﴿بِسُورَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ مِثْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة سورة، وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. والواو: حرف عطف. (﴿اُدْعُوا﴾): إعرابه مثل إعراب ﴿اُعْبُدُوا،﴾ ﴿شُهَداءَكُمْ:﴾ مفعول به. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل ادعوا، أو ب ﴿شُهَداءَكُمْ،﴾ لأنه جمع شاهد كما رأيت، أو هما متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من: ﴿شُهَداءَكُمْ،﴾ التقدير: منفردين عن الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إعراب هذا مثل إعراب سابقه، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب الشرط الأول عليه، وهو قوله: ﴿فَأْتُوا،﴾ والشرط، ومدخوله بمنزلة التوكيد للشرط الأول، ومدخوله. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا:﴾ أي: فإن لم تأتوا بسورة لعجزكم، ثم أكد هذا العجز بالجملة المعترضة بين فعل الشرط وجوابه، وصدّر سبحانه الجملة الشرطية ب (إن) التي للشك، والحال يقتضي (إذا) التي للجزم والتحقق، لأنه سبحانه لم يكن شاكّا في عجزهم، ولذلك نفى إتيانهم بالجملة المعترضة تهكما بهم، أو خطابا معهم على حسب ظنهم أنهم يقدرون. (اتقوا): انظر التقوى في الآية رقم [٢]، وأصله «اتقيوا» فعل به ما فعل ب: ﴿فَأْتُوا﴾ حيث حذفت الضمة على

стр. 75

الياء للثقل، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة. ﴿النّارَ:﴾ انظر الآية رقم [١٧]. ﴿وَقُودُهَا:﴾ بفتح الواو، أي ما توقد به النار، وأما بضمها فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح والضم يجري في الآلة والمصدر، وكذا يقال في الوضوء والسحور والطهور ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، وقرئ بفتح الواو وضمها أيضا. ﴿النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [٨]. ﴿وَالْحِجارَةُ:﴾ المراد به الأصنام التي عبدوها في الدنيا، وأمّلوا نفعها وشفاعتها، قال تعالى مخاطبا الكافرين في الدنيا: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ وعن ابن عباس ﵄: أنها حجارة الكبريت، فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن. والحجارة جمع حجر، كجمالة جمع جمل، وهو قليل غير منقاس. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ هيئت، وفيه دليل على أن النار مخلوقة، موجودة، وكذا الجنة. (الكافرين): انظر الآية رقم [٦]. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وهي في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لأنها ابتدائية... إلخ. الواو: واو الاعتراض. ﴿وَلَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب بلن... إلخ. والجملة الفعلية معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، وانظر ﴿اُعْبُدُوا﴾ في الآية رقم [٢١]. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة النار. ﴿وَقُودُهَا:﴾ مبتدأ، وها: في محل جر بالإضافة. ﴿النّاسُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿فَاتَّقُوا..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وانظر الآية السابقة. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى النار، والتاء للتأنيث. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة ﴿أُعِدَّتْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من النار، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» وقيل: مستأنفة، والأول أقوى. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَبَشِّرِ:﴾ أمر من البشارة، وهي الإخبار بما يسر المخبر به، وقد تستعمل بالشر وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿آمَنُوا:﴾ صدقوا، وانظر الإيمان في الآية رقم [٣]. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ الأعمال الصالحات على

стр. 76

اختلاف مراتبها ودرجاتها، من فعل مأمورات، واجتناب منهيات. ﴿جَنّاتٍ:﴾ جمع جنة، وهي البستان من النخل والشجر الكثير المتكاثف الذي يجن، أي: يستر ما يكون متداخلا فيه، وسميت دار الثواب جنة لما فيها من النعيم الذي لا ينفد، وجمع الجنة على جنات يدل على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان، واللام في ﴿لَهُمْ:﴾ للملك وهي تدل على أنهم استحقوا الجنات بسبب أعمالهم الصالحة. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ أي من تحت قصورها وأشجارها. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع نهر، وهو معروف في الدنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنة وأنهار الدنيا، هذا ويجمع النهر على أنهر ونهر ونهور، وهاء النهر تسكن وتفتح. ﴿وَأُتُوا بِهِ:﴾ جيئوا به ﴿مُتَشابِهاً:﴾ أي يشبه بعضه بعضا في اللون، ويختلف في الطعم. ﴿أَزْواجٌ:﴾ جمع زوج، وهو يطلق على الذكر والأنثى، وقد يقال للأنثى: زوجة. ﴿مُطَهَّرَةٌ:﴾ من الحيض وكل قذر يكون في الدنيا. «وكذلك مطهرة من دنس الطبع، وسوء الخلق، وغير ذلك، سواء كن من نساء الدنيا أم من الحور العين». وينبغي أن يلاحظ أن ذلك للذكور والإناث الصالحات، وإن كان الكلام بصيغة جمع الذكور، فيمكن أن يكون من باب تغليب الذكور على المؤمنات الصالحات، وتبشرهن بجنة عرضها الأرض والسموات. ﴿خالِدُونَ:﴾ ماكثون أبدا لا يفنون، ولا يخرجون، روى مسلم عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة يأكلون ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس، ولكن طعامهم ذلك جشاء، ورشحهم كرشح المسك». الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. (﴿عَمِلُوا﴾): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات، فهو منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: (﴿بَشِّرِ..﴾.) إلخ: معطوفة على جملة: ﴿فَاتَّقُوا..﴾. إلخ، كما تقول: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. أو جملة وصف بها ثواب المؤمنين معطوفة على جملة وصف بها عقاب الكافرين، كقولك: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿جَنّاتٍ:﴾ اسمها مؤخر منصوب، وعلامة نصبه مثل ﴿الصّالِحاتِ،﴾ ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و «ها» في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، وقيل: في محل جر بحرف جر محذوف،

стр. 77

التقدير: بأن، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿بَشِّرِ﴾). هذا وقرئ: («بشّر») بصيغة الماضي المبني للمجهول، على اعتباره معطوفا على: ﴿أُعِدَّتْ﴾. ﴿كُلَّما:﴾ انظر إعرابها مفصلا في الآية رقم [٢٠]. ﴿رُزِقُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿مِنْها:﴾ جار مجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ:﴾ بدل من ﴿مِنْها﴾ بدل اشتمال. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به ثان، وهو بمعنى: مرزوقا، وليس مصدرا؛ لأن المصدر لا يؤتى به متشابها، إنما يؤتى بالمرزوق كذلك، و (ما) والفعل ﴿رُزِقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله. ﴿هذَا﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿رُزِقْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و «نا»: نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد محذوف، التقدير: الذي رزقناه. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿قَبْلُ:﴾ اسم مبني على الضم، لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى في محل جرّ ب ﴿مِنْ﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، وجملة: ﴿قالُوا﴾ إلخ: جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل نصب صفة ثانية ل ﴿جَنّاتٍ﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم، أو هي مستأنفة لا محل لها. وقيل: في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، ولا وجه له. تأمل. ﴿وَأُتُوا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أُتُوا﴾): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُتَشابِهاً:﴾ حال من الضمير المجرور بالباء، وجملة: (﴿أُتُوا..﴾.) إلخ: في محل نصب حال من مفعول ﴿رُزِقْنا﴾ المحذوف، والرابط الواو والضمير المجرور في (﴿بِهِ﴾) و «قد» مقدرة قبل الفعل، ويكون ﴿مُتَشابِهاً﴾ حالا متعددة، أو متداخلة، وقيل: يجوز أن تكون مستأنفة، وقال الجمل: جملة: ﴿وَأُتُوا..﴾. إلخ: معترضة مقررة لما قبلها، ولا وجه له. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: واو الاستئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعتبرهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجٌ،﴾ وكثير لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، ﴿أَزْواجٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُطَهَّرَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: الجملة صفة ل ﴿جَنّاتٍ﴾ والواو مانعة من الوصفية، ولو قال: إنها في محل نصب حال من ﴿جَنّاتٍ﴾ لكان وجها مقبولا. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿هُمْ﴾): مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها.

стр. 78

﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄-في رواية أبي صالح عنه: لمّا ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً..﴾. الآية رقم [١٧]، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٩]، وفي رواية عطاء عن ابن عباس-﵄ أيضا، قال: لما ذكر الله آلهة المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ رقم [٧٣] من سورة (الحج) وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت؛ أي: في الضعف، والمهانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (العنكبوت)؛ قالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع؟ فأنزل الله الآية، وقال الحسن، وقتادة-﵄: لمّا ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل؛ ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله! فأنزل الله الآية الكريمة. انتهى قرطبي بتصرف. هذا؛ والأمثال من هذا القبيل كثيرة، مثل الآيتين رقم [٧٥] و [٧٦] من سورة (النحل)؛ ففيهما بحث جيد انظرهما. ﴿لا يَسْتَحْيِي:﴾ أصله يستحيي، عينه، ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء، فسكنت، واسم الفاعل على هذا مستحيي، والجمع: مستحيون، ومستحيين. وقرأ ابن محيصن: («يستحي») بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة، ورويت عن ابن كثير، وهي لغة تميم وبكر وائل، وهي قراءة شاذة، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء، واسم الفاعل مستح، والجمع مستحون ومستحين. انتهى قرطبي، وقاله الجوهري. هذا؛ والحياء بالنسبة للإنسان هو: انقباض النفس من الشيء، وتركه خوفا من اللوم، وهو ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل، والحياء خير ما يتحلّى به إنسان، فإذا ذهب الحياء من الإنسان، فقد ذهب منه كلّ خير، كما قال الشاعر الحكيم: [الوافر] إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء

стр. 79

والحياء بالمعنى المتقدم مستحيل في حقّ الله تعالى، بل المراد منه في حقه تعالى: التّرك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ : «إنّ الله حييّ كريم يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه عن سلمان الفارسي-﵁، وقال الزمخشري: أي: لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. وقول له آخر: هو من باب المشاكلة. ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً:﴾ معناه: يبيّن، فيتعدّى لواحد، وقيل: معناه: التصيير، فيتعدّى لاثنين، نحو: ضربت الطين لبنا، وقال بعضهم: لا يتعدّى لاثنين إلا مع المثل خاصّة. ﴿بَعُوضَةً:﴾ واحدة البعوض، وهو صغار البق، واشتقاقه من البعض، وهو القطع، ومنه بعض الشيء؛ لأنه قطعة منه، وقد بعضته تبعيضا، أي: جزأته، فتبعّض، وسميت البعوضة بذلك لصغرها. ﴿فَما فَوْقَها﴾. والبعوض من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية الصّغر، وله ستة أرجل، وأربعة أجنحة، وذنب، وله خرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل، والجاموس، والجمل، فيبلغ منه الغاية؛ حتى إنّ الجمل ليموت من قرصه. انتهى. خازن. قال القرطبي: والفاء بمعنى «إلى» أي: إلى ما فوقها، وهذا قول الكسائي، والفراء أيضا. وهذا قاله ابن هشام في مغني اللبيب في الآية نفسها، واستأنس بهذه الآية، ليثبت: أنّ الفاء وقعت بمعنى «إلى» في قول امرئ القيس في أول معلقته، وهو الشاهد رقم [٢٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل انظر الكلام عليه إن كنت من أهل مغني اللبيب تجد الكلام عليه طويلا وعريضا، واعتبر من العكس، أي: مجيء «إلى» بمعنى الفاء في قول كثير عزّة، وهو الشاهد رقم [٢٩٥] من كتابنا المذكور: [الطويل] وأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا... إليّ وأوطاني بلاد سواهما هذا وفي الفوقية قولان: أحدهما: فما دونها في الصّغر، والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشّحّ، فيقول السامع: نعم هو فوق ذلك، يعني: فيما وصفت، وهذا قول أكثر المحققين، قال الرسول ﷺ : «لو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». رواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عن أبي سهل بن سعد ﵁. والثاني: ﴿فَما فَوْقَها﴾ لما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر، ولا أصغر من البعوضة. وهذا قول قتادة بن دعامة، واختيار ابن جرير، فإنه يؤيد ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة».

стр. 80

فأخبر الله: أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة. فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب، والعنكبوت. انتهى مختصر ابن كثير بتصرف. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أي: بالله، ورسوله. ﴿فَيَعْلَمُونَ:﴾ فيعتقدون، ويوقنون: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الحق: خلاف الباطل وضده، قال الراغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق: المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، والحقّ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة: حقّ، ولذلك يقال الشيء نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حقّ، وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب؛ أي أثبته حقّا، أو حكمت بكونه حقّا. بغدادي. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: لغة تميم وبني عامر في «أَمَّا»: «أيما» يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة، وهو الشاهد رقم [٨٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر وانظر الشاهد رقم [٨٩] منه أيضا فإنه جيد، والكلام عليه أجود. ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ أي: وأما الذين كفروا؛ فيتعجبون، ويقولون: ما الذي أراده الله من ضرب الأمثال بهذه الأمور الحقيرة، وإنما سمّوه مثلا؛ لأنه استعارة من المثل المضروب؛ لأنه ما غرب من الكلام وبدع استغرابا منهم لهذا المثل، واستبعادا له، وتحقيرا له أيضا. ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً:﴾ أي يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم به، ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء هدى. هذا؛ ومثل هذه الآية الآية رقم [٣١] من سورة المدثر. ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ أي: وما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إلا الخارجين عن طاعة الله الجاحدين بآياته. هذا؛ وقال علماء التوحيد: ليس معنى إضلال الله لفريق، وهدايته لفريق آخر: أنه تعالى يجبر كلاّ منهما على الضلالة، والهدى، ولا أنه سبحانه يكرههم على سلوك سبيلي الخير والشر، كلاّ، فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي، بل مناف لحكمة التشريع السّماوي، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة، القاطعة الدالة على أن العبد له إرادة، واختيار، هما مناط التكليف، والمؤاخذة، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح، سأل رجل عليّا-﵁ فقال: أكان مسيرك إلى الشام يعني: «لقتال أهلها» بقضاء الله، وقدره، فقال له: ويحك! لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حاتما! ولو كان كذلك؛ لبطل الثواب، والعقاب، وسقط الوعد، والوعيد، إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، ولم يكلف عسيرا،

стр. 81

ولم ينزل الكتاب عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾. وعلى ضوء هذا يفهم معنى الهداية، والإضلال. انتهى. صابوني. ولا تنس المقابلة بين: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ وهو من المحسنات البديعية. هذا؛ وقدم الإضلال على الهداية؛ ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوءهم، ويفتّ أعضادهم، وأوثرت صيغة الاستقبال إيذانا بالتجدد، والاستمرار. هذا و (القول) يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدّال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (المجادلة). الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النّخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. الخامس: الاعتقاد. كما تقول: هذا قول الأشاعرة، وهذه مقالة المعتزلة؛ أي: ما يعتقدونه. وانظر شرح الكلام في الآية رقم [٧٥]. أمّا الإرادة فهي: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل؛ بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة الّتي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته، فقيل: إرادته لأفعاله: أنّه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره: أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح. انتهى بيضاوي بتصرف. وانظر الآية رقم [١٨٤] الآتية تجد ما يسرك. هذا؛ و (الإضلال): خلق فعل الضلال في العبد، و (الهداية) خلق فعل الاهتداء فيه، هذا هو الحقيقة عند أهل السنة. انتهى نسفي. قال تعالى في سورة الأعراف رقم [٢٩]: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وعن عبد الله بن عمرو-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ». أخرجه الترمذيّ. وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، والجواب: أن معنى خلق... إلخ، تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه لم يختر سوى الكفر والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضّلال بعد أن بين الله الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال تعالى في سورة (البلد): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير والشر. وأخيرا خذ قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٢٣]: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾. ومذهب المعتزلة بخلاف هذا؛ لأنهم يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه بقدرة خلقها الله فيه. وأخيرا: ف ﴿الْفاسِقِينَ﴾ جمع: فاسق، وهو الخارج عن حدّ الإيمان، وأصل الفسق: الخروج عن حد القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث

стр. 82

درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إياها، فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن، لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان. انتهى بيضاوي. وخذ ما قاله الزمخشري رحمه الله تعالى، وهو من نظمه: [الكامل] يا من يرى مدّ البعوض جناحها... في ظلمة اللّيل البهيم الأليل ويرى عروق نياطها في نحرها... والمخّ في تلك العظام النّحّل اغفر لعبد تاب من فرطاته... ما كان منه في الزّمان الأوّل ولعلّها توبته من الاعتزال، والله أعلم بحقيقة الحال، وإليه المرجع والمآل. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر يعود إلى الله، تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (﴿إِنَّ﴾)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. (﴿إِنَّ﴾): حرف ناصب. ﴿يَضْرِبَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ أيضا، و ﴿إِنَّ﴾ والفعل والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من ضرب، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا عند الخليل، وأما سيبويه فيعتبر المصدر في محل نصب بنزع الخافض، وبعضهم يعتبره مفعولا به بإجراء اللازم مجرى المتعدي. ﴿مَثَلاً ما بَعُوضَةً﴾ في هاتين الكلمتين أعاريب واعتبارات: الأول: اعتبار الفعل ﴿يَضْرِبَ﴾ بمعنى «يجعل» نصب ﴿مَثَلاً﴾ و ﴿بَعُوضَةً﴾ مفعولين، و ﴿ما﴾ صفة: ﴿مَثَلاً،﴾ أو زائدة. والثاني: اعتبار ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان من ﴿مَثَلاً﴾ و ﴿ما﴾ صفة، أو زائدة. والثالث: اعتبار (﴿بَعُوضَةً﴾) بدلا من ﴿مَثَلاً﴾ و ﴿مَثَلاً﴾ مفعول به، و ﴿ما﴾ صفة أو زائدة للتأكيد. والرابع: اعتبار ﴿بَعُوضَةً﴾ مفعولا به و ﴿مَثَلاً﴾ حال منها؛ لتقدّمه عليها. والخامس: اعتبار ﴿ما﴾ نكرة صفة ﴿مَثَلاً﴾ أو بدل منها، و ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان على ﴿ما﴾. هذا؛ وقال القرطبي، وهو في مغني اللبيب أيضا: نصبت ﴿بَعُوضَةً﴾ على تقدير إسقاط الجار، المعنى: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة، فحذفت «بين» وأعربت بعوضة بإعرابها، والفاء بمعنى «إلى» أي: إلى ما فوقها، وهذا قول الكسائي، والفراء أيضا، وأنشد أبو العباس لمجهول لم يسمّ، وهو الشاهد رقم [٢٩٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [البسيط] يا أحسن النّاس ما قرنا إلى قدم... ولا حبال محبّ واصل تصل

стр. 83

أراد ما بين قرن، فلمّا أسقط «بين» نصب. انتهى قرطبي. وعليه فالتقدير في الآية: «ما بين بعوضة» فحذفت «بين» وانتصب ﴿بَعُوضَةً﴾ مكانها، وذكرت لك في الشرح أن القرطبي قال: والفاء بمعنى «إلى»، وهو في مغني اللبيب أيضا، وانظر الشواهد رقم [٢٩٣ و ٢٩٤ و ٢٩٥] من كتابنا فتح القريب المجيب إن كنت من أهل النّحو، والإعراب. هذا وقرئ شاذّا: («بعوضة») بالرفع، قال أبو الفتح ابن جني: ووجه ذلك: أن ﴿ما﴾ اسم بمنزلة: «الذي» و («بعوضة») رفع على إضمار مبتدأ. التقدير: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ، ومثله قراءة بعضهم في قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم ١٥٤]: («ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن») أي: هو أحسن، وعليه ف (﴿ما﴾) موصولة حذف صدر صلتها، أو هي موصوفة بالجملة كذلك، ومحلّها النصب بالبدلية من ﴿مَثَلاً﴾ على الوجهين، أو هي استفهامية على أنها مبتدأ و («بعوضة») خبرها، والمعنى: أي شيء البعوضة فما فوقها في الحقارة، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون، أو هي نكرة موصوفة معطوفة على ﴿بَعُوضَةً﴾. ﴿فَوْقَها﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو صفة لها. (أمّا) أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين آمنوا فيعلمون... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب: مهما يك من شيء، فصار: (أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾). وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد أنه واقع لا محالة لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل وفاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿فَيَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما)، (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبره. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ﴾ التقدير: ثابتا، أو كائنا، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (يعلمون)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وهي في الوقت نفسه جواب (أمّا) والجملة الاسمية: (﴿أَمَّا الَّذِينَ..﴾.) إلخ، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها مفرعة عما قبلها، وهي بمنزلة الاستئناف. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة كإعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها لا محل لها مثلها.

стр. 84

﴿ماذا:﴾ (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز أن يكون: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدّم، والأول أقوى؛ لأن مفعول ﴿أَرادَ﴾ يحذف كما رأيت في الآية رقم [٢٠]. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له، مقحم بين الجار والمجرور، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، وهذا على الوجه الأول في إعراب ﴿ماذا،﴾ أو في محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه، أو هي جملة فعلية على الوجه الثالث في إعرابه، وعلى جميع الوجوه؛ فجملة: ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا:﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿مَثَلاً:﴾ تمييز لاسم الإشارة، أو حال. ﴿يُضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: خلقا، أو ناسا كثيرا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجوز أبو البقاء اعتبارها صفة مثلا، أو حالا من لفظ الجلالة، كما جوز الاستئناف، وصوّبه ابن هشام في المغني وجملة: (﴿يَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾): معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاَّ﴾ حرف حصر. ﴿الْفاسِقِينَ﴾ مفعول به منصوب... إلخ. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يُضِلُّ﴾ و (﴿يَهْدِي﴾) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ:﴾ النقض: فك التركيب، وأصله: فك طاقات الحبل، واستعماله في إبطال العهد استعارة، حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو النقض على سبيل الاستعارة المكنية. ﴿عَهْدَ اللهِ:﴾ قيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ بأن يقرّوا بربوبيته، وهو قوله تعالى: في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾. والعهد الثاني: خصّ به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويتمّوا الدين، وهو قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾. والعهد الثالث: خصّ به العلماء من كل أمّة وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾.

стр. 85

﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ:﴾ الميثاق: العهد المؤكد باليمين، والجمع: مواثيق على الأصل؛ لأنّ أصل ميثاق: موثاق، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ومثله: ميزان، وميعاد، ونحوهما. ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الإيمان بالرّسول ﷺ وصلة الأرحام، وموالاة المؤمنين، وعدم التفرقة بين الرسل، والكتب في التصديق، فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل، والرحم جزء من هذا. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر، والمعاصي، والظّلم، وإثارة الفتن، والتعويق عن الإيمان، والصدّ عن سبيل الله بالتّرغيب أحيانا، وبالتّرهيب أحيانا أخرى. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ حيث استبدلوا المعصية بالطاعة، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب. هذا وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على أنّ الوفاء بالعهد، والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذمّ الله تعالى من نقض عهده، وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. انتهى. هذا وقيل في تفسير الخازن: إنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁-قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلاّ له منزلان: منزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله» فذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون)، الآية رقم [١٠]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة في سورة (الرّعد) رقم [٢٥]. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿الْفاسِقِينَ﴾ أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذم، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده. ﴿يَنْقُضُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿عَهْدَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: عهدهم الله، أي معاهدتهم الله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة. وليس بشيء. ﴿بَعْدِ﴾ مضاف و ﴿مِيثاقِهِ:﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله على اعتباره عائدا على «العهد» وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره عائدا على ﴿اللهِ،﴾ وجملة: ﴿يَنْقُضُونَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَيَقْطَعُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقْطَعُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَمَرَ اللهُ بِهِ:﴾ صلته. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يُوصَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾ ونائب الفاعل يعود إلى الموصول، وهو العائد: و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدل من

стр. 86

الضمير بدل ظاهر من مضمر، وقيل: في محل نصب بدل من ﴿ما﴾ والأول أولى لقربه، وجوز أن يكون المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الوصل: وقيل: مفعول لأجله على حذف المضاف، التقدير: كراهة أن يوصل، أو التقدير: لئلا يوصل: ومثل ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته المشهورة رقم [٩٧] وهو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا وجملة: (﴿يَقْطَعُونَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: (﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾): معطوفة أيضا. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، هذا ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة لا محل لها. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام المراد به التعجب من كفرهم، وذلك من قبل العباد، والمراد به التوبيخ والتقريع من جهة الله تعالى، ولذلك أتبعه بالبرهان القاطع على سفاهتهم؛ حيث كفروا به، وعبدوا من لا يستحق العبادة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتاً..﴾. إلخ: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين، والحياتين، وكم من موتة وحياة للإنسان؟ فقال ابن عباس، وابن مسعود-﵃: أي: كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا، فأحياكم؛ أي: خلقكم، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثمّ للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها؛ قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له لا حجّة عليها. وقيل: كنتم أمواتا؛ أي نطفا في أصلاب الرجال، وأرحام النّساء، ثم نقلكم من الأرحام، فأحياكم، ثم يميتكم من هذه الحياة، ثمّ يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر، وهي الحياة التي ليس بعدها موت، فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات، انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [١١]: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ..﴾. إلخ، انظر شرحها هناك، وقال تعالى في سورة الجاثية رقم [٢٦]: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾.

стр. 87

﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيحاسبكم على ما تعملون، من صغير، وكبير، وانظر الآية رقم [١٨]. هذا؛ وقد عطف سبحانه الإحياء الأول بالفاء على «الموت» وعطف البواقي ب ﴿ثُمَّ﴾ لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة، والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت، وكذلك الرّجوع إليه سبحانه يتراخى عن الإحياء بسبب طول يوم القيامة. تنبيه: جاء في مغني اللّبيب ما نصّه: وتستعمل «كيف» على وجهين: أحدهما: أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين، نحو كيف تصنع أصنع، ولا يجوز: كيف تجلس أذهب، باتّفاق، ولا: كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مرّ، وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون، وقيل: يجوز بشرط اقترانها ب «ما» قالوا: ومن ورودها شرطا قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ،﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبله عليه، وهذا يشكل على إطلاقهم أنّ جوابها يجب مماثلته لشرطها. وقد استدرك بعض المعلّقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنّه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري يستلزم المشيئة، والأصل: كيف يشاء أمرا يشاء التصوير في الأرحام، كيف يشاء أمرا يشاء الإنفاق. كيف يشاء أمرا يشاء بسطه، غاية الأمر: أنّ متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبله عليه؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى دفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالاّ على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها، وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف. انتهى. الإعراب: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله الفعل بعده، وصاحبه: واو الجماعة. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجملة: (﴿كُنْتُمْ أَمْواتاً﴾) في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير، و «قد» مقدّرة قبل الفعل الماضي الناقص لتقربه من الحال. (أحياكم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يُمِيتُكُمْ:﴾ معطوفة أيضا. ﴿يُحْيِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا، فهي في محل نصب حال أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على ما قبلها.

стр. 88

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ:﴾ معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان: «خَلَقَ» عند إنشائه شيئا، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل] من كان يخلق ما يقو... ل فحيلتي فيه قليله هذا وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين. هذا؛ وقال القرطبي-﵀: وفي أصل الخلق وجهان: الأول: الإنشاء، والاختراع، والإبداع، قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (العنكبوت). والثاني: التقدير، يقال: خلقت الأديم للسّقاء: إذا قدّرته، قبل القطع، قال الشاعر: [الكامل] ولأنت تفري ما خلقت، وبع... ض القوم يخلق ثمّ ولا يفري ومعنى ﴿لَكُمْ:﴾ لأجلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم، ودينكم، أما الانتفاع الدّنيوي، فظاهر، وأما الانتفاع الدّيني؛ فالنظر فيه، وما فيه من عجائب الصّنع الدّالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة، وبثوابها، وعقابها... إلخ، ولذا أوجز بعضهم القول فيه، فقال: إنه دليل على التوحيد، والاعتبار، يدلّ عليه ما قبله، وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء، وتسويتها. وقد استدل بهذه الآية، وما كان مثلها، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة الجاثية ومثلها كثير: أنّ أصل الأشياء الّتي ينتفع بها الإباحة؛ حتى يقوم الدّليل على الحظر، والمنع. ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ:﴾ الاستواء في اللغة: الارتفاع، والعلوّ على الشّيء، قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٢٨]: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الزخرف) رقم [١٣]: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ ويقال: استوت الشمس على رأسي، واستوت الطّير على قمة رأسي، بمعنى: علا. وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه: قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها، ولا نفسّرها، وذهب إليه كثير من الأئمّة، وهذا كما روي عن مالك-﵀: أنّ رجلا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء، أخرجوه! وقال بعضهم: نقرؤها، ونفسّرها على ما يحتمل ظاهر اللّغة، وهذا

стр. 89

قول المشبّهة، وقال بعضهم: نقرؤها، ونتأوّلها، ونجعل حملها على ظاهرها. انتهى قرطبي بحروفه. أقول: وهذا الأخير هو الذي يفسر بقصد إرادته ومشيئته، وهذا مذهب التأويل، والأوّل مذهب التفويض، والثاني مذهب التشبيه، ويقول أهل مذهب التأويل أيضا: استوى: استولى، كما قال الشاعر: [الرجز] قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ودم مهراق هذا وتفيد هذه الآية: أنّ الله تعالى خلق الأرض قبل السّماء، كذلك قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ..﴾. إلخ. انظر شرحها هناك، فإنه جيد، والحمد لله! وقال في سورة (النازعات) رقم [٢٧]: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ فوصف خلقها، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ فكأنّ السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وهذا قول قتادة ﵁: إنّ السّماء خلقت أولا. وقال مجاهد، وغيره من المفسّرين: إن الله تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، فجعله أرضا، وثار منه دخان فارتفع، فجعله سماء، فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمره إلى السّماء، فسواهنّ سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلقها غير مدحوّة. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وقول قتادة يخرّج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو: أنّ الله تعالى خلق أولا دخان السماء، ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فسوّاها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقد شرحت ذلك، وفصلته في سورة (فصلت) والحمد لله!. قال القرطبي: ذكر الله تعالى: أنّ السموات سبع، ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ،﴾ وقد اختلف فيه، فقيل: ومن الأرض مثلهنّ في العدد؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، فتعيّن العدد، وقيل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في غلظهنّ وما بينهنّ. وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض، قال الداودي: والصّحيح الأول، وأنها سبع كالسّماوات. روى مسلم عن سعيد ابن زيد ﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين». ومن حديث أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ : «لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقّه إلاّ طوّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة». رواه مسلم أيضا. ومعنى: (سواهنّ): سوى سطوحهن بالإملاس، وقيل: جعلهنّ سواء، وقيل: خلقهن مستويات لا عوج فيهنّ، ولا شقوق. ﴿عَلِيمٌ:﴾ من صيغ المبالغة، ومعناه: الواسع العلم؛ الذي أحاط علمه بجميع الأشياء، قال أبو حيان: وصف تعالى نفسه ب (عالم، وعليم، وعلام) وهذان للمبالغة، وقد أدخلت العرب

стр. 90

الهاء لتأكيد المبالغة في: (علاّمة) لا يجوز وصفه به تعالى، فالله هو العالم، والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم، أزليّ، واحد، قائم بذاته، ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلميّة، وقالت الجهميّة: عالم بعلم قائم لا في محل، تعالى الله عن قول أهل الزيغ، والضلالات، وقد وصف الله نفسه بالعلم، فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ وقال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ وقال تعالت قدرته: ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، لا محل لها، التقدير: يوجد في الأرض. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من ﴿ما﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (﴿الَّذِي﴾) أيضا، والجملة الفعلية لا محل لها معطوفة على ما قبلها، ﴿إِلَى السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (سوّاهن): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به ثان على اعتبار: (سوّى) بمعنى: صيّر، قيل: بدل من الضمير المنصوب، وقيل: تمييز، وقيل: تفسير للضمير. وقال الأخفش: انتصب على الحال، وأقواها الأوّل. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبتدأ. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و (كلّ): مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، إن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ الشرح: لمّا امتن الله تعالى على العباد بنعمة الخلق، والإيجاد، وأنّه سخّر لهم ما في الأرض جميعا، وأخرجهم من العدم إلى الوجود؛ أتبع ذلك ببدء خلقهم، وامتنّ عليهم بتشريف

стр. 91

أبيهم، وتكريمه، بجعله خليفة، وإسكانه دار الكرامة، وإسجاد الملائكة تعظيما لشأنه، ولا شك: أنّ الإحسان بذلك؛ لأنه من وجوه النّعم الّتي أنعم بها عليهم. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿وَإِذْ قالَ:﴾ «إذ» و «إذا» حرفا توقيت، ف «إذ» للماضي، و «إذا» للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى، وقال المبرّد: إذا جاء «إذ» مع مستقبل، كان معناه ماضيا، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ﴾ وقوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ معناه: إذ مكروا، وإذ قلت، وإذا جاء «إذا» مع الماضي؛ كان معناه مستقبلا، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ،﴾ ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ معناه: يجيء، ويجب إضافتهما إلى الجمل ك «حيث» في المكان، وبنيتا تشبيها لهما بالموصولات، واستعملتا للتعليل، والمجازاة، ومحلهما النصب أبدا بالظرفية، فإنهما من الظروف الغير متصرفة. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ جمع: ملك. والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله: الصّلادمة، والصّلادم: الخيل الشداد، واحدها: صلدم، وقيل: هي للمبالغة كعلاّمة، ونسابة. وقال أرباب المعاني: خاطب الله الملائكة لا للمشورة، لكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات، والعبادة، والتسبيح، والتقديس، ثم ردهم إلى قيمتهم، فقال : ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. هذا؛ والملائكة: أجسام نورانية لطيفة، قادرة على التشكّل، والتمثّل بأيّة صورة أرادوا، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يتناسلون، ولا يتناكحون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، ولهم قدرة خارقة، ولا تحكم عليهم الصّورة، وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى في سورة المدثر الآية رقم [٣١]: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال. ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار. ويتشكّلون بأشكال حسنة. ومعنى لا تحكم عليهم الصورة: أنّ الملك إذا تصور بصورة ما، وسدّد إنسان سهما نحوه، أو جني عليه بجناية؛ فلا يناله شيء من الأذى، بخلاف الجنّي إذا تصور بصورة ما؛ فيجري عليه حكم الصورة بلحوق الأذى إليه. وانظر ما ذكرته في سورة (الجنّ) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿خَلِيفَةً:﴾ يخلفني في تنفيذ أحكامي في الأرض. وأفاد كلام ابن عباس، وابن مسعود ﵄-وجميع أهل التأويل: أن المراد آدم، ﵊، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه، وأوامره، لأنه أول رسول إلى الأرض، كما في حديث أبي ذرّ-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! أنبيّا كان مرسلا؟ قال: «نعم». وقد كان آدم رسولا إلى ولده، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا، في كل بطن ذكر، وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، كما قال

стр. 92

تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ رقم [١] من سورة (النساء). وأنزل عليه تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وعاش ألف سنة، والله أعلم. ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها:﴾ أي بالمعاصي، والمنكرات. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ:﴾ السّفك: الصّبّ، والإراقة، ولا يستعمل إلا في الدم، قال في المصباح: وسفك الدم: أراقه، وبابه ضرب، والمراد: يقتل، ويستحلّ. وهذا السؤال ليس اعتراضا على الله، وإنما هو على سبيل التعجب، لا على سبيل الإنكار، والاعتراض، فإن قيل: من أين عرفوا: أن هذا الخليفة، وذرّيته يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء؟ فالجواب: إنما عرفوا ذلك بإخبار الله تعالى، أو من جهة اللّوح المحفوظ، أو قاسوا أحد الثقلين، أي: الإنس على الآخر، وهم الجنّ، فإن الله تعالى لما خلق الأرض أسكن فيها الجنّ، وأسكن في السماء الملائكة، فأفسدت الجنّ في الأرض، فبعث إليهم طائفة من الملائكة، فطردتهم إلى جزائر البحار، ورءوس الجبال، وأقاموا مكانهم. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أي: نقول: سبحان الله، وبحمده، وهي صلاة الخلق، وبهما يرزقون، فعن أبي ذرّ-﵁: أنّ رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفى الله لملائكته، أو لعباده: سبحان الله وبحمده». رواه الإمام مسلم. والتسبيح لله أينما كان؛ فمعناه تنزيه الله، وتبرئته عن السّوء. روى طلحة بن عبيد الله-﵁، أحد العشرة المبشرين بالجنة-، قال: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير «سبحان الله» فقال: «هو تنزيه الله عن كل سوء». وخذ ما يلي: فعن سليمان بن يسار عن رجل من الأنصار: أنّ النّبي ﷺ قال: «قال نوح لابنه: إنّي موصيك بوصيّة، وقاصرها؛ لكي لا تنساها، أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، أمّا اللتان أوصيك بهما؛ فيستبشر الله بهما وصالح خلقه، وهما يكثران الولوج على الله، أوصيك: بلا إله إلا الله، فإنّ السموات والأرض لو كانتا حلقة قصمتهما، ولو كانتا في كفّة وزنتهما، وأوصيك: بسبحان الله وبحمده، فإنّهما صلاة الخلق، وبهما يرزق الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. وأمّا اللتان أنهاك عنهما، فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشّرك والكبر». رواه النسائي. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ التقديس: التعظيم، والتطهير، والمعنى: نطهرك عن النقائص وعن كل سوء، ونصفك بما يليق بعزك، وجلالك من العلوّ، والعظمة، ونطهّر ذكرك مما نسبه إليك الملحدون. ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد؛ التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني أجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصدّيقون، والشهداء، والصّالحون، والعبّاد، والزهّاد، والأولياء، والأبرار، والمقرّبون، والعلماء العاملون، والخاشعون، والمحبّون له ﵎، المتّبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.

стр. 93

وقد استدل القرطبيّ وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن ارتكاب الفواحش... إلى غير ذلك من الأمور المهمة، التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويجب أن يكون الخليفة ذكرا، حرّا، بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، مجتهدا، بصيرا، سليم الأعضاء، خبيرا بالحروب والآراء، قرشيّا على الصّحيح، ولا يشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطأ، خلافا للغلاة، والروافض. مختصر ابن كثير. ﴿الدِّماءَ:﴾ أصله: الدماي، لأنه جمع دم الذي أصله: دمي، فقلبت الياء همزة كما رأيت في (بناء) في الآية رقم [٢٢]، والأصح: أن أصل المفرد دمو، فيكون الجمع: الدّماء، وقلبت الواو همزة، كما رأيت في سماء في الآية رقم [١٩]، وفي الصحاح: الدم أصله دمو بالتحريك. وإنما قالوا: دمي يدمى لحال الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا: رضي يرضى، وهو من الرضوان، قال الشاعر: [الوافر] فلو أنّا على حجر ذبحنا... جرى الدّميان بالخبر اليقين وبعض العرب يقول في تثنيته: دموان. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر، أو هو مفعول به للفعل المحذوف، وقيل: هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: ابتداء خلقي إذ قال، وقيل: زائدة، وهذان الوجهان ضعيفان، وقال الجمل: والأحسن جعله منصوبا ب ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ﴾ أي: قالوا ذلك القول وقت قول الله لهم: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ لأنه أسهل الأوجه. انتهى. نقلا عن كرخي. وهو تكلف لا داعي له، وابن هشام-رحمه الله تعالى-لم يذكر في مغني اللبيب سوى كونها ظرفا، أو كونها مفعولا به. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خَلِيفَةً﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿جاعِلٌ:﴾ خبرها، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا» والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿جاعِلٌ﴾ على أنهما مفعول به ثان له تقدّم على الأول وهو ﴿خَلِيفَةً﴾. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَتَجْعَلُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتعجب. (﴿تَجْعَلُ﴾): فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنت. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور

стр. 94

متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قالُوا..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب عن سؤال مقدر، فكأن قائلا قال: ماذا قالت الملائكة؟ قيل: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، ﴿يُفْسِدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد. ﴿فِيها﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (﴿يَسْفِكُ الدِّماءَ﴾): معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿نُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو فقط، وإن اعتبرتها حالا من فاعل (﴿تَجْعَلُ﴾) فالرابط: الواو، والضمير، والمعنى عليه أقوى. ﴿بِحَمْدِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿نُسَبِّحُ﴾ أي: متلبسين بحمدك، فهي حال متداخلة. وجملة: (﴿نُقَدِّسُ لَكَ﴾): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، واللام زائدة، وعليه فالكاف في محل نصب مفعول به، والأصل: «نقدسك» وقيل: ليست زائدة، فهي جارة للكاف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿نُقَدِّسُ﴾) على أنّهما في محل نصب مفعول به. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر (إنّ)، واعتبره أبو البقاء اسما بمعنى: عالم، كما جوز اعتباره فعلا مضارعا، فاعله مستتر تقديره: أنا، والجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ: لا محل لها مثل جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿أَعْلَمُ﴾ على الاعتبارين المذكورين فيه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، أو صفة ﴿ما﴾ إن كانت نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا لا تعلمونه. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها:﴾ تعليم الله لآدم ذلك بإلهام علمه ضرورة، ويحتمل أن يكون ذلك بواسطة جبريل ﵇، قال ابن عطاء: لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء؛ لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها، وهذا واضح. وكنيته في الجنّة أبو محمد، وفي الأرض أبو البشر. و ﴿آدَمَ﴾ اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى السّمرة، أو من أديم الأرض، أي: من وجهها وترابها، أو من الأدمة بمعنى الألفة، قال سعيد بن جبير-﵁: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي، وأصله «أأدم»

стр. 95

بهمزتين، قلبت الثانية مدّا، مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإنّ أصله ب: «إئمان» وكما قلبت في أومن، فإنّ أصله: «أؤمن»، ﴿الْأَسْماءَ:﴾ جمع: اسم، انظر اشتقاقه في البسملة. هذا واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها الله لآدم ﵇، فقال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير-﵃ أجمعين-: علمه أسماء الأشياء كلها: جليلها، وحقيرها، لذا قيل: والمراد بالأسماء أسماء الأشياء، والأجناس التي خلقها، مثل: هذا فرس، وهذا بعير، وهذا باب، وهذا ثوب. وقيل: المراد بالأسماء: اللغات، مثل العربية، والتركية، أقول: وكل ذلك صحيح، علّمه كل شيء حتى القصعة، والقصيعة، والمغرفة... إلخ، وبالجملة فقد علمه أسماء الأجناس، وعرّفه منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا، وعلمه جميع اللغات، ولقّنها بنيه؛ لكنهم تفرقوا، فحفظ بعضهم العربيّة ونسي غيرها، وبعضهم التركية ونسي غيرها... إلخ. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ:﴾ عرض الأسماء، ومعلوم: أنّ من الأسماء أسماء من يعقل، وأسماء من لا يعقل، فغلب العقلاء على غيرهم، وجمعهم هذا الجمع، هذا وقرئ: («عرضهنّ») و («عرضها») فيكون من تغليب غير العقلاء على العقلاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منه، وأعلم. ﴿فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ﴾ أي: أخبروني. هذا؛ والنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخصّ من الخبر؛ لأنّ النبأ لا يطلق إلا على كلّ ما له شأن وخطر من الأخبار، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، لا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرّى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ وقد يجيء الفعل من نبأ غير مضمن معنى أعلم، فلذلك يعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، وانظر الآية [٣] من سورة التحريم. أما صفة خلق آدم ﵇، فقد قال وهب بن منبه: لمّا أراد الله أن يخلق آدم؛ أوحى الله إلى الأرض: إني خالق منك خليقة، منهم من يطيعني، ومنهم من يعصيني، فمن أطاعني؛ أدخلته الجنة، ومن عصاني؛ أدخلته النار، قالت الأرض: أتخلق مني خلقا يكون للنار فيه نصيب؟ قال: نعم. فبكت الأرض، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة منها، من أحمرها، وأسودها، وأبيضها، وطيّبها، وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها؛ قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إليّ أن لا تأخذ مني شيئا يكون للنار فيه نصيب، فرجع جبريل ﵇ إلى ربّه، وقال: يا رب استعاذت بك منّي، فكرهت أن أقدم عليها. فقال الله لميكائيل ﵇: انطلق، فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها ليقبض منها؛ قالت له مثل ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه، فقال له ما قالت له، فقال لعزرائيل ﵇: انطلق فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها؛ قالت له الأرض: أعوذ بعزة الله الذي

стр. 96

أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا، يكون للنار فيه نصيب. فقال: وأنا أعوذ بعزّته أن أعصي له أمرا، وقبض منها قبضة من جميع بقاعها: من عذبها، ومالحها، وحلوها، ومرّها، وطيّبها، وخبيثها، وصعد بها إلى السماء، فسأله ربّه، ، وهو أعلم بما صنع، فأخبره بما قالت، وبما ردّ عليها، فقال الله- : وعزّتي، وجلالي لأخلقنّ ممّا جئت به خلقا، ولأسلطنّك على قبض أرواحهم لقلّة رحمتك، ثمّ جعل الله تلك القبضة، نصفها في الجنّة، ونصفها في النّار، ثم تركها ما شاء الله، ثمّ أخرجها، فعجنها بيده لكيلا يتكبّر إبليس عنه، فعجنها طينا لازبا، قال تعالى في سورة الصافات رقم [١١]: ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ وقال تعالى في سورة المؤمنون رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فكان جسدا من طين أربعين سنة، ثمّ كان حمأ مسنونا مدّة؛ أي: طينا منتنا، قال تعالى في سورة الرحمن رقم [١٤]: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾. ثم كان جسدا ملقى على باب الجنة مدّة، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته، لأنّهم لم يكونوا رأوا مثله. وكان إبليس يمرّ عليه، ويقول: لأمر ما خلق هذا، ونظر إليه؛ فإذا هو أجوف. فقال: هذا خلق لا يتمالك، ودخل من فمه، وخرج من دبره، وقال للملائكة: إن فضّل هذا عليكم ماذا تصنعون؟ فقالوا: نطيع الله، ولا نعصيه، فقال إبليس في نفسه: لئن فضّل عليّ؛ لأعصينّه، ولئن فضّلت عليه؛ لأهلكنّه. فلما أراد الله تعالى أن ينفخ فيه الروح؛ أمرها أن تدخل في جسده، فنظرت فرأت مدخلا ضيقا، فقالت: يا ربّ! كيف أدخل هذا الجسد، قال الله : ادخليه كرها، وستخرجين منه كرها، فدخلت في يافوخه، فوصلت إلى عينيه، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه، فعطس، فلما بلغت لسانه: قال: الحمد لله ربّ العالمين، وهي أول كلمة قالها، فناداه الله تعالى: رحمك الله يا أبا محمد! ولهذا خلقتك، ولما بلغت جوفه؛ اشتهى الطّعام، ولما بلغت الركبتين همّ ليقوم، فلم يقدر، كما قال تعالى في سورة الأنبياء رقم [٣٧]: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فلما بلغت الساقين، والقدمين، استوى قائما بشرا سويّا، لحما، ودما، وعظما، وعروقا، وعصبا، وأحشاء، وكسي لباسا من ظفر، يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب: سبعة في رأسه، وهي الأذنان يسمع بهما، والعينان يبصر بهما، والمنخران يشم بهما، والفم فيه اللسان يتكلم به، والأسنان يطحن بها ما يأكله، ويجد لذة المطعومات بها، وبابين في أسفله، وهما القبل، والدبر، يخرج منهما ثفل طعامه، وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وفكره، وصرامته في قلبه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه، وحزنه في وجهه. فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم، ويعرف بدم، وركب فيه الشهوة، وحجزه بالحياء.

стр. 97

فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم ﵇ على صورته، وطوله ستون ذراعا، ثمّ قال: اذهب، فسلّم على أولئك-نفر من الملائكة-فاسمع ما يحيّونك به، فإنّها تحيّتك، وتحيّة ذرّيّتك، فقال: السّلام عليكم! فقالوا: السّلام عليك، ورحمة الله! فزادوه: ورحمة الله، قال: فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن». متفق عليه، قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: هذه الرواية ظاهرة في أنّ الضمير في صورته عائد إلى آدم، وأنّ المراد: أنّه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض، وتوفي عليها. انتهى. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا صوّر الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنّه لا يتمالك». أخرجه مسلم. وعن أبي موسى الأشعري-﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسّهل، والحزن، والطّيب، والخبيث» أخرجه الترمذيّ، وأبو داود. الإعراب: ﴿وَعَلَّمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿عَلَّمَ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾ المذكور في الآية السابقة. ﴿آدَمَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْأَسْماءَ﴾ مفعول به ثان. ﴿كُلَّها:﴾ توكيد للأسماء، و «ها» في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ، فهي في محل جر مثلها، وقيل: مستأنفة لا محل لها، والعطف أقوى. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿عَرَضَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلَى الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾ أيضا. ﴿أَنْبِئُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِأَسْماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له، و (أسماء): مضاف، و (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٣]، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين فيما تقولون؛ فأنبئوني... إلخ. ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿قالُوا:﴾ أي: قال الملائكة. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ تنزيها لك عن جميع المعايب، والنقائص، وانظر الآية رقم [٣٠]، و (سبحان): اسم مصدر، وقيل: مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل: سبّح بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا

стр. 98

منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله، وقد أجري علما على التّسبيح بمعنى التنزيه على الشّذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره: ... سبحان من علقمة الفاخر وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، لذلك جعل مفتاح التوبة بقوله تعالى حكاية عن قول يونس-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقد نزّه الله ذاته في كثير من الآيات تنزيها يليق بجلاله، وعظمته. وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكّن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجرّ، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف، والنون، ومعناه: التنزيه، والبراءة لله- من كل نقص-فهو ذكر لله تعالى، لا يصلح لغيره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠]. والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه؛ إذ لم يجر له فعل من لفظه، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله مكان قولك: تنزيها لله، وانظر الإعراب. ﴿لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ أي: إنك أجلّ من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علّمتنا، فهو اعتراف بالعجز، والقصور، وإشعار بأنّ سؤالهم كان استفسارا، ولم يكن اعتراضا، وأنّه قد بان لهم ما قد خفي عليهم من فضل الإنسان، والحكمة في خلقه، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم، وكشف لهم ما اعتقل عليهم، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كلّه إليه. انتهى. بيضاوي. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، فهو: «فعيل» للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله تعالى. ﴿الْحَكِيمُ﴾ معناه: الحاكم، وبينهما مزيد المبالغة، وقال قوم: ﴿الْحَكِيمُ:﴾ المانع من الفساد، ومنه سمّيت حكمة اللجام؛ لأنها تمنع الفرس من الجري، والذهاب في غير قصد، قال جرير: [الكامل] أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم... إنّي أخاف عليكم أن أغضبا أي: امنعوهم من الفساد، هذا؛ و ﴿الْحَكِيمُ﴾ هو الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة، وقدم ﴿الْعَلِيمُ﴾ على ﴿الْحَكِيمُ﴾ لأنه هو المفضل به في قوله: ﴿وَعَلَّمَ﴾ وقوله: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ فناسب اتصاله به، ولأن الحكمة ناشئة عن العلم، وأثر له، ولا تنس: أنهما من صيغ المبالغة. فائدة: قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: «الله أعلم، ولا أدري» اقتداء بالملائكة، والأنبياء، والفضلاء من العلماء، ولكن قد أخبر الصّادق المصدوق: أنّ بموت العلماء يقبض العلم، فيبقى ناس جهّال يستفتون، فيفتون في رأيهم، فيضلّون، ويضلّون.

стр. 99

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتّى إذا لم يبق عالما؛ اتّخذ الناس رءوسا جهّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلّوا». أخرجه البخاري. فهذا الذي عناه القرطبي، ولم يذكره، ثم ذكر ما يلي، فقال: روى النّسائيّ في المسند الصّحيح له عن ابن عمر: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أيّ البقاع خير؟ قال: «لا أدري حتّى أسأل جبريل، فسأل جبريل، فقال: لا أدري حتّى أسأل ميكائيل. فجاء، فقال: خير البقاع المساجد، وشرّها الأسواق». وقال الحافظ المنذريّ: رواه الطبرانيّ في الكبير، وابن حبّان في صحيحه. هذا وقد كان الكثير من العلماء يعتذرون عن الإجابة، ويقول أحدهم: لا أدري، فقد روي عن ابن عبّاس-﵄: أنه قال: أتريدون أن تجعلوا رقابنا جسورا تعبرون عليها إلى جهنّم؟! وقال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-: سمعت أبا هريرة يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده: لا أدري؛ حتى يكون أصلا في أيديهم، فإذا سئل أحدهم عمّا لا يدري؛ قال: لا أدري. وذكر ابن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. انتهى قرطبي. أقول: في هذه الأيام كثرت الفتاوى بعلم، أو بغير علم، والرّسول ﷺ يقول: «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النّار»، فترى بعض الجهال ينصب نفسه مفتيا، وقاضيا؛ ليضلّ الناس، ويقطع من مال هذا، ويعطي ذاك، والطّامّة الكبرى عند ما ينصب نفسه مفتيا للطّلاق، ويسلب أموال الناس بفتاواه الضّالة المضلّة، والرسول ﷺ يقول: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنّة، رجل قضى بغير الحقّ فعلم ذاك، فذاك في النّار، وقاض لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النّار، وقاض قضى بالحقّ، فذلك في الجنة». رواه أبو داود، والترمذيّ وابن ماجة عن أبي بريدة، عن أبيه-﵁-وهذا لفظ التّرمذيّ. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَكَ:﴾ مفعول مطلق، فعله محذوف، كما رأيت، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وهذا عند الخليل، وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، وهو ضعيف لا يعتدّ به. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ»، ﴿عِلْمَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، أو هو في محل رفع بدل من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛

стр. 100

لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، كما يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكنّ في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. ﴿عَلَّمْتَنا:﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: الذي علمتنا إيّاه. هذا ويجوز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية، فتؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، ويجوز بالمصدر الأوجه الثلاثة المذكورة آنفا. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا ويجوز اعتبار الضمير توكيدا لاسم (إنّ) على المحل كما يجوز اعتباره ضمير فصل لا محل له، وعليهما ف: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ خبران ل (إنّ) وقيل: ﴿الْحَكِيمُ﴾ صفة ﴿الْعَلِيمُ﴾ ولا وجه له البتّة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ: في محل نصب مقول القول، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها. ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ:﴾ وذلك لمّا ظهر عجز الملائكة. فسمّى كلّ شيء باسمه، وذكر وجه الحكمة التي خلق لأجلها، وذلك ليعلموا: أنّه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله، وعلوّ شأنه، فكان أفضل منهم بأن قدّمه عليهم، وأسجدهم له، وجعلهم تلامذته، وأمرهم بأن يتعلموا منه، فحصلت له رتبة الجلال والعظمة، وفي هذا دليل على فضل العلم وأهله. هذا؛ ولقد اختلف العلماء في هذا الباب: أيّهما أفضل: الملائكة، أم بنو آدم؟ على قولين: فذهب قوم إلى أنّ الرسل من البشر أفضل من الرّسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة، والعوام من البشر أفضل من عوام الملائكة. وذهب آخرون إلى أنّ الملأ الأعلى أفضل. احتج من فضل الملائكة بقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ الآيتان رقم [٢٦ - ٢٧] من سورة (الأنبياء)، وقوله تعالى في سورة (التحريم) الآية رقم [٦]: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ،﴾ وفي الحديث القدسيّ: يقول الله : «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة، عن الرسول ﷺ ، واحتجّ من فضل بني آدم بقوله تعالى في سورة البينة الآية رقم [٧]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ،﴾ وقوله ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس به علما؛ سهّل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع... إلخ» الحديث. رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، عن أبي الدرداء-رضي الله

стр. 101

عنه-، وبما جاء في أحاديث من أنّ الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل، والله أعلم. انتهى قرطبي بتصرف. ﴿فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ فيه دليل على أنّ أحدا لا يعلم الغيب؛ إلا ما أعلمه الله تعالى، كالأنبياء، والأولياء، والصدّيقين، فالمنجّمون والكهّان، وغيرهم كذبة، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٥٩]: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في آخر سورة (لقمان): ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ..﴾. إلخ. انظر شرحهما هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا ودخول الاستفهام على النفي في ﴿أَلَمْ﴾ يفيد التوبيخ، والتأنيب، والتقرير. ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرون من قولكم؛ أي: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها..﴾. إلخ. ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ:﴾ تخفون، وتسرّون من قولكم: لا يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منّا. وقال ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير-﵁: المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر، والمعصية، قال ابن عطية: وجاء ﴿تَكْتُمُونَ﴾ للجماعة، والكاتم واحد في هذا القول دليل على تجوّز العرب، واتساعها، كما يقول لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا؛ أي: منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف. هذا و «كتم» من باب نصر، وربما عدّي «كتم» على مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٢]: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً،﴾ والأكثر أن يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، قال تعالى في الآية رقم [١٥٩] الآتية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى..﴾. إلخ، وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، أي في إخفائه، قال الرسول ﷺ : «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». قال صاحب القاموس: والكتم محركة والكتمان بالضم: نبت يخلط بالحنّاء، ويخضّب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة. انتهى. ورحم البوصيري إذ يقول: [البسيط] فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة لا محل لها، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر كالتي قبلها. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (آدم): مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا)، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْبِئْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت، والهاء مفعول به. ﴿بِأَسْمائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية

стр. 102

في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٧]. ﴿أَنْبَأَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿آدَمُ﴾)، والهاء مفعول به. ﴿بِأَسْمائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، وعلى اعتبارها متعلقة بجوابها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿رَبُّكَ﴾). ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَقُلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والفاعل تقديره: أنا. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا. ﴿غَيْبَ﴾ مفعولا به وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، هذا ويجوز اعتبار ﴿أَعْلَمُ﴾ اسما بمعنى عالم، فيكون خبرا مفردا ل (إنّ)، ويبقى ﴿غَيْبَ﴾ مفعولا به له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَأَعْلَمُ﴾ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه، وعليه فالإضافة من إضافة «عالم» لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تُبْدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، أو الرابط على اعتبار. ﴿ما﴾ نكرة موصوفة؛ إذ التقدير: أعلم الذي تبدونه. ﴿وَما﴾ معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْتُمُونَ﴾ في محل نصب خبره، والجملة: ﴿كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد والرابط محذوف؛ إذ التقدير: وما كنتم تكتمونه. هذا؛ واعتبار: (﴿أَعْلَمُ﴾) بالجملتين بمعنى: عالم، فيكون ليس على بابه من التفضيل، ومثل ذلك قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [الكامل] إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول أي: عزيزة وطويلة، وأيضا قول الشّنفرى، وهو الشاهد رقم [٩٦٥] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ:﴾ السجود في الأصل تذلّل مع تطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة [على الأرض] على قصد العبادة، والمأمور به إمّا المعنى الشّرعي؛

стр. 103

فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصّلاة، والصّلاة لله، فمعنى «اسجدوا له» أي: إليه. وإمّا المعنى اللّغوي، وهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ فلم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض، إنّما كان الانحناء، فلمّا جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسّلام. انتهى جمل نقلا من تفسير الخطيب. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا السجود المنهيّ عنه قد اتخذه جهال المتصوّفة عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال -بزعمه-يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه. ضلّ سعيهم، وخاب عملهم! انتهى بحروفه. ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ مأخوذ من: أبلس، يبلس، إبلاسا بمعنى سكت غمّا، وأيس من رحمة الله، وخاب، وخسر، وهو من الملائكة، كذا قال عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، ﵃-وهو اختيار أبي الحسن، وقال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة، وكان من أولي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد، فلمّا عصى الله؛ غضب الله عليه، فلعنه: فصار شيطانا، ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال تعالى له: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الأعراف)، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ معناه: صار من الجانّ، كقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٤٣]: ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. وقيل: الاستثناء منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجنّ بالنّصّ، قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: إنّ الجنّ سبط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم، وخلق سائر الملائكة من نور. وقال ابن زيد، والحسن، وقتادة أيضا: إبليس أبو الجن، كما أنّ آدم أبو البشر، ولم يكن ملكا، واستدلوا بقوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ رقم [٥١] أي: عصى الله، واستكبر عن أمره تعالى، والملائكة ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ سورة (التحريم) الآية [٦]، واستدلوا بأنّه كان له ذرية بنصّ القرآن: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾. ولا نسل للملائكة قطعا، وعن الجاحظ: إن الجنّ والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم؛ فهو ملك، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جنّ. وهو غير مسلّم له. ﴿أَبى:﴾ ماض من الإباء، وهو الامتناع، وأشدّه. وإباء الله: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، قال تعالى في صيغة المضارع: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (التوبة)، ويكون متعديا إذا كان بمعنى: كره، ولازما إذا كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمن النفي، والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا... إلخ،

стр. 104

هذا: وأبى، يأبى من الباب الثّالث شاذّ؛ لأنه لم يكن عينه أو لامه حرفا من حروف الحلق، ولم يجئ منه إلاّ قلى، يقلى، وغسى، يغسى، وجبى، يجبى، وعسى، يعسى. والّذي حمل إبليس على عدم السجود لآدم هو الكبر، والحسد، فدليل كبره قوله تعالى حكاية عن قوله في سورة (الأعراف) رقم [١٢]: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ،﴾ وحسده لمّا رأى الملائكة سجدت لآدم تعظيما، وإكراما؛ حسده على هذه المنزلة الرفيعة، والمكانة العالية؛ لذا كان مبدأ العصيان هو الكبر، والحسد، فليحذر المسلم من هاتين الخصلتين الذّميمتين اللّتين سببتا لإبليس الطرد من رحمة الله! وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد؛ اعتزل الشّيطان يبكي، ويقول: يا ويلتي أمر ابن آدم بالسّجود، فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسّجود، فأبيت، فلي النّار». أخرجه مسلم. هذا وقد قال عبد الوهاب النّجار-رحمه الله تعالى-في كتابه (قصص الأنبياء): هل آدم هذا هو أبو البشر ولم يكن أحد من قبله من جنسه؟ والجواب: أن العقل لا يجعل من المحال أن يكون الله خلق آدم غير آدم هذا، ولكن الله تعالى لم يذكر سوى آدم الّذي نعرفه أبا البشر، فالقول بوجود غيره مجازفة بلا برهان، وقد وجد من البشر في الأزمان الغابرة والحاضرة من يدّعون: أن عمران بلادهم أقدم من خلق آدم، كأهل الهند، وقد كانوا في الزمان السابق يدّعون أنّ آدم كان عبدا من عبيدهم هرب إلى الغرب، وجاء بأولاده، وإلى هذا يشير المعرّي بقوله: [الوافر] تقول الهند آدم كان قنّا... لنا فسعى إليه مخبّبوه وإلى القول بوجود أوادم سوى آدم يشير بقوله: [الخفيف] جائز أن يكون آدم هذا... قبله آدم على إثر آدم وقوله: [الطويل] وما آدم في مذهب العقل واحدا... ولكنّه عند القياس أوادم وهناك فريق من الناس يرجّح: أنه ليس أوّل نوعه، ويستأنسون لذلك بقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ،﴾ ويقول: إنّ الملائكة لم يقولوا ذلك إلا لرؤيتهم من تقدّموا قبل آدم من الخلق الذين على صورته قد فعلوا ذلك، وأنّ آدم ﵇ إنما كان خليفة عن بشر كانوا من جنسه، وبادوا. وكل هذه الأقوال لا تستند إلى نصّ قطعي الثبوت والدلالة. انتهى بحروفه. بعد هذا لقد علمت نقلا، وعقلا، وواقعيّا: أن الله خلق كلّ مخلوق من أبوين بطريق التزاوج، إلا آدم-على نبينا وحبيبنا وعليه ألف صلاة وسلام-فقد خلقه الله بيده من طين، ثم

стр. 105

نفخ فيه من روحه، فآدم لم يخلق من أبوين، إنّما نموذجا فردا، كما صرّحت الآيات القرآنية بذلك، وقد صرحت أيضا أنّه أبو البشر. قال تعالى في أول سورة (النّساء): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٩]: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها..﴾. إلخ، وقال في ثلاث آيات من سورة (الأعراف) أيضا: ﴿يا بَنِي آدَمَ،﴾ وفي حديث الشّفاعة المرويّ في الصّحيحين: «أن الناس يأتون لآدم فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر...». هذا وما قاله داروين من أنّ أصل البشر بدأ بجرثومة صغيرة ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرّج هذا الحيوان فأصبح ضفدعا، فسمكة، فقردا، ثمّ ترقى هذا القرد، وتمدّن، فصار إنسانا، فالإنسان بنظره قرد متمدّن. وهذه النّظرية تناقض المنقول، والمعقول، والواقع، فليكن داروين وأتباعه المقتنعون بنظريته المتحمّسون لها القردة، وأولاد القردة، أما نحن المؤمنون بالقرآن، والمصدّقون بما جاءت به الرّسل الكرام؛ فلا نرضى إلا أن نكون من نسل آدم ﵇، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٠]: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (التّين) رقم [٤]: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ،﴾ وإذا كانت نظرية داروين صحيحة؛ فلماذا لم يتطوّر سائر القردة، ويتمدّنوا، ونحن نعيش في عصر التطوّر، والتمدّن؟!. هذا وإذا عرفنا أن داروين يهوديّ الأصل، وأنه دهريّ ملحد، يعتقد بألا خالق لهذا الوجود، ولا صانع لهذا العالم، فهو كافر بكلّ القيم الرّوحية؛ الّتي جاءت بها الشرائع السّماوية؛ إذا عرفنا هذا؛ نضرب به، وبنظريته، وبأتباعه عرض الحائط، هذا؛ وقال المرحوم عبد الوهاب النّجار بعد أن ناقش النظرية في كتابه (قصص الأنبياء): أقول: كلّما فكرت في ذلك جزمت بأنّ ذلك محال، وقطعت بأن القرد لا بدّ أن يبقى قردا مدى الدّهر، وأنّ القردة لا تلد إلا قردة. انتهى. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿إِذْ﴾): معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٠]. ﴿قُلْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لِلْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اُسْجُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِآدَمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿قُلْنا..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿فَسَجَدُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (سجدوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿قُلْنا﴾ فهي في محل جرّ مثلها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ:﴾ مستثنى متّصل، أو منقطع، انظر شرح المفردات. ﴿أَبى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ،﴾

стр. 106

والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجملة: (﴿اِسْتَكْبَرَ﴾) معطوفة عليها، وهي في محل نصب مثلها. (﴿كانَ﴾): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿إِبْلِيسَ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر كان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أي: اتخذها مأوى، ومنزلا، وليس معناه الاستقرار، والثبوت؛ لأنه لم يقل: أسكنتك الجنّة؛ لأنه خلق لعمارة الأرض، ولمّا أسكن الله آدم في الجنّة؛ بقي وحده، وليس معه من يستأنس به، ويجالسه، فألقى الله عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاع جنبه الأيسر، وهو الأقصر، فخلق منه زوجته حوّاء، ووضع مكان الضّلع لحما من غير أن يحسّ بذلك، ولم يجد ألما، ولو وجد؛ لما عطف رجل على امرأة قطّ. وسمّيت: حواء؛ لأنها خلقت من حيّ، فلمّا استيقظ من نومه، ورآها جالسة كأحسن ما خلق الله تعالى، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا زوجتك حوّاء، قال: ولماذا خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، وأسكن إليك. وفي القرطبيّ: أنّ الملائكة قالوا له: أتحبّها يا آدم؟! قال: نعم! فقالوا لحواء: أتحبينه؟ قالت: لا! وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبّه لها. قالوا: فلو صدقت المرأة في حبّها لزوجها؛ لصدقت حوّاء، وقال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء مهما تعلّمت، وتثقّفت؛ لأنها خلقت من أعوج وهو الضّلع، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنّساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج شيء في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه؛ كسرته، وإن تركته؛ لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما، وفي رواية لمسلم وحده: «إنّ المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمعت بها؛ وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها؛ كسرتها، وكسرها طلاقها». ورحم الله من قال: [الطويل] هي الضّلع العوجاء لست تقيمها... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها هذا وهناك من يتبجّح، ويقول: إنّ الله خلق حواء بدون واسطة، وهذا يعني: أنّ الله خلقها من تراب، كما خلق آدم، ولذا فهم يقدّرون مضافا محذوفا، فيقولون: الأصل: منها أي: من البشر، وذلك في قوله تعالى في كثير من الآيات: (﴿خَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾).

стр. 107

﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما:﴾ الرّغد: العيش الدّارّ الهنيّ؛ الّذي لا عناء فيه. قال الشاعر: [الرمل] بينما المرء تراه ناعما... يأمن الأحداث في عيش رغد ورغد العيش: من باب: ظرف، فهو راغد، وهو في رغد من العيش، أي: في رزق واسع، وأرغد القوم: أخصبوا. و (حيث) ظرف مكان اتفاقا، وقد ترد للزّمان، قال الأخفش: وبه قيل في قول طرفة بن العبد: [المديد] للفتى عقل يعيش به... حيث تهدي ساقه قدمه أي: في زمن هدايته، وتحتمل المكان أيضا، وفيها ستّ لغات، بالياء مع الضم والفتح والكسر، وبالواو مع الضم، والفتح، والكسر، وهي: حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث، وانظر مبحثها وشواهدها في كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ:﴾ لقد اختلف في تعيين هذه الشجرة اختلافا كبيرا، قال العلامة أبو جعفر بن جرير-رحمه الله تعالى-: والصّواب في ذلك أن يقال: إنّ الله تعالى نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنّة، دون سائر أشجارها، فأكلوا منها، ولا علم عندنا بأيّ شجرة كانت تدل على التّعيين؛ لأنّ الله تعالى لم يضع دليلا على ذلك في القرآن، ولا ورد في السنة الصّحيحة بيان له، وقد قيل: كانت شجرة البرّ. وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التّين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم-إذا علم-لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل؛ لم يضره جهله، والله أعلم. مختصر ابن كثير. هذا ولقد نهى الله عن قرب هذه الشجرة؛ لأنه أبلغ في النهي عن الأكل، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ الآية رقم [١٨٦] الآتية، انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد، والحمد لله!. هذا ويقال: إنّ أول من أكل من الشجرة حوّاء بإغواء إبليس إيّاها، وإن أول كلامه كان معها؛ لأنّها وسواس المخدّة، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء، فقال: ما منعتما من هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد، لأنّه علم منهما: أنهما كانا يحبان الخلد، فأتاهما من حيث أحبّا، فلما قالت حواء لآدم؛ أنكر عليها، وذكر العهد، فألحّ على حواء، وألحّت حواء على آدم إلى أن قالت: أنا آكل قبلك حتى إذا أصابني شيء؛ سلمت أنت، فأكلت، فلم يضرّها، فأتت آدم، فقالت: كل فإني أكلت فلم يضرّني، فأكل، فبدت لهما سوآتهما، وحصلا في حكم الذنب لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فجمعهما في النّهي، فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتّى وجد المنهي عنه منهما جميعا، هذا وقد قال الرسول ﷺ : «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم؛ لرجح حلمه». وقد قال الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ سورة (طه) رقم [١١٥].

стр. 108

الإعراب: (﴿قُلْنا﴾): فعل، وفاعل. (﴿يا﴾): أداة نداء. (﴿آدَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء. ﴿اُسْكُنْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل في محل رفع توكيد للضمير المستتر ب ﴿اُسْكُنْ،﴾ ﴿وَزَوْجُكَ:﴾ معطوف على الضمير المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به، وانظر إعراب ﴿هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ في الآية رقم [٥٨] الآتية. (كلا): فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهناك محذوف؛ إذ التقدير: كلا من ثمرها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿رَغَداً:﴾ صفة مفعول مطلق؛ إذ التقدير: كلوا أكلا رغدا، ويمكن اعتباره نائب مفعول مطلق، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، تقديره: كلا مستطيبين، متهنئين. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل (﴿كُلا﴾)، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون بدلا من ﴿الْجَنَّةَ﴾ فيكون ﴿حَيْثُ﴾ مفعولا به؛ لأن ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به وليس بظرف. ﴿شِئْتُما:﴾ فعل، وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الشَّجَرَةَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿فَتَكُونا:﴾ الفاء: للسببية، (تكونا): فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (تكونا)، و «أن» المضمرة بعد الفاء، والفعل (تكونا) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ التقدير: لا يكن منكما قرب من الشجرة، فظلم لنفسيكما. هذا؛ وجوز أن تكون الفاء عاطفة، وأنّ الفعل مجزوم بسبب العطف على النّهي، والأول أقوى معنى، وأتمّ سبكا. بعد هذا فالآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قُلْنا..﴾.) إلخ: معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة. هذا؛ والآية مذكورة برقم [١٩] من سورة (الأعراف) انظر شرحها هناك، ففيه كبير فائدة. ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ ويقرأ: («أزالهما») وهما بمعنى: أذهبهما، وأبعدهما، وصرفهما عمّا كانا عليه من الطاعة إلى المعصية، يقال منه: أزللته، فزلّ، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥٥]: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ وقيل: إن معنى أزلهما من: زلّ عن المكان: إذا تنحّى، قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٥]: [الطويل]

стр. 109

كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته... ويلوي بأثواب العنيف المثقّل ﴿عَنْها﴾ عن الجنّة. ﴿فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ أي: من نعيم الجنة، وسرورها، ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه من الجنة فقط، وإنما أراد إسقاطه من مرتبته، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كما أبعد هو، وطرد، فلم يدرك طرده، بل ازداد سخنة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظنّ، قال الله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢٢]: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ فصار ﵇ خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، وكم بين الخليفة والجار من فرق! ونسب الإخراج إلى إبليس؛ لأنه كان بسببه وإغوائه. واختلف في كيفية دخول إبليس الجنّة، ووسوسته لآدم وحواء، فقال ابن مسعود، وابن عباس ﵃-وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢١]: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ وكان قد رآهما على باب الجنّة؛ لأنّهما كانا يخرجان منها، وكان إبليس بقرب الباب، فوسوس لهما. والمقاسمة: ظاهر المشافهة، وقال بعضهم، وذكر عبد الرزاق عن وهب بن منبه: إنه دخل الجنة في فم الحيّة، وذلك أنّ إبليس لعنه الله تعالى. أراد أن يدخل الجنّة، فمنعه الخزنة، فأتى الحيّة وكانت صديقة لإبليس، وكانت من أحسن الدوابّ، لها أربع قوائم كقوائم البعير، فسألها أن تدخله في فمها، فأدخلته، ومرّت به على الخزنة، وهم لا يعلمون، وكان ذلك لأنه طرد من الجنّة حينما عصى الله، وأبى أن يسجد لآدم، فقال الله له: ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الأعراف). فلما دخل؛ أخذ يوسوس لهما وذلك: أنّ آدم لمّا دخل الجنة، ورأى ما فيها من النعيم؛ قال: لو أن خلدا!، فاغتنم إبليس ذلك منه، وأتاه من قبل الخلد، وقال لهما: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الأعراف). وقيل: لما دخل الجنّة، وقف على آدم، وحواء، وهما لا يعلمان: أنّه إبليس، فبكى، وناح نياحة أحزنهما، وهو أوّل نائح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما؛ لأنكما تموتان، فتفارقان ما أنتما فيه من النّعمة، فوقع ذلك في أنفسهما، واغتمّا، ومضى إبليس، ثمّ أتاهما بعد ذلك. وقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ سورة (طه) رقم [١٢٠]، فأبى أن يقبل منه، ف ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ فاغترّا، وما ظنّا: أنّ أحدا يحلف بالله كذبا، فبادرت حواء إلى الشّجرة، فأكلت منها، ثم ناولت آدم، فأكل منها، قال إبراهيم بن أدهم-رحمه الله تعالى-: «أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا». قال ابن عباس-﵄: «قال الله تعالى: يا آدم! ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشّجرة؟ قال: بلى وعزّتك! ولكن ما ظننت أنّ أحدا يحلف بك كذبا، قال: فبعزتي

стр. 110

لأهبطنّك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش فيها إلا نكدا! فأهبط من الجنّة، وعلّم صنعة الحديد، وخلق الله ثورا، وبقرة، وقال له: احرث، فحرث، وزرع، وسقى؛ حتّى إذا بلغ، واشتدّ؛ حصده، ثم درسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثمّ عجنه، وخبزه، ثمّ أكله، فلم يصل إلى حلقه حتّى بلغ منه الجهد». وفي رواية أخرى عن ابن عباس-﵄: أنّ الله تعالى قال: يا آدم! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حواء، قال: فإنّي قد أعقبتها ألا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، ودميتها في الشهر مرّتين، فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنّة، وعلى بناتك. والرنّة: الصّوت، فلما أكلا من الشجرة؛ تساقطت عنهما ثيابهما، وبدت لهما سوآتهما، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٢]، وفي سورة (طه) [١٢١]: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا:﴾ الهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل، والخطاب لآدم، وحواء، والحيّة، وإبليس، وفي سورة (الأعراف) رقم [٢٤] مثله، وفيها رقم [١٣]: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ على أنه خطاب لإبليس وحده، وفي سورة (طه) رقم [١٢٣]: ﴿اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً﴾ على أنه خطاب لآدم وحواء، أو لآدم وإبليس، فأهبط آدم بسرنديب من الهند بجبل يقال له: بوذ، ومعه ريح الجنّة، فعلق بشجرها، وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيبا، فمن ثم يؤتى بالطّيب من هناك، وهو من ريح آدم ﵇، وفي البخاريّ عن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا». وأهبطت حواء بجدّة، وإبليس بالأبلّة، والحيّة سجستان وهي أكثر بلاد الله حيّات، ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها، لأخليت سجستان من أجل الحيّات، ذكره أبو الحسن المسعودي. انتهى قرطبي. قال الجوهري: والعربدّ: حية تنفخ، ولا تؤذي، وزاد صاحب القاموس: أو حية حمراء خبيثة. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ:﴾ ﴿عَدُوٌّ﴾ ضدّ صديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع؛ إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية رقم [٦] من سورة (فاطر)، فقد عبّر عنه به عن مفرد، وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٧٧] من سورة (الشعراء)، فقد عبّر به عن جمع، ومثل ذلك: صديق، أي في إتيانه بلفظ واحد للمفرد، والمثنّى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعداة، وعدى، وقيل: جمع أعداء، فيكون جمع الجمع، وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم، والكسر: اسم الجمع. هذا وسمي العدو: عدوّا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع
следующие страницы →