Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و (ما):
تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالياء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فأنبئكم بالذي، أو بشيء كنتم تعلمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنبئكم بعملكم، وهو أضعف من الاعتبارين السابقين. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت تقديره، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقد ذكرت لك: أن هاتين الآيتين معترضتان في تضاعيف وصية لقمان لابنه، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾
الشرح: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: إن الخصلة من فعل الخير، أو من فعل الشر، إن تك مثلا في الصغر كحبة خردل. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، والمعتمد الأول؛ لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٧]: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾.
هذا؛ والخردل نبات له حب صغير جدّا أسود، واحدته: خردلة، يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلا؛ إذ لا ترجح ميزانا. هذا؛ ويقال: خردل الطعام: أكل خياره، وخردل اللحم: قطع أعضاءه قطعا صغارا. هذا؛ ويقرأ برفع «(مثقال)» على اعتبار ﴿تَكُ﴾ فعلا تاما، وتأنيث الفعل على هذا؛ لأن مثقال اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وهو ﴿حَبَّةٍ﴾ ومثل ذلك قول الأعشى: [الطويل] وتشرق بالقول الّذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدّم
وهذا هو الشاهد رقم [٩٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. وقيل: خلق الله الأرض على حوت، وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك. وقيل: على ظهر ثور، وهو على صخرة، وهي التي ذكر لقمان، ليست في الأرض، ولا في السماء، فلذلك
стр. 4727
قال تعالى: ﴿أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ والصخرة على متن الريح، والريح على القدرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وما أحسن قول البيضاوي: في أخفى مكان، وأحرزه، كجوف صخرة، أو أعلاها كمحدّب السموات، أو أسفله كمقعّر الأرض. هذا؛ وقرئ: «(فتكن)» بكسر الكاف، من: وكن الطائر: إذا استقر في وكنته.
﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ:﴾ يحضرها يوم القيامة ويحاسب عليها، وهذا على اعتبار ضمير ﴿إِنَّها﴾ مقصود به الفعلة الحسنة، أو السيئة، وأما على اعتباره مقصودا به رزق الإنسان؛ فيكون المعنى:
لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع؛ جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، ويكون محصله: لا تهتم للرزق؛ حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إليّ. ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود-﵁: «لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك». والأحاديث النبوية في هذا الباب مشهورة مسطورة في كتاب: الترغيب والترهيب، وغيره.
﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ:﴾ يصل علمه إلى كل خفي. ﴿خَبِيرٌ:﴾ عالم بكنهه، أو: هو لطيف باستخراج الحبة خبير بمستقرها، أو: هو لطيف باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد، والحيوان، خبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد إذا نزل بهم الضر، وخبير بمصالح عباده.
ومعنى الآية: له جل شأنه، وتعالت حكمته الإحاطة بجميع الأشياء: صغيرها، وكبيرها.
قيل: إن هذه الكلمة آخر كلمة قالها لقمان لابنه، فانشقت مرارة ابنه من هيبتها، وعظمتها فمات. والله أعلم.
هذا؛ وإن الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّها إِنْ تَكُ..﴾. إلخ يعود إلى غير مذكور، وهو مفهوم يدل عليه المقام، والحال المشاهدة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ أي بلغت الروح التراقي، وأيضا قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: بلغت الروح الحلقوم، ومثل هذه الآيات قول بشار بن برد: [الطويل]
إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة... ذرا منبر صلّى علينا وسلّما
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
والبيتان هما الشاهد رقم [١٩٠] من كتابنا فتح رب البرية.
أما ﴿تَكُ،﴾ فأصله: تكون، فلما دخل الجازم صار: إن تكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز
стр. 4728
وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، وأن لا يتصل به ضمير، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط، إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر: [الطويل] إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
وقول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
هذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في سورة (البينة): (لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب...) إلخ، ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-؛ لجريانه على القاعدة: [الطويل] دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
فإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها
الإعراب: ﴿يا بُنَيَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٣]. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه محذوف، كما رأيت في الشرح. ﴿مِثْقالَ:﴾
خبر: ﴿تَكُ،﴾ وعلى قراءته بالرفع فهو فاعل، والفعل ﴿تَكُ﴾ تام، اكتفى به، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و ﴿مِثْقالَ:﴾
مضاف، و ﴿حَبَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:
﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿فَتَكُنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تكن): فعل مضارع ناقص معطوف على (تك) مجزوم مثله، واسمه، أو فاعله مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿فِي صَخْرَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (تكن) على تمامه، وبمحذوف خبره على نقصانه، وما بعدهما معطوفان عليهما ب: ﴿أَوْ﴾ العاطفة. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعل ﴿يَأْتِ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿إِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾. إلخ مع الجملة الندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول؛ لأنهما من مقول لقمان لابنه. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا، وهي معترضة؛ إن كانت من قول الله تعالى.
стр. 4729
﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾
الشرح: ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ:﴾ تكميلا لنفسك؛ أي: إذا قمت بها على الوجه الأكمل من المحافظة على طهارتها وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على إتمام شروطها، وأركانها، وآدابها؛ فإنها تكون سببا لتأديبك، وتهذيبك، وقربك من ربك. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ وهو ما استحسنه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على حسنه. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ وهو ما استقبحه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على قبحه، وكذلك الفطرة السليمة تنفر منه، وتأباه. ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ:﴾ يجوز أن يكون عاما في كل ما يصيبه من المحن، والمتاعب في نفسه، وولده وماله، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما يأمر به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أذى من يدعوهم إلى الخير، وينهاهم عن الشر.
﴿إِنَّ ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى: إقام الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على أنواع البلاء. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: مما عزمه الله، وأمر به. وقطعه قطع إيجاب وإلزام.
ومنه قول الرسول ﷺ : «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل». أي: لم يقطعه ويجزم به بالنية، ومنه قول الرسول ﷺ : «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه». وقولهم:
عزمة من عزمات ربنا. ومنه: عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لمن تحت يده: عزمت عليك إلا فعلت كذا؛ إذا قال ذلك؛ لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة في تركه.
وحقيقته: أنه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها، ومفروضاتها. ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من: عازمات الأمور، من قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ كقولك: جد الأمر، وصدق القتال. وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في الأديان كلها. انتهى. كشاف بتصرف.
هذا؛ والفعل الثلاثي المبدوء بالهمزة: «أخذ، وأمر، وأكل» تحذف منه في الأمر الهمزة الأصلية، وهي همزة قطع، وهمزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، فتقول: خذ، ومر، وكل، وإنما تحذف الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وقد قالوا: اؤمر، وأؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه: «اؤمر» في هذه الآية، وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٤٤] من سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿يا بُنَيَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٣]. ﴿أَقِمِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت». ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَأْمُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اؤمر): فعل أمر، وفاعله
стр. 4730
تقديره: «أنت». ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَانْهَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنه): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
(اصبر): فعل أمر، وفاعله: (أنت). ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أَصابَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ عَزْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿عَزْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْأُمُورِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ والآية كلها من مقول لقمان لابنه، أي: فهي في محل نصب مقول القول.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أي: لا تمله عنهم، ولا تولهم صفحة وجهك، كما يفعله المتكبرون، من: الصعر، وهو داء يعتري البعير، فيلوي منه عنقه. وقرئ: «(ولا تصاعر)» (ولا تصعر)، والمعنى: واحد، ومنه قول عمرو بن حنيّ التغلبي: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه... أقمنا له من ميله فتقوّما
﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ: ﴿مَرَحاً﴾ بفتح الراء وكسرها، والأول أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي: يفخر على الناس، ويعدد عليهم مناقبه تطاولا، وتكبرا، ومعنى عدم محبة الله للمتكبر: سخطه وغضبه عليه، وإبعاده من رحمته، وعفوه، ورضوانه. ولا تنس: أن هذا يشمل الذكر، والأنثى، وإن كان المخاطب به الذكر وحده.
تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون البتة، وهي ما إذا وقعت «كلّ» في حيز النفي كان النفي موجها إلى الشّمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: «ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ» وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت، أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟! «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول، قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ﴾
стр. 4731
﴿مَهِينٍ،﴾ وما في الآية التي نحن بصدد شرحها، حيث وقعت ﴿كُلَّ﴾ في حيز النفي فتفيد أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله.
والجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود؛ إذ دل الدليل، وهو الإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا.
ومستند هذا الإجماع الأحاديث الشريفة الكثيرة. هذا؛ ويعبر عما تقدم ب: سلب العموم، وعموم السلب.
هذا؛ وفي الآية الكريمة نهي عن الكبر، والتكبر، والفخر، والتفاخر، والخيلاء، وقد نهى الله عنه في كثير من الآيات القرآنية، وبين أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهوى، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
والرسول ﷺ شدد النكير على المتكبرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده-﵃-عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرّجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن في جهنّم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النّار، طينة الخبال». رواه النسائي والترمذي.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر». فقال رجل: إنّ الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، قال:
«إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ، وغمط النّاس». رواه مسلم والترمذي.
هذا؛ وإن الكبر ليس سببه الغنى، وعلو المنصب، والجاه، أو قوة الجسم، وغير ذلك، وإنما هو من شيم النفوس الخبيثة، والطبائع الوضيعة الدنيئة، فعن عبد الله بن عمر-﵄-عن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والكبر، فإنّ الكبر يكون في الرّجل، وإنّ عليه العباءة».
رواه الطبراني في الأوسط.
لذا لا يتكبر إلا ناقص العقل، أو ناقص الدين، أو الحقير الدنيء فيحاول أن يكمل نقصه عن طريق الكبرياء، والتظاهر بالعظمة، ورحم الله من يقول: [الكامل] ملأى السّنابل تنحني بتواضع... والفارغات رءوسهنّ شوامخ
وعن أبي هريرة-﵁-أن النبي ﷺ قال: «لينتهينّ أقوام يفتخرون بآبائهم الّذين ماتوا، إنّما هم فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعل الّذي يدهده الخرء بأنفه، إنّ الله أذهب عنكم عيبة الجاهليّة، وفخرها بالآباء، إنّما هو مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، النّاس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب». رواه الترمذي. وخذ قول الشاعر: [الطويل] تواضع تكن كالنّجم لاح لناظر... على صفحات الماء، وهو رفيع
стр. 4732
ولا تك كالدّخان يعلو بنفسه... إلى طبقات الجوّ، وهو وضيع
وقال آخر: [الكامل] إن شئت أن تبني بناء شامخا... يلزم لذا البنيان أسّ شامخ
إنّ البناء هو الكمال وأسّه الصّ... خريّ فهو الاتّضاع الباذخ
وقال آخر: [الطويل] تواضع إذا ما نلت في النّاس رفعة... فإنّ رفيع القوم من يتواضع
وقال آخر: [الطويل] تواضع إذا ما كان قدرك عاليا... فإنّ اتّضاع المرء من شيم العقل
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(لا تُصَعِّرْ)﴾: فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿خَدَّكَ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.
﴿(لا تَمْشِ)﴾: فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَرَحاً:﴾ مفعول مطلق، أو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ولا تمش في الأرض مشيا مرحا، أو هو حال من الفاعل المستتر على حذف المضاف، التقدير: ذا مرح.
وقيل: مفعول لأجله، ولا وجه له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿مُخْتالٍ﴾ صفة لموصوف محذوف. ﴿فَخُورٍ:﴾ صفة ثانية له؛ إذ التقدير: لا يحب كل إنسان مختال فخور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، والآية الكريمة بكاملها من مقول لقمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾
الشرح: قال القرطبي: لما نهى لقمان ابنه عن الخلق الذميم؛ رسم له الخلق الكريم، الذي ينبغي أن يستعمله فقال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: توسط فيه بين الإسراع، والبطء، أي: لا تدبّ دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «سرعة المشي تذهب بهاء الوجه». فأمّا ما روي: أنه ﷺ كان إذا مشى؛ أسرع، وقول عائشة-﵂-في عمر ﵁: «كان إذا مشى؛ أسرع، وإذا ضرب؛ أوجع». فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن
стр. 4733
دبيب المتماوت، المظهر الضعف، والزهد كذبا، ورياء، ونفاقا، فالإسراع منهي عنه؛ لأنه من الخيلاء، والتأني، والتباطؤ منهي عنه؛ لأن فيه إظهار الضعف تزهدا، وكلا الطرفين مذموم؛ بل ليكن المشي بين السكينة، والوقار. هذا؛ وقرئ بقطع همزة: (أقصد) من: أقصد الرامي: إذا سدد سهمه نحو الرمية، قال الأخطل التغلبي: [الطويل] فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ:﴾ أي أنقص منه، وأقصر، ولا تتكلف رفع صوتك، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف، ويؤذي، والمراد بذلك كله التواضع، وقد قال عمر-﵁-لأبي محذورة سمرة بن معير المؤذن، وقد رفع صوته بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مريطاؤك، أي ما بين السرة إلى الركبة. هذا؛ ويستثنى الخطيب؛ إذا صعد المنبر، فإنه يحق له أن يرفع صوته ما أمكنه، فإنه أوقع أثرا في القلوب، وأردع، وأزجر عن المعاصي، والمنكرات. ودليلنا ما يلي: فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنّه منذر جيش، يقول. «صبّحكم ومسّاكم». ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه: السّبّابة، والوسطى... إلخ». رواه مسلم، وابن ماجة، وغيره، ويستثنى أيضا المظلوم في حقه، المهضوم في عمله، فإنه يحق له أن يجهر ويرفع صوته؛ بل وينطق بالكلام السوء حتى يصل إلى حقه، ويدفع الظلم عن نفسه. دليلنا قوله تعالى في الآية رقم [١٤٨] من سورة (النساء):
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾.
﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ:﴾ أقبحها، وأوحشها. ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ:﴾ لأن أوله زفير، وآخره شهيق كصوت أهل النار، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنّها رأت شيطانا». وقد روي: أنه ما صاح حمار، ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا، وما صاح ديك إلا أن يرى ملكا. وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمار. وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن رفع الصوت في غاية الكراهة، ويؤيده ما روي: أن النبي ﷺ كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت، وقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض صوتا كان أذل، حتى قال شاعرهم: [المتقارب] جهير الكلام، جهير العطاس... جهير الرّواء جهير النّعم
ويعدو على الأين عدو الظّليم... ويعلو الرّجال بخلق عمم
الرواء: المنظر الحسن. النّعم: الإبل. الأين: التعب. الظليم: الذكر من النعام. بخلق عمم: أي: خلق تام. هذا؛ وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوت الحمار، ثم إخراجه مخرج
стр. 4734
الاستعارة مبالغة شديدة. وتوحيد الصوت مع كونه مضافا إلى الجمع؛ لأن المراد تفضيل الجنس في النكير، دون الآحاد، أو لأنه مصدر في الأصل، والمصدر يدل على الكثرة، وأيضا يستعمل للمفرد مثل قولك: شاهد عدل، وللجمع مثل قولك: شهود عدل... إلخ.
هذا؛ والحمير جمع: حمار، وهو معروف يكون وحشيا، ويكون أهليا، وأنثاه: أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على: حمير، وحمر، وحمور، وحمرات، وكلها للكثرة، ويجمع جمع قلة على: أحمرة، قال الراعي النميري، أو القتّال الكلابي: [البسيط] هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور
والحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه، وذمه أقوال متباينة، وقد أطال الدّميري الكلام فيه.
هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: لم وحد صوت الحمير ولم يجمع؟ قلت: ليس المراد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، وإنما المراد: أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. انتهى.
كشاف. وقال القرطبي: ووحد الصوت؛ لأنه مصدر، والمصدر يدل على الكثرة فلا يثنى، ولا يجمع. ولا تنس: أن في الكلام استعارة تصريحية حيث شبه بعض الناس بالحمير.
خاتمة: قال وهب: تكلم لقمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-باثني عشر ألف باب من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم، وقضاياهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] وفي الخطيب ما نصه: وعن عبد الله بن دينار-رحمه الله تعالى-أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله ملكت أمري. قال: فما فعلت أمي؟ قال: ماتت، قال: ذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدّد فراشي. قال: ما فعلت أختي؟ قال: ماتت، قال: سترت عورتي. قال: ما فعل أخي، قال:
مات، قال: انقطع ظهري. انتهى. جمل.
الإعراب: ﴿وَاقْصِدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اقصد): فعل أمر؛ وفاعله مستتر تقديره:
«أنت». ﴿فِي مَشْيِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. (اغضض): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿مِنْ صَوْتِكَ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ ويجوز عند الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الحجرات): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ..﴾. إلخ. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَنْكَرَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْأَصْواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَصَوْتُ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة، أو المزحلفة. (صوت): خبر ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْحَمِيرِ﴾ مضاف إليه، والجملة
стр. 4735
الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، والآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لقمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا..﴾. إلخ: ذكر الله نعمه على بني آدم، وأنه سخر لهم ما في السموات من شمس وقمر وملائكة تحوطهم، وتحرسهم، وتجر إليهم منافعهم، وأيضا: النجوم، والسحاب، وغير ذلك، وما في الأرض من البحار، والأنهار، والجبال، والأشجار، والمعادن، والدواب على اختلاف أجناسها، وتفاوت منافعها.
﴿وَأَسْبَغَ﴾ أي: أتم، وأكمل. قال تعالى لداود: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أي: دروعا تامات كاملات، وقرئ: «(أصبغ)» بالصاد على إبدالها من السين؛ لأن حروف الاستعلاء، تجتذب السين من سفلها إلى علوها، فتردها صادا. ﴿نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً:﴾ محسوسة، ومعقولة، ما تعرفونه، وما لا تعرفونه. هذا؛ وقرئ: «(نعمة)» بالإفراد، وهو يدل على الكثرة، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ قال النبي ﷺ لابن عباس-﵄-وقد سأله عن هذه الآية: «الظّاهرة الإسلام، وما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيّئ عملك».
وقيل: الظاهرة: تسوية الأعضاء وحسن الصورة، والباطنة: الاعتقاد بالقلب. وقيل:
الظاهرة: الرزق، والباطنة: حسن الخلق. وقيل: الظاهرة: تخفيف الشرائع، والباطنة:
الشفاعة. وقيل: الظاهرة ظهور الإسلام، والنصر على الأعداء، والباطنة: الإمداد بالملائكة.
وقيل: الظاهرة: اتباع الرسول، والباطنة: محبته. انتهى. خازن. وقريب منه في الكشاف، وتفسير القرطبي.
وأجل هذه النعم على وجه الإطلاق نعمة الإيمان لمن هداه الله، ووفقه للعمل بمقتضاه.
وينبغي أن تعلم: أن الإنسان مهما عمل من الصالحات، وعبد الله تعالى لا يوفي حق أصغر هذه النعم، فعن أنس بن مالك-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النّعم من الله عليه، فيقول الله لأصغر نعمة (أحسبه قال: في ديوان النعم): خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصّالح، ثم تنحّى، وتقول: وعزّتك ما استوفيت! وتبقى الذنوب والنّعم؛ وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبده، قال: يا عبدي! قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيّئاتك، (أحسبه قال: ووهبت لك نعمي)». رواه البزار. هذا؛ وحديث الذي عبد الله خمسمائة
стр. 4736
سنة برأس جبل، وقال الله له: ادخل الجنة برحمتي، فقال: بل بعملي مشهور مسطور في كتاب الترغيب والترهيب، وغيره.
فائدة: النّعمة: بكسر النون: واحدة النعم، والنّعمة بفتح النون: التّنعّم، والترفه، ولذا قيل: كم ذي نعمة لا نعمة له، أي: كم ذي مال لا تنعّم له.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ:﴾ نزلت في النضر بن الحارث، وأبيّ بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون النبي ﷺ في الله، وفي صفاته. وخصوص السبب لا يمنع التعميم، ففي كل زمان، ومكان يوجد مجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وما أكثرهم في هذا الزمن! ولا تنس: أن هذا الكلام مذكور بحروفه في الآية رقم [٨] من سورة (الحج). ﴿وَلا هُدىً﴾ أي: لا سند له في جداله، وليس معه بيان من الله، وليس هو على بينة من أمره. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي: وليس معه كتاب من الله ينير له طريقه، بل هو يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿سَخَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما،﴾ وجملة: ﴿سَخَّرَ..﴾.
إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: ﴿تَرَوْا،﴾ وهو بصري كما هو ظاهر. وقيل: الرؤية قلبية، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَسْبَغَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أسبغ): فعل ماض، الفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نِعَمَهُ:﴾ مفعول به. ﴿ظاهِرَةً:﴾ حال من ﴿نِعَمَهُ﴾ وعلى قراءة الإفراد، فهو صفة (نعمة). ﴿وَباطِنَةً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة:
﴿وَأَسْبَغَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس. على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ أي: ومنا فريق دون ذلك، والأصح: أن مضمون
стр. 4737
الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مِنَ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١٠] من سورة (العنكبوت). ﴿يُجادِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بغير علم.
و (غير) مضاف، و ﴿عِلْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي.
﴿هُدىً:﴾ معطوف على (علم) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي أيضا. ﴿كِتابٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُنِيرٍ:﴾ صفة ﴿كِتابٍ،﴾ وجملة:
﴿يُجادِلُ..﴾. إلخ في محل رفع صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: للناس الكفار، والقائل لهم هو النبي ﷺ ، أو أحد المؤمنين الصادقين. ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: من التوحيد، وتحليل الطيبات، وتحريم الخبائث، وإنما عدل عن الخطاب مع الكفار للنداء على ضلالهم، كأنه التفت إلى العقلاء من المؤمنين الصادقين، وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى بماذا يجيبون؟!.
﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي: من عبادة الأصنام، وتحريم السوائب، والبحائر، والوصائل، والحوامي، وتحريم بعض الزروع... إلخ، فإنهم كانوا خيرا منا، وأعلم وأعقل، فرد الله عليهم هنا بقوله: ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ..﴾. إلخ: أي: أيتبعون آباءهم، ولو كان الشيطان يدعوهم جميعا إلى ما فيه هلاكهم، ودخولهم جهنم، وبئس المصير. هذا؛ وفي آية (البقرة) رقم [١٧٠]: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي لا يفهمون، ولا يفقهون شيئا، ولا يهتدون إلى الحق، والصواب، وبإبدال: ﴿ما وَجَدْنا﴾ هنا ب: ﴿ما أَلْفَيْنا﴾ هناك.
هذا؛ و ﴿السَّعِيرِ:﴾ النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، وهي واد من أودية جهنم، أو دركة من دركات النار، وطبقاتها، والسّعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر] حلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير
стр. 4738
ف: «عوض» عندهم صنم صغير، والسعير: صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول: [الكامل] نفرت قلوصي من عتائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم
قال أبو المنذر: «يقدم» و «يذكر» ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير، انتهى.
بغدادي.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: اتبعوا الذي، أو: شيئا أنزله الله، وجملة: ﴿اِتَّبِعُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. وقيل:
نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل.
والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول ولا قوّة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» ونحو: «زعموا: مطيّة الكذب» وجملة: ﴿قِيلَ لَهُمُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.
﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿نَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿وَجَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول.
﴿آباءَنا:﴾ مفعول به أول، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة:
﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، وجملة: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
стр. 4739
﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف. (لو) حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿يَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى الشيطان، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلى عَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿يَدْعُوهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة:
﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، تقديره: لا تبعوه. هذا؛ وقال الجمل تبعا للزمخشري: إن الجملة في محل نصب حال، وهذا يعني: أن (لو) وصلية، ولا تحتاج إلى جواب... ، ويكون تقدير الكلام: أيتبعونه، ولو كان الشيطان يدعوهم؟! أي: في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. وهذا هو المعتمد.
هذا؛ ومثل هذه الآية في تركيبها، وإعرابها الآية رقم [١٧٠] من سورة (البقرة) ورقم [١٠٤] من سورة (المائدة)، ورقم [٤٣] من سورة الزمر.
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾
الشرح ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ:﴾ بأن أقبل بكليته عليه، وفوض أمره إليه، وأخلص عبادته، وقصده إليه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في علمه؛ لأن العبادة من غير إحسان، ولا معرفة القلب لا تنفع، وفي حديث جبريل ﵊، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال الرسول ﷺ : «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك».
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ:﴾ تمسك، فالسين، والتاء ليستا للطلب. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى:﴾ العروة في الأصل موضع شدّ اليد، وأصل المادة تدل على التعلق، ومنه: عروته؛ إذا ألممت به متعلقا به، واعتراه الهم: تعلق به. والوثقى: تأنيث الأوثق، وهي للتفضيل، كفضلى تأنيث الأفضل. وفي الآية الكريمة تمثيل حال المتوكل على الله بحال من أراد أن يتدلى من شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين، مأمون انقطاعه. ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي: صائرة إليه، فيجازي عليها، والمراد: أعمال العباد، مردها، ومصيرها إلى الله تعالى. هذا؛ وفي سورة (البقرة) قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾. أي لا انقطاع لها، فيكون المعنى: اعتصم بالعهد الأوثق، الذي لا يخلف عليه، ولا يخاف انقطاعه، ويرتقي بسببه إلى أعلى المراتب، وأسمى الغايات. هذا؛ وفي الآيتين استعارة تمثيلية، وتفصيلها ما ذكرته آنفا.
وقيل: هو تشبيه تمثيلي لذكر طرف التشبيه. هذا؛ وعاقبة كل شيء: نتيجته، وآخره. وقال القرطبي: فإن قلت: ما له عدّي: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ هنا ب: ﴿إِلَى،﴾ وقد عدّي باللام
стр. 4740
في قوله : ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (البقرة) قلت: معناه مع اللام: أنه جعل وجهه، وهو ذاته، ونفسه سالما لله؛ أي: خالصا له. ومعناه مع ﴿إِلَى﴾ راجع إلى أنه سلم إليه نفسه، كما يسلم المتاع إلى الرجل؛ إذا دفع إليه، والمراد: التوكل عليه، والتفويض إليه. انتهى. ومثله في الكشاف.
هذا؛ وإنما خص الوجه بالذكر؛ لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيه أكثر الحواس، ولأنه موضع السجود، ومظهر آثار الخشوع، والخضوع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْلِمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿وَجْهَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُحْسِنٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبار الجملة معترضة. ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿اِسْتَمْسَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالْعُرْوَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْوُثْقى:﴾
صفة العروة مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية:
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ..﴾. إلخ معطوفة على (إذا) ومدخولها في الآية السابقة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(إِلَى اللهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عاقِبَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْأُمُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ:﴾ فإنه لا يضرك في الدنيا، والآخرة. ﴿إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا:﴾ فنخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، ونجازيهم عليها، فصار المعنى: لا يهمنك كفر من كفر، وكيده للإسلام، ومحاربته لك، وإيذاؤه لأصحابك، فإن الله دافع كيده في نحره، ومنتقم منه، ومعاقبه على عمله. هذا؛ وقرئ
стр. 4741
الفعل: (يحزن) بفتح الياء من الثلاثي، وبضمها من الرباعي، والأول من باب دخل، وقتل، قال اليزيدي-رحمه الله تعالى-: «حزنه» لغة قريش، و «أحزنه» لغة تميم. انتهى. وهو متعد على اللغتين، مثل سلكه، وأسلكه. هذا؛ وحزن بكسر الزاي، من باب: فرح، وطرب لازم.
﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: إن الله عليم بما في صدور عباده من نية حسنة، أو نية خبيثة، فيفعل بهم على حسب ما تكنه صدورهم من غدر، وخيانة، وتبييت للشر، وغير ذلك.
هذا؛ وانظر شرح النبأ في الآية رقم [٣] من سورة (القصص). هذا؛ وقد أفرد الضمير بقوله:
﴿كُفْرُهُ﴾ مراعاة للفظ (من)، وجمعه بالضمير المنصوب مراعاة لمعناها.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض، مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ومتعلقه محذوف. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿كُفْرُهُ:﴾
فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية السابقة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ:﴾ الفاء:
حرف عطف. (ننبئهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به. ﴿بِما:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ننبئهم بالذي، أو بشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الفعلية: ننبئهم بعملهم معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها.
﴿بِذاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (ذات) مضاف، و ﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ أي: نمهلهم؛ ليتمتعوا بنعيم الدنيا إلى انقضاء آجالهم. هذا؛ والتمتع بالشيء: التلذذ به، والانتفاع بفوائده، ومثله الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة
стр. 4742
بكسر الميم، وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد والطعام؛ ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو القميص، والإزار، والملحفة، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا؛ والتمتع بالمرأة إلى أجل معلوم بيّنت فساده في أول سورة (المؤمنون).
﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ:﴾ نلجئهم، ونردهم. ﴿إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ:﴾ شديد. شبه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إياه باضطرار المضطر إلى الشيء؛ الذي لا يقدر على الانفكاك منه، وهي استعارة مكنية هذا؛ والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد الشدة، والثقل على المعذب. هذا؛ وقد قال تعالى في الآية رقم [١٢٦] من سورة (البقرة): ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
الإعراب: ﴿نُمَتِّعُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل المستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، أي: تمتيعا قليلا، أو صفة زمان محذوف؛ أي: نمتعهم زمانا قليلا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمسئول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات والأرض، وخصهما بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنها أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنها كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.
﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السموات، والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد، والشكر، وأن لا يعبد معه أحد غيره. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن ذلك يلزم، وإذا نبهوا عليه؛ لم ينتبهوا، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل، وانظر الآية رقم [٦] من سورة (الروم). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 4743
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف شرط جازم.
﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ خَلَقَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (سأل). ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، ونون التوكيد حرف لا محل له.
﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير:
خلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٩]: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ،﴾ والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما»، والكلام:
﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له، وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة وهي في محل نصب مقول القول.
﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خلقا، وملكا، وعبيدا، لا يستحق العبادة فيهما غيره. ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن العباد، وعن حمدهم، وشكرهم. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ المستحق للحمد وإن لم يحمد، أو محمود نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال، وبلسان المقال أيضا، وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (فاطر).
стр. 4744
الإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ خبرين له؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾
الشرح: لما احتج الله بما احتج به على المشركين؛ بين: أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القفال: لما ذكر: أنه سخر لهم ما في السموات، وما في الأرض، وأنه أسبغ عليهم النعم؛ نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما، والبحار مدادا، فكتاب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته، ووحدانيته؛ لم تنفد تلك العجائب.
وقال أبو جعفر النحاس: فقد تبين: أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم، وحقائق الأشياء؛ لأنه علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون، فلو سمى كل دابة وحدها، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها، وكثيرها، وما تحولت عليه من الأحوال، وما زاد فيها في كل زمان، ثم كتاب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله ﵎ عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر؛ لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر. انتهى. قرطبي بتصرف.
والمعنى: الإجمالي للآية: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام، وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته، ونفدت الأقلام، والمداد، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٠٩]: ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ انظر شرحها هناك، والآيتان نزلتا بسبب واحد. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. انظر الآية رقم [٩].
تنبيه: وإنما ذكر «شجرة» على التوحيد؛ لأنه أريد تفصيل الشجر، وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما، وأوثر «الكلمات» وهي جمع
стр. 4745
قلة على الكلم وهي جمع كثرة؛ لأن معناه: أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف به كلمه. انتهى. نسفي.
خاتمة: نزلت الآية الكريمة جوابا لليهود حين سألوا رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ رقم [٨٥] من سورة (الإسراء) فقالوا له: نحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: «بل نحن وأنتم». فقالوا: ما أعجب شأنك! ساعة تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ الآية رقم [٢٦٩] من سورة (البقرة)، وساعة تقول: هذا، فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ وما قالوه دليل على سوء فهمهم؛ لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم العبد من الخير والحق ما تسعه الطاقة البشرية؛ بل ما ينتظم به معاشه، ومعاده-وهو بالإضافة إلى معلومات الله تعالى؛ التي لا نهاية لها قليل-ينال به خير الدارين، وهو بالإضافة إليه كثير. انتهى. وانظر شرح الآيتين في محلهما.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. (أنّ):
حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (أنّ). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وهو عائد الموصول، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿أَقْلامٌ:﴾ خبر: (أن)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأول مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، تقديره: ولو حصل، أو وقع كون ما في الأرض... إلخ، وهذا الفعل شرط (لو) عند المبرد. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف، التقدير: ولو كون ما في الأرض من شجرة أقلاما حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَالْبَحْرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (البحر):
يقرأ بنصبه عطفا على (ما)، التقدير: ولو أن البحر يمده، ويقرأ برفعه عطفا على محل (أن) واسمها؛ إذ محلهما الرفع على الفاعلية، أو على الابتداء كما رأيت، أو هو مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق الصلة، والرابط:
الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ وما أشبه ذلك من الأحوال، التي حكمها حكم الظرف. ﴿يَمُدُّهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما، وهو أقوى معنى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعَةُ:﴾ فاعل:
(يمد)، و ﴿سَبْعَةُ﴾ مضاف، و ﴿أَبْحُرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر «أنّ» على نصب (البحر)، وفي محل رفع خبره على الاعتبارات الأخرى. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَفِدَتْ:﴾
فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِماتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿ما﴾
стр. 4746
نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.
﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ قال الضحاك-رحمه الله تعالى-:
المعنى: ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة. انتهى. أي: فحذف هذا المقدر للعلم به، والمعنى: سواء في قدرته القليل، والكثير، فلا يشغله شأن عن شأن؛ لأنه يقول للقليل والكثير: ﴿كُنْ فَيَكُونُ،﴾ فلا يصعب عليه ما يصعب على العباد، وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ:﴾ لقول المشركين: إنه لا بعث.
﴿بَصِيرٌ:﴾ بأعمالهم، فيجازيهم عليها.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية في أبيّ بن خلف، وأبي الأسود؛ ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبي ﷺ : إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة.
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلْقُكُمْ:﴾ مبتدأ حذف خبره لدلالة ما بعده عليه، كما رأيت في الشرح، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ما خلقي إياكم، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو صلة لتأكيد النفي. ﴿بَعْثُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ، مثل سابقه. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿كَنَفْسٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف خبر ﴿خَلْقُكُمْ﴾ فيكون الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. وعلى الأول فالحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما يجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى: مثل، فهي الخبر، وتكون مضافة، و (نفس) مضاف إليه. ﴿واحِدَةٍ:﴾ صفة نفس. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، أو معترضة في آخر الكلام، لا محل لها على جميع هذا الاعتبارات.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ:﴾ ألم تنظر نظر تبصر، واعتبار، وتدبر، واستبصار. ﴿يُولِجُ:﴾
يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، أي: يزيد من هذا في ذاك، ومن ذاك في هذا.
стр. 4747
أو بسبب أنه خالق الليل والنهار، ومصرفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير، والشر. هذا؛ و ﴿يُولِجُ﴾ من: أولج الرباعي، أصله: يؤولج حذفت الهمزة منه حملا على المبدوء بالهمزة: أؤولج للتخفيف، ومصدره: الإيلاج، وأما الثلاثي فهو: ولج، يلج، وأصله: يولج، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة، مثل: وعد، يعد، ووزن، يزن، ومصدره: الولوج. والمراد بإيلاج الليل في النهار، وبالعكس بأن يزيد كل منهما بما نقص من الآخر، كما هو ظاهر في طول الليل، وقصره، تبعا لفصول السنة، قال تعالى:
﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ رقم [٤٤] من سورة (النور).
وقيل: المراد بالإيلاج: أنه يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس. ﴿وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ لا يخفى عليه شيء مما يقع في الليل، والنهار. كما لا يخفى عليه شيء من أعمالكم كانت صغيرة، أو كبيرة. هذا؛ والمراد بالأجل المسمى: يوم القيامة؛ لأن جريان الشمس، والقمر لا ينقطع إلا حينئذ، ودل أيضا بالليل، والنهار، وتعاقبهما، وزيادتهما، ونقصانهما، وجري النيرين في فلكيهما-كلّ ذلك على تقدير وحساب-وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته، وحكمته.
فإن قلت: ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ و ﴿يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت:
كلا ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين أعني: الانتهاء والاختصاص كل منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى معناه: يبلغه، وينتهي إليه، وقولك: يجري لأجل مسمى تريد: يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمّى، ألا ترى أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختصّ بآخر الشهر، فكلا المعنيين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف.
هذا؛ وتعاطف الجمل مع اختلافها بالمضارعية، والماضوية لا غبار عليه هنا؛ لأن ما تتحدث عنه هذه الجمل واقع في الماضي، وفي الحال، وفي المستقبل؛ بل هو مستمر حتى نهاية الدنيا، لا ينكره إلا مكابر. وقيل: عبر ب: ﴿يُولِجُ﴾ لأن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد كل حين، فعبر عنه بالمضارع المتجدد حينا بعد حين، وأما تسخير النيرين؛ فهو أمر ثابت لا يتجدد، فعبر عنه بالماضي المفيد ذلك. هذا؛ ويطلق على الليل، والنهار اسم الجديدين.
قالت الخنساء، ﵂: [البسيط] إنّ الجديدين في طول اختلافهما... لا يفسدان ولكن يفسد الناس
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف
стр. 4748
والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُولِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿اللهَ﴾.
﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿يُولِجُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول (ترى)، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفة أيضا عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة. ﴿يَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿كُلٌّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جرّه كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية:
﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الشمس، والقمر، والرابط: الضمير المقدر، أو هي معترضة بين المتعاطفين.
﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (أن). ﴿بِما:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. والجملة الفعلية صلة: (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على المصدر المؤول السابق، فهو في محل نصب مثله. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، التقدير: خبير بعملكم.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، واختصاص الباري بها. وقيل: المعنى فعل الله تعالى ذلك لتعلموا، وتقروا بأن الله هو الحق بسبب: أن الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته، فهو الحق، ودينه حقّ، وعبادته حق، والمؤمنون يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق. ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: ما يعبدون من سواه. ﴿الْباطِلُ:﴾ أي المعدوم في حد ذاته. والمراد: الأصنام؛ التي يعبدونها من دون الله، فإنها لا استحقاق لها في العبادة، والتقديس، والتعظيم. وقيل: المراد: الشياطين. ولا وجه له.
стр. 4749
﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ أي: العالي على كل شيء، والعالي عن الأشباه، والأنداد، المقدس عما يقوله الظالمون من الصفات؛ التي لا تليق بجلاله. ﴿الْكَبِيرُ﴾ أي: الموصوف بالعظمة والجلال، وكبر الشأن. وقيل: ﴿الْكَبِيرُ:﴾ ذو الكبرياء. والكبرياء. عبارة عن كمال الذات، أي له الوجود المطلق أبدا، وأزلا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه؛ بل بعد فناء الزمان، والمكان.
هذا؛ و ﴿الْحَقُّ﴾ ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. الحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حقّ، نحو: الموت، والحساب... إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه.
نحو اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حقّ، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا، انتهى. بغدادي. هذا؛ وانظر شرح الباطل في الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت).
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقد رأيت في الشرح اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾
الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (أن). ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم: (أن) على المحل. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر: (أن). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ والحق خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره في الشرح، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب اسم (أن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وأن الذي، أو: أن شيئا يدعونه. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْباطِلُ:﴾ خبر: (أن)، وفي سورة (الحج): ﴿هُوَ الْباطِلُ﴾ والمصدر المؤول من: (أنّ) واسمها وخبرها معطوف على المصدر المؤول السابق فهو في محل جر مثله. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ما جاز بسابقه، وباقي الإعراب مثل: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ والمصدر المؤول من: (أن) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله أيضا، وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بحروفها في سورة (الحج) برقم [٦٢].
стр. 4750
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر: نظر تبصر، واعتبار، لا نظر إهمال، واستهتار. ﴿أَنَّ الْفُلْكَ:﴾ أن السفن والمراكب البحرية على جميع أنواعها، وتفاوت مراتبها. ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ:﴾
تسير. ﴿بِنِعْمَتِ اللهِ:﴾ بإحسانه، وكرمه في تهيئة أسبابه، من هبوب الريح، وغير ذلك، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته وشمول إحسانه وكرمه، وبره، وإفضاله. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ من دلائل قدرته، ووحدانيته، وعجائب صنعه. قال النقاش: الآيات: ما يرزقهم الله من البحر بسبب السفن. وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما ذكر. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلائل واضحات، وبينات باهرات على قدرته وعظمته. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ:﴾ على المصائب، والمتاعب، والمشاق، وعلى التفكر في صنع الله، وما ذرأ، وبرأ في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف. ﴿شَكُورٍ:﴾ يعرف النعم، ويتعرف فضل مانحها، أو لكل مؤمن، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. هذا؛ و ﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صيغتا مبالغة، كما هو ظاهر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْفُلْكَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر، تقديره: «هي» يعود إلى الفلك، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد المفعول به على اعتبار (ترى) بصريا، وسد مسد مفعوليه على اعتباره قلبيا، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِنِعْمَتِ:﴾ متعلقان بالفعل:
﴿تَجْرِي،﴾ أو في محل نصب حال من فاعله، التقدير: تجري في البحر مصحوبة بنعمة، و (نعمة) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: بنعمة الله عليكم. ﴿لِيُرِيَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ تقديره: «هو»، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:
﴿تَجْرِي،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه المقام، تقديره: فعل ذلك؛ ليريكم. ﴿مِنْ آياتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾
اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿أَنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه
стр. 4751
جمع مؤنث سالم. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة آيات، و (كل) مضاف، و ﴿صَبّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿شَكُورٍ:﴾ صفة ثانية؛ إذ التقدير: لكل شخص، أو لكل إنسان صبار شكور. وهو يشمل الذكر، والأنثى. وصيغتا المبالغة صالحة لهما، كما هو معلوم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٩] من سورة (سبأ).
﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ:﴾ علاهم، وغطاهم. ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ:﴾ مرتفع كالجبال، و (الظلال) جمع: ظلة، وهي السحابة الكبيرة، شبه الموج بها لكبرها وارتفاعها، قال النابغة في وصف بحر: [الوافر] يماشيهنّ أخضر ذو ظلال... على حافاته فلق الدّنان
وإنما شبه الموج-وهو واحد-بالظلال، وهو جمع؛ لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كالظلال. وقيل: هو بمعنى الجمع، وإنما لم يجمع؛ لأنه مصدر، وأصله من الحركة، والازدحام.
﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: تركوا الأصنام؛ التي يعبدونها، ولجئوا إلى الله بالتضرع، والدعاء، حالة كونهم كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو، وإنما لجئوا إلى الله لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى، والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد. ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أي: إلى الأرض اليابسة، وأمنوا من الغرق.
﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:﴾ قال ابن عباس-﵄: موف بما عاهد عليه الله في البحر.
وقال الحسن: «مقتصد» مؤمن، متمسك بالتوحيد، والطاعة. وقال الزمخشري: متوسط في الكفر، والظلم، خفض من غلوائه، وانزجر بعض الانزجار. وقال الخازن: وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل، وذلك: أنه هرب عام الفتح إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال عكرمة ﵁: لئن أنجانا من هذه لأرجعن إلى محمد ﷺ ، ولأضعن يده في يدي! فسكتت الريح، ورجع عكرمة إلى مكة، وأسلم، وحسن إسلامه، ﵁.
﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا:﴾ وما يكفر بدلائل قدرتنا. ﴿إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ:﴾ غدار، والختر: أسوأ الغدر، ومنه قولهم: إنك لا تمد لنا شبرا من غدر؛ إلا مددنا لك باعا من ختر. قال عمرو بن معديكرب ﵁: [الوافر]
стр. 4752
فإنّك لو رأيت أبا عمير... ملأت يديك من غدر وختر
يريد الشاعر المبالغة في وصف غدر أبي عمير. روي: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا عدّ بأصابع يده اليمنى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وبأصابع يده اليسرى: اللهمّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني، فقال له رسول الله ﷺ : «ملأت يديك خيرا». فعلى القياس، من عد معايب أحد بأصابع يديه ملأ يديه شرا، فكأن الشاعر ينبه: أن في أبي عمير عشرا من الأخلاق الذميمة.
وقال الأعشى: [البسيط] بالأبلق الفرد من تيماء منزله... حصن حصين وجار غير ختّار
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا) انظر الآية رقم [٢١]. ﴿غَشِيَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿مَوْجٌ:﴾ فاعله. ﴿كَالظُّلَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَوْجٌ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل فهي الصفة، وتكون مضافة، و (الظلال) مضاف إليه، وجملة: ﴿غَشِيَهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.
﴿دَعَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، وجملة: ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:
﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعوله.
﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿نَجّاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ تقديره: «هو»، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿إِلَى الْبَرِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب: (لما). (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُقْتَصِدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، هذا هو الظاهر. وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ هو الخبر؛ لأن من الجارة دالة على التبعيض؛ أي: بعضهم مقتصد، والجملة الاسمية جواب: (لما) لا محل لها.
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (العنكبوت).
стр. 4753
هذا؛ وقال ابن هشام في «المغني»: وقال جماعة منهم ابن مالك في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:﴾ إن الجملة الاسمية: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ جواب (لما)، والظاهر:
أن الجواب جملة فعلية محذوفة، أي: انقسموا قسمين: فمنهم مقتصد، ومنهم غير ذلك. ويؤيد هذا: أن جواب (لما) لا يقترن بالفاء. انتهى. بتصرف. وعليه فالفاء حرف عطف، وتفريع.
و (لما) ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو مستأنف لا محل له على الوجهين.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَجْحَدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿خَتّارٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف.
﴿كَفُورٍ:﴾ صفة ثانية؛ إذ التقدير: إلا كل شخص، أو إنسان ختار، كفور. وهو يشمل الذكر، والأنثى، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَجْحَدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والحالية ضعيفة.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يشمل المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح. ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:﴾ خافوه، واعبدوه. ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً:﴾ احذروا يوما، وخافوا عقابه، وأهواله، والمراد به يوم القيامة بلا ريب. ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ:﴾ لا يقضي، وقرئ: «(لا يجزئ)» من: أجزأ: إذا أغنى ونفع. ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً:﴾ بمعنى غير قاض، وغير مغن عن والده شيئا في ذلك اليوم الطويل زمانه، العظيم أهواله، القريب أوانه.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ:﴾ لا خلف فيه قطعا؛ بل إن ما وعد به عباده من الخير لا بد وأن يقع، وأن ما توعدهم به من الشر فهو بالخيار، لا يسأل عما يفعل، فإن شاء عفا، وإن شاء عاقب.
﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ فلا تخدعنكم بزخارفها، وزينتها، ولا تشغلنكم عن طاعة الله تعالى بحطامها الفاني ومتاعها الزائل. ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الشيطان بأن يرجّيكم التوبة، ويؤملكم المغفرة، فيجرّئكم على المعاصي، ويسوف لكم بالتوبة.
هذا؛ و ﴿الْغَرُورُ﴾ بفتح الغين: الشيطان كما رأيت، وهو الذي يغر الخلق، ويمنيهم الأماني الكاذبة، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٢٠]: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾. هذا؛ وقرئ بضم الغين، كأنه مصدر: غرّ، يغرّ غرورا: خدعه، وأطمعه في الباطل.
قال سعيد بن جبير-﵁-هو أن يعمل بالمعصية، ويتمنى المغفرة.
стр. 4754
أما ﴿جازٍ،﴾ فأصله: «جازي» بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة على الياء علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة، أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الزاي مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: ﴿جازٍ﴾ بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة فتمنع الرفع للزاي، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من ال والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: قيل: إن معنى الآية: أن الله تعالى ذكر شخصين في غاية الشفقة، والمحبة، وهما الوالد، والولد، فنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه، والولد يجزي عن والده لما له عليه من حق التربية وغيرها، فإذا كان يوم القيامة، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ولا يهتم بقريب، ولا بعيد، كما قال ابن عباس-﵄: كل امرئ تهمه نفسه.
وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾ وارد على طريق من التوكيد، لم يرد عليه ما هو معطوف عليه؛ قلت: الأمر كذلك؛ لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: ﴿هُوَ﴾ وقوله: ﴿مَوْلُودٌ﴾. والسبب في مجيئه على هذا السنن: أن الخطاب للمؤمنين، وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر، وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم، وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئا، فلذلك جيء به على الطريق الآكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه؛ لم تقبل شفاعته؛ فضلا عن أن يشفع لمن فوقه من أجداده؛ لأن الولد يقع على الولد، وولد الولد، بخلاف المولود، فإنه لمن ولد منك. انتهى.
وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسّه النار إلاّ تحلّة القسم». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ومالك عن أبي هريرة، ﵁. وفي رواية: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسّه النّار إلا تحلّة القسم». هذا؛ والقسم هو مضمون، وفحوى قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾. وقال ﷺ : «من ابتلي من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهنّ؛ كنّ له سترا من النّار». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي عن عائشة ﵂؛ قيل له: المعنى بهذه الآية: أنه لا يحمل والد ذنب ولده، ولا مولود ذنب والده، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعنى بالأخبار-أي: بالأحاديث-: أن ثواب الصبر على الموت، والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد سابقا له إلى
стр. 4755
الجنة. انتهى. بتصرف كبير. أقول: والأحاديث التي ترغب الآباء، والأمهات في تربية الأولاد، والصبر على موتهم كثيرة مسطورة في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وغيره.
الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل:
إن الاسم الواقع بعد «أي»، وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا-كما هنا-فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع-أعني: «أي» -منصوب محلا، فكذا التابع، أعني:
الناس، وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الاتباع اللفظية... إلخ، وانظر الآية رقم [١] من سورة الأحزاب. ففيها بحث جيد.
﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محلّ جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنهما ابتدائيتان.
﴿وَاخْشَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (اخشوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يَوْماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿والِدٌ:﴾ فاعله. ﴿عَنْ وَلَدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة:
﴿يَوْماً،﴾ ورابط الصفة محذوف، التقدير: يوما لا يجزي فيه والد عن ولده. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): نافية، أو هي صلة لتأكيد النفي. ﴿مَوْلُودٌ:﴾ يجوز وجهان: أحدهما أنه معطوف على ﴿والِدٌ،﴾ وثانيهما: أنه مبتدأ جاز الابتداء به؛ لأنه في سياق النفي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿جازٍ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة:
﴿مَوْلُودٌ،﴾ أو هي في محل رفع خبره، وعليه؛ فالجملة الاسمية: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، وهي في محل نصب صفة مثلها. ﴿عَنْ والِدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جازٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ل: ﴿جازٍ﴾.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للنفي،
стр. 4756
لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك، -أي ما ذكر-حاصلا، وواقعا. ﴿فَلا..﴾. إلخ. (لا): ناهية جازمة.
﴿تَغُرَّنَّكُمُ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والجملة: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها أيضا، ولا خفاء فيه. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾
الشرح: روي: أن رجلا من قبيلة محارب، اسمه: الحارث بن عمرو، بن حارثة، بن حفصة من أهل البادية أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن الساعة متى قيامها؟ وإني قد ألفيت حياتي في الأرض، وقد أبطأت عنا السماء؛ فمتى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي؛ فقد اشتملت ما في بطنها، أذكر، أم أنثى؟ وإني علمت ما عملت أمس، فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد عرفته فأين أموت؟ فنزلت الآية الكريمة.
وعن عبد الله بن عمر-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلاّ الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلاّ الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلاّ الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت، ولا يدري أحد متى يأتي المطر». وفي رواية أخرى: «لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلاّ الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى السّاعة إلاّ الله». أخرجه البخاري.
وعن ابن عباس-﵄: «من ادّعى علم هذه الخمسة فقد كذب، إياكم والكهانة، فإن الكهانة تدعو إلى الشرك، والشرك وأهله في النار». وروي: أن المنصور العباسي أهمه معرفة مدة عمره، فرأى في منامه كأن خيالا أخرج يده من البحر، وأشار إليه بالأصابع الخمس، وكان سأله عن مدة عمره، فاستفتى العلماء في ذلك. فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر، وبخمسة أيام، حتى قال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: تأويلها أن مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.
стр. 4757
﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي: علم وقت قيامها، وانظر شرح ﴿السّاعَةِ﴾ في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم). ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي: المطر في وقته المقدر له، والمكان المعيّن له، لا يتجاوزه، من غير تقديم، ولا تأخير. وسمي المطر: غيثا؛ لأنه يغيث الناس، فيزيل همهم، ويفرج كربهم، ويطلق مجازا على الجواد الكريم، قال ذو الرمة في مدح بلال بن أبي بردة الأشعري: [الوافر] سمعت الناس ينتجعون غيثا... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
فقد جعله أجود من الغيث، وأنفع. وصيدح: اسم ناقته. وللزمخشري قوله: [البسيط] لا تحسبوا أنّ في سرباله رجلا... ففيه غيث وليث مسبل مشبل
﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ:﴾ أذكر، أم أنثى، تام أم ناقص، أسود، أو أبيض، صبيح أم قبيح.
وفي سورة (الرعد) رقم [٩]: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ والأرحام جمع:
رحم، وهو مستودع الجنين في بطن الأنثى الحبلى من الإنسان، والحيوان. هذا؛ والرحم:
القرابة من جهة الأب، أو الأم، قال تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾.
﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً:﴾ من خير، أو شر، وربما تعزم على شيء، وتفعل خلافه. ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ:﴾ ليس أحد يعلم أين مدفنه من الأرض في بر، أو بحر في سهل، أو جبل، وكل إنسان يساق إلى الأرض التي قدر الله فيها موته، كما يساق إلى الأرض التي قدر الله فيها دفنه، وربما أقام الإنسان بأرض، وحدثته نفسه بالإقامة الدائمة فيها، وضربت، أوتادها، وقالت: لا أبرحها، وأقبر فيها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدثتها به ظنونها.
روي: أن ملك الموت ﵇-مر على سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، ويديم النظر إليه، فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجبا منه؛ لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك! ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ:﴾ يعلم الأشياء كلها. ﴿خَبِيرٌ:﴾ يعلم بواطنها، كما يعلم ظواهرها. ﴿غَداً:﴾ المراد به: اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في قوله: [الطويل] وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
تنبيه: أقول: إن ما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور، وما يتحدثون عنه من مغيبات، مثل نزول المطر، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والحدس، والتخمين، كثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من مكنون علم غيب الله تعالى.
стр. 4758
تنبيه: جعل العلم لله، والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل، والحيلة، فيكون المعنى أن النفس لا تعرف أين تموت، وماذا تكسب غدا، وإن أعملت حيلها في معرفة ما يلصق بها، ويختص بها، ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه، وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما؛ كان من معرفة ما عداهما أبعد.
تنبيه: قرأ أبي بن كعب-﵁: (بأيّة أرض تموت) وقرأ الباقون: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ قال الفراء: اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث: (أي). وقيل: أراد بالأرض المكان فذكر، قال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها
وقال الأخفش: يجوز مررت بجارية أيّ جارية، وأية جارية. وشبه سيبويه تأنيث (أي) بتأنيث كل في قولهم: كلّتهنّ. انتهى. قرطبي: أقول: وإنما جاء ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ لأن أرضا مؤنث مجازي، والمؤنث المجازي يجوز تذكيره، وتأنيثه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السّاعَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينزل):
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿الْغَيْثَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف عطف.
(يعلم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ أيضا. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْأَرْحامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. وهو معلق عن العمل لفظا. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ما الذي تكسبه غدا.
هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا فلك وجهان: أحدهما: اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف. والثاني: اعتباره مبنيا على السكون في محل نصب مفعول به مقدما، والجملة: ﴿ماذا تَكْسِبُ﴾ على جميع الاعتبارات في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل ﴿تَدْرِي،﴾ وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿غَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.
﴿بِأَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَمُوتُ﴾ بعدهما، و (أي) اسم استفهام علق الفعل:
стр. 4759
﴿تَدْرِي﴾ عن العمل لفظا، و (أي) مضافا، و ﴿أَرْضٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَمُوتُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٌ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي ﴿تَدْرِي﴾ المعلق عن العمل لفظا، وجملة: ﴿وَما تَدْرِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
انتهت سورة (لقمان) بحمد الله، وتوفيقه والحمد لله رب العالمين
стр. 4760
سورة السّجدة
سورة (السجدة)، وهي مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة؛ وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً..﴾. إلخ. قاله الكلبي، ومقاتل. وقال غيرهما: إلا خمس آيات من قوله تعالى:
﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾. وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفا. وفي الصحيح عن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾.
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
الشرح: أعوذ: أتحصن، وأعتصم، وأستجير، وألتجئ. وعاذ فلان بفلان: لجأ إليه، واعتصم به. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ،﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ،﴾ وفي الحديث الشريف: «عذت بمعاذ» ومن أمثال العرب: «ذليل عاذ بقرملة» والقرملة: شجرة معروفة. ومعنى هذا المثل: أن الذليل قد لجأ إلى غير ملجأ، واعتصم بما لا يعصم، فهو ضد الحديث الذي ذكرته. وأصله: أعوذ على وزن: أنصر، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح، أولى بالحركة من حرف العلة. فنقلت حركة الواو إلى العين بعد سلب سكونها، فصار: أعوذ.
(الله): علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال.
الشيطان: اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم! قال تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام)، وما أجدرك أن تنظر شرحها هناك.
قال الرسول ﷺ لأبي ذر الغفاري-﵁: «يا أبا ذرّ! تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم». ولا تنس: أن لكل واحد من الإنس شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة-﵂: «أجاءك شيطانك؟». قالت: أولي شيطان؟ قال:
«ما من أحد، إلاّ وله شيطان». قالت: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا؛ إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». بفتح الميم من الإسلام، وبضمها من السلامة.
стр. 4761
هذا؛ والشيطان مأخوذ من: شطن إذا بعد. وقيل: مأخوذ من: شاط: إذا احترق، فعلى الأول هو مصروف؛ لأن النون أصلية، وعلى الثاني هو غير مصروف لزيادة الألف والنون، وشطن من باب: قعد، وشاط من باب ضرب. (الرجيم): فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم باللعن، وطرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى. وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة.
بعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة الاستعاذة على طريقة النحت، والنحت في الكلام: تركيب كلمة من كلمتين فأكثر، نحو البسملة، والحوقلة من: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم». والاسترجاع من: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون».
والفذلكة من قولك: «فذلك كذا وكذا». وهلمّ جرّا.
قال الخازن: ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: ﴿(أَعُوذُ بِاللهِ...)﴾ إلخ إقرار من العبد بالعجز، والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري ، وأنه الغني القادر على دفع جميع المضرات، والآفات، واعتراف من العبد أيضا بأن الشيطان عدو مبين، ففي الاستعاذة لجوء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغوي الفاجر، وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى. والله أعلم. انتهى.
الإعراب: (أعوذ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا». (بالله): جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإن علقتهما بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ فلا بأس، ويكون التقدير: أعوذ مستجيرا بالله. (من الشيطان): متعلقان بالفعل قبلهما. (الرجيم): صفة الشيطان مجرور مثله، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف، ونصبه على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أذم، وهذان الوجهان على القطع عن الإتباع، وجملة: (أعوذ...) إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الشرح: (اسم): اختلفوا في اشتقاقه، فقال البصريون: أصله: سمو، من السّموّ، وهو العلو والارتفاع، فاسم الشيء: ما علاه حتى ظهر به، وعلا عليه، فكأنه علا على معناه، وصار علما له، فحذفت لامه، وعوض عنها همزة الوصل في أوله. وقال الكوفيون: أصله: وسم من السّمة، وهي العلامة، فكأنه علامة لمسماه، حذفت فاؤه، وعوض عنها همزة الوصل. وحجة البصريين:
أنه لو كان اشتقاقه من السّمة؛ لكان تصغيره وسيم، وجمعه، أوسام؛ لأن التصغير، والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها، وقد أجمعوا على أن تصغيره سميّ، وجمعه: أسماء، وأسام.
стр. 4762
وقد حذفت الألف من: ﴿بِسْمِ اللهِ..﴾. للخفة، ولكثرة الاستعمال، وأثبتت في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لقلة الاستعمال. هذا؛ واسم: أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدءين، زادوا همزة الوصل في أولها، تفاديا للابتداء بالساكن، علما بأن هذه الهمزة تسقط في وصل الكلام وإن كتبت، وهذه الأسماء هي: ابن، وابنة، وابنم، وامرئ، وامرأة، واسم، واست، واثنين، واثنتين، وايمن.
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ اسمان. وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، وهما في حقه بمعنى المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى المحسن بدقائق النعم، وإنما جمع بينهما في البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة، وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى ومن وصف به مسيلمة الكذاب فقد تعنّت حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن البسملة آية من سورة الفاتحة، وآية من كل سورة ما عدا براءة عند الشافعي-رحمه الله تعالى-ولا تعد آية في كل ذلك عند مالك، وأبي حنيفة-رحمهما الله تعالى-وإنما هي للفصل بين كل سورتين، وأحمد-رحمه الله تعالى-يعدها آية من أول سورة الفاتحة، ولا يعدها آية في غيرها. ومبحث ذلك مبسوط في كتاب الفقه.
وأخيرا ينبغي أن تعلم: أن النبي ﷺ ندبنا إلى افتتاح جميع أمورنا بالبسملة تيمنا، وتبركا، فقد روى الخطيب في كتاب الجامع عنه ﷺ : أنه قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرّحمن الرحيم، فهو أبتر». وفي رواية: فهو أقطع، والمعنى: قليل البركة، أو معدومها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿بِسْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقرأ، أو أتلو؛ إذا أراد الشخص القراءة، وقس على ذلك جميع الأعمال التي يقوم بها المسلم، ويسمي الله عليها، فمثلا الآكل، والشارب، والقائم، والقاعد، تقدير المحذوف عنده: آكل، أو أشرب... إلخ، وتقدير المحذوف «فعلا» مذهب الكوفيين، وهم: يقدرونه مؤخرا ليفيد معنى الاختصاص، وأما البصريون فإنهم يقدرون المحذوف «اسما» والتقدير عندهم: ابتدائي كائن بسم. وقال المرحوم سليمان الجمل: والأحسن أن يقدر متعلق الجار هنا: قولوا؛ لأن المقام مقام تعليم، وهذا الكلام صادر عن حضرة الرب تعالى. انتهى. و (اسم) مضاف، و ﴿اللهَ﴾ مضاف إليه.
﴿الرَّحْمنِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بدل ثان من لفظ الجلالة، وهذا على اعتبارهما اسمين من أسماء الله الحسنى، وهو المعتمد. وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة. هذا؛ ويجوز
стр. 4763
في العربية رفعهما على أنهما خبران لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الرحمن الرحيم، كما يجوز نصبهما على أنهما مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح، ونحوه. وهذان الوجهان على القطع، أعني به قطع النعت عن المنعوت، وجملة: البسملة على الوجهين ابتدائية لا محل لها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)﴾
﴿الم:﴾ انظر شرحها، وإعرابها في، أول سورة (الروم).
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ أي: القرآن الكريم الموجود بين أيدينا، المتلو بألسنتنا، المحفوظ في صدورنا، المنزل على قلب نبينا ﷺ . ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه. ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: إنه منزل من رب العالمين الذي أنشأهم من العدم، وأحسن خلقهم، وصوّرهم، فأحسن تصويرهم، وربّاهم، فأحسن تربيتهم، وغذّاهم، فأحسن تغذيتهم... إلخ.
تنبيه: يرد هنا سؤال، وهو: إن الله تعالى قد نفى الريب والشك عن كتابه الذي أنزله على نبيه ﷺ على سبيل الاستغراق، وقد ارتاب فيه كثيرون في الماضي، وفي الحاضر.
والجواب: أن المنفي كونه متعلّقا للريب، ومظنة له؛ لأنه من وضوح الدلالة، وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه، لا أن أحدا لا يرتاب، ومن ارتاب فيه، أو في بعضه فالريب حصل له من فهمه السقيم، وعقله العقيم، وخذ قول المتنبي: [الوافر] وكم من عائب قولا صحيحا... وآفته من الفهم السّقيم
ولكن تأخذ الآذان منه... على قدر القريحة والفهوم
ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط] قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد... وينكر الفم طعم الماء من سقم
ورحم الله أحمد شوقي إذ يقول: [الوافر] وما ضرّ الورود وما عليها... إذا المزكوم لم يطعم شذاها
وما أحسن قول بعضهم: [البسيط] عاب الكلام أناس لا خلاق لهم... وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضرّ شمس الضحى في الأفق طالعة... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
وخذ قول أبي الطيب المتنبي أيضا: [الوافر] ومن يك ذا فم مرّ مريض... يجد مرّا به الماء الزّلالا
стр. 4764
هذا؛ وتقول: رابني هذا الأمر، وأوقعني في ريبة، أي في شك. وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذي والنسائي عن الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وريحانته، ﵄.
الإعراب: ﴿تَنْزِيلُ:﴾ فيه، أوجه خمسة: أحدها: أنه خبر عن ﴿الم﴾ لأن ﴿الم﴾ يراد به السورة، وبعض القرآن، و ﴿تَنْزِيلُ﴾ بمعنى منزّل، والجملة من قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ حال من الكتاب، والعامل فيها ﴿تَنْزِيلُ؛﴾ لأنه مصدر، و ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ متعلق به أيضا، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في ﴿فِيهِ﴾ لوقوعه خبرا، والعامل فيه الظرف، أو الاستقرار.
الثاني: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبره، و ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حالا من الضمير ﴿فِيهِ،﴾ ولا يجوز حينئذ أن يتعلق ب: ﴿تَنْزِيلُ؛﴾ لأن المصدر قد أخبر عنه، فلا يعمل، ومن يتسع في الجار، لا يبالي بذلك.
الثالث: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ أيضا، و ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ خبره، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾
حالا، أو معترضا.
الرابع: أن يكون ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ و ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ خبرين ل: ﴿تَنْزِيلُ﴾.
الخامس: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ مضمر، التقدير: هذا تنزيل، أو: المتلوّ تنزيل، أو:
هذه الحروف تنزيل، ودلت ﴿الم﴾ على ذكر الحروف، وكذلك: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ،﴾ وكذلك ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فتكون كل جملة مستقلة برأسها، ويجوز أن تكونا حالين من تنزيل، وأن تكون:
﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هي الحال، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ معترض. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني، وهو ملخص ما في العكبري، والكشاف، والبيضاوي، وما قاله مكي والنسفي... إلخ.
و ﴿تَنْزِيلُ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف.
﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب.
﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية رأيت ما فيها من أوجه. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ انظر ما يجوز في تعليقهما من أوجه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ:﴾ هذه «أم» المنقطعة، التي تقدر ب: «بل» و «ألف الاستفهام»؛ إذ التقدير: بل أيقولون افتراه، وهي تدل على الخروج من حديث إلى حديث، فإن الله عزّ وجلّ
стр. 4765
أثبت: أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي: افتعله واختلقه محمد ﷺ . ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ:﴾
هذا تقرير له، وتثبيت أنه منزل من عند الله. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً:﴾ هم قريش قاله قتادة، كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد ﷺ .
وقال الخازن: المراد ب: ﴿قَوْماً﴾ العرب؛ لأنهم كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ .
وقال ابن عباس-﵄: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى، ومحمد ﷺ . وأعتمد الأول؛ لأن دعوة قريش دعوة العرب عامة لما لها من زعامة على العرب قاطبة، وجميع العرب ينظرون إليها نظرة إجلال، وتقدير، واحترام لشرف نسبها، وحرمة البيت الموجود في بلدها، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في الآية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (يس) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
والنذير: هو المبشر على عمل الخير خيرا، والمخوف من عمل الشر، وموعد عليه شرا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى طريق الحق، والصواب، فيصدقونك ويؤمنون بالقرآن المنزل عليك. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترج، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، أو الترجي معتبر من جهته ﷺ ، أي: لتنذرهم راجيا لاهتدائهم.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» الإضرابية الإبطالية. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة، لا محل لها. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الرسول ﷺ ، وإن لم يتقدم له ذكر، وهو مفهوم يدل عليه المقام، وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (لقمان)، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وإضراب انتقالي. وقيل: إبطالي أيضا. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: أنت، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال ثانية من ﴿الْحَقُّ،﴾ أو هما متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أنزله للإنذار، وعلى الأول لا يوقف على ﴿رَبِّكَ﴾ وعلى الثاني يوقف، وتكون الجملة الفعلية المقدرة
следующие страницы →