← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

الإعراب: ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفاء الفصيحة إن أردت اتصال الكلام بسابقة؛ (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فانظر... إلخ، والكلام لا محل له على الاعتبارين. ﴿إِلى آثارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿آثارِ﴾ مضاف، و ﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف إليه، و ﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، أو إلى المطر المفهوم مما تقدم، أو تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿رَحْمَتِ اللهِ،﴾ انظر الشرح. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَيْفَ يُحْيِ..﴾. إلخ في محل نصب حال، التقدير: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ محيية للأرض بعد موتها، أو هي في محل نصب مفعول به ل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ ويجوز اعتبار الجملة في محل جر بدل من: ﴿آثارِ رَحْمَتِ اللهِ،﴾ فيكون التقدير: فانظر إلى آثار رحمة الله كيفية إحياء الأرض بعد موتها، ومثله ما نسب للفرزدق: [الطويل] إلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان؟! وهذا هو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمُحْيِ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (محيي): خبر: ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا لا محل لها. ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً﴾ أي: الدبور العقيم. ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا:﴾ فرأوا أثر رحمة الله؛ لأن رحمة الله هي الغيث، وأثرها النبات، فالضمير المنصوب يعود إلى النبات. وقيل: يعود إلى الريح، والريح تذكر كما رأيت في الآية رقم [٤٦] واصفرارها عقمها. وقيل: يعود إلى السحاب، وإذا كان مصفرا لا يمطر. والأول هو المعتمد.

стр. 4692

﴿لَظَلُّوا﴾ أي: ليظلّنّ، وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل؛ لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا تكون إلا في المستقبل. قاله الخليل، وغيره، ومعنى: (ظلوا) بقوا، وثبتوا على كفرهم، فليس المراد التوقيت في النهار، بل المراد من الفعل الاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ وهو يفيد: أنه بمعنى المستقبل، وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني. هذا؛ وظلوا: أصله ظللوا، فسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة، وهذا يطّرد في كل مضعف، مثل: مدّوا، وشدّوا، فإذا اتصل به ضمير متحرك؛ وجب الفك، مثل قولك: ظللت ومددنا، وشددن، وتقول: ظللت أفعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت أفعل ذلك وظلت أفعله: إذا كنت تفعله نهارا، وقد قرئ قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ بقراءات ثلاث. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآيات ناعية على الكفار بقلة تثبتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار؛ إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر، والاستدامة بالطاعة؛ إذا أصابهم برحمته، ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه؛ إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولا يكفروا نعمه. انتهى. ولكنهم عكسوا الأمر، وأبوا ما يجديهم، وأتوا ما يرديهم. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله. ﴿رِيحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَرَأَوْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رأوه): فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿مُصْفَرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَظَلُّوا:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (ظلوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (ظلوا)، وجملة: ﴿لَظَلُّوا..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والقسم، وجوابه، والشرط أيضا كله كلام مستأنف لا محل له.

стр. 4693

﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى..﴾. إلخ: أي: وضحت الحجج يا محمد! لكنهم لإلفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم، وعميت بصائرهم، فلا يتهيأ لك إسماعهم، وهدايتهم، وهذا رد على القدرية. انتهى. قرطبي. وقال الجمل: تعليل لمحذوف، أي: لا تجزع، ولا تحزن على عدم إيمانهم، فإنهم موتى صم عمي، ومن كان كذلك لا يهتدي. انتهى. وأقول: الخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل عاقل من بني آدم، والمعنى: لما كان الكفار لا يفهمون ما يسمعون، ولا به ينتفعون؛ شبهوا بالموتى، وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث يضلون الطريق، ولا يقدر أحد أن ينتزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى، ثم أكد حال الصم بقوله: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛﴾ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا؛ كان أبعد عن إدراك صوته، وإذا كان مقبلا، وإن لم يسمع الكلام؛ تفطن منه بواسطة الحركات شيئا. هذا؛ وأقول أيضا: إن الله تعالى قال عن الكافرين في سورة (البقرة): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وهم لم يكونوا في الحقيقة كذلك، ولكن المعنى: هم صم عن سماع الحق، وهم خرس عن النطق بالحق، وهم عمي عن طريق الحق، فلا يهتدون. وهذا تكرر في القرآن الكريم، وآية (الأعراف) رقم [١٧٨] ذكرت: أن لهم قلوبا؛ ولكن لا يفقهون بها، وأن لهم أعينا؛ ولكن لا يبصرون بها طريق الخير، والهدى، وأن لهم آذانا؛ ولكن لا يسمعون بها الحق سماع قبول، وتدبر. هذا؛ والموتى جمع ميت، ويجمع على: أموات أيضا، وكلاهما جمع تكسير، ويجمع جمع سلامة أيضا: ميتون، قال تعالى لحبيبه وصفيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وانظر الآية رقم [١٩] تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿فَإِنَّكَ:﴾ الفاء: حرف تعليل، وتفريع. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: «الدعاء»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: (إنك...) إلخ تعليل لمحذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿تُسْمِعُ﴾. ﴿وَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو

стр. 4694

الجماعة، وهي حال مؤكدة منصوبة، علامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، واعتبار ﴿إِذا﴾ شرطية بعيد، ولا يؤيده المعنى، وينبغي أن تعلم: أنّ الآية الكريمة قد ذكرت بحروفها كاملة في الآية رقم [٨٠] من سورة (النمل). ﴿وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿وَما أَنْتَ:﴾ يا محمد. ﴿بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أي: عمى البصيرة، لا عمى البصر، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان. سماهم الله عميا؛ لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار. ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا:﴾ لا تسمع سماع قبول وتدبر إلا من يؤمن، ويصدق بالقرآن: أنه منزل من عند الله تعالى. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ:﴾ مخلصون. من قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ أي: جعله خالصا سالما لله تعالى؛ أي: لا رياء فيه، ولا حب محمدة، وسمعة، وقد راعى معنى ﴿مَنْ﴾ حيث جمع الضمير، وراعى لفظها بفاعل يؤمن. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِهادِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (هادي): خبر (ما)، مجرور لفظا منصوب محلا، وهو مضاف، و ﴿الْعُمْيِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (هادي)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تُسْمِعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف بمعنى «ما». ﴿تُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف، التقدير: ما تسمع الدعاء إلا من. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ لا محل لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ تُسْمِعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها كاملة برقم [٨١] من سورة (النمل).

стр. 4695

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي: بدأكم، وأنشأكم من ضعف، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾. وقيل: من ماء ذي ضعف، وهو النطفة، والمعبر عنها بكثير من الآيات: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ وقيل: هو إشارة إلى أحوال الإنسان المختلفة، كان جنينا، ثم طفلا مولودا، ومفطوما، فهذه أحوال غاية الضعف. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ أي: حال الشباب، وبلوغ الأشد. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ أي: بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ومثله في الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل). ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ:﴾ من ضعف، وقوة، وشيبة، وشبيبة. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ:﴾ بتدبيره أمور خلقه. ﴿الْقَدِيرُ:﴾ القادر المقتدر على تغيير أحوال خلقه، وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير، وخذ هذين البيتين رحم الله قائلهما: [البسيط] ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود هذا؛ ويقرأ بفتح الضاد في جميعها، وقرئ بالضم، وهو أقوى. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. قال عبد الله بن عمر-﵄: قرأتها على رسول الله ﷺ ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ فأقرأني «(من ضعف)» وهما لغتان كالعقر، والعقر. وقيل: الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسد، ومنه الحديث في الرجل الذي كان يخدع في البيوع: «أنه يبتاع وفي عقدته ضعف» أي: في رأيه، ونظره في مصالح نفسه. هذا؛ والشيبة، والشيب: بياض الشعر، والمشيب: عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية، أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة؛ أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي، وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى واحد. الإعراب: ﴿اللهُ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ ضَعْفٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان

стр. 4696

بمحذوف حال من الكاف على حد قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من قوة، كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ضَعْفٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قُوَّةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وإعرابها مثلها. ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو: شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل: ﴿جَعَلَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل يشاء المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أي: تقوم القيامة، وانظر الآية رقم [١٤]. ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ:﴾ يحلفون. وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين، ونحوه في الآية رقم [١٢]. هذا؛ وسمي الحلف: قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيت مثله كثيرا، وأما «قسم» الثلاثي، فإنه بمعنى: جزّأ، أو فرّق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل، تسقط في درج الكلام، وتثبت في أوله. ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ:﴾ وأرادوا لبثهم في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وقال الرسول ﷺ : «ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون». قالوا: لا نعلم، أهي أربعون سنة، أو أربعون ألف سنة؟! وذلك وقت يفنون فيه، وينقطع عذابهم، وإنما يقدرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له، أو ينسون، أو يكذبون، أو يخمنون، وعلى القول الأول، وهو أنهم أرادوا لبثهم في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ رقم [٤٥] من سورة (يونس)، ومثلها من سورة الأحقاف رقم [٣٥] والأولى من سورة النازعات. ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كانوا يكذبون في الدنيا، فكذلك يكذبون في الآخرة، وقد زعم جماعة من أهل النظر: أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل على

стр. 4697

غير ذلك، قال الله : ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما صرفوا عن الحق في قسمهم: أنهم ما لبثوا غير ساعة، كذلك كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (٢٣) اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ الآية رقم [٢٣] و [٢٤]، انتهى. قرطبي بتصرف. والقائل: ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ هم الملائكة، والأنبياء، والمؤمنون، وانظر شرح ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ في الآية رقم [٦١] من سورة (العنكبوت)، ولا تنس ما كانوا يقولونه في الدنيا: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ الآية رقم [٢٩] من سورة (الأنعام)، ومثلها في سورة (المؤمنون) رقم [٣٧]. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يُقْسِمُ﴾ الآتي، وجملة: ﴿تَقُومُ السّاعَةُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿يُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ومثلها في إعرابها الآية رقم [١٢]. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَبِثُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب القسم: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لا محل لها. ﴿غَيْرَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿غَيْرَ:﴾ مضاف، و ﴿السّاعَةُ﴾ مضاف إليه. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. و (ذا): اسم مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: كانوا يؤفكون في الدنيا إفكا مثل إفكهم يوم القيامة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ:﴾ هم الملائكة، والأنبياء، والمؤمنون من هذه الأمة. وقيل: جميع المؤمنين من الأمم. ولا بأس. ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ:﴾ في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ، أو في حكم الله، وقضائه. ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ:﴾ ردوا بذلك ما قاله الكافرون، وحلفوا عليه. ﴿فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ أي: الذي كنتم تنكرونه، ولا تؤمنون به. ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ أنه حق؛ لتفريطكم في طلب الحق، واتباعه. هذا؛ وأصل

стр. 4698

﴿أُوتُوا:﴾ «أوتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو، فصار: «أوتوا» ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ والإيمان الصحيح: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عن الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله... وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ،﴾ واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله. وهو المفعول الأول، وهو العائد. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالْإِيمانَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿لَبِثْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي كِتابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، التقدير: محسوبة في علم الله وتقديره، و ﴿كِتابِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْبَعْثِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يُقْسِمُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَهذا:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط مقدر، التقدير: إن كنتم منكرين البعث؛ فهذا يومه. قاله القرطبي، وقاله الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي. الهاء: حرف تنبيه لا محل له، ينبه به المخاطب على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (يوم): خبره. و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْبَعْثِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (هذا يوم البعث) في محل جزم جواب الشرط الذي رأيت تقديره، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾.

стр. 4699

إلخ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم قامت الساعة، وحلف المشركون كاذبين، ورد عليهم الملائكة والمؤمنون، وبينوا كذبهم. ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ..﴾. إلخ: يقرأ الفعل بالتاء، والياء؛ لأن الفاعل هو (معذرة) وهو مؤنث مجازي، وما كان منه يجوز تأنيث فعله، وتذكيره، والمعذرة: الاعتذار، فهي مصدر ميمي، من: عذره رفع عنه اللوم، والمؤاخذة، والذنب، أو قبل عذره. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم؛ أي: إزالة عتبهم من التوبة، والطاعة، كما دعوا إليه في الدنيا؛ حيث ندبهم الله في كثير من الآيات إلى التوبة، والطاعة، وحضّهم في كثير من الآيات على الاستغفار، والإيمان به. من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني فأرضيته. وجملة القول: لا يقال لهم يوم القيامة: أرضوا ربكم بتوبة، وطاعة، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [٣٥] من سورة (الجاثية): ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [٨٤]: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٢٤]: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ وخذ قول أبي الأسود، وهو الشاهد [٩٦٠] من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا هذا؛ والاستعتاب: طلب العتاب. والمعتبة: هي الغلظة، والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة، والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب العتاب من خصمه دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني: [الطويل] فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٢]: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾. وفي المصباح المنير: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا: لامه في سخط، فهو عاتب، وعتّاب مبالغة، وبه سمي، ومنه عتّاب بن أسيد الصحابي ﵁-وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل: حقيقة العتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة. وأعتبني: الهمزة للسلب؛ أي أزال الشكوى، والعتاب. واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل.

стр. 4700

عن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنّى أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا فلعلّه يستعتب». رواه البخاري، ومسلم. هذا؛ والاستعتاب بمعنى الاسترضاء. قال الشاعر: [الكامل] غضبت تميم أن تقتّل عامر... يوم النسار فأعتبوا بالصّيلم كيف جعلهم غضابا: ثم قال: فأعتبوا؛ أي: أزيل غضبهم بالسيف. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه. أي: ما تقدم، وأما كونهم غير معتبين؛ فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جني عليهم، فهم عاتبون على الجاني، غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله، أي يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وإذ هذه مضافة لجملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح. ﴿لا:﴾ نافية: ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ:﴾ فاعل ينفع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُسْتَعْتَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ فلست مفندا، والحالية مقدرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه ما يرون من أهوال. ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ..﴾. إلخ أي: ولقد وصفنا لهم كل صفة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، ومج أسماعهم حديث الآخرة؛ إذا جئتهم بآية من آيات القرآن؛ قالوا: جئتنا بزور وباطل. انتهى. كشاف.

стр. 4701

قال الخازن: فإن قلت: ما معنى توحيد الخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ والجمع في قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ قلت: فيه لطيفة، وهي: أن الله تعالى قال: ولئن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل. ويمكن أن يقال: معناه: إنكم كلكم أيها الرسل مبطلون. انتهى. أقول: والأولى اعتبار الخطاب في الأول موجها إلى النبي ﷺ ، وفي الثاني موجها له وللمؤمنين معه. هذا؛ و ﴿مُبْطِلُونَ﴾ اسم فاعل من: أبطل الرباعي، وانظر الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت). هذا؛ و (قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته، وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا. ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء، المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر، فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا، ويحرم على المحدث حدثا أكبر، قراءته، وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في تقديسه، وتعظيمه. ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لِلنّاسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي هذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ضَرَبْنا﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف معنى، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ضَرَبْنا﴾ أيضا، وهما في محل المفعول به، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿مَثَلٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿(لَقَدْ ضَرَبْنا...)﴾ إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له وانظر الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة). ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جِئْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط، غير ظرفي. ﴿بِآيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَيَقُولَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مُبْطِلُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولَنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٥١].

стр. 4702

﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾ الشرح أي: يطبع الله على قلوب الكافرين طبعا مثل ذلك الطبع الذي يطبعه الله على قلوب الجاهلين. ومعنى طبع الله: منع الألطاف؛ التي تنشرح لها الصدور؛ حتى تقبل الحق، وإنما يمنعها الله من علم: أنها لا تجدي عليه، ولا تغني فتيلا، كما يمنع الواعظ الموعظة من يتبين له: أن الموعظة تلغو، ولا تنجع فيه، فوقع ذلك كناية عن قسوة قلوبهم، وركوب الصدأ، والرين عليها، فكأنه قال: كذلك تقسو، وتصدأ قلوب الجهلة؛ حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرف خلق الله في تلك الصفة. انتهى. كشاف. ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يطلبون العلم، ويصرون على خرافات اعتقدوها، فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق. انتهى. بيضاوي. هذا؛ ومعنى ﴿طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ ختم عليها؛ إذ الطبع في الأصل الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب الإنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾. والطبع: السجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان، والطبيعة مثله، وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع. هذا؛ والطبع: تدنس العرض، وتلطخه. يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل فهو طبع: إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع، أي: إلى دنس، قال ثابت بن قطنة: [البسيط] لا خير في طمع يدني إلى طبع... وغفّة من قوام العيش تكفيني الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، انظر تقدير الكلام في الشرح، وانظر الآية رقم [٥٦]. ﴿يَطْبَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى قُلُوبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ على أذاهم، وعداوتهم. والخطاب للنبي ﷺ . ﴿وَعْدَ اللهِ:﴾ بنصرك على أعدائك، وإظهار دينك على الدين كله. ﴿حَقٌّ:﴾ ثابت، ومحقق، لا بد من تنفيذه،

стр. 4703

وإنجازه والوفاء به. ﴿(وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ)﴾: لا يحملنك على الطيش، والخفة، والقلق، أو الجهل. ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ:﴾ لا يؤمنون بالبعث، والحساب، والمجازاة في يوم القيامة على الأعمال، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشر، فهم كافرون شاكون ضالون، لا يستغرب منهم ذلك. هذا؛ وقرئ بتخفيف النون، كما يقرأ بالقاف، فيكون المعنى لا يفتننك، فيملكوك، ويكونوا أحق بك من المؤمنين، وهذا على سبيل الفرض، والتقدير، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا علمت حالهم، وتبين لك كفرهم، وضلالهم فاصبر. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَسْتَخِفَّنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة في محل جزم ب: (لا) الناهية، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿لا يُوقِنُونَ﴾ صلة الموصول، وجملة: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اصبر...) إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين. انتهت سورة الروم، شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه والحمد لله رب العالمين.

стр. 4704

سورة لقمان سورة (لقمان)، وهي مكية غير آيتين قال قتادة: أولهما: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ..﴾. إلى آخر الآيتين. وقال ابن عباس-﵄: غير ثلاث آيات، أولهن: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. وهي أربع وثلاثون آية، وخمسمائة، وثمان وأربعون كلمة، وألفان ومائة وعشرة أحرف. انتهى. قرطبي، وخازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ الشرح: ﴿الم:﴾ انظر سورة (الروم). ﴿تِلْكَ:﴾ الإشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة من آيات القرآن، وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة هنا، وفي كثير من الآيات، وهي للبعد، والسورة الكريمة؛ بل القرآن كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد. وانظر شرح ﴿آياتُ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (الروم). ﴿الْكِتابِ الْحَكِيمِ:﴾ المحكم؛ أي: لا خلل فيه، ولا تناقض. وقيل: ذو الحكمة. وقيل: الحاكم. أو وصفه الله بالحكيم؛ لاشتماله على الحكم. أو لأنه كلام حكيم. أو محكم آياته لم ينسخ منها شيء. هذا؛ وقد وصفه الله بالمبين في أول سورة (الشعراء)، وفي أول سورة (النمل)، وفي أول سورة (القصص) وهو بمعنى: الظاهر إعجازه، وصحته، وما فيه من الأحكام، والمبين للحق من الباطل، والحلال، والحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد ﷺ ، وغير ذلك. وقيل: ﴿الْحَكِيمِ﴾ بمعنى: المحكوم فيه؛ أي: حكم الله فيه بالعدل، والإحسان، وبالنهي عن الفحشاء. والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه. ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ:﴾ جمع: محسن، وهو الذي يعمل الحسنات التي ذكرها في الآية التالية، ووصف الله المحسنين في سورة (الذاريات) بقوله: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١٨) وفى أموالهم حق للسائل اتاهم لذا؛ فالقول: إن المحسنين هم الذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الأعمال الثلاثة بفضل الاعتداد بها، فهو أولى بالاعتبار، وفي قول الرسول ﷺ لجبريل ﵇: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنّه يراك». هذا؛ وقد قال الله تعالى في أول سورة

стр. 4705

(النمل): ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وتخصيص المؤمنين، والمحسنين بالذكر؛ وهم جميعا بمعنى واحد؛ لأنهم هم المهتدون، والمنتفعون بآيات القرآن الكريم، فعملوا بتعاليمه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فكانوا جديرين بكون القرآن هدى، ورحمة، وبشارة لهم برضا الله، ورضوانه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الم:﴾ انظر إعرابه في أول سورة (الروم). ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه تلك؛ فتكون ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى معنى، وأصح إعرابا. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، أو بدل من اسم الإشارة. و ﴿آياتُ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ صفة ﴿الْكِتابِ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿تِلْكَ آياتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿الم﴾ على الوجه الثاني من وجهي الرفع كما رأيت، والرابط: اسم الإشارة على اعتبار الإشارة عائدة على ﴿الم﴾ وهي مستأنفة على بقية الأوجه فيه. ﴿هُدىً:﴾ يجوز في محله النصب على الحال من: ﴿آياتُ﴾. أي: هداية، ورحمة، والعامل اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، ويجوز في محله الجر على أنه بدل من ﴿الْكِتابِ﴾ بدل اشتمال، كما يجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف التقدير: هي هدى، أو على البدل من: ﴿آياتُ،﴾ أو على أنه خبر بعد خبر، وعلامة النصب، أو الجر، أو الرفع مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةً:﴾ الواو: حرف عطف. (رحمة): معطوفة على ما قبله، وينبغي أن تعلم أنه قرئ برفعه، ونصبه، ولم يقرأ بجره، لذا فالبدلية من ﴿الْكِتابِ﴾ ضعيفة، تنبه لهذا. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ:﴾ يؤدونها في أوقاتها، ويحافظون على طهارتها، ويتمون ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء، والتضرع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها: التضرع، والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرحمة له، ومن الله على عباده معناها الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦].

стр. 4706

وأما ﴿الزَّكاةَ﴾ فهي في اللغة: النماء، والتطهير. وفي الشرع: اسم لمال مخصوص يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وقد خص الله الصلاة، والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، و ﴿الزَّكاةَ﴾ أفضل العبادات المالية، وفرضت للفقير، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وانظر الصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والتي لا تنهاه في الآية رقم [٤٥] من سورة (العنكبوت). ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ:﴾ المراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها. تنبيه: قال زاده: ولما كان إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرر، ويتجدد في أوقاتهما؛ أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه؛ أتى به جملة اسمية، وجعل خبرها مضارعا للدلالة على: أن إتقانهم مستمر على سبيل التجدد. انتهى. جمل. هذا؛ ولا تنس: أن هذه الآية مذكورة بحروفها كاملة في الآية رقم [٣] من سورة (النمل) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وهو الموفق، والمعين. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز فيه أن يكون في محل جر على الاتباع للمحسنين على البدلية، أو على الوصفية، وأن يكون في محل نصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. وأن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو مبني على الفتح في محل جر، أو في محل نصب، أو في محل رفع. ﴿يُقِيمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد للمبتدإ، وجملة: ﴿يُوقِنُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة، كما أجيز اعتبارها مستأنفة، ومعترضة في آخر الكلام، ولا محل لها على جميع الاعتبارات. ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى المحسنين الذين وصفوا في الآية السابقة بالأعمال المجيدة، والصفات الحميدة. ﴿عَلى هُدىً:﴾ على هداية، وتوفيق. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ للقيام بالأعمال المذكورة. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون بالجنة، الناجون من النار، فهو اسم فاعل من: أفلح الرجل: فاز ببغيته، ومراده. وأصله: «مؤفلح» حذفت الهمزة منه كما رأيت مثله في الآية رقم [٣] من

стр. 4707

سورة (النمل) وغيرها، وتكرار اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، وأنهم جديرون بذلك الفضل: الذي خصهم الله به، ومنحهم إياه، ومثل هذه الآية في (البقرة) رقم [٥]. الإعراب ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلى هُدىً:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: كائنون على هدى ونحوه، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿الَّذِينَ﴾ ... إلخ مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، وهو وجه ضعيف فيما يظهر. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿رَبِّهِمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب. ﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ:﴾ نحو السمر بالأساطير، والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات، والمضاحيك، وفضول الكلام، وما لا ينبغي من القول، والفعل، ونحو الغناء، وتعلم الموسيقى، وما أشبه ذلك. وفي الجملة هو كل باطل ألهى عن طاعة الله، ومنع من الخير. وقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث بن كلدة، وكان يتجر إلى فارس، فيشتري كتاب الأعاجم، فيحدث بها قريشا، ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد، وثمود، فأنا أحدثكم بأحاديث رستم، وبهرام، والأكاسرة، وملوك الحيرة، فيستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن. وقيل: كان يشتري المغنيات، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه، واسقيه، وغنيه. ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة، والصيام، وأن تقاتل بين يديه. وقيل: هو شراء القينات، والمغنين. فيكون معنى الآية: ومن الناس من يشتري ذات لهو، أو ذا لهو الحديث. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي أمامة-﵁-قال: قال

стр. 4708

رسول الله ﷺ : «لا يحلّ تعليم المغنيات، ولا بيعهنّ، وأثمانهنّ حرام». وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية. ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ «وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله له شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الّذي يسكت». أخرجه الترمذي. وهذا لفظه عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا القينات المغنّيات، ولا تشتروهنّ، ولا تعلّموهنّ، ولا خير في تجارة فيهنّ، وثمنهنّ حرام». وفي مثل هذا نزلت: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ..﴾. إلخ. معنى ﴿يَشْتَرِي:﴾ يستبدل، ويختار الغناء، والمزامير، والمعازف على القرآن. وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود-﵁-عن هذه الآية، فقال: هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو (يرددها ثلاث مرات). هذا؛ وقيل: الغناء منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب. هذا؛ والإضافة معناها التبيين على حد قولهم: باب ساج، وخاتم حديد، فيكون المعنى: ومن الناس من يشتري اللهو من الحديث، والمراد بالحديث: الحديث المنكر. ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من التبعيضية كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ عن دين الإسلام، وعن سماع القرآن. وقرئ بضم الياء، فيكون المعنى ليضل غيره. وقرئ بفتح الياء، فيكون المعنى: ليثبت على ضلاله. وفي اشتراء لهو الحديث استعارة تصريحية واضحة، لا خفاء فيها. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بحال ما يشتريه، وما يجره عليه من الوبال، أو بالتجارة؛ لأن شأن التاجر أن يشتري من أجل الربح، وهو خاسر في تجارته، قال تعالى: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: وما كانوا مهتدين للتجارة، بصراء فيها. ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُواً:﴾ يقرأ الفعل بالرفع، والنصب، ويقرأ بسكون الزاي والهمز، وبضم الزاي والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراءاته مصدر: هزأ، يهزأ، هزءا من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي: شديد، يهينهم لإهانتهم الحق باستئثارهم الباطل. تنبيه: (من) مفرد لفظا، جمع معنى، روعي لفظها، أولا في ثلاثة ضمائر «يشتري، ويضلّ، ويتخذ» وروعي معناها ثانيا في موضعين، وهما: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ﴾ ثم رجع إلى مراعاة اللفظ في خمسة ضمائر، وهي في الآية التالية. هذا؛ وجمع الحديث: أحاديث شذوذا، انظر جمع الباطل في الآية رقم [٥٢] من سورة (العنكبوت) فهو مثله، وأصل ﴿مُهِينٌ﴾ «مهين» فهو اسم فاعل من أهان الرباعي، فقل في إعلاله: نقلت كسرة الياء إلى الهاء قبلها بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ومثله قل في إعلال ﴿مُبِينٌ﴾.

стр. 4709

الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس، على حد قوله تعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾. والأصح: أن مضمون الجار، والمجرور مبتدأ، و (من) هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وجمع الضمير في قوله: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ﴾ يؤيد ذلك، وانظر تفصيل ذلك وشرحه في الآية رقم [١٠] من سورة (العنكبوت)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَشْتَرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها. ﴿لَهْوَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْحَدِيثِ﴾ مضاف إليه. ﴿لِيُضِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنَ،﴾ ومفعوله محذوف على قراءته بضم الياء، وهو لازم على قراءته بفتحها، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَشْتَرِي﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿يَشْتَرِي﴾ المستتر، و (غير) مضاف، و ﴿عِلْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَيَتَّخِذَها:﴾ الواو: حرف عطف. (يتخذها): بالرفع معطوف على ﴿يَشْتَرِي،﴾ وبالنصب معطوف على يضل، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ أيضا، وأجاز أبو البقاء: الرفع على إضمار مبتدأ، فتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَشْتَرِي،﴾ وفيه ضعف كما ترى. و (ها): مفعوله الأول. ﴿هُزُواً:﴾ مفعوله الثاني. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا:﴾ آيات القرآن. ﴿وَلّى مُسْتَكْبِراً:﴾ أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء لآيات القرآن. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها:﴾ يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها، وهو سامع. ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً:﴾ الوقر بفتح الواو: الصمم في الأذن. والوقر بكسر الواو: حمل البغل، والحمار. والوقار: الحلم، والرزانة، والتعقل، وهو أيضا: العظمة، والهيبة، والمهابة. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ:﴾ أعلمه: أن العذاب يحيق به لا محالة.

стр. 4710

هذا؛ والبشارة عبارة عن الخبر السار؛ الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه، كان كذلك الحزن والغم يظهر أثرهما على الوجه، وهو الكمودة، التي تعلو الوجه عند حصول الغم، والحزن. فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصح قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء كما في هذه الآية، وهو كثير في القرآن الكريم. هذا؛ وولّى، ومثله تولّى يكونان بمعنى الإعراض، والإدبار عن الشيء بالجسم، ويستعملان في الإعراض عن الأمور الاعتقادية اتساعا، وانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم). هذا؛ و ﴿عَذابٌ﴾. اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأن فعله: عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى، وسلم، وأنبت، و ﴿أَلِيمٍ﴾ بكسر اللام اسم فاعل بمعنى: موجع، وقال سليمان الجمل: بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد: جدّ جدّه. انتهى. بتصرف. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿تُتْلى..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾. ﴿مُسْتَكْبِراً:﴾ حال من الفاعل المستتر، وجملة: ﴿وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ جواب (إذا)، لا محل لها. و: (إذا) ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية: ﴿(مِنَ النّاسِ...)﴾ إلخ لا محل له مثلها. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْمَعْها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من فاعل: ﴿وَلّى﴾ المستتر، والرابط ضمير الشأن المحذوف وفاعل يسمع المستتر. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي أُذُنَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كَأَنْ﴾ تقدم على اسمها، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقْراً:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثالثة من فاعل ولى، أو بدل مما قبلها، أو هي حال من فاعل ﴿يَسْمَعْها،﴾ أو هي تفسير لما قبلها، وجوز الزمخشري وتبعه البيضاوي اعتبار جملتي التشبيه

стр. 4711

استئنافيتين. ﴿فَبَشِّرْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بشره): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا منه فبشره، والجملة الشرطية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة (عذاب). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾ الشرح: لما ذكر الله مآل المكذب بآيات الله؛ الذي يتخذها هزوا؛ ذكر عاقبة المؤمن بها، والعامل بتعاليمها. وهذا من باب المقابلة التي جرت سنة الله في كتابه أن يأتي بها، فإنه-تعالت حكمته، وتمت كلمته-لا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر السخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا. هذا؛ والمراد ب: ﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ نعيم الجنات، فعكس للمبالغة. بيضاوي. هذا؛ و ﴿جَنّاتُ﴾ جمع: جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار. وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن، أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها، وينبغي أن يلاحظ: أن هذا الوعد للذكور والإناث الصالحات، وإن كان الكلام بصيغة جمع الذكور، فيمكن أن يكون من باب تغليب الذكور على الإناث، كما يمكن أن تكون الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا، وهناك آيات كثيرة تثني على المؤمنات الصالحات، وتبشرهن بجنة عرضها الأرض والسموات، وآية الأحزاب رقم [٣٥] قرنت النساء بالرجال بالمدح والثناء بعشر صفات. ووعد الجميع بالأجر العظيم، والثواب الكبير. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. (عملوا): فعل ماض مبني على الضم، لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتُ:﴾ مبتدأ مؤخر؛ و ﴿جَنّاتُ﴾ مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثون في تلك الجنات، أي: المؤمنون، والمؤمنات، لا يفنون، ولا يخرجون، ولا يهرمون. روى مسلم عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال

стр. 4712

رسول الله ﷺ : «أهل الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك». ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا:﴾ مصدران مؤكدان، الأول لنفسه، والثاني لغيره؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ وعد، وليس كل وعد حقا، و ﴿حَقًّا﴾ يدل على معنى الثبوت، والدوام، فأكد به معنى لوعد، ومؤكّدهما الجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ الذي لا يغلبه شيء، ولا يعجزه، يقدر على الشيء، وضده، فيعطي النعيم من يستحقه، ويعطي البؤس من يستحقه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة، وهو الذي يضع الأمور مواضعها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور محلا باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿وَعْدَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وعد وعدا، و ﴿وَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، وانظر الشرح. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ الشرح: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها:﴾ في هذه الرؤية قولان: أحدهما: أن الرؤية ترجع إلى السموات، والمعنى: وأنتم ترون السموات مرفوعة بغير عمد من تحتها، يعني: ليس تحتها دعامة تدعمها، ولا من فوقها علاقة تمسكها. قال إياس بن معاوية-رحمه الله تعالى-: السماء مقبية على الأرض مثل القبة، وهذا قول الحسن وقتادة، وجمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ابن عباس-﵄-والقول الثاني: أن الرؤية ترجع إلى العمد، والمعنى: أن لها عمدا، ولكن لا ترونها أنتم. والأول أصح. وهذا على أن السموات مكونة من أجرام، وأما ما يقوله العلم الحديث من أن السموات السبع طبقات هوائية، تختلف كل طبقة عما فوقها، وعما تحتها، فنكل علمه إلى الله تعالى. ﴿وَأَلْقى:﴾ وخلق، وجعل. ﴿فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ:﴾ جبالا ثابتة. قال ابن عباس-﵄: هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلا منها: قاف،

стр. 4713

وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وطور سينين، وطور سيناء. أخرجه ابن جرير كما في «المبهمات» للسيوطي. وأضيف: أن ﴿عَمَدٍ﴾ جمع عمود، وهو ما يقوم عليه البيت، وجمعه في القلة: أعمدة، وفي الكثرة: عمد بفتحتين، وعمد، وبهما قرئ قوله تعالى ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وعمود القوم: سيدهم. في القاموس: عمد جمع: عمود، وعماد أيضا. هذا؛ والعماد: الأبنية الرفيعة، ومنه قوله تعالى ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ:﴾ تتحرك، وتضطرب، والميدان: الاضطراب يمينا، وشمالا، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل: تبختر، وتمايل كبرا، وغطرسة. و ﴿رَواسِيَ﴾ جمع: راسية، فالأرض ترسو بالجبال، أي: تثبت، وتستقر. فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا خلق الله الأرض جعلت تميد، وتكفّأ، فأرساها بالجبال فاستقرّت، فعجبت الملائكة من شدّة الجبال، فقالوا: يا ربّنا هل خلقت خلقا أشدّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الحديد؟ قال: النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من النار؟ قال: الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الماء؟ قال: الريح. قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الريح، قال: ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه، فأخفاها من شماله». رواه الترمذي، وقال: حديث غريب. ﴿وَبَثَّ فِيها:﴾ خلق، وفرق، ونشر. ﴿مِنْ كُلِّ دابَّةٍ:﴾ تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وهوام. ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم). ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها:﴾ في الأرض. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ:﴾ من كل صنف كثير المنفعة. ولا تنس الالتفات في الآية من الغيبة إلى التكلم، وانظر فوائده في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم)، ومثل هذه الآية في الالتفات قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٣]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى،﴾ وقوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٦٠]: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة فاطر رقم [٢٧]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها﴾. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-في ختام الآية التي نحن بصدد شرحها: وكأنه جلت قدرته، وتعالت حكمته استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، ومهد به قاعدة التوحيد، وقررها بقوله: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ..﴾. إلخ. هذا؛ وزوج في هذه الآية بمعنى: الصنف، والنوع، كما رأيت، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ والزوج: القرين قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي قرناءهم من الشياطين. والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، قال تعالى في سورة

стр. 4714

(هود) رقم [٤٠]: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا، وأنثى، وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٤٣]: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ والمعنى: ثمانية أفراد، وأخيرا فزوج يطلق على الرجل والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. أما ﴿كَرِيمٍ﴾ فهو كثير المنافع، والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضيّ في حسنه، وجماله، وكتاب كريم: مرضي في معانيه وفوائده، ونبات كريم فيما يتعلق به من المنافع، وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (النمل). الإعراب: ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماواتِ﴾ أي: خالية من عمد، و (غير) مضاف، و ﴿عَمَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تَرَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿عَمَدٍ﴾ على اعتبار الضمير المنصوب راجعا إليها، أو هي في محل نصب حال من ﴿السَّماواتِ﴾ على اعتباره راجعا إليها. وقيل: مستأنفة، وهو ضعيف، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَلْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، انظر الشرح. ﴿أَنْ تَمِيدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، والفاعل يعود إلى (الأرض) تقديره: «هي»: و ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافته لمصدر محذوف، يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين في محل جر بحرف محذوف، التقدير: لئلا تميد بكم، ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم من معلقته المشهورة: رقم [٩٧]: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا وهذا هو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَبَثَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (بث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان به أيضا، وهما في محل نصب مفعول به. قال الجمل: ﴿مِنْ﴾ زائدة. انتهى. وعليه: ف: ﴿كُلِّ﴾ مفعول

стр. 4715

صريح. والأقوى تعليقهما بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: وبث فيها حيوانات من كل دابة. و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿دابَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، وجملة: ﴿وَأَنْزَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، وانظر مثل هذا الالتفات في الآيات التي ذكرتها لك في الشرح. (أنبتنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها مِنْ كُلِّ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما ويجوز أن يكون: ﴿مِنْ كُلِّ﴾ متعلقين بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: نباتا من كل، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿زَوْجٍ﴾ مضاف إليه. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة: ﴿زَوْجٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ الشرح: ﴿هذا﴾ أي: ما ذكر من السموات والأرض، وما تعلق بهما من الأمور المعدودة. ﴿خَلْقُ اللهِ﴾ أي: مخلوق الله. ﴿فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: فأروني الذي خلقته آلهتكم؛ حتى استحقوا العبادة منكم، وحتى أشركتموهم مع الله في التقديس والتعظيم. ﴿بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ إضراب عن تبكيتهم، وتقريعهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم مع الله ما لا يضر، ولا ينفع. هذا؛ والضلال مصدر: ضل بمعنى: كفر وأشرك بالله، وخرج عن جادة الحق، والصواب، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ويأتي ضلّ بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. هذا؛ وأضل، يضل غيره من الرباعي، ومصدره الإضلال فهو متعد، والثلاثي لازم، وانظر رقم [١٠] من سورة (السجدة). الإعراب: ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلْقُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَرُونِي:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان هذا خلق الله؛ فأروني... إلخ. (أروني): فعل أمر مبني على

стр. 4716

حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعوله الأول، وهو معلق عن الثاني، والثالث لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿خَلْقُ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي خلقه الذين، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مفعولا مقدما ل: ﴿خَلْقُ﴾ و (ذا) زائدة، كما أجيز اعتبار ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، أو في محل نصب مفعولا به مقدما للفعل ﴿خَلْقُ،﴾ وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد المفعولين؛ وأجاز مكي اعتبار (ما) اسما موصولا بمعنى: الذي في محل نصب مفعول به ل: (أروني)، واعتبار: (ذا) زائدة، والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف، التقدير: فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه، وهو قول ضعيف تفرد به -رحمه الله تعالى-. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿فَأَرُونِي..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ:﴾ هو ابن باعوراء بن ناحور، بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق. وقيل: هو لقمان بن عنقاء، بن سرون، وكان نوبيا من أهل أيلة. ذكره السهيلي. وقال وهب: هو ابن أخت أيوب النبي. وقال مقاتل: ذكر: أنه كان ابن خالة أيوب، وقال الزمخشري. هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب، أو ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، عاش ألف سنة، وأدركه داود ﵊، وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له: لم تركت الفتوى؟ فقال: ألا أكتفي إذ كفيت. وقال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل: أنه كان حكيما، ولم يكن نبيا. وعن ابن عباس-﵄: لقمان لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان راعيا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله، ووصيته، فقص أمره في القرآن؛ لتمسكوا بوصيته. وقال عكرمة، والشعبي: كان نبيا. وقيل: خيّر بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة. وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطا. وعن مجاهد: كان عبدا أسود غليظ الشفتين،

стр. 4717

متشقق القدمين. وقيل: كان نجارا. وقيل: كان راعيا. وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. وروي عنه: أن قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين، فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض. وروي: أن رجلا وقف عليه في مجلس وهو يعلّم الناس الحكمة. فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: نعم، قال: ألست كنت ترعى معي في مكان كذا؟ قال: بلى، قال: ما بلغ بك ما أرى، ويراه الناس من العلم، والحكمة؟ قال: بفضل الله علي وصدقي في الحديث، وأداء الأمانة، وصمتي عما لا يعنيني. وروي من حديث ابن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحبّ الله تعالى فأحبّه، فمنّ عليه بالحكمة، وخيّره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: يا رب! إن خيرتني قبلت العافية، وتركت البلاء، وإن عزمت علي فسمعا، وطاعة، فإنك ستعصمني». ذكره ابن عطية. وزاد الثعلبي: «فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل مكان، إن يعن فبالحرى أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة؛ تفته الدنيا، ولا يصب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة، فأعطي الحكمة، فانتبه يتكلم بها». ثم نودي داود بعده فقبل الخلافة، ولم يشرط ما اشترطه لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يؤازره في حكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان، أعطيت الحكمة، وصرف عنك البلاء، وأعطي داود الخلافة، وابتلي بالبلاء، والفتنة. قال له سيده ذات يوم: اذبح لي شاة، وائتني بأطيب مضغتين فيها. فأتاه باللسان، والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام، وأن يخرج أخبث مضغتين في الشاة الأخرى، فأتاه باللسان، والقلب، فسأله عن ذلك، فقال: هما أطيب ما فيها؛ إذا طابا، وهما أخبث ما فيها؛ إذا خبثا. وقد قال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب». رواه البخاري ومسلم. وجاء في اللسان أحاديث شهيرة كثيرة، صحيحة، مذكورة في كتاب الترغيب والترهيب، خذ منها ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من وقاه الله شرّ ما بين لحييه وشرّ ما بين رجليه دخل الجنّة». رواه الترمذي وحسنه. انتهى. قرطبي وكشاف وغيرهما بتصرف. هذا؛ وأما الحكمة؛ فهي الصواب في المعتقدات، والفقه في الدين، والعقل، والعمل. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها.

стр. 4718

وقال أبو بكر بن دريد: الحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾ أي: آتيناه الحكمة، وقلنا له: اشكر، وانظر الإعراب، وانظر الشكر لغة، واصطلاحا في الآية رقم [٢٥] الآتية، والمعنى: اشكر نعمة الله عليك. ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ أي: النعمة وأدى حق الله فيها. ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ:﴾ يرجع نفع ذلك إلى نفسه، لا إلى غيره، حيث يستوجب بشكره تمام النعمة، ودوامها، والمزيد منها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. والشكر: قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: جحد النعمة، ولم يقم بشكرها. ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ أي: عن العباد، وعن شكرهم. ﴿حَمِيدٌ:﴾ حقيق بالحمد، وإن لم يحمد، أو: محمود، نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال. وفي سورة (النمل) رقم [٤٠]: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وقد سمى الله جحود النعمة كفرا؛ لأن معنى الكفر اللغوي: الستر، والتغطية، كما رأيت في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم) أما الفعل: شكر، يشكر، فيتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لُقْمانَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْحِكْمَةَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه: كلام مستأنف لا محل له. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (السجدة). ﴿لُقْمانَ:﴾ حرف صلة على تقدير: قلنا له: اشكر، وهي مفسرة على تضمين الحكمة معنى القول، ومصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف تعليل التقدير: لإتيان لقمان الحكمة، أو بحرف دال على السببية، أي بأن اشكر. ﴿اُشْكُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف كما رأيت، أو هي مفسرة، لا محل لها، أو هي بعد تأويلها بمصدر تعليل للكلام السابق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَشْكُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله يعود إلى: (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَشْكُرْ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو

стр. 4719

المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ مثل سابقه. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم (إن). ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ:﴾ خبران ل: (إن)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، تقديره: ومن كفر فلا يحزنك كفره، أو فلا يضرك كفره، فالجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ تعليل للنفي، والمعنى: يؤيده، وبقية الإعراب مثل سابقه، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ:﴾ واسمه: ثاران. وقيل: أشكم. وقيل: أنعم. وقيل: ماتان. ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ:﴾ ينصحه ويرشده، والفعل مثال واوي، أصله: وعظ، يوعظ، مثل وعد، يوعد، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الفتحة، والكسرة، والأمر منه: عظ، مثل: عد، وزن، والأصل: اوعظ، واوعد، واوزن، فحذفت الهمزة، والواو. ﴿يا بُنَيَّ:﴾ تصغير ابن، تصغير: إشفاق، وإرفاق، لا تصغير تحقير، فأصل ابن: بنو فلما صغر؛ صار: بنيو، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة؛ التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. هذا؛ وقرئ بإسكان الياء، وكسرها، وفتحها في هذه الآية، وفيما يأتي. ﴿لا تُشْرِكْ بِاللهِ:﴾ قال القشيري: إن ابنه، وامرأته كانا كافرين، فما زال يعظهما؛ حتى أسلما، وذلك لأن أعلى مراتب الإنسان أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾ إشارة إلى الكمال، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ..﴾. إلخ إشارة إلى التكميل لغيره، وبدأ بالأقرب إليه، وهو ابنه، وبدأ في وعظه بالأهم، وهو المنع من الشرك. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ:﴾ لأن التسوية بين من يستحق العبادة، وبين من لا يستحقها ظلم عظيم؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها. هذا؛ وقد بينات لك فيما سبق: أن الشرك أنواع منوعة، فأعظمها: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، ومنها: الرياء، ومنها: أن يعتقد الإنسان تأثير مؤثر في هذا الكون مع الله، من جلب نفع، أو ضر، وغير ذلك، فعن يزيد بن خالد الجهني

стр. 4720

-﵁-قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر مطر نزل بالليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربّكم اللّيلة؟». قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك مؤمن بالكوكب، كافر بي». رواه مسلم. تنبيه: ذكر الله في هذه الآية، والآيات التالية بعض الحكم، والوصايا التي أوصى بها لقمان-﵊-ابنه. وفي الخطيب، فرجع الابن إليه، وأسلم، ثم قال له: يا بني! اتخذ تقوى الله تعالى تجارة؛ يأتك الربح من غير بضاعة. يا بني احضر الجنائز، ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكر الآخرة، والعرس يشهيك الدنيا، يا بني! لا تكن أعجز من هذا الديك، الذي يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، يا بني! لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة، يا بني! لا ترغب في ود الجاهل، فيرى أنك ترضى عمله، يا بني! اتق الله، ولا تر الناس: أنك تخشى الله؛ ليكرموك بذلك، وقلبك فاجر، يا بني! ما ندمت على الصمت قطّ، فإن الكلام إذا كان من فضة؛ كان السكوت من ذهب، يا بني! اعتزل الشرّ، كما يعتزلك، فإنّ الشر للشر خلق، يا بني عليك بمجالسة العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن الله تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل المطر. يا بني! من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمّه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم. يا بني لا ترسل رسولك جاهلا، فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزنا طويلا، يا بني! يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم، يا بني! اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله ، فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع الله عليهم برحمة تصبك معهم، يا بني! لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن غبيا يزيدوك غباوة، وإن يطلع الله عليهم بسخط يصبك معهم. يا بني! لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء، يا بني! إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك تنجو، يا بني! إني حملت الجندل والحديد، فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها، فلم أذق أشد من مرارة الفقر، يا بني! كن كمن لا يبتغي محمدة الناس، ولا يكسب مذمتهم، فنفسه منهم في غنى، والناس منه في راحة، يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. يا بني! لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم. يا بني! إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه، وإلا فاحذره. يا بني! إنك منذ نزلت إلى الدنيا؛ استدبرتها،

стр. 4721

واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها ترتحل. يا بني! عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا ترد. يا بني! إيّاك والدّين فإنه ذل في النهار، وهمّ في الليل، يا بني! ارج الله رجاء لا يجرّئك على معصيته، وخف الله خوفا، لا يؤيسك من رحمته. انتهى. جمل، ثم قال-رحمه الله تعالى-: وإنما أكثرت من ذلك لعل الله ينفعني، ومن طالعه بذلك، واقتصرت على هذا القدر، وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها؛ لجعل منها مجلدات. ومن قصص الأنبياء للثعلبي: يا بني لا تضع برّك إلا عند راعيه، كما ليس بين الكبش والذئب مودة فليس بين البار والفاجر خلة، ومن يحب المراء؛ يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يصاحب قرين السوء؛ لا يسلم، ومن لا يملك لسانه؛ يندم، يا بني! لا تطلب من الأمر مدبرا، ولا ترفض منه مقبلا، فإن ذلك يقل الرأي، ويزري بالعقل... إلخ، وهذا قطرة من بحر. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر، وجملة: ﴿قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعِظُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الضمير العائد بدوره إلى لقمان ﵇، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿(هُوَ يَعِظُهُ)﴾ في محل نصب حال من ﴿لُقْمانُ﴾ والرابط: الواو، والضمير. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الإدغام، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا تُشْرِكْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملتان الندائية والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: (اذكر إذ قال...) إلخ معطوفة على جواب القسم، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لُقْمانُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشِّرْكَ:﴾ اسم ﴿لُقْمانُ﴾. ﴿لَظُلْمٌ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (ظلم): خبر ﴿لُقْمانُ﴾. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها، وهي من مقول لقمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ الشرح: هذه الآية، والآية التالية معترضتان في تضاعيف وصية لقمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لابنه تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك، وغيره، فكأنه قال: وقد

стр. 4722

وصينا بمثل ما وصى به، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك، مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم، والطاعة، لا يجوز أن يطاعا في الإشراك، والمعاصي. الآيتان نزلتا في حق سعد بن أبي وقاص-﵁-لما أسلم، وأن أمه حمنة قد حلفت ألا تأكل. انظر تفصيل ذلك في الآية رقم [٨] من سورة (العنكبوت) ففيها الكفاية، فإن ما هنا، وهناك نزل فيه، ﵁. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ﴾ أي: ضعفا على ضعف، وقال ابن عباس-﵄: شدة بعد شدة. وقيل: إن المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف، والتعب، والمشقة، وذلك؛ لأن الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف، والرضاعة ضعف. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [١٥]: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾. وفي هاتين الآيتين تنويه بشأن الأم، وأن حقها أعظم من حق الأب، وأنها تستحق من الطاعة، والإكرام، والخدمة، والاحترام أكثر مما يستحقه الأب، وذلك لما قاسته من الآلام بسبب الولادة، ولما هي مجبولة عليه من الضعف الخلقي، والجسدي، ولا سيما إذا بلغت من العمر عتيا، وقد لفت النبي ﷺ نظر المسلم المؤمن إلى هذا، وذلك فيما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! من أحقّ النّاس بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك»، قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أبوك» رواه البخاري ومسلم، وعن أنس-﵁-قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي أشتهي الجهاد، ولا أقدر عليه! قال: «هل بقي من والديك أحد؟». قال: أمّي، قال: «قابل الله في برّها، فإذا فعلت ذلك؛ فأنت حاجّ، ومعتمر، ومجاهد». رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وأبو يعلى. فالرسول ﷺ قد جعل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وهو ما يفهم من مغزى الآيتين الكريمتين. هذا؛ وقرأ عيسى الثقفي: «(وهنا على وهن)» بفتح الهاء فيهما، ورويت عن أبي عمرو، وهما بمعنى واحد، قال قعنب بن أم صاحب: [البسيط] هل للعواذل من ناه فيزجرها؟ ... إنّ العواذل فيها الأين والوهن هذا؛ ويأتي: وهن، يهن، مثل: ضرب، يضرب، ووهن، يوهن، مثل: كرم، يكرم، ووهن، يهن، مثل: حسب، يحسب، وورث، يرث. ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ أي: فطامه في انقضاء عامين، وهي مدة الرضاع، التي ذكرها الله في آية البقرة رقم [٢٣٣]. ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾. وهذه هي المدة التي يتعلق بها تحريم الرضاع، ولا تحريم بعدها. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [١٥] فهو مرتبط في هذه الآية، وهو جيد جداجدا؛ إن شاء الله تعالى.

стр. 4723

﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ:﴾ فقد قرن الله شكره بشكر الوالدين؛ لأن للوالدين صورة التربية الظاهرة، والله هو الموجد، والمربي في الحقيقة؛ لذا جعل الشكر بينه وبين الوالدين، ثم فرق، فقال: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، والمآب؛ أي: إن نعمة الوالدين على الوالد مختصة بالدنيا، ونعمتي وإفضالي عليك في الدنيا، والآخرة. وقيل: لما أمر الله بشكره، وشكر الوالدين؛ قال: الجزاء عليّ وقت المصير إليّ. قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس؛ فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس؛ فقد شكرهما. انتهى. أقول: إن كانت الصلاة قد نهته عن الفحشاء، والمنكر، وأما إذا اتخذ الصلاة عادة، ولم تنهه؛ فأي شكر لله يكون فيها؟! وهذا هو الغالب على المصلين في هذا العصر. ومن القرطبي في تفسير سورة (النور) قال: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزّكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَوَصَّيْنَا:﴾ الواو: واو الاعتراض. (وصينا): فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى تغليبا، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿حَمَلَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿أُمُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهْناً:﴾ حال من ﴿أُمُّهُ﴾ أي: ذات وهن، أو هو مفعول مطلق، تقديره: تهن وهنا، وهذه الجملة في محل نصب حال، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: على وهن أو بوهن، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: حملا وهنا، وجملة: ﴿حَمَلَتْهُ..﴾. إلخ معترضة لا محل لها، وفيها معنى التعليل للوصية. ﴿وَفِصالُهُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو اعتراض آخر، ﴿وَفِصالُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿فِي عامَيْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية معترضة أيضا لا محل لها. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفسرة؛ لأن (وصينا) متضمن معنى القول دون حروفه. وقيل: مصدرية. ﴿اُشْكُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار: ﴿الْإِنْسانَ﴾ تفسيرية، وعلى اعتبار ﴿الْإِنْسانَ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن اشكر، أو بأن اشكر، وهو أقوى من سابقه. كما

стр. 4724

أجيز اعتبار المصدر في محل جر بدل اشتمال من: (والديه)، وأجاز الزجاج اعتبار المصدر مفعولا به ثانيا ل: (وصينا) والتفسير أقوى من كل هذه الوجوه، وما بين التفسير والمفسر جملتان معترضتان لا محل لهما. ﴿عَلى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿اُشْكُرْ﴾. (لوالديك): جار ومجرور متعلقان معطوفان على: ﴿عَلى،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للأمر، وفيها معنى التقوية له، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي:﴾ وإن حملاك على أن تشرك بي، وألحّا عليك في ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨] من سورة (العنكبوت) من الفرق بين ما هنا، وهناك. ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ:﴾ بأنه يستحق العبادة مع الله، تقليدا للأبوين المشركين. ﴿فَلا تُطِعْهُما:﴾ فيما يأمران به، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالمعروف، وهو البر، والصلة، والعشرة الجميلة اللطيفة. والآية دليل واضح على حسن معاشرة الأبوين إذا كانا كافرين، وحثّ على صلتهما بما يمكن من المال إن كانا فقيرين. فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق-﵄، قالت: قدمت عليّ أمي؛ وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله! قدمت عليّ أمي، وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمّك». رواه البخاري، ومسلم، ومعنى: راغبة، أي: طامعة فيما عندي، تسألني الإحسان إليها. وفي رواية أخرى راغمة، أي: كارهة للإسلام، واسم أمها قتيلة بنت عبد العزى، طلقها أبو بكر-﵁-قبل الهجرة لكفرها، وإبائها الإسلام، أما أم عائشة-﵄-فهي قديمة الإسلام، واسمها زينب الفراسيّة، وتكنى أم رومان-﵄. ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ أي: اتبع دين من رجع إلي بالإسلام والتوبة، فقد حكى النقاش وغيره: أن المأمور سعد، والذي أناب إلى الله: أبو بكر. وقال: إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وطلحة، وسعيد، والزبير، فقالوا: آمنت بهذا الرجل، وصدقته؟! قال: نعم إنه صادق، فآمنوا به! ثم ذهب بهم إلى النبي ﷺ حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر، ﵃ أجمعين-.

стр. 4725

﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ترجعون إلي. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ فأخبركم جميعا. ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما عملتم في الدنيا من أعمال، فأجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاهَداكَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من ﴿أَنْ تُشْرِكَ:﴾ في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿تُشْرِكَ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وهي نكرة موصوفة. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تُطِعْهُما:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَصاحِبْهُما:﴾ الواو: حرف عطف. (صاحبهما): فعل أمر، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. ﴿مَعْرُوفاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: صحابا معروفا. وقيل: منصوب على نزع الخافض، التقدير: بمعروف، والناصب له عند الكوفيين النزع، وعند البصريين الفعل. ﴿وَاتَّبِعْ:﴾ فعل أمر، والفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿سَبِيلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَنابَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو» وهو العائد. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (أنبئكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به.

стр. 4726

﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالياء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فأنبئكم بالذي، أو بشيء كنتم تعلمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنبئكم بعملكم، وهو أضعف من الاعتبارين السابقين. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت تقديره، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقد ذكرت لك: أن هاتين الآيتين معترضتان في تضاعيف وصية لقمان لابنه، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ الشرح: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: إن الخصلة من فعل الخير، أو من فعل الشر، إن تك مثلا في الصغر كحبة خردل. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، والمعتمد الأول؛ لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٧]: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾. هذا؛ والخردل نبات له حب صغير جدّا أسود، واحدته: خردلة، يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلا؛ إذ لا ترجح ميزانا. هذا؛ ويقال: خردل الطعام: أكل خياره، وخردل اللحم: قطع أعضاءه قطعا صغارا. هذا؛ ويقرأ برفع «(مثقال)» على اعتبار ﴿تَكُ﴾ فعلا تاما، وتأنيث الفعل على هذا؛ لأن مثقال اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وهو ﴿حَبَّةٍ﴾ ومثل ذلك قول الأعشى: [الطويل] وتشرق بالقول الّذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدّم وهذا هو الشاهد رقم [٩٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. وقيل: خلق الله الأرض على حوت، وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك. وقيل: على ظهر ثور، وهو على صخرة، وهي التي ذكر لقمان، ليست في الأرض، ولا في السماء، فلذلك

стр. 4727

قال تعالى: ﴿أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ والصخرة على متن الريح، والريح على القدرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وما أحسن قول البيضاوي: في أخفى مكان، وأحرزه، كجوف صخرة، أو أعلاها كمحدّب السموات، أو أسفله كمقعّر الأرض. هذا؛ وقرئ: «(فتكن)» بكسر الكاف، من: وكن الطائر: إذا استقر في وكنته. ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ:﴾ يحضرها يوم القيامة ويحاسب عليها، وهذا على اعتبار ضمير ﴿إِنَّها﴾ مقصود به الفعلة الحسنة، أو السيئة، وأما على اعتباره مقصودا به رزق الإنسان؛ فيكون المعنى: لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع؛ جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، ويكون محصله: لا تهتم للرزق؛ حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إليّ. ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود-﵁: «لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك». والأحاديث النبوية في هذا الباب مشهورة مسطورة في كتاب: الترغيب والترهيب، وغيره. ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ:﴾ يصل علمه إلى كل خفي. ﴿خَبِيرٌ:﴾ عالم بكنهه، أو: هو لطيف باستخراج الحبة خبير بمستقرها، أو: هو لطيف باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد، والحيوان، خبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد إذا نزل بهم الضر، وخبير بمصالح عباده. ومعنى الآية: له جل شأنه، وتعالت حكمته الإحاطة بجميع الأشياء: صغيرها، وكبيرها. قيل: إن هذه الكلمة آخر كلمة قالها لقمان لابنه، فانشقت مرارة ابنه من هيبتها، وعظمتها فمات. والله أعلم. هذا؛ وإن الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّها إِنْ تَكُ..﴾. إلخ يعود إلى غير مذكور، وهو مفهوم يدل عليه المقام، والحال المشاهدة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ أي بلغت الروح التراقي، وأيضا قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: بلغت الروح الحلقوم، ومثل هذه الآيات قول بشار بن برد: [الطويل] إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة... ذرا منبر صلّى علينا وسلّما إذا ما غضبنا غضبة مضريّة... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما والبيتان هما الشاهد رقم [١٩٠] من كتابنا فتح رب البرية. أما ﴿تَكُ،﴾ فأصله: تكون، فلما دخل الجازم صار: إن تكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز

стр. 4728

وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، وأن لا يتصل به ضمير، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط، إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر: [الطويل] إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم وقول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم هذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في سورة (البينة): (لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب...) إلخ، ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-؛ لجريانه على القاعدة: [الطويل] دع الخمر تشربها الغواة فإنّني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها فإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها الإعراب: ﴿يا بُنَيَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٣]. ﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه محذوف، كما رأيت في الشرح. ﴿مِثْقالَ:﴾ خبر: ﴿تَكُ،﴾ وعلى قراءته بالرفع فهو فاعل، والفعل ﴿تَكُ﴾ تام، اكتفى به، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و ﴿مِثْقالَ:﴾ مضاف، و ﴿حَبَّةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿فَتَكُنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تكن): فعل مضارع ناقص معطوف على (تك) مجزوم مثله، واسمه، أو فاعله مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿فِي صَخْرَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (تكن) على تمامه، وبمحذوف خبره على نقصانه، وما بعدهما معطوفان عليهما ب: ﴿أَوْ﴾ العاطفة. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعل ﴿يَأْتِ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿إِنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّها..﴾. إلخ مع الجملة الندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول؛ لأنهما من مقول لقمان لابنه. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا، وهي معترضة؛ إن كانت من قول الله تعالى.

стр. 4729

﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ الشرح: ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ:﴾ تكميلا لنفسك؛ أي: إذا قمت بها على الوجه الأكمل من المحافظة على طهارتها وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على إتمام شروطها، وأركانها، وآدابها؛ فإنها تكون سببا لتأديبك، وتهذيبك، وقربك من ربك. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ وهو ما استحسنه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على حسنه. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ وهو ما استقبحه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على قبحه، وكذلك الفطرة السليمة تنفر منه، وتأباه. ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ:﴾ يجوز أن يكون عاما في كل ما يصيبه من المحن، والمتاعب في نفسه، وولده وماله، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما يأمر به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أذى من يدعوهم إلى الخير، وينهاهم عن الشر. ﴿إِنَّ ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى: إقام الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على أنواع البلاء. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: مما عزمه الله، وأمر به. وقطعه قطع إيجاب وإلزام. ومنه قول الرسول ﷺ : «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل». أي: لم يقطعه ويجزم به بالنية، ومنه قول الرسول ﷺ : «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه». وقولهم: عزمة من عزمات ربنا. ومنه: عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لمن تحت يده: عزمت عليك إلا فعلت كذا؛ إذا قال ذلك؛ لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة في تركه. وحقيقته: أنه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها، ومفروضاتها. ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من: عازمات الأمور، من قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ كقولك: جد الأمر، وصدق القتال. وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في الأديان كلها. انتهى. كشاف بتصرف. هذا؛ والفعل الثلاثي المبدوء بالهمزة: «أخذ، وأمر، وأكل» تحذف منه في الأمر الهمزة الأصلية، وهي همزة قطع، وهمزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، فتقول: خذ، ومر، وكل، وإنما تحذف الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وقد قالوا: اؤمر، وأؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه: «اؤمر» في هذه الآية، وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٤٤] من سورة (الأعراف). الإعراب: ﴿يا بُنَيَّ:﴾ انظر الآية رقم [١٣]. ﴿أَقِمِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَأْمُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اؤمر): فعل أمر، وفاعله

стр. 4730

تقديره: «أنت». ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَانْهَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنه): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (اصبر): فعل أمر، وفاعله: (أنت). ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَصابَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مِنْ عَزْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿عَزْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْأُمُورِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ والآية كلها من مقول لقمان لابنه، أي: فهي في محل نصب مقول القول. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أي: لا تمله عنهم، ولا تولهم صفحة وجهك، كما يفعله المتكبرون، من: الصعر، وهو داء يعتري البعير، فيلوي منه عنقه. وقرئ: «(ولا تصاعر)» (ولا تصعر)، والمعنى: واحد، ومنه قول عمرو بن حنيّ التغلبي: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه... أقمنا له من ميله فتقوّما ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ: ﴿مَرَحاً﴾ بفتح الراء وكسرها، والأول أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي: يفخر على الناس، ويعدد عليهم مناقبه تطاولا، وتكبرا، ومعنى عدم محبة الله للمتكبر: سخطه وغضبه عليه، وإبعاده من رحمته، وعفوه، ورضوانه. ولا تنس: أن هذا يشمل الذكر، والأنثى، وإن كان المخاطب به الذكر وحده. تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون البتة، وهي ما إذا وقعت «كلّ» في حيز النفي كان النفي موجها إلى الشّمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: «ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ» وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت، أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟! «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول، قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ﴾
следующие страницы →